|
حميد العقابي
أكاد
أجزم بأن عشرات المخطوطات الإبداعية لكتاب
عراقيين يقيمون في المنفى منذ ربع قرن لم
يستطع كتابها نشرها على الرغم من أن بينها
أعمالاً إبداعية ذات شأن بسبب جهل وترفع
السادة أصحاب دور النشر أو بسبب تفضيل دور
النشر العربية للإبداع القطري ، ولا يستطيع
الكاتب العراقي في كل مرة اغتصاب حقوق
أطفاله وعائلته كي يدفع آلاف الدولارات
لطبع مجموعة شعرية أو رواية لا يحصد من ورائها
غير الإهمال نفسه الذي لاقاه من قبل دور
النشر فالصحف العربية هي الأخرى محكومة
بنزوات المشرفين على صفحاتها الثقافية
والشللية وفي أحسن الأحوال يجد خبراً
مقتضباً عن كتابه أو التفاتة من صديق بعرض
عابر للكتاب في صحيفة منسية فتبقى نسخ
الكتاب مكدسة عند الكاتب يقرضها النسيان
حيث أن الكاتب في أحسن الأحوال لا يستطيع
توزيع أكثر من خمسين نسخة على أصدقائه
بواسطة البريد .
قبل
سنة كانت هذه الشكوى تبدو بطراً فالغبن
الذي يلحق بالكاتب الشاب هو جزء من الغبن
الذي يعم على الجميع فعدم نشر رواية أو
مجموعة شعرية لا يعني شيئاً أمام الموت أو
الحصار الذي يعاني منه شعب بأكمله ، وربما
عرضها الآن سابق لأوانه للأسباب نفسها ،
ولكن هذا لا يعني ليس من حقنا أن نسبق
الأمور ونطرح هذا الموضوع لأنه مرتبط بجملة
من الأمور قد تكون هواجسنا تعطيه أبعاداً
لم تظهر الآن جلية .
أول
هذه الهواجس هو انتفاء الثقة بين المثقف
والسياسي ، السياسي الذي يضع الهم الثقافي (
إن وضعه ) آخر بندٍ في أجندته وإن ادعى عكس
ذلك فلغاية في نفسه . السياسي عندنا يقف على
النقيض تماماً من المثقف ولأكن صريحاً أكثر فأقول إن السياسي عندنا يشعر بعقدة
نقص في تعامله مع المثقف لذلك تجده في أغلب
الأحيان يظهر تعاليه ليشبع نزوة في داخله ،
وتتفاقم المشكلة حينما نجد أن للسياسي ( ومن
خلال تجربتنا العراقية على الأقل ) شهوة
التسلط والتملك ( بل الإذلال ) وللمثقف رغبة
العزلة .
ما
دفعني إلى هذا القول خبر نشرته صحيفة (
بغداد ) الصادرة في الأول من هذا الشهر
وأعترف هنا أنه استفزني كثيراً وأثار
هواجسي . يقول الخبر :
[
أسرنا الروائي أحمد خلف بخبر يفيد بأنه
اتفق مع دار المدى التي يديرها الأستاذ
فخري كريم على طبع مخطوطته الروائية ( حامل
الهوى ) . يذكر أن الروائي أحمد خلف كان أصدر
قبل انهيار النظام روايته الأخيرة ( موت
الأب ) عن دار الشؤون الثقافية ] .
لابد
للقارئ أن يكتشف هنا بسهولة أنه ليس أنا
وحدي الذي استفزني الخبر بل حتى كاتب الخبر
صاغه بشكل يوحي بلا شك بأنه مُستَفز ويظهر
ذلك في قوله ( أسرنا ) أي أن في الأمر سراً
وكذلك بتأكيده على أن الروائي ( كان أصدر
قبل انهيار النظام روايته الأخيرة عن دار
الشؤون الثقافية ببغداد ) .
قد
يتصور البعض أن سبب استفزازي هو أن دار
المدى ( التي يملكها رجل شيوعي أقام مجده
على عذابات شبان ومن بينهم كتاب وشعراء
نثروا أجمل سنوات عمرهم فلم يحصدوا سوى
التعذيب والغرغرينا والاختناق بالغازات ـ
الكاتب سلام إبراهيم فقد 60% من فاعلية رئتيه
بسبب القصف الكيمياوي في كردستان وها هو
يقضي نصف أيامه نزيل المستشفيات
الدنماركية ـ ) تنشر رواية لكاتب كان حتى
اللحظات الأخيرة ضمن المؤسسة الثقافية
للنظام الساقط وكان الأولى بها أن تنشر
لكتاب لا تزال آثار سياط ( الخراب الجميل )
على ظهورهم ، أقول للقارئ الكريم ليس هذا هو
سبب غضبي الآن ( الأمر يستحق الغضب ولكني
سأتركه إلى مناسبة أخرى وبإمكان القارئ أن
يراجع كتاب ـ ثقافة العنف ـ للكاتب العراقي
المقيم في السويد سلام عبود ليعرف الكثير
عن أحمد خلف ) ولكن ما استفزني في الأمر هو
تعامل السياسي مع الشأن الثقافي بمفهوم سياسي محض ، فمن
الواضح أن وراء تجاهل الناشر لأدب المنفى
الغني مع أول تغيير للمرحلة هدفاً سياسياً
نفعياً لا علاقة له بالثقافة والإبداع .
في
عام 1998 قدمتُ مخطوطة كتابي ( أصغي إلى رمادي
) إلى دار المدى ، وعرضت قبولي بدفع مبلغ ألف
دولار لطباعتها ، مرت سنة ولم يكلف أحد نفسه
مرة أن يقلبها ولو من باب الفضول بعدها سحبت
المخطوطة وفي العين قذى ، وخلال هذه السنة
وحدها صدر أكثر من كتاب لكل من الشاعر
العماني سيف
الرحبي والشاعر
البحريني قاسم حداد والكويتية عالية شعيب
والكويتية ليلى العثمان والكويتية فوزية
الشويش ولم يصدر للأدباء العراقيين سوى
مجموعة شعرية واحدة بعد أن تأخرت أكثر من
سنة حتى استلام المبلغ
كاملاً وبقي الكتاب مكدساً في المخزن
ولم يوزع على المكتبات . قد يحسب البعض أن
المسألة تتعلق بعملية تجارية لتسويق
الكتاب في السوق الخليجية ، ولكن الحقيقة
غير ذلك فالتفكير السياسي يقف وراء هذا
الاختيار وفي كلا الحالين يبقى العامل
الإبداعي بعيداً عن تفكير الناشر . وفي عام
2001 كنتُ بدمشق وكان يقام في تلك الفترة
أسبوع ثقافي لدار المدى ، كان أغلب
المدعوين من بلدان الخليج ولم يدعَ سوى
شاعر عراقي واحد ، مما دفع بأحد الشعراء
العراقيين المقيمين بدمشق أن يكتب مقالة
حول هذه الظاهرة وقد دار الشاعر بمقالته
على أغلب الصحف العراقية والسورية فرُفِض
نشرها .
أما عن استبعاد
الإبداع العراقي فأنا أتساءل هنا ألا يشبه
هذا الأسلوب في التعامل مع الأديب العراقي
أسلوب النظام الساقط في تعامله ليس مع
المثقف العراقي فحسب بل مع الشعب العراقي
كله ؟
حدثني
شاعر كبير ( رحمه الله ) وأيده الكثيرون بأن
وفود الشعراء العرب التي كانت تأتي
للاشتراك في مهرجان المربد ، كانت تخرج
وجيوبها مليئة بالدولارات أما الشاعر
العراقي المدعو للاشتراك في المهرجان كان
عليه أن يدفع ثمن كأس الشاي التي يشربها ،
وقبل قليل قرأت في جريدة ( الشرق الأوسط )
مقابلة مع سميرة الشاهبندر ( زوجة الرئيس
العراقي الساقط ) تقول إن زوجها كان يردد
دائماً عبارة ( لا تعطِ العراقي تفاحةً حتى
لا يطمع بالسلّة ) .
وأخيراً
أقول :
لا يستطيع الكاتب
العراقي بعد الآن ( ولا ينبغي له ) أن يدفع
أكثر مما دفعه من كرامته وهو يقف متسولاً
على باب دار نشر ، وأرجو من القارئ أن لا
يفهم من كلامي بأني أعترض على نشر أعمال
الكاتب أحمد خلف أو غيره من الأدباء
العراقيين ولكن ما أدعو إليه هو تحرير
الثقافة من سطوة السياسي .
حميد العقابي
|