|
حميد العقابي
hamid@iraqiwriter.com
خلال العام المنصرم وبعد التغيير الذي حدث في العراق ، كثر
الحديث عما سمي ( أدب الداخل / أدب الخارج ) فنشرت صحف كثيرة
مقالات ومداخلات ولقاءات مع أدباء عراقيين تتناول هذا
الموضوع،لكنّ ما يلفت النظر هو أن أغلب هذه السجالات تتسم
بالتشنج وإطلاق الأحكام السريعة، والسبب في رأيي يعود إلى أن
أغلب المشاركين في هذه السجالات لا يتناولون هذه الظاهرة بشكل
موضوعي مستقل فتراهم إما يكيلون تهمة للآخر أو يحاولون دفع
تهمة عن أنفسهم أمام الآخر، وهذا ما يجعل السجال يأخذ طابع (
الاتجاه المعاكس ) ليس غايته الوصول إلى نقطة معينة يخرج بعدها
المتساجلون بفكرة أو نتيجة ، خاصة إذا اعترفنا بأننا كعراقيين
( وبفعل عوامل كثيرة ) لا ندخل ( حلبة ) نقاش إلا وقد وضعنا
أمامنا مسبقاً شعارَ ( عنز ولو طار ) والآثم فينا تأخذه العزّة
بإثمه وقاموس حياتنا خالٍ من مفردات الاعتذار ( أليس من الغريب
بعد مرور عام على نهاية نظام المقابر الجماعية لم يتجرأ أحد
على تقديم اعتذار أو نقد ذاتي بل إني لاحظت بعض الأدباء لا
يزال يدرج مؤلفاته المخزية ضمن قائمة إصداراته، على الأقل أنها
هابطة فنية وكل أديب يلغي بل يخجل من بعض مؤلفاته التي أصدرها
في بداية حياته ).
لا أريد هنا أن انحاز إلى رأي أو أن أخوض في هذا الموضوع ولكني
أريد أن أوضح نقطة تغيب أو تُغيّب عن ذهن الكثيرين.
حتى عام 1991 لم يكن لمصطلح ( أدب الداخل / الخارج ) من وجود
والذي أطلقه أول مرة أدباء خرجوا إلى المنفى بعد حرب الخليج
الثانية ( لأسباب كثيرة ) وأكثروا من تكراره لإبعاد شبهة كانوا
يظنون أن هناك من سيلومهم على مساهماتهم ضمن المؤسسة الإعلامية
للنظام فدفاعاً عن أنفسهم انضووا تحت سقيفة أدب الداخل غير
الرسمي حتى بعد مرور عقد على إقامتهم في المنفى، ولا أستبعد
وقوف أدباء السلطة آنذاك وراء تكريس مصطلح ( أدب الخارج )
ليمحوا اسم ( المنفى ) الذي كان يستفزهم ويذكّرهم بوجود العدد
الكبير من الأدباء الذين شردهم النظام الذي كانوا يحاولون
تلميع صورته، وبهذا يتحول أدب المنفى إلى أدب مهجر محايد. وقد
بدأ هذا المصطلح يأخذ شرعيته ( الشكلية ) بوجود عدد غير قليل
من أدباء النظام الذين خرجوا للعمل في البلدان العربية وكانوا
يعودون إلى العراق متى ما يشاءون وقد كتب بعض منهم في صحف
المعارضة أو الصحف العربية التي كانت تعارض النظام السابق،
وساهم أدباء آخرون بإفراغ المنفى من مضمونه الأخلاقي ( حضر أحد
الأدباء العراقيين مهرجان المربد وحينما عاد إلى منفاه كتب
انطباعاته عن المهرجان ونشرها بصفاقة لا تليق بمثله في مجلة
معارضة ) حتى حسب البعض أن كلمة (نفي) مرادف لكلمة ( سياحة )
كما كتب أكثر من كاتب، أو لا تعني شيئاً، فها هو كاظم الساهر
يغني بحرقةٍ " نفيتُ واستوطنَ الأغرابُ في بلدي / ودمروا كل
أشياء حبيباتِ " ثم يعود إلى بلدهِ ليتغنى بمجد قائده وكأن (
النفي والتدمير ) حصلا في بلده الواقع في المريخ.
الآن والعراق في مرحلته الجديدة ماذا سنفعل بهذه الأطنان من
الورق التي كتبتْ ؟.
أعتقد أن بإمكاننا أن نجعل من هذه ( الضارة ) نافعة لو كل منا
تحمل مسؤوليته أمام الأجيال القادمة، ولو وضعنا قدسية الحقيقة
نصب أعيننا. لذا فأنا أطالب كل أديب عراقي أن يسجل شهادته دون
تزييف.
|