العدد السادس ------------------- اذار 2004  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

      الـكـتــابُ الأخـرس

 

 

الكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسُن

ترجمة (عن الدنماركية ) : حميد العقابي

 

 

 

على الطريق الريفي المار بالغابة يقع بيتُ مزارعٍ وحيدٌ ، نوافذهُ مشرعة للشمس الساطعة فتبدو الحياة في داخله أكثر بهجة . ذات ضحى وضِعَ في الحقل وتحت عريشة أشجار الليمون  تابوتٌ مفتوح بانتظار الدفن ، ولكن لا أحد هناك يبدو عليه الحزن . كان الكفن يغطي وجه الميت وتحت رأسه وضعَ كتابٌ كبير وسميك ، صفحاته مغبرة الألوان وما بين كل ورقتين تُركتْ زهرةٌ ذابلة . زهور الكتاب مـخـتـلـفة الألوان وقد جُمعتْ من أماكن مختلفة . كان الميت قد أوصى أن يدفنَ الكتاب معه فكل زهرة كانت تعني فصلاً من فـصول حياته .

" مَـنْ هو الميت ؟ " سألنا ، وكان الجواب :

" الطالب الذي جاء ذات يوم من مدينة أبساله"

" لقد كان مهذباً ويجيد لغات كثيرة ، كان يجيد الغناء ويكتب الشعر "

قال رجلٌ ، ثم أضاف :

" لكنّ أمراً قد طرأ فتخلى عن أفكاره منطوياً على نفسه معتكفاً هنا في هذا الحقل ، ولأنه كان ميسور الحال فقد كانت تكاليف معيشته مدفوعةَ الثمن . مذ كان طفلاً وحينما كانت تراوده تلك الأفكار السوداء ، يهربُ راكضاً نحو الغابة مثل غزال مطارد ، وحينما كنا نعيده إلى البيت كان يبقى جالساً على الأعشاب طوال اليوم يتصفح هذا الكتاب باستغراق وصمت ، وفي أحيان كثيرة كانت الدموع تـنـهـمـر على خديهِ . اللهُ وحدهُ يعلم ماذا كان يدور في ذهنه ، ولقد أوصى أن يوضع الكتاب معه في التابوت ، وها هو يتوسد الآن الكتاب وسـيـدفـنـان معاً بجلالٍ وسكينة ."

 

 

أرسلت الشمسُ شعاعاً أضاء وجه الميت ودارت سنونوة تحت العريشة طائفةً حول رأس الرجل المسجى في التابوت .

ما أغربَ الحياةَ ــ كلنا يعرف ذلك ــ حينما ننفض الغبار عن رسائل الصبا ونقرأ صفحات حياتنا بكل ما انطوت عليه من أحزان وآمال . كم من الأحياء الذين عاشوا في زمانٍ كزماننا ونحسبهم الآن أمواتاً ، وكم تغافلنا عنهم وحسبنا أننا نقيم معهم ، نقاسمهم الأحزان والأفراح .

ثمة في الكتاب ورقة بلوط جافة تذكرنا بصديقٍ ، زميل دراسةٍ ، رفيق عمرٍ أهديت إليه كعربون مودةٍ وصداقة ، يا ترى أين يقيم الآن هذا الصديق ؟ ، الورقة حُفظت والصداقة تلاشت . وتلك نبتةٌ غريبة ــ ربما غرست قي بيوت اصطناعية ــ من الذي جاء بها إلى بحر الشمال ؟ كأن رائحتها لاتزال تضوع من هذه الورقة ، هل أهدتها إليه أميرةٌ أو آنسةٌ نبيلة ؟ ، وهذه الزهرة المائية ربما قطفها هو نفسه وسقاها بدموعه المالحة ، وبماذا توحي هذه الزهرة البرية ؟ وأية فكرة كانت تشغله حينما امتدت يده لقطفها ؟ ولمنْ احتفظ بها ؟ وهذه الليلكة ؟ وهذه ؟ وهذه ؟ ...

كانت عريشة الليمون تُدلقُ أريج زهورها على جثمان الميت ، ومرةً أخرى طافت السنونوة حول رأسه .

والآن جاء الرجال ، كان أحدهم يحمل مطرقة صغيرة وفي يده حفنة مسامير . ثم أطبقَ غطاءُ التابوت على الميت الذي توسد رأسهُ الكتابَ الأخرس .

حُـفـظَ ، نـُسـيَ .......

 

 

 

   

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )