
اعتقال الطائي
itikalmaha@yahoo.co.uk
كنت أبحث بين الكتب عن مجموعة قصص قصيرة لكاتب
ربما لم يعرفه لا في حياته ولا بعد مماته إلا من
التقوا به قبل وبعد عزلته على مر السنين. سهوتُ
وظلت النافذة مفتوحة بالرغم من برودة الخريف التي
تدفع بالحشرات إلى اللوذ بدفء الخشب في انتظار
ربيع جديد، إن بقيتْ على قيد الحياة. كان الضوء
خافتاً في الحجرة فأشعلت النور وإذا بحشرة تداهم
المصباح الذي فرت منه طائرة لتندس بين تلافيف شعري
القصير.
قفزتُ كالمجنونة أنفض شعري دون جدوى حتى أدخلت
أصابعي فيه وكأنني أسرحه لأخرجها بقوة فسقطت على
الطاولة تحت أشعة ضوء المصباح، ضربتها بالكتاب
شاعرة بالانتصار وكأنني قمت بعمل جبار.انحنيت
فوقها أحدق إليها، كانت من فصيلة الفراشات.. لونها
رمادي وجناحاها مرقطان بنقاط ذهبية حتى أن الغبار
الذهبي تناثر على المنضدة التي ماتت عليها وإلى
جانبها يرتاح كتاب "الرعب والرجال" ليحيى جواد.
هززت رأسي باندهاش مبتسمة للمصادفة العجيبة.. فتحت
الكتاب فوجدت صورة التمثال عند قصة الرعب
والرجال.. تذكرت وجهه...
في السبعينيات عندما كنت أعمل نحاتةً في تلفزيون
بغداد، كان يتردد على غرفتي الصغيرة في قسم النحت
أبو فارس الذي كان يعمل في قسم النجارة، لكنه
إضافة إلى ذلك كان موهوباً وله مبادرات في النحت،
كان يشبه الممثل أنتوني كوين إلى درجة كبيرة. يجلس
قبالتي ويروي لي أشياء كثيرة عن حياته الخاصة
وحياة الآخرين من عرفهم عن قرب، كان قد تجاوز
الخمسين وقتذاك وأصيب بذبحة صدرية نجا منها، وأقسم
بعد ذلك ألا يرى وجه الصبية ذات التسعة عشر عاماً
التي أطاحت بقلبه وأنهكت جسده. وبينا هو يسترسل في
حكاياته عن النساء تذكر صديقاً له، كان هو الآخر
نجاراً ونحاتا، راوياً عنه أشياء تثير الفضول
وتدفع إلى التعرف عليه عن قرب، وعرض علي أن أرافقه
لزيارته بعد أن اتصل به ليأخذ موعدا منه.. وافقتُ،
وذهبنا في الموعد المحدد... دخلنا الدار مرتقين
السلم المؤدي إلى حجرة منعزلة في الطابق العلوي
وكان هو في انتظارنا. ارتبكتُ ولم أتذكر الآن إن
كان قد استقبلنا واقفاً أم جالساً.مد لنا يده
اليسرى بينما كانت يمناه مدلاة على جنبه.. كل ما
فقده الرجل من طاقة جسدية تكثّفتْ في عينيه
ونظراته الثاقبة، لقد أطلق لحيته التي أضافت إليه
وسامة أكثر.
في حجرته الصغيرة سرير في ركن قرب الجدار، ومائدة
صغيرة إلى جانبيها كرسيان وآخر عند النافذة
المقابلة للسرير، أما جهاز التلفاز فكان عند
الجدار المقابل للكراسي.
رجل في الخامسة والأربعين يعتكف منذ عشر سنوات في
تلك الحجرة التي كانت درجة حرارتها في قيظ تموز
موازية لحرارة الشارع. طلب لنا الشاي وبدأنا الخوض
في حديث طويل عن النحت والرسم والسينما مضيفاً
نقده على الأفلام والنقاد و و و .... مر الوقت
بسرعة لم نشعر به. ودعناه شاكرين استضافته لنا
وكانت تلك المرة الأولى التي دخلت فيها امرأة
غرفته خلال عشرة أعوام، لأني اعتقدت بأن كبرياءه
لم تسمح له بأن تراه امرأة مقعداً.
لقد أخبرني بعد ذلك أبو فارس بأنه كان مرتاحاً
جداً للقائنا فسألته إن كان بالإمكان زيارته بصحبة
أحد الأصدقاء لأنني أردت أن يتعرف عليه الكثيرون
وبذلك سنخرجه بين الحين والآخر من عزلته. حصلتُ
على رقم تلفونه أو بالأحرى تلفون بيت أخيه الذي
يسكن عندهم. وهكذا تكررت زياراتي له بين الحين
والآخر بصحبة أحد الأصدقاء. كنت أصمت لأصغي إلى
حواراته مع كل واحد منهم حسب ثقافته وانتمائه
السياسي وقلما رأيته يبتسم إلا حينما قال له
الصديق المتحمس في خضم حوار ساخن مستشهداً بكلمات
كاتب وشاعر اسباني وكما أظن لوركا قائلا: لكن
لوركا كتب لحبيبته " أردت أن أشتري لك ثوباً
حبيبتي لكن الرفاق كانوا جياعا " نظر إلي يحيى
مبتسماً ومعلقاً على كلام الشاب المتحمس : أنا لو
كنت في مكانه، لاشتريت الثوب للحبيبة.
كان يفند كلامه حينما يستشهد بهيغل الذي يتفق معه
في أشياء كثيرة. وعندما سألته عن موتسارت قال:
ـ موسيقى موتسارت رقيقة وتصلح في قبوليات النساء ـ
جلسات سمر نسائية ـ لكني أفضل هايدن بقوته وجبروت
موسيقاه.
كان يؤكد على قوة اللاوعي التي تسيطر أحياناً على
الوعي لا بل تسيّره، وكنت أتفق معه على ذلك. لقد
روى لي حكاية عن تجربة له مع اللاوعي: " ذات يوم
عدت متعبا ومهموماً لم أنم في سريري بل دخلت
السرداب ولم أتذكر بتاتا ما حصل، لكني استيقظت في
صباح اليوم التالي فوجدت أن رسومي قد غطت جدران
السرداب... لم أتذكر حتى هذه اللحظة كيف حصل ذلك
ومتى. بعدها بدأت أشعر تدريجياً بخدر في يدي حتى
انشل نصفي كما ترين".
كانت الحوارات الساخنة كجو الغرفة شديد الحرارة
يحتم علينا شرب السوائل وكان يضطرب لأن عليه أن
يذهب إلى دورة المياه فيقف بقامته الشاهقة متعكزاً
على عصاه: " معذرة... يجب أن أسحل رجلي أمامكم...
"
كنت أستغل فرصة غيابه فأنهض لأتفرج على تخطيطات
صغيرة تدلت على الجدار، وفي الزاوية المقابلة
لسريره عُلقت مرآة رُسم عليها وجه فتاة جميلة.
سألته عن التخطيطات وكيف استطاع أن يخطط باليد
اليسرى، فأخرج دفتراً ليريني أنه بعد التدريب
الطويل استطاع أن يرسم بنفس القوة، عندها رأيت
تخطيطا لوجه امرأة عرفتها على الفور.. لم أسأله بل
رفعت رأسي متسائلة بنظرة، ابتسم قائلا:
"هذي أنتِ"
"متى رسمتَها؟"
"قبل أن أراكِ شخصياً، كنت أشاهدك في التلفزيون
وأخطط."
انقطعت زياراتنا له لفترة ليست بالقصيرة، حتى
سألني أبو فارس عنه وأنه يود زيارته معي هذه
المرة. فرح بوصولنا لكني وجدته حزيناً وقلقاً وفي
تلك اللحظة شعرت بثقته بي وعمق صداقته لأنه اشتكى
من وضعه العائلي أمامي، لقد نضب صبر زوجة أخيه من
رعايتها له إضافة إلى أنه صار يستقبل الضيوف من
النساء وهي لا تطيق ذلك. لم أره غاضبا ومتذمراً
بذلك الشكل: " سأضع يوما ما حداً لحياتي وسينتهي
كل شئ".
بقينا صامتين.. حتى وصل ابن أخيه الصغير ليختبئ في
حضنه وليسأل ماذا نود أن نشرب.
مسّدت على شعره وسألته عن اسمه. نزل الطفل راكضاً.
لم أشاهد التمثال الخشبي الموضوع إلى جانب التلفاز
للوهلة الأولى. كان قد أتم نحته في فترة غيابي
وكانت مفاجأة لم أتوقعها. رحت أتحسس التمثال شاعرة
بنعومته الفائقة، ومتطلعة إلى صرامة وحدة تعبير
الوجه بالرغم من كل تلك النعومة فسألته:
" كيف استطعت نحته وصقله إلى هذه الدرجة من
النعومة بيد واحدة؟ "
أخرجَ قطعة خشب رُبط عليها من الجانبين قطعة جلد
أدخل بها يده المشلولة وبحركة تشبه حركة يد
الإنسان الآلي عندما يصفق راح يضرب شفرة النحت
التي يسيّرها بيد واحدة. حسدته على إنتاجه وصبره
وروعة أعماله فرد علي معاتبا بسؤال:
" تحسديني اعتقال على سجني وأنت حرة مثل الطير؟؟"
أحسست بشعور مزدوج بين الحياء والفخر، بالحياء
لأنني نسيت وضعه الصحي وعجزه، وبالفخر بإنسانيتي
لأنني لم أشعر بشلله وعجزه، كان هو أمامي الإنسان
الحقيقي المبدع الذي لم يطق رؤية الشارع والبشر
الذين تغيروا.
ونحن في طريقنا إلى بيوتنا هز أبو فارس رأسه
مرددا: كله بسبب النسوان.
أجل إن تلك الليلة المشؤومة التي سيطر فيها لاوعي
يحيى جواد على وعيه يوم عاد مطعونا بخنجر خيانة
حبيبته التي خلدها بحفر صورة وجهها في المرآة.
المرآة التي يرى فيها شلله بعيني حبيبته بعد خيبته
بها.
احتل وضعه حيزاً كبيراً في دائرة تفكيري، وأثناء
عملي رحت أقارن حالته مع كثير من الأفلام التي
تطرح وتعالج وتحلل ثم توعز آلام الجسد إلى تدهور
الوضع النفسي، وقصص العشق القديمة التي أدت إلى
موت الحبيب أو الحبيبة. وحكايات أمي عن الصبية
التي تحولت إلى جلد وعظم من توقها في الخفاء لمن
عشقت، وكانوا يزقونها قطرات الماء كفرخ الطير.
لقد غاب يحيى جواد عن الوعي وراح عقله الباطن يوجه
يده لتعبر عن آلامه في رسوم أودت بطاقته وشلت نصفه
دون أن تسكت قلبه ليظل سجين غرفته بعيداً عن كائن
اسمه " المرأة ".
كان لابد من إخبار صديق صحفي ليتعرف عليه ويعرفه
للآخرين من خلال منحوتاته وكتاباته خاصة وأنه كان
قد انتهى من كتابة مجموعته القصصية التي لم أعرف
عنوانها بعد آنذاك. لم يخب ظني بالصديق الذي عهدته
دوماً كريماً بمساعدته للآخرين. لقد بذل الصحفي
جهداً كبيراً كي يوصل فن يحيى جواد إلى الوسط
الثقافي ومن ثم إلى الناس. وذات يوم التقيت الصحفي
مصادفة وإذا به يفتح حقيبته ليخرج منها صورة
ويضعها في يدي قائلا:
" تفضلي سيدتي هذي صورة تمثالك!"
لم أفرح لصورة تمثالي بقدر غبطتي بخبر تصويرهم
لتماثيله وسيكون حاضراً في الوسط الفني والثقافي.
في حزيران عام 1978 نقلتُ من المؤسسة العامة
للإذاعة والتلفزيون. لقد احتاروا في البداية
باختيار مكان لي فأرسلوني إلى وزارة ربما كانت
وزارة الثقافة .... وها أنا أضحك الآن لأنني لم
أعد أتذكر بالضبط مكان الوزارة، هل هو خرف أم هكذا
يحاول الإنسان تناسي إناساً وأشياء أو حوادث لا
يريد لها أن تسكن ذاكرته فينساها أبداً... المهم
أتذكر أنني جلست في غرفة مع موظفة وكان موظفو
الوزارة يأتون الواحد بعد الآخر للتفرج علي. ذكرني
ذلك المشهد بمراسيم العرس عندنا عندما كانت العروس
في يومها السابع تجلس على كرسي وُضع على منضدة
وتغير كل ساعة ثوباً تلو الآخر وبألوان مختلفة
وتكون الدار قد اكتظت بالبشر من نساء وأطفال
للتفرج عليها. لذا تناولت جريدة وجدت فيها موضوعاً
نفسياً عن العلاقات وبالذات عن الحب وكيف تُخدع
النساء بالرجال، رفعتها لأغطي بها وجهي وأخفي
اضطرابي ولأحرمهم متعة التفرج علي. ثم عُينت في
مركز الحرف والصناعات الشعبية الذي يبعد مسافة
عشرين كيلومتراً عن مكان سكني، فكنت أشغل أول أو
آخر مقعد في الطابق العلوي للباص وأستمتع بقراءة
الكتب. وهكذا ابتعدت عن الكثيرين من المعارف
والأصدقاء ـ على قلتهم ـ وانتهت زياراتي تماماً
ليحيى جواد الذي صدرت له في العام ذاته مجموعته
القصصية " الرعب والرجال" عن دار الحرية للطباعة
وتوزيع الدار الوطنية للنشر والإعلان.
بعد أكثر من عام غادرت العراق، وعرفت أنه كان دائم
السؤال عني حتى أنه عندما عرف برحيلي قال: " حسناً
صنعت ".
في النصف الثاني من الثمانينيات اتصل بي الصديق
الصحفي ليخبرني بأن يحيى جواد قد مات وعلى حد
قوله:
"يقال انتحر".
لا أشك في انتحاره لقد حقق ما قاله ذات يوم أمامي:
"سأضع حداً لحياتي وسينتهي كل شئ ".
تذكرت مقولة فان كوخ التي كتبها قبل أن ينتحر: "
متى ينتهي هذا الشقاء؟"
لقد مات يحيى جواد والصديق الشاعر الصحفي حاملين
شقاءهما في روحيهما وتاركين لي كتبهم وصورة تمثال.
أما أنا فسأتركها لابنتي التي باغتتني بدخولها
الغرفة لتقف خلفي محملقة باندهاش بالحشرة الهامدة
على المنضدة في نور المصباح، وتقرأ عنوان الكتاب
ببطء " الرعب والرجال" . لقد انتشلتني من جو
الكتابة، لذا تركت كتابة الذاكرة وفتحت الكتاب
لأريها صورة التمثال وأقرأ مقاطع من القصة التي
تتحدث عن صراع ورعب الرجال الخمسة المقعدين الذين
تداهمهم حشرة أدغال في ردهة مستشفى:
" نبضت أعصاب ذراعي ذات صباح، ثم اختلجتْ
وتحركتْ.. خلتها في بادئ الأمر خدعة عصبية طارئة
سوف تزول بعد دقائق. أغمضت عيني، وركزت ذهني على
ذراعي ثم أصدرت أمراً:
" انفتحي .. انغلقي.. ارتفعي.. انخفضي" استجابت
أولا بتردد ووهن، ثم رضختْ وأخذتْ تتحرك حسب
الأوامر".
******
" لم تصدر عن الشيخ أو المهندس أو الجندي أية همسة
أو نأمة، كان فزعهم مضاعفاً فقد كانوا ينامون في
مواقع جعلت مربع الضوء بعيداً عن متناول
أبصارهم... كانوا يسمعون ويحدسون فقط..."
أغلقت الكتاب، ورفعت الحشرة باظفرَي رامية إياها
في الفضاء. رفعت رأسي نحو السماء مستنشقة بقوة
هواء الخريف ومتفائلة بشتاء قادم، وربما بربيع
جديد.
اعتقال الطائي
2008.11.1