ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

 

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

 

 

صلاح عواد

: لماذا تموت أمي؟

 

أدرك أن السؤال ينطوي على درجة من العبث، وعلى قدر من عدم المسؤولية، وإذا شئت الدقة فهو توسل أناني ذو جذور لها علاقة بالدلال وبالحرمان. منذ وعيت لهوية المرأة التي كانت تشارك أبي السرير وعرفت فيما بعد أنها أمي، منذ تلك البدايات المبكرة للوعي لازمني إحساس غريب يشبه اليقين، بأن أمي خالدة، سنموت وهي لا تموت!. كانت توفر لنا دائما الملاذ من أية تكشيرة لأبي تنم عن الغضب، دائما هي الدفء وقتما يأتي فصل الشتاء، هي البركة، والخير الذي لا ينتهي، هي الله،حاضنة الجمال، ومصدر فيض الوجود الأبدي كما يقول المتصوفة، هي عشتار وإزيس وأثينا وأفروديت وفينوس ومريم وفاطمة، هي الأم الكبرى .

 

 

مرة ثانية أعيد السؤال،

كيف تموت أمي؟

 

ليس في الأمر مفارقة حين أطلقتني من البداية حرا، وأن تغذي فيّ البوادر الأولى للتمرد، فهل كانت تدرك صيرورة الموت ؟ وهل كانت تجد فيّ استمرارا للحياة ..؟   أكيد أنها ملكت ينبوعا خاصا للحكمة، وهي ترى الحياة مثل نهر هيراقليطس الذي لا يمكن النزول فيه مرة ثانية .. مرة قالت لي "إن ماركس وسارتر قد خربا حياتك !" . قد تكون على حق، وربما أدركت بحسها الفطري أن الفلسفة قد تجنبت سؤال الموت، وأن الفلسفة أرادت الانتصار على الموت من خلال تمجيد الحياة، ورسم صورة مثالية لها. ألم يعلمنا سارتر بتأثير من هايدجر  أن نقبل الموت كتجلي من تجليات الوجود .

 

 

عندما قرأت سبينوزا شعرت بالانتصار، لأن أمي لا تعرفه، كتبت لها "أنك مثل إله سبينوزا ومثل طبيعته، أنت الخالدة، والمطلق الذي لا يقبل الحد " . ضحكت من عبثي، وتناست مزحتي الثقيلة . وأردت أن أقول لها إن سبينوزا بأدبه الجم وبحياته البسيطة،  وبموته المبكر  قادنا إلى الألفة مع الموت. وفي سنوات الحصار القاسي كنت أحدثها عن ريلكه عن ألفته القاسية مع الموت، وأقول إنه شريد مثلي يبحث عن أمه الضائعة لذا اعتنت فيه الأميرات والكونتيسات، وترد علي مازحة " انتهى عصر الأميرات" .

 

هل كانت أمي تعرف عصر الأميرات ..؟

لا أدري .

ما أعرف، أنها أميرة صغيرة، عشقها أبي عندما كان يعمل في شركة النفط العراقية بمدينة كركوك، وربما عشقته لأنها وجدت فيه صورة أمير متهتك يعشق الغناء والعتابة . وربما غامرت، أو على الأقل هذا ما شعرت فيه، عندما اكتشفت أن أبي لم يوقف تهتكه، ولم يكف عن مغامراته مثل عمر بن أبي ربيعة . حاولت أن أقول لها إن الشعر يتهتك، يريد اقتحام الموت، ويسعى إلى أنسنة الموت، لكنها أدركت كما أدركت شراسة أبي .

 

كيف تموت أمي ..؟

 

حدثتها قبل أن أذهب إلى لشبونة، كان صوتها صافيا، وضحكت معها، وقالت لي أحبك، متجنبة شطحاتي عندما قلت لها " كلما تصيبني مصيبة أدعو اسمك، وأقوم باسمك وأتوكل باسمك وأنت كل الوجود بالنسبة لي " .

 

 

لماذا تموت أمي. ؟

 

كان أبي يكره الموت، ويبغض الخمر، ويعشق النساء، فتجاهلت أمي الخمر التي لا تعرفها، واتخذت من المرأة موقف الحياد تعاطفا معها .ربما بالغت بالتسامح، وربما تعلمت من عائلتها التي تشبعت بتراث الصوفية، من تراث الطريقة النقشبندية المنحدرة من أدبيات محي الدين بن عربي

 وفي أول مرة احتسيت الخمر، حمتني من غضب أبي، وأدركت بحس الأم، وربما كانت مدفوعة بنزعة التسامح، حين قررت أن تنتظرني في أول ليلة أعود فيها متأخرا إلى البيت .. كنت ثملا من ربع قنينة من العرق، وجدتها تنتظرني وهي حاملة بصلة مقشرة كبيرة وألقمتها في فمي لتزيل رائحة العرق، وكان أبي ينتظرني بقلق.. وحين جلست معه شم رائحة البصل من فمي وقبلني لكي أنام ! .. كم مرة وددت أن تضع في فمي رأس البصل قبل أن أقابل مسؤولا، أو وزير خارجية في نيويورك بعدما احتسي بضعة كؤوس من الويسكي العذب . أقول لها هذا فتضحك من عبثي مرددة، وكأنها الشيخ معروف الكرخي " يسعدك الله في الآخرة كما أسعدك في الدنيا " .

 

وفي مرة أخرى لم تسامحني بغية تأديبي، لم تحتمل وهي تراني ثملا في عزّ الظهيرة، فأدبتني وعلمتني أن لا أشرب أثناء النهار أبدا . وكأنها أدركت أن البشر يخططون لموتهم ولمستقبلهم أثناء النهار وليس أثناء الليل، لذا لم تغفر لي الثمالة في النهار.  بعدما صحوت، وبعد تعذيبها، قلت لها إني التقيت بقديس جاء بقنينة ويسكي، ثم اخترنا موقعا عند ضفة نهر دجلة، وقدم لي ذلك القديس الذي يشبه المسيح قنينة ويسكي، وأخذنا نشربه مخلوطا بماء النهر، وهكذا سكرت .. وجئت إلى البيت ثملا لا استطيع حمل نفسي وبقيت أتقيأ إلى ما شاء الله حتى قادتني إلى السرير، ثم نمت .. وعلمت في اليوم الثاني أن القديس قد اختفى،  وربما قد مات ولم أجد له أثرا له أبدا .. رغم ذلك بقيت أمي على صرامتها ولم تقتنع بالمسيح أو الولي الذي قادني إلى الموت !

 

 

مرة أخرى لماذا تموت أمي..؟

 

إنه سؤال يلح علي، ويدفعني إلي متاهات بعيدة، ربما إلى أسئلة الفلسفة  الأولى، إلى جذور فلاسفة الطبيعة الذين سبقوا سقراط، الذين علمنا نيتشه تبجيلهم، نكاية بسلطة العقل، بسلطة الرجل وبسلطة الأب. ألم ينتصر نيتشه لباخوس وللطقوس الأورفية، التي كانت تشارك فيها الأمهات والنساء باحتفالات العربدة والجنون لتأكيد الخصوبة. مثل طقوس بعث تموز وأوزريس وأدونيس. هي أمي التي مارست كل طقوس الخصوبة هي من أنجبت كل الذكور وكل الإناث. هل حقا انسلخت أمي من ضلع آدم ؟ أم من ضلع أبي ؟.

 

 

لماذا تموت أمي ؟

 

هل حقا أمي من جنس الشيطان؟ وهل هي حقا ناقصة عقل ودين؟.. فالسؤال أي عقل وأي دين؟ مسكينة أمي لم تختر لا العقل ولا الدين، رغم أن العقل لم يفارقها أبدا، وكثيرا ما كانت تسخر من أصحاب الدين، وأي دين؟ هكذا كانت تسأل. خصص النبي محمد بتأثير من أم سلمى زوجته الثانية بعد خديجة آيات تساوي بين المؤمنين والمؤمنات، ورغم ذلك لم تقنع تلك الآيات أم المؤمنين عائشة، هي من اتهمت هوى الله مصاحبا لهوى النبي عندما يأتي الأمر مع النساء .. هكذا كانت أمي تنظر إلى أبي الذي اتخذ من التصوف حجة لخيانتها، باسم التوحيد، وباسم وحدة الكون والوجود !.

 

 

هل من الضرورة أن تموت أمي ؟

 

إنه سؤال شقي، لا يبحث عن معنى، بل يسعى إلى استبطان حقيقة أمي، أو حقيقة أمهات جيلنا، وحقيقة الجيل الذي سبقنا. إنها ( أمي ) من حرصت على توليد الحياة، ولم تحرص أبدا على توليد معنى ولذة الحياة . أذكر عندما أخبرتها عن زيارتي الأولى للقاهرة، شعرت بانفراج شفتيها وببسمتها،وأنا أتحدث إليها عبر الهاتف لتقول لي " إن مصر أم الدنيا كم تمنيت أن أكون فيها " . أدركت حينها قسوة حياتها، وكم كانت تريد أن تعيش الحياة التي مثلتها الأفلام والمسلسلات المصرية . وتذكرت أيضا المرات العديدة التي حرضتها فيها للتمرد على أبي، لكنها بخجلها الميتافيزيقي، الذي لا تدرك سرّه، ترد علي، وهي محمرة الخدين مثل صبية في عمر المراهقة " عيب يا ابني " .

 

لا يبدو الأمر غريبا، حين تستسلم إلى الصمت، وأنا أحدثها عن باريس، ومدريد، ونيويورك، ولندن، وأحيانا تتكرم علي بجملة بسيطة فيها كل الحنان لتقول " أريد الخير لك " . وذات مرة أدهشتني حين حاولت أن أغريها بالمجيء إلى نيويورك قائلة " هل علي أن أرتدي بنطلون الجينز " . قلت لها مازحا لماذا " بنطلون الجينز ؟ " . فردت علي " الجميع يرتدي الجينز في الأفلام الأميركية " . أعترف أنها أدهشتني بمقاومتها المذهلة لليانكي الأميركي. ولم تقتنع عندما قلت لها مازحا وجادا " يمكن أن تلبسي ما تشائين حتى إذا شئت أن تكوني عارية !". وهل يكون الأمر مصادفة، أن تنسحب قوات اليانكي الأميركي المقاتلة في الوقت الذي تموت فيه أمي !

 

أريد أن أجعل من أمي وطنا، هي من عاشت سنوات الحرب والحصار والاحتلال، هي من عاشت غياب أبناءها، هي من شاهدت ذل البطاقة التموينية، هي من تاجر باسمها الجميع، هي من أراد الكرامة لنفسها وللجميع . فهل أبكيك أم تبكيني؟

 

 

لماذا تموت أمي ..؟

 

أعرف أن الوصول إلى قمّة الجبل أمر شاق،

فكيف الوصول إلى حقيقة الحياة ؟ .

لم أعد أتذكر من قال "إن المرأة هي الطبيعة، وإن الرجل من انقطع عنها لذا يسعى إلى السيطرة عليها، هو من شنّ الحروب ومن فرض الحصار، ومن خلق من الفن أيقونة، هو المشغول بانتصاب قضيبه في كل مراحل حياته" . هل حقا الحب رغبة جنسية مؤجلة كما قال فرويد؟ .

أنتظر الإجابة منك يا أمي يا خالقة الحياة .

 

 

 لماذا تموت أمي ؟

 

كم تمنيت أن أكون معك، قرب سريرك، كي أقول: " أحبك " يا صانعة الحياة، وكم وددت أن أقول "شاهدتك في كل النساء اللواتي أحببت وفي كل النساء اللواتي رغبت وفي كل النساء اللواتي حلمت ". لا أبالغ إذا قلت " أنت من شاهدتك في كل العالم الذي رسمه جغرافيو العالم القديم والحديث"  

كنت أبحث عن معنى في اسمك، أيتها الأم، يا أمم كل الوجود، ألم يكن العالم جزء صغيرا في هذا الوجود الذي حسبناه قائما بذاته وبجلاله وبذات من خلقه !. فأنت بداية البداية، وأنت بداية النهاية، وأنت من يبتسم لي حين أعبّ كأسا من أجل حياة سرمدية !

 

 

رفقا

 

أنت معي، كلما تقودني خطواتي إلى البار، وكلما يقودني لساني إلى الحكمة، وكلما يظللني وهم الصحراء. أعرف أنك أمي، أنت من شاهد خرير النهر على شفتي، ومن ضمني خوفا من موج البحر،

أنت من شاء....

أنت أمي .

 

أعرف أن الجميع يغادرون، وأنت مثل غيمة توعد بالمطر، وبالرعد، والبرق، وبما يوهمون. وكم شقيت لتكوني تاجا لمن لا تاج له. أنت من أغراني بالحياة، وأنت من زين لي حب الدنيا والبنين، ومن قادني إلى حلم أن أكون.

 

 

 

شاعر عراقي، نيويورك

salah76@msn.com

 

 


نرحب بكم في موقع الكاتب العراقي     الموقع يكفل كامل الحرية للتعبير  عن الموقف ووسائل الإبداع.. ولكن الكاتب يبقى  وحده  مسؤول عن حريتة و كتاباته