|
الكاتب الدنماركي هانس
كريستيان أندرسُن
ترجمة (عن الدنماركية ) : حميد
العقابي
على الطريق الريفي المار
بالغابة يقع بيتُ مزارعٍ وحيدٌ ، نوافذهُ
مشرعة للشمس الساطعة فتبدو الحياة في
داخله أكثر بهجة . ذات ضحى وضِعَ في الحقل
وتحت عريشة أشجار الليمون تابوتٌ مفتوح
بانتظار الدفن ، ولكن لا أحد هناك يبدو
عليه الحزن . كان الكفن يغطي وجه الميت
وتحت رأسه وضعَ كتابٌ كبير وسميك ،
صفحاته مغبرة الألوان وما بين كل ورقتين
تُركتْ زهرةٌ ذابلة . زهور الكتاب
مـخـتـلـفة الألوان وقد جُمعتْ من أماكن
مختلفة . كان الميت قد أوصى أن يدفنَ
الكتاب معه فكل زهرة كانت تعني فصلاً من
فـصول حياته .
" مَـنْ هو
الميت ؟ " سألنا ، وكان الجواب :
" الطالب الذي جاء ذات
يوم من مدينة أبساله"
" لقد كان مهذباً ويجيد
لغات كثيرة ، كان يجيد الغناء ويكتب
الشعر "
قال رجلٌ ، ثم أضاف :
" لكنّ أمراً قد طرأ
فتخلى عن أفكاره منطوياً على نفسه
معتكفاً هنا في هذا الحقل ، ولأنه كان
ميسور الحال فقد كانت تكاليف معيشته
مدفوعةَ الثمن . مذ كان طفلاً وحينما كانت
تراوده تلك الأفكار السوداء ، يهربُ
راكضاً نحو الغابة مثل غزال مطارد ،
وحينما كنا نعيده إلى البيت كان يبقى
جالساً على الأعشاب طوال اليوم يتصفح هذا
الكتاب باستغراق وصمت ، وفي أحيان كثيرة
كانت الدموع تـنـهـمـر على خديهِ . اللهُ
وحدهُ يعلم ماذا كان يدور في ذهنه ، ولقد
أوصى أن يوضع الكتاب معه في التابوت ، وها
هو يتوسد الآن الكتاب وسـيـدفـنـان معاً
بجلالٍ وسكينة ."
أرسلت الشمسُ شعاعاً أضاء وجه
الميت ودارت سنونوة تحت العريشة طائفةً
حول رأس الرجل المسجى في التابوت .
ما أغربَ الحياةَ ــ كلنا
يعرف ذلك ــ حينما ننفض الغبار عن رسائل
الصبا ونقرأ صفحات حياتنا بكل ما انطوت
عليه من أحزان وآمال . كم من الأحياء
الذين عاشوا في زمانٍ كزماننا ونحسبهم
الآن أمواتاً ، وكم تغافلنا عنهم وحسبنا
أننا نقيم معهم ، نقاسمهم الأحزان
والأفراح .
ثمة في الكتاب ورقة بلوط جافة
تذكرنا بصديقٍ ، زميل دراسةٍ ، رفيق عمرٍ
أهديت إليه كعربون مودةٍ وصداقة ، يا ترى
أين يقيم الآن هذا الصديق ؟ ، الورقة
حُفظت والصداقة تلاشت . وتلك نبتةٌ غريبة
ــ ربما غرست قي بيوت اصطناعية ــ من الذي
جاء بها إلى بحر الشمال ؟ كأن رائحتها
لاتزال تضوع من هذه الورقة ، هل أهدتها
إليه أميرةٌ أو آنسةٌ نبيلة ؟ ، وهذه
الزهرة المائية ربما قطفها هو نفسه
وسقاها بدموعه المالحة ، وبماذا توحي هذه
الزهرة البرية ؟ وأية فكرة كانت تشغله
حينما امتدت يده لقطفها ؟ ولمنْ احتفظ
بها ؟ وهذه الليلكة ؟ وهذه ؟ وهذه ؟ ...
كانت عريشة الليمون تُدلقُ
أريج زهورها على جثمان الميت ، ومرةً
أخرى طافت السنونوة حول رأسه .
والآن جاء الرجال ، كان أحدهم
يحمل مطرقة صغيرة وفي يده حفنة مسامير .
ثم أطبقَ غطاءُ التابوت على الميت الذي
توسد رأسهُ الكتابَ الأخرس .
حُـفـظَ ، نـُسـيَ .......
|