العدد الثامن ------------------- مايس 2004    

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

مسخ أنيل راو

 
 

 

قصة الكاتب الهندي

 فيلاس سارانك

ترجمة

 سهيل نجم

 

استيقظت في صباح ما من أحلام غريبة فوجدت نفسي قد تحولت في فراشي إلى عضو ذكري منتصب. كان رأسي مدوراً وناعماً، ولدي شق صغير في القمة. أملس تماماً ومستريح على المخدة، بينما امتدت البقية من جسدي المدور المستقيم على الفراش تحت الأغطية. حين أحرك رأسي إلى هنا أو هناك كان جسدي بأكمله يتحرك معه. وأدركت أنني، ما دمت بلا رقبة، فلن أستطيع تحريك رأسي وحده. لقد فقدت كذلك الأذنين والعينين والأنف، وعلى الرغم من ذلك، ولم أكن أعلم كيف كان يحدث ذلك، فقد كنت أرى. صحيح أن رؤيتي كانت تعتريها بعض الغشاوة، مثل صورة مشوشة، لكنني كنت أرى رغم ذاك. هل يمكنني السمع؟ أصغيت للأصوات. بلا، يمكنني أن أسمع جاري رامبهاو يتغرغر بالماء بصوت عال وهو في شقته، وأسمع كذلك مذياعاً يدوي في الشقة التي في الأسفل. ماذا عن الروائح؟ في حدود مخدتي أشم دم البعوض الذي قتلته. أدرت رأسي-و، بالطبع، بقية جسدي- وحاولت أن أرى إن كنت أستطيع شم ما تبقى من البعوض. فلم أفلح، وهذا ما قد يشير إلى أنني قد فقدت هذه الميزة. غير أنني لم أكن آسفاً على ذلك تحديداً. فلم أكن مهتماً كثيراً بالروائح الطيبة منها والكريهة. لا فائدة من الروائح ألبته. ثم تساءلت فيما إذا كنت لا أزال أستطيع الكلام. كان ذلك أمراً مهماً. فلتذهب الروائح إلى الجحيم، الكلام كان ضرورياً. حاولت أن أتكلم، بيد أنني أيقنت في الحال أن جهودي لم تكن مرتبة تماما. فشفتاي لم تكونا في مكانهما المعتاد. إنهما موضوعتان الآن على قمة رأسي، ومن خلال تلك الفتحة كان علي أن أحاول نطق الكلمات. وبصعوبة بالغة حركت تينك الشفتين، محاولاً أن أقول "أرنب راما أرنب كريشنا". ولكن الأصوات التي خرجت بالفعل كانت غير دقيقة تماما، بل كانت شيء مثل "أررر ….كرررر". شفتاي الجديدتان كانتا بحاجة إلى تدريب في تلفظ الكلمات. ولم يكن ذلك يفاجئني، مادام واجبهما كان حتى ذلك الحين هو تفريغ السوائل. رغم ذاك، كان ثمة ما يشجع على أنهما قد يقلدا الأصوات، وكنت واثقاً من أنني خلال الوقت سأكون قادراً على تدريبهما على التكلم.

ولكن ماذا عن جسدي المستقيم المدور، الذي لم تعد له الآن لا أذرع ولا أرجل؟ هل يمكنني أن أنهض وأتحرك حولي، أم علي أن أكون مقيداً في الفراش إلى الأبد؟ وصعقني الاحتمال الأخير، فجمعت قوتي كلها ورميت بنفسي خارج السرير. انزاحت الأغطية واصطدمت قاعدتي بالأرض. ترنحت مختل التوازن لبضع لحظات، ثم حافظت على توازني وبقيت منتصباً على الأرض. وقفت هناك لبعض الوقت، أنظر إلى غرفتي. شعرت بالارتياح وفرحت حين رأيت أنني رغم ما حصل لي من تحول غريب، فإن الأشياء التي في غرفتي بقيت على حالها كما كانت. ثم ، استعدت قوتي وقفزت. وبقفزتين وصلت إلى باب شقتي. وقفت هناك لبضع ثوان؛ ثم عدت قافزاً إلى جانب السرير. إذن، يمكنني التحرك. كنت قد سعدت بذلك ولهذا رحت أقفز في الغرفة مثل كرة مطاطية في رسوم والت ديزني المتحركة.

قفزت عالياً إلى مستوى النافذة وألقيت نظرة إلى الخارج. كان ضجيج الصباح قد بدأ في الشارع. راقبت ذلك، على الرغم من أنني لم أكن أرى جيدا. منذ الآن سيتحتم علي رؤية العالم من نافذتي لا غير وربما ستكون هي كل ما يربطني به. إذ، بهذا التجسيد، كيف سأجرؤ على الظهور؟ لسوف يضحك الناس عليّ، ولسوف يتتبعني الأطفال ويسخرون مني، ولسوف تنبح الكلاب عليّ. من هنا، سيتحتم علي أن أقضي حياتي خلف الأبواب المغلقة.  وعموماً لماذا يكون من اللازم علي أن أخرج؟ لم أعد محتاجاً إلى الأكل أو الشراب أو التفريغ، ولم أعد محتاجاً إلى أن أكسب عيشي. فأنا الآن قد تحررت من هذه العوائق الدنيوية، ويمكنني أن أعيش سعيداً في عزلة شقتي. أما بخصوص وظيفتي، فلا أحتاج إليها أيضا. وعلى أية حال قد مللت منها. منذ الآن لا يتوجب علي أن أنهض باكراً، وأستحم ، وأتناول فطوري على عجل، وأركب قطار الضواحي كي أصل إلى مكتبي في الوقت المناسب. يمكنني الآن أن أعيش حياة كسل، حر من أي ارتباطات بالعالم الخارجي. وأعجبتني الفكرة. وبينما كنت أتسلى بمثل تلك الأفكار وأنا أقف عند النافذة، انتبهت إلى بعض الناس الذين تجمعوا في الشارع وهم ينظرون إليّ بفضول. فقفزت مسرعاً وابتعدت عن النافذة.       

أمضيت ذلك النهار أجلس هنا وهناك في شقتي: وفي الحقيقة فإن عبارة "أجلس" ليست هي الكلمة الصحيحة، مادمت لا أستطيع إلا الوقوف أو الانبطاح. على الرغم من أنني منقطع عن العالم الخارجي، قررت أن لابد لي من أن أتعلم الكلام جيداً. لقد كان ذلك شيئاَ ضرورياً، فحتى لو أنني لم أفتح الباب ، علي أن أجيب أي شخص يأتي إلى شقتي. ومن المحتمل أن يطرق الجيران الباب في أية لحظة حين يرون أن الباب مغلق لوقت طويل. ويتحتم علي أن أجيبهم دون أن أفتح الباب وأحاول إبعادهم. وإلا فإن الشك قد يدفعهم لاستدعاء الشرطة أو رجال الإطفاء. فضلاً عن ذلك فأنا أعد الكلام ذاته شيء موروث في غاية الأهمية، فهو ميزة مهمة للوجود الإنساني. لابد لي أن أكون قادراً على الكلام، ونطق الكلمات، إن كنت حقاً من البشر. لذلك وقفت في تلك الليلة في وسط الغرفة، وركزت بعمق ورحت أردد أبياتاً من "باغفاد جيتا". لم أستطع في البداية أن أتفوه بكلمات مفهومة، بل رحت أصدر بعض الأصوات الغامضة فحسب. ولكن بعد ساعة من الجهد والتصميم، اكتشفت أنني أحرزت بعض التقدم، وظهرت بعض الكلمات، رغم أنها كانت غير واضحة. أستغرق ذلك مني طوال النهار حتى أحسست بالتعب. كنت واثقاً أنني بعد بضعة أيام من التدريب، سأكون قادراً على النطق بكفاءة أفضل. فقفزت إلى فراشي، وتلفعت بالأغطية وبعد أن تلوت صلواتي رحت أغط بالنوم.

قضيت أغلب اليوم التالي أتدرب على الكلام، وحققت تقدماً ملحوظاً في لفظ الكلمات. وبين الحين والآخر، ما إن أكون متعباً، أذهب إلى النافذة وأحدق من هناك. كنت قد أبقيت الستائر الخفيفة ولم أزحها عن النافذة، كي أبقى متخفياً عن أنظار الناس في الشارع. وبين الحين والآخر كنت أتجول في شقتي بلا هدف.

في صباح اليوم الثالث أو الرابع سمعت طرقاً على الباب. ناداني جاري رامبهاو بوروهيت "سيد راو، سيد راو". خطوت نحو الباب الأمامية ووقفت أمامها صامتاً. ثم كلمته وأنا أحاول أن أنطق بأقصى ما يمكنني من وضوح "من؟" فقال، "هذا أنا-رامبهاو. لم ألاحظك هنا أو هناك منذ أربعة أو خمسة أيام. كما أن بابك مغلق أيضاً. ولم تذكر أنك ذاهب في رحلة. لذلك رأيت أن ألقي نظرة". فقلت له، "لقد أصبت بالبرد في الأيام الأخيرة". فسألني رامبهاو، "هل أنت بخير الآن؟" "آه، بلا أنا بخير تماما الآن". فعاد رامبهاو ليتساءل، "لماذا يبدو صوتك غريباً هكذا؟" قلت له، "أعاني من سعال شديد"، ثم أضفت على عجل، "إسمع يا رامبهاو، سأذهب غداً في مهمة للشركة. وسأكون بعيداً لمدة شهر. أرجو أن تحرس شقتي". "حسناً." قال رامبهاو ذلك وابتعد.

في اليوم الذي تبع هذه المحادثة مع رامبهاو، دفع ساعي البريد رسالة عبر شق الباب. لقد كانت من الشركة التي أعمل فيها. ورغم أنني لم أستطع قراءتها بوضوح، فقد أطلت النظر فيها كلمة بعد كلمة. كانت الشركة تريد أن تعرف لماذا لم آت إلى العمل منذ ثلاثة أيام، ويطلبون مني العودة إلى العمل حالاً.

لكنني لم أعبأ بالعمل. غير أن فكرة أخرى أمست تزعجني-هي رؤية صديقتي لاتيكا. صرت أتوق لرؤيتها. فحتى قبل تحولي، لم يحدث لي أن قابلتها لمدة أسبوعين. حدث بيننا نوع من الخصام. لاتيكا متغطرسة بطبيعتها، وكنت أعلم أنها لن تكون الأولى في المصالحة فتأتي إلي. ومن ناحية أخرى، إن لم أذهب لرؤيتها في أسرع وقت فقد تشعر أنني قد أُهنت فعلاً، وهذا ما يعقد علاقتنا أكثر فأكثر. ليس ثمة أي احتمال على أن علاقتنا ستستمر وأنا في هذه الحال من المسخ. فهل ستتقبل تجسدي الجديد؟ يقولون أن الحب الحقيقي يصنع المعجزات، وأنا أعرف أن لاتيكا تحبني حقاً، ورغم ذاك، رغم ذاك، من الصعب أن أصدق أن تتقبلني كما أنا الآن. إمتلأت بالحزن، وكنت أتهيأ لتوديع لاتيكا، وأن أدفن حبنا في قلبي إلى الأبد. بيد أنني أتشوق لرؤيتها ولو لمرة واحدة، مرة واحدة وحسب، وللمرة الأخيرة. ولكن كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ لاتيكا تدرس في كلية التجارة، وتعيش في قسم داخلي للبنات. والقسم الداخلي ليس بعيداً عن سكني. ولكن كيف يمكنني أن أقطع هذه المسافة دون أن يراني أحد؟ وحتى لو وصلت إلى القسم، فهل سيسمح لي الحارس بالدخول؟ بدت لي رؤية لاتيكا ضرباً من المستحيل.

فكرت بالأمر ملياً لمدة أربعة أيام أو أكثر، ثم قررت فجأة –سأذهب. سأذهب لرؤية لاتيكا. بقيت مستيقظاً طوال الليل، وحين تأكد لي أن الشارع كان هادئاً وخالياً، تحركت نحو باب شقتي، وانحنيت نحو المزلاج ودفعته لينفتح الباب، وقمت بقفزة لأكون بعدها في الرواق. كانت البناية ساكنة، وكل الأبواب مغلقة. وثبت على السلالم ووصلت البوابة. وقفت هناك لبضع لحظات، ورحت أنظر يميناً ويسارا. بعد ذلك خطوت في الشارع، وتوجهت نحو قسم لاتيكا بقفزات سريعة. كان هواء الليل باردا.

اختبأت بعيداً حين رأيت رجلين يتجهان نحوي وهما يثرثران. فاستترت سريعاً في الزقاق ومكثت في الظلام جنب الحائط. واستأنفت رحلتي حين مرا. بعد دقائق ظهر رجل على حين غرة من الزقاق الجانبي، وصار أمامي مباشرة. لم أشعر بالرعب، بل مشيت برشاقة. ورأيت الرجل يتلفت حول نفسه، ويبدو أنه كان ثملا.فحدق نحوي مختل التوازن، وهو يفرك عينيه. لا أشك أبداً أنه ظل يحدق بي وعينيه على وسعهما حتى بعد أن مضيت بعيداً عنه. وفكرت أنه قد يخبر رفاقه عن هذا المشهد الخيالي- ولن يصدقه أحد منهم.  

       إزداد فرحي وقلقي حين رأيت القسم الداخلي الذي تسكن فيه لاتيكا. رحت أتباطأ بالمشي واقتربت لأقف أمام البوابة الحديدية ذات القضبان، التي كانت مغلقة. نظرت من بين القضبان ورأيت الحارس نائماً على سرير قرب باب الرواق الضيق. تراجعت بضع خطوات، وبانطلاقة رائعة قفزت من فوق البوابة. وبعدها صرت في الداخل، مررت بحذر من جانب الحارس. كانت أبواب الغرف على جهتي الرواق مغلقة. رقم غرفة لاتيكا 37 في الطابق الأول. فتسلقت السلالم حتى وصلت إلى غرفتها. وقفت ساكنا للحظات أمام الباب، ثم طرقتها برأسي برفق ، إنتظرت لبضع لحظات، ثم طرقت الباب ثانية بقوة أشد. فسمعت بعض الضوضاء في الداخل، ثم سطع الضوء. وسمعت صوت لاتيكا الناعس يقول:"من؟" وكررت بصوت أعلى:"من؟" فقلت: "هذا أنا، فافتحي لي الباب."

فتح الباب جزئياً، ونظرت إلي لاتيكا بعيون يغالبها النعاس. وحين أدركت أنها توشك أن تطلق صرخة قلت لها على عجل "لا تصرخي يا لاتيكا. هذا أنا- أنيل! دعيني أدخل أولاً وسأوضح لك كل شيء. تراجعت لاتيكا إلى الوراء ببطء بينما كان ظاهر كفها على فمها. دخلت إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفي. وقلت لها أناشدها من كل قلبي "لاتيكا، لاتيكا!" تعثرت لاتيكا بسريرها وهي تتراجع، ثم جلست على حافته. كانت عيونها قد امتلأت بالدموع بينما كانت يدها ترتعش وهي تضعها على فمها. قلت لها :"استمعي إلي يا لاتيكا." ورويت لها حكايتي. كانت تصغي إليً والدموع تجري على خديها. وحين أنهيت حكايتي، لم تستطع إلا أن تتفوه ب"أنيل، أنيل!"

وبعد ذلك قلت لها، "أعلم أنني يتوجب علي أن أودعك إلى الأبد الآن. لا بديل عن ذلك. وسوف أذهب، ولن أزعجك أبداً بعد الآن. لا أريد منك سوى أن تتزوجي فتى طيباً وتكونين سعيدة." سكت ثم استأنفت قائلاً "قبل أن أبتعد يا لاتيكا، أكون ممتناً لو حققت لي طلباً واحداً. هلا منحتني قبلة واحدة أخيرة_أرجوك؟" وقمت بقفزة صغيرة إلى الأمام. "أنيل!" قالت لاتيكا بصوت مختنق وابتعدت عن السرير. كان تقبيلها سيثير لي مشكلة إلى حد ما. إذ لم تكن لي أية أذرع لمعانقتها. إضافة إلى أن مادامت شفتاي هما في قمة رأسي، يتحتم علي أن أنحني إلى الأمام بحذر كي يتم الاتصال، وهذا ما كان يستدعي منها أن تسندني بيديها. وإلا كنت سأسقط إلى الأرض. قلت لها ثانية وانحنيت قليلاً إلى الأمام، "أرجوك لاتيكا." فقالت لاتيكا ثانية بصوت مقهور وهي تتراجع مسرعة، "أنيل!" ورميت نفسي نحوها متوقعاً أنها ستمسك بي. ولكنني فقدت توازني، وسقطت على الأرض. كانت لاتيكا قد التجأت إلى الطرف الآخر من الغرفة واستندت إلى الجدار، وجسدها يرتعش بأكمله. ودون أن أحاول النهوض تدحرجت على الأرض نحوها، لكنني علقت بين السرير وطاولة الكتابة، وبقيت في ذلك المكان الكماشة، ولم أستطع حتى القيام. والتمست بصوت مذعن، "لاتيكا! لاتيكا، ساعديني كي أنهض أرجوك!" لكن لاتيكا بقيت دون حراك وهي تنظر نحوي تعلو وجهها تعابير غير واضحة. ثم تقدمت ببطء، إنحنت ورفعتني، كي أستطيع الوقوف. كم كانت لمساتها ناعمة وممتعة! كان ذلك الإحساس قد اشبع رغبتي، حتى حين لاحظت أنها قد أسرعت وسحبت يديها لتجعلهما خلفها. على أية حال، لن أكون تعساً جداً إن لم أنل منها قبلة. قلت، "حسن، لاتيكا، سأذهب الآن. إلى الوداع إلى الأبد يا حبيبتي." وبقيت لبضع دقائق أراقب وجهها؛ لو كانت لي ذراعان، لكنت قد مسحت تلك الدموع برفق. فتحت لاتيكا الباب مرتعشة اليد، وبقفزتين صرت خارج غرفتها.

"يا إلهي!" كان ثمة صرخات أنثوية صاخبة، فنظرت حولي مندهشاً ومذعورا. كنت محاطاً بشلة من الفتيات. وأدركت بسرعة، أنهن بعد أن سمعن أصواتاً في غرفة لاتيكا قد خمن أن ثمة شيء ما يجري هناك، وتجمعن عند الباب ليسترقن السمع.

"يا إلهي، أي منخس هذا!"، "أي رجل ضخم!"، "أين وجدت مثل هذا الرجل الضخم يا لاتيكا؟!" وسط ردود الفعل هذه قامت إحدى الفتيات ولمستني بيديها. وحين قررت أنني لابد أن أكسر هذا الطوق سريعاً، إندفعت قافزاً بقوة إلى الأمام. وتزاحمن الفتيات في طريقي. لكنني بقفزة هائلة كسرت الطوق، واتجهت نحو السلالم. البعض من الفتيات صرخن وهن يطاردنني، "أنتظر، انتظر!" غير أنني كنت قد هبطت السلالم مسرعاً، واستمريت لأقطع الرواق. كانت الضوضاء قد أيقظت مشرفة القسم الداخلي، وهي قادمة أسفل الرواق باتجاهي. نظرت إلي نظرة واحدة وأنا أقفز، ثم صرخت، وسقطت مغشياً عليها. ذلك ما أيقظ الحارس النائم في نهاية الرواق. كنت قربه قبل أن ينهض، فوصلت إلى البوابة وقفزت إلى الشارع. واستمريت مسرعاً أسفل الشارع باتجاه منزلي. وصلت إلى البناية التي أسكن فيها دون حوادث أخرى، فصعدت السلم، ثم دخلت الباب الذي مازال مفتوحاً كما تركته، فأغلقته خلفي.

بعد هذه المقابلة مع لاتيكا، قضيت أربعة أو خمسة أيام في فراشي مكتئب المزاج. كان ثمة رسالة أو رسالتين أخريين من الشركة لم أهتم حتى في قراءتهما. بعد بضعة أيام طفقت أتحرك حولي في الشقة، لكنني أقضي أغلب الوقت واقفاً لساعات عند النافذة، أنظر إلى الخارج شارد لذهن. أشياء كثيرة تمر في ذهني. تأملت حياتي ومستقبلي. لقد خضعت لتحول؛ إلا يغير هذا أيضاً مستقبلي وقدري؟ أيقنت أن ثمة شيئاً مختلفاً قد كتب لي. ومن واجبي أن أنفذ هذا المصير. لم أعد الإنسان العادي الذي يدعى أنيل راو. علي أن أسقط جلد ذلك الوجود، لقد حصلت الآن على وجود أصفى وأنقى. لم يعد مصيري أن أعيش مقلداً لأنيل راو، وأعيش حياة ذلك المخلوق الرعديد الذي يخاف الذي يخشى ضوء النهار. لابد لي أن أخطو خارج غرفي الموصدة، علي أن أخلف أنيل راو ورائي.

بهذه القناعة، غادرت شقتي مرة أخرى في ليلة متأخرة، ولا نية عندي للعودة. ورحت اقفز إلى الأمام على عجل، متتبعاً الطريق المؤدي إلى خارج المدينة. لم تكن لدي أية فكرة أين سأذهب، غير أنني كنت متيقناً أنني إن لم أجد قدري فلسوف يجدني.

وصلت إلى ضواحي المدينة. لم تكن ثمة أضواء في الشارع، ولا يزال الظلام دامسا. اكتشفت أن الهواء البارد الليلي منعشا. كانت ثمة حقول تمتد في الأرض الخالية على جانبي الطريق. كانت تمر بين الحين والآخر شاحنة أو سيارة، فاختبئ في جانب الطريق حتى تختفي. تركت الطريق بعد قليل وتتبعت ممراً يقودني إلى الريف. وكنت قد سرت مسافة غير قليلة حتى تراءت لي أشباح الأكواخ عن بعد. كان من الواضح أن ذلك الممر يقود إلى قرية ولست ناوياً على أن أصل إلى واحدة من تلك القرى. لذلك تركت الممر وانسللت إلى الحقول المفتوحة بعيداً عن القرية. لمحت تلاً صغيراً إلى يميني، فاستمريت في ذلك الاتجاه. بعد بضع دقائق وصلت إلى التل. كان مكاناً قاحلاً ومنعزلا. كنت متعباً، والفجر أوشك أو يكاد. خلف التل كانت السماء قد اكتسبت احمراراً شاحبا.

بزغت الشمس. تجولت على التل الذي كان يكسوه عشب أصفر متيبس وقليل من الشجيرات القميئة وعدد كبير من الصخور. بينما امتد حولي سهل مغطى بالعشب المتيبس ذاته، مع شجيرات متناثرة وصخور وقليل من الأشجار الطويلة. كنت واقفاً تحت واحدة من تلك الأشجار. أعجبني المكان. كان فيه جو قديم وبدائي حتى أنني شعرت أنه قريب إلى تحولي الجديد. فلم تعد تلائمني التراكيب الإسمنتية. وإن يكن ثمة أي بناء حولي هنا، أفضل أن يكون من الحجر، وقد بني على الطراز القديم.

وبينما كنت أتسلى بتلك الأفكار، إنتبهت إلى أحد القرويين وهو متجه نحوي. إقترب أكثر، ولم أتحرك أنا. لم يرني أو يلاحظني إلا بعد أن كاد يصطدم بي. فتراجع مندهشاً وهرع يركض باتجاه القرية. وبعد مضي وقت قليل رأيت حشداً صغيراً من القرويين جاءوا مسرعين. جاءوا مهرولين والتفوا حولي. نظر كل واحد منهم إلى الآخر. وسمعتهم يقولون، "ممثل الإله شيفا(المدمر)…ممثل الإله شيفا". وفهمت من كلامهم أنهم موقنون أنهم قد وجدوا الذي خلق ذاته، وأنهم يزمعون أن يحملونني ويضعونني في مكان ملائم في القرية. البعض من القرويين ذهبوا إلى القرية، وعادوا يحملون أشياء مختلفة. ثم ركعوا جميعاً حولي وراحوا يصلون لي ويقدمون لي الزهور والعطايا. جلب البعض منهم آلات موسيقية. ثم رفعني اثنان منهما في الهواء، وراحوا يرددون عالياً "فليعش الإله شيفا"، وبدأوا يعودون إلى القرية، وهم يدقون الطبول والمزامير.

جلبوني إلى منصة حجرية كبيرة عند حافة القرية، بدت كأنها بقايا معبد تهدم أو دمر. تجمع خلق كثير حول المنصة الحجرية، وخرجت القرية بأكملها لمشاهدتي. كان الأطفال والنساء يهللون فرحين، ويقومون بعلامات الصلاة بين الحين والآخر. الرجلان اللذان حملاني-أحدهما يبدو أنه كبير القرية- كانا يتناقشان بشيء مع آخرين من كبار القرية. كان البعض يلمسني كأنه كان يريد أن يعرف المادة التي كنت مصنوعاً منها. وفهمت من كلامهم أنهم في حيرة من أمرهم في أنني لم أكن أبد مصنوعاً من الحجر، لا بل أبدو دافئاً ولي ملمس الجلد الحي. أصغيت لكلامهم لبعض الوقت، ثم، وبصوت صارخ، قلت لهم: "أصغوا إلي يا شعبي!"

إنصعق الحشد وهم يرونني أتكلم مثل البشر. فقلت لهم ثانية:"أصغوا إلي يا شعبي!، قبل سنين طويلة مضت، ظهر الآلهة الكبار الثلاثة، براهما وفيشنو وشيفا، من الماء الذي يغمر الأرض. إنحنى براهما وفيشنو أمام الرب شيفا وقالا، "أيها الرب، أنت الكلي القدرة، والأعظم بيننا. نتوسل إليك أن تخلق العالم حسبما ترغب." فقال الرب شيفا "سأفعل، وغطس نفسه بالماء كي يتأمل في الأمر. وبقي غاطساً آلاف السنين. خلال ذلك الوقت كان الإلهان براهما وفيشنو يتناقشان عما سيفعلانه. ثم قال الإله فيشنو إلى الإله براهما، "إلهي وسيدي، لماذا لا تخلق العالم أنت بنفسك؟ فأنت لديك القدرة." ولذلك خلق الرب براهما العالم متحركاً وجامدا. وبعد حين ظهر الرب شيفا من المياه مستعداً كي يخلق العالم. ولكنه وجد أن العالم قد خلقه براهما قبله. فلم يحب ما خلقه براهما. كان مشمئزاً من رؤية كل تلك الحيوانات والطيور ذات القدرات العقلية الضئيلة. وحتى أسمى ما خلقه براهما الذي من المفترض به أن يكون تاجاً للمخلوقات: وهو "الإنسان"، فقد كان مبتلى بالقلق والخوف والفوضى، وكان يعيش حياة وضيعة وله ألف نقطة ضعف. فقال الإله شيفا وقد تملكه الغضب، "أي نوع من العالم قد خلقه هذا البراهما! كنت قد خلقت إنساناً أفضل من هذا ألف مرة، إنساناً كاملاً، خالياً من القلق والخوف والفوضى ومن كل ضعف. ما كنت أنوي أن أعمله ببطء بعد أن أفكر ملياً بكل شيء، أنجزه هذا البراهما بعجالة كبيرة، ودونما أية كفاءة. لم أعد مهتماً الآن في أن أعيد خلق العالم. بل على العكس، سأحرق وأدمر هذا المخلوق الضعيف الذي من الدرجة الثانية." وبهذه الكلمات دفع الإله شيفا ناراً هائلة من فمه. عند ذاك رجاه الإله براهما أن لا يحرق هذا العالم المتحرك والساكن. قال له الإله براهما، "لسوف نعبد صورتك المقدسة-اللنكام-إلى الأبد". فرد عليه الإله شيفا بضحكة مريرة، "حسن، لن أحرق مخلوقك. أما بالنسبة للنكام الذي يعود إلي، كان قد مضى ليخلق إنساناً كاملاً على الأرض. ولكن لا فائدة من ذلك الآن." بهذه الكلمات كسر الإله شيفا اللنكام الذي يعود إليه على سطح الأرض. "أيها الشعب، ها هو "اللنكام" المقدس الذي خلقه الإله شيفا بنفسه ترونه أمامكم."

حين أنهيت كلامي، لم أسمع أية نأمة لصوت أو حركة فيما حولي لعدة دقائق. ثم انبثقت صرخة من كل الأفواه: "المجد للإله شيفا! المجد للإله شيفا!" وتقدم الكثير من الناس ليسجدوا أمامي. وجاء رجال ونساء، شباب وشيوخ، ليعبدونني طوال النهار. وأصبح هذا تقليداً منذ ذلك اليوم. وبعد أن انتشرت الأخبار، حضر أناس آخرون من قرى بعيدة. ثم قرر كبير القرية أن يبني معبداً حولي. وجاء عمال لنحت الصخور. وخلال بضعة أيام علا حولي معبد حجري له قبة.

وحضرت امرأة تدعى راكماباي لعبادتي بإيمان متحمس. كان زوجها قد مات قبل الأوان وليس لها من معيل. وها هي الآن قد تركت منزلها وراحت تقضي معظم أوقات النهار في خدمتي، ولا تذهب إلى بيتها إلا عند الليل. كانت تشرف على النذور. الكثير ممن يدفعون النذور يسألونني أسئلة تخص حياتهم ومستقبلهم ومشاكلهم. وكنت أجيبهم حينما أرغب في ذلك. وكان الذين يتلقون إجابة مني يذهبون فرحين. وحقيقة أنني كنت أجيب على تلك الأسئلة قد زادت من شهرتي. كنت أقف طوال النهار على قاعدة في المعبد ذي القبة لخدمة الزوار. في بعض الأحيان وفي آخر الليل، بعد أن تذهب راكماباي إلى بيتها، كنت أقفز خارج المعبد وأتجول في الريف المكسو بالصخور. في تلك الساعة الهادئة من الليل، وتحت الأضواء الرقيقة للقمر والنجوم، كنت أشعر بالسعادة الغامرة بينما تغلف عقلي طمأنينة بالغة العمق. بعد أن تجولت حتى انشرح قلبي، عدت إلى المعبد. كنت في بعض الأحيان أرى رؤى ليلية. وفي إحدى الليالي تراءى لي كيف ظهرت على الأرض. رأيت كيف أن الإله شيفا يخرجني من جسده ويرميني على الأرض. أنا-لنكام شيفا- اخترقت الكون بأكمله وانطلقت في الفضاء. وتجسد براهما في هيئة إوزة وراح يبحث عني حتى نهاية الكون، بينما تجسد فيشنو في هيئة خنزير وراح يبحث عني في النهاية الأخرى في رحم الأرض. لكنهما لم يعثرا على أي طرف مني لأنني أصبحت شاسعاً جدا. حتى سمع الإلهان صوتاً من السماء: "لو عُبد لنكام الرب ذو الشعر المضفور، فلسوف تتحقق كل الرغبات التي يتمناها القلب." وحين سمع براهما وفيشنو وكل الآخرين ذلك راحوا يعبدونني.

لقد عثرت على مصيري. صرت الآن أعرف موقعي المثالي في نظام الكون. أنا، لنكام شيفا، كنت الصورة للماضي والحاضر والمستقبل. كنت محور عجلة الزمن. ولكن رغم ذلك كنت أشعر بحزن شديد. فلست بالشيء الصالح حتى يرمي الرب شيفا من أجلي اللنكام التابع إليه. مما لا شك فيه أن الفوضى التي تسم الحياة على الأرض الآن كانت نتيجة للفعل الغضب للإله شيفا. لو أنني استطعت أن أعيد التوحد مع إلهي، فلسوف يعم الحب والسلام على الأرض. فمتى سيكون ذلك؟ متى ألتحق بإلهي؟

استمرت راكماباي تخدمني بإخلاص. ولم تعد تذهب إلى بيتها حتى في الليل، بل تنام في المعبد. كانت مخلصة لي تماماً، وأنا أكن لها كل الحب. وفي ساعة متأخرة من إحدى الليالي، بعد أن ذهب الجميع، طلبت منها أن تقوم بتدليكي. فصبت علي زيت جوز الهند وراحت تمسحني بكلتي يديها، من القمة إلى القاعدة. كانت يدها تتحرك علي أسرع فأسرع، وبانفعال متزايد. حتى انفعلت في عملها ولم تلاحظ أن ثوبها قد تبلل فيما بين ساقيها. أنا أيضاً ازدادت استثارتي، حتى تملكتني رغبة عارمة لأقذف قذيفة نارية من المني تنطلق من فمي. لكنني كنت أعرف أن ذلك غير ممكن. فكل الذي ظهر من فمي مجرد كلمات، كلمات، كلمات. فغمرني عندها اليأس والحزن. قلت لنفسي، "يكفي هذا العمل المجدب العقيم." كذلك راكماباي أضحت متعبة، واضطجعت على الأرض الحجرية وهي تحضنني بيديها.

كانت في بعض الأحيان ترجوني، "إلهي، هلا باركتني بقطرة واحدة من بذورك؟ سيكون لي حينذاك ولداً ممجدا، يحكم العالم. لسوف يؤسس مملكة السلام والحب على الأرض." فقلت لها حينذاك، "أنت تعرفين يا راكماباي أن ذلك غير ممكن في الوقت الحاضر. عندما أتحد ثانية مع الرب شيفا سيكون ذلك ممكنا." فسألتني راكماباي بقلق، "وهل ستعدني أنك لن تنساني حين تعود للالتحاق به؟" فأكدت لها، "لن أنساك أبدا يا راكماباي." عندها عانقتني بحنان أشد. وهكذا هي تجارب اليأس والندم، والمجد النير، ذاك الذي يدبر الحياة على الأرض وهو الذي أخضع له كأي شخص آخر، كما تشهد بذلك الصخور والنجوم.

وازداد الندم في عقلي مع مرور الزمن. لم أعد منشغلاً بالشهرة بين الرجال؛ فهي لا تمنحني الأمان الداخلي الذي أتوق إليه. أنا الآن نادراً ما أجيب على الأسئلة التي يطرحها علي مريديي. عقلي مسكون بسؤال واحد: متى ألتحق بإلهي؟ أنا على الأرض لكنني لست من الأرض؛ أنا صورة القوة الإلهية، لكنني لا أملك القوة. هذه التناقضات في كينونتي أضحت تثير غيظي. بعد ذلك، وفي أحد الأيام خضعت لتحول آخر؛ لقد فقدت حالة الانتصاب، وتداعيت إلى الأرض رخوا. أنا الذي كان طولي أكثر من خمسة أقدام، عاد طولي ليصبح قدمين. راكماباي التي كانت نائمة في زاوية المعبد، استيقظت وهرعت نحوي صارخة، "ما هذا يا إلهي، يا إلهي؟" وحين لم تلق جواباً جثمت إلى جانبي واحتضنتني برقة، وبين حين وآخر تمسح دموعها بطارف الساري. وبعد قليل رحت أتكلم. ولأن صوتي أمسى الآن واهناً، تحتم على راكماباي أن تنحني كي تستطيع سماعي. قلت لها، "راكماباي، لا أريد أن أبقى على هذه الحال هنا، احمليني إلى مكان منعزل قبل طلوع النهار. وأخبري الناس في الصباح أنني عدت إلى السماء في الليل." لم ترغب راكماباي أن تفعل ذلك أول الأمر، لكنها وافقت في الأخير. رفعتني بين ذراعيها كالطفل، وخرجت من المعبد. وبعد أن سارت مسافة طويلة في الظلام، وضعتني على صخرة كبيرة في مكان منعزل. اقتطعت قطعة كبيرة من نهاية الساري ولفتني به كي تحميني من النمل والغربان وباقي المخلوقات البرية.

وها أنا الآن على هذا السهل، بعيداً عن القرية والمدينة وكل ما يسكنه البشر. ولكن ما يشعرني بالغم ليس سقوطي الشخصي، بل هي الدلالة الكبرى لما حدث. لقد حطم الإله شيفا في الأول اللنكام ورمى به بعيدا؛ وها هو الآن أيضاً يسلب منه القوة. هل هذا يعني أن إلهي قد فقد كل أمل له في العالم؟ ما الذي سيحصل الآن للأرض ولعالم البشر؟هل تناهبت الفوضى والاضطرابات هذا العالم من قبل، حتى يغرق أكثر فأكثر إلى هذه الحالة المزرية؟ هذا ما يكدرني الآن. رحت أمط بجسمي على الصخرة وأنا في حالتي التي لا علاج لها في هذا المكان القاحل، وأصلي باستمرار للإله شيفا كي يتلطف برحمته على عالم البشر وينعم عليهم بقوته المتجددة.  

 

تخطيط للفنان كمال خريش

هولندا

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )