فؤاد
مرزا
يوم
طارت
الأسماك

لوحة
الغلاف
للفنان محمد
فرادي
الإهداء: لك ايها
الحبيب..
مواهبك
الفذة وشخصيتك
الجميلة
جعلتني
فخوراً
بإبوتك بحق.
تعريف
فؤاد
ميرزا
mirzafouad@yahoo.com
*
قاص وفنان
تشكيلي، بكالورس
هندسة
الكترونية,
وماجستير
ادارة أعمال
من الولايات
المتحدة.
* يجيد اللغتين
الايطالية
والانكليزية
الى جانب
العربية.
* مواليد
1955 / شهد
المقاومة
الباسلة لعكد
( شارع) الكفاح
في شباط 1963
.
* من كرد
جنوب العراق(
الفيلية) وقد تعرض
هو وعائلته
للأذى من قبل
حزب البعث
الفاشي .
* ديمقراطي
لم ينتم إلى
أيّ حزب
سياسي.
* غادر العراق
1978.
* من رواد كتابة
(القصة
القصيرة جداً)
في العراق ،
في بداية
سبعينات
القرن الماضي.
* نشرأعماله
القصصية في
كثير من
المجلات
العراقية والعربية،
منها: الطليعة
الأدبية، الف
باء، الآداب، الكرمل،
الثقافة
العربية و
مشارف.......
*
مدير(جيرمن) لمؤسسة
تراي
الثقافية
المستقلة،التي
لها عدة مواقع
ألكترونية مثل
: (الكاتب
العراقي) و(الفنان
العراقي) فضلاً
عن مساهمتها
في الأنشطة
الثقافية
(العراقية)
يعيش حاليا
في الولايات
المتحدة. .
النهر
ابتسم
الشاب، ثم رفع
حفنةَ ماء إلى
فمه فابتسم النهر
له بدوره .
ارتوى هذه
المرة إلى حد الامتلاء
( يا له من ماء
نظيف ومدهش)
لقد
كان فرحاً
غامراً ذلك
الذي يلم به
وهو يتأمل
الماء
المنحسر
دائماً..
( الماء
ليس هو ذاته
ومع ذلك
فالنهر باقٍ
خالد!)
استدار
حوله، الهدوء
شامل، وكان هو
مع النهر. أحس بأن
هذا العمق
يخطفه إلى
أعمق.. حيث
الصمت رهيب
والوحشة
مفزعة..
ـ من
أنت؟
ـ أنا ما
ترى .. ماذا
يدور بخلدك؟
ـ ليس
هناك شيء
البتة.. لكنني
أخاف النمل.
ـ أي
نمل؟
ـ أسراب
كثيرة ستزحف
نحوي لتنهشني
بعد قليل.
ـ تعال
عندي.
ـ هل
ستضيفني؟
ـ إنك ستصبح
مني.
ـ إنني
أحببتك منذ
زمن.
ـ
الخلود أم
أنا؟
ـ بل
أنت.
على حين
غرة جاءت
شجيرة مقطعة
الأغصان
والجذور بشكل
يبعث على الحزن
والشفقة,
وعلقت بحجر
ـ من هي؟ سأل
الشاب.
ـ ضيف
مثلك.
ـ وهل
تستضيف أشياء
غير إنسانية
أيضاً؟
كركر
النهر هذه
المرة مرحاً،
ثم قال:
ـ عجيب..
الأنسان هو
هو.. حتى في
معرفتي!
ـ
الخلود! .. لم
أفهم شيئاً!
لم يجب
النهر وغرق
ضاحكاً بين
موجاته
الهادئة. سمع
الشاب صوت
قاطرة من بعيد
أفزعه وأعاده
إلى حواسه..
كان هو والنهر
وحيدين في تلك
الليلة
الداكنة, لكنه
امتلأ بشعور غريب
أيضاً.. لقد
أصبح صديقاً للنهر..
الأمر الذي
ملأه بالقوة
إلى حد كبير.
ضحك بنشوة.. ثم
قفز إلى الماء،
وأحس بأنه قد
ارتوى ولن
يعطش إلى الأبد.
بغداد 1975
مرجان
في
الغرفة
المجاورة. رجل
عجوز أسود،
صديق لأبي.
زارنا قبل
يومين.. دخل
الغرفة وأغلق
خلفه الباب.
تعهدت أنا
بأطعامه.. رجل
أسود غير
بشوش. يتناول
(الصينية) مني ويضعها
على الأرض. لا
يتكلم أبداً.
بل يدخن غليوناً
طويلاً من خشب
التوت. ينظر
إلى صينية
الطعام, ولا
يكف عن
التدخين. دخان
أسود له رائحة
نفاذة قوية
كرائحة
الشياط.
سألت
أبي عنه.. قال:
هذا صياد
لؤلؤ.. تعرفت
إليه في البصرة.
قال أبي: الأسود
قتل واحداً
منهم. أمي لا
تقترب من تلك
الغرفة.. وفي
السرير ليلاً..
تتخامش مع
أبي.. وتتحدث
عن الرجل
الأسود.. قال
أبي: لقد
قتلوا
امرأته.. ولقد
قتل القاتل.
أبي
كان (فيلياً)
ويعرف سبع
لغات.. وله
أصدقاء أجانب
من مختلف الأجناس,
يستوقفونه في
كل مكان. أبي كان
طيباً
ومخلصاً
لأصدقائه
القدامى.
كانت
النوافذ
مسدلة..
والغرفة التي
يجلس فيها
الرجل الأسود
هي غرفة
الضيوف. وكان الأسود
قد جلس على
البساط متكئاً
بظهره على
الأريكة
الخشبية. كان
يمد رجليه،
فأرى بياض
باطن قدميه
وباطن كفيه..
كانت له أسنان
كالعاج.. لكنه
لم يكن يبتسم
مطلقاً. رأيت
أسنانه
ومقلتيه
البيضاء مكبرة
في قدح الماء
وهو يشرب. كان
ينام في نفس
المكان الذي
يجلس فيه
واضعآ يديه
تحت رأسه، فوق
الكوفية
الحمراء
والعقال.
لم تكن
أمي تحب الرجل
الأسود، أما
أنا فأحب
الدخان الذي
يجعلني أعطس.
الرجل
الأسود.. صياد
لؤلؤ، لكنه لم
يمنحني شيئآ
طيلة مدة
بقائه في
البيت. أمضى الرجل
الأسود تسعة
أيام في
الغرفة دون أن
يخرج أو يحدّث
أحداً.. ثم
أنصرف.. ومضى
في الأزقة
وتاه في
بغداد.
في
الشورجة قبل
يومين رأيت
عجوزاً أسودَ
تفوح منه
رائحة بنّ
مُحمصّ وتبغ
أسود شائط.
راقبت غليونه
وكوفيته
الحمراء،
تجاعيد
الظلام تحت عينيه
وشقوق جبهته وخديه.
كانت بيده
دلّة وفناجين
صغيرة يطقطق
بها ويبتسم
للجميع.
أسنانه بيض
عاجية ويبتسم
حتى للمارة
الذين لا
يرغبون
بقهوته.
قلت:-
ألست مرجان؟
حدق فيّ
ملياً.. وذابت
ابتسامته
رويداً
رويداً, في
غليونه الطويل.
احترقت
وتصاعدت على
شكل دوائر
سوداء.. ثم
رأيت أسنانه
من جديد.. ابتسامة
عذبة حائرة..
وطقطق
فناجينه أمام
عينيّ قائلاً
:
- أترغب
بفنجان قهوة؟
قلت: - لا.
كان
دخان الغليون
قد جعلني أعطس
.. رفعت عينيّ
الممتلئتين بالدموع..
كان العجوز الأسود
قد اختفى..
خلفني وضاع
بين الجموع من
جديد!
بغداد 1975
شامة
خديجة
البنات
يأخذنها إلى
الغرفة
ويغلقن خلفهن
الباب؛ كل ذلك
من أجل أن
يرين شامة
خديجة. وخديجة
معروفة
بشامتها.
الصغار
والكبار
ينادونها
بخديجة أم
الشامة. وهي
بجديلتيها غير
المضفورتين
وشعرها
الأشعث تبدو
كإحدى صبيات
الغجر. وهي لم
تكن تمانع، بل
تفرح حينما
كانوا
يسألونها عن
شامتها. قالت
لي أختي: إنها
شامة بحجم حبة
الحمص فوق عانتها
مباشرة. غير
أن الذي أعرفه
أنها لم تكن
ترتدي لباساً داخلياً
من أيّ نوع!
بعبارة أخرى أنها
تملك شامة
بحجم حبة
الحمص فوق
عانتها
مباشرة. ثم
ماذا! وما كل
هذه الأهمية لشامة
خديجة؟
ولماذا تفرح
خديجة لأنها
تملك شامة بحجم
حبة الحمص ؟
والكل
يتشوقون لرؤيتها!
لم أكن أطيق
خديجة هذه.
كنت أكرهها
وأكره شامتها
حبة الحمص
تلك. أكره ابتسامتها
حينما يقدنها
إلى الغرفة
ويغلقن خلفها
الباب, يرفعن
ثوبها ويشرن بأصابعهن
ويكركرن..
إنها بحجم حبة
الحمص حقاً..
وهي هناك, فوق
عانة خديجة.
كنت
أدعوها
بخديجة ( أم
الشامة )
احتقاراً. لكن
الناس جميعاً
كانوا
يدعونها
كذلك.. لذا فهي
لم تر في نعتي
الذميم ذاك أي
احتقار. كنت أسررت
للأولاد
بأمرها
وأفشيت لهم سرها,
فشاركني الجميع
الضحك ومشاعر
المقت
والاستهجان،
لكنهم حينما
كانوا
يلمحونها تقترب
منهم أو
تتحدث إليهم.
كانوا يظهرون
احتراماً
غريباً، كما
لو كانوا
يخشونها أو
يدخرونها
لأمر ما في
نفوسهم! ولقد
صرحوا لي جميعاً,
واحداً بعد الآخر.
. الخونة.. إنهم
يودون أيضاً
رؤية شامة
خديجة والتي
هي بحجم حبة الحمص!
ولم اعد أطيق
ذلك؛ فهجرتهم
واحداً واحداً
ماذا حل برؤوس
كل أولئك
الناس؟ فحتى
الكبار أخذوا
ينادونها الآن
ويلامسون
رأسها. يمسحون
شعرها،
يعدلون
ياقتها،
وينفضون عن
طرف ثوبها
التراب، وكأنهم
يتقربون
شيئاً فشيئاً
من رفع ثوبها
والنظر إلى
شامتها! لم
أكن أفهم ما أهمية
أن يمتلك
الإنسان شامة
بحجم حبة
الحمص فوق عانته!
أقسم أن
الجميع قد
رأوا شامة
خديجة،
الصغار
والكبار،
البنات
والأولاد ماعداي.
أما هي فقد
تعودت بعد حين
على رفع ثوبها،
ولم تعد تأبه
كثيراً بهوية
المتفرج. أهو
صبي أم فتاة.
حتى لأظنها
تبدو تعيسة
إذا انشغل
الناس عنها
وعن شامتها.
فأتخيلها
واقفة أمامهم
ناظرة في
عيونهم باستعطاف:
أما يكفي الآن؟
.. ألم يحن
الوقت؟.. ألا
تريدون رؤية
شامتي؟! أنا
وحدي لم أكن
أفهم ما
الأهمية التي
يعلقها
العالم على
شامة خديجة
وكنت أحتقر
ذلك وأشمئز منه.
تزوجت
خديجة، كما
أني ( بلغت )
وأمسيت جاداً
إلى أبعد
الحدود،
مفكراً طيلة
الوقت في
الثورة
وتغيير
العالم.. لكن
خديجة كانت
هناك, وكنت
معها في خلوة!
لقد هجرت
زوجها وعادت
إلى بيت أمها
تجرجر خلفها
طفلتين. ولقد جلست
تقص على أمي
التي كانت
تخيط لها ثوباً
جديداً حكاية
عذابها في
عشها الزوجي.
ولا أعرف كيف اختفت
أمي بعد ذلك..
كنت أفكر بها:
يا لها من
امرأة في محنة
ومسكينة! كانت
حزينة بلا فرح
في عينيها ولا
ابتسامة. ومن
على الأريكة
كنت ألمح
دموعها. وهنا
خطرت لي ذكرى
شامتها
المشهورة. وبنزق
صبوي اقتربت
منها لأذكرها
بشيء بهيج
مفرح.. فسألتها
عن شامتها.
لكنها بدل أن تأخذ
ملاحظتي
هزلاً سألتني
إذا كان بودي حقآ
أن أرى
شامتها! بعد
ذلك اليوم.. عرفت
لماذا كانت
شامة خديجة والتي
هي بحجم حبة
الحمص على
عانتها
تماماً بكل
تلك الأهمية.
1990امريكا
الغيمة
ضحكت
الغيمة
الصغيرة
وقفزت بسيقانها
الدخانية فوق
اجسام غيمات
اصغر منها
فبعثرتها الى
نتف تشبه نتف
الثلج والقطن
. ضحكت الغيمة
بكل ما في
قلبها الصبوي
من فرح وقالت:
سأتحول الآن
الى راع
بمزمار
وسأسحرك
فتتحولين الى
شاة ثم معزى
بريّة.
وفعلاَ تحولت
الغيمة الى
راع بمزمار
يشدو لحناً
شجياً، وحولت
الغيمة التي
تتبعها الى شاة
ثم أيّل ثم طير.
وبنزق طفولي
لا يحركه إلا
الملل تحولت
الغيمة
الصغيرة وبلحظة
واحدة الى
عشرات
الأشكال
والأشياء: فمن
شجيرة الى رأس
شيخ جليل الى
جمل بسنامين
الى فيل
بخرطوم الى
بوق الى صبية
فيليية اسمها
نسرين.
يحدث كل
هذا على صفحة
السماء، التي
كانت ساطعة
الزرقة مشرقة
فوق نسرين التي
تعدو تلك
اللحظة عابرة
الزقاق وهي
تكركر هاربة
من علاوي الذي
كان يصغرها
بعام واحد ولم
يكن يجاريها
الفرح أو
العدو.
بغداد 1974
أزقة
الدهشة
تفحص
وجهه في
المرآة: نفس
الوجه الصغير
الطافح بالبهجة
يلوح أمامه,
وشعره المهمل منذ
البارحة،
وتلك البقع
القاتمة
السمرة لا
ينفع معها الماء،
وكم من مرة أقسم
لأمه بذلك.
قبل أن تراه
أمه غذ السير
شاعراً بالسعادة.
تمنى أن يوقف
المارة
ليثرثر معهم، يخبرهم
عن سبب
سعادته. جاءت
البارحة
جارتهم
وأهدته دمية. تمتمت:
" كم أنت فقير
ايها الولد
الصغير" .
خلل ظلام
الليل سمع صوت أمه وهي تغني
بحزن وعذوبة والنجوم
تنخرط من
اماكنها وتسقط
خلف حجاب خفي.
لم يغمض عينيه
وبقى يفكر
بكلمات
المرأة.
وفي
الصباح سأل
أمه حائراً :
هل نحن فقراء؟
قالت: نعم. قال:
من هم
الفقراء؟
قالت: كل
الناس. لم
يفهم ذلك
تماما ولكنه
شعر بفرح غامر
لامتلاكه
دمية جديدة.
بين
الحلم اليقظة
مرت سيارة
مسرعة واختفت
في المنعطف.نظر
الى دميته هذه
الدمى
الصغيرة التي
تعيش وتقضي
نحبها، تتهشم
عظامها
الصغيرة من دون
أن تتأوه.
لم يعد
سعيدا ولا
حزيناَ على
الأرض ونشج
بلا دموع.
بغداد
1974
يوم
طارت الأسماك
لم يرَ
أحد من قبل صبياً
بهذا الطول.
نحيل دقيق مثل
خيط .. وحينما يصعد
الى سطح الدار،
حيث يتجمع
الأطفال لصيد
السمك
المسحور الطائر.
كان هو أطول
منا جميعا,
ولذلك السبب
يكون أحسننا
حظاً وأكثرنا
قدرة على
الإمساك بالأسماك
الطائرة.. كان
يجلب معه شبكة
مخروطية مثبتة
على طرف قصبة
بردي طويلة..
يدور ويلف
حول نفسه عدة
دورات رافعا الشبكة
عالياً فنرى
الأسماك تسقط
في الشبكة:
الأسماك
الذهبية
والفضية،
الطويلة ذات
المناقير،
والعريضة المفلطحة
ذات الأسنان
الحادة وتلك
التي لها عيون
غاضبة. البني
والشبوط
والزوري،
كلها تسقط
أسيرة في
شبكته
الطائرة.
يتوقف لبرهة
ينفض الشبكة بحركة
متغطرسة
متعالية
فتمتلئ
سلالنا
الفارغة بالسمك
الحي الذي
يبقى يلبط
لساعات. يضع
كفيه على
خاصرتيه مقهقهاً
بصوت جهوري.
يحكى بأن
الصبي الطويل
كان مسحوراً، تمتم
ذات يوم في نهر
دجلة فجعل
الأسماك
تغادر الماء
محلقة في سماء
بغداد فوق
سطوح البيوت. .
نتذكر بأن
الصبي الطويل
تحول ذات يوم
هو نفسه الى
شيء كالدخان
وصار غيمة على
شكل سمكة.
بغداد 1974
تمر
في السماء
استيقظ على
لسعة شمس
وجلبة في
الشارع وصهيل
حصان. رفع رأسه
عن الوسادة فرأى
ثلاثة غربان
عند سور السطح
قرب تمر نخلة
البربن، تنفش
ريشها وتنظف
جلدها بمناقيرها،
تدخل رؤوسها
تحت أجنحتها
ثم تتطلع الى
أسفل حيث يقف،
تنظر له ولا
تطير. كانت الغربان
تعرف على ما
يبدو عدم
مقدرته على
إيذائها بسبب
صغر سنه وعلو
سور السطح. لوحّ
بيده وأخرج كل
الأصوات التي
تخيف الطيور
لكن الغربان
بقيت مشغولة
بنفسها ترمقه بين
حين وآخر دون
كثير اكتراث.
أمسك بحجر
وقذف به عبر
السماء. ومن
موضع الحجر
بزغ شكل طائرة
حربية مربعة
الذنب شقت
السماء مثل
مقص يعمل في
نول ازرق
فشطرتها الى شطرين.
ومن حافة
السياج انطلق
خرطوش
المصفحات
العسكرية
التي طوقت
الحي. الخرطوش
له شكل التمر
ملأ بعذوقه
صفحة السماء .
طارت الغربان
الثلاثة فحلق
خلفها وتوقف
ليجمع الخرطوش
الجميل الذي
له شكل التمر.
عثر
عليه أخوته
صباح فجر 8
شباط 1963 وفي
فراشه رسمت
خريطتان
واحدة من دم
حول عنقه والاخرى
من البول حول
ساقيه.
بغداد 1975
زيدان
اعتاد
زيدان ان يبكي
ثلاث مرات في
اليوم؛ مما دعا
الجيران الى
الطرق على
السقف وعلى
الجدران
احتجاجا على
الصوت النشاز.
قرر زيدان
والذي خلقه
الله بست
اصابع في كل
يد وبقلبين
(في كل جهة قلب)
ان يبكي يوميا
مرتين بصوت خفيض
محاباة
للجيران ومرة واحدة
لنفسه بصوت
مروع .
بغداد 1974
سعدية
تقيأت
دما وقالوا لا
مفر من الموت
وأن المصاب هو
السل.. زارتها حكيمات
مدينة الحلة وساحراتها
ونصحنها بمعانقة
شاب فيلي أمام
المارة بلا
خجل. حينما
دخلت بغداد
وقصدت سوق
الصدرية ، احتارت
سعدية
المحمولة على الأيدي
من تقبل، فكل
من يمر بها له
وجه قمر..
تقدمت من فتى
وسيم يدعى
اسكندر
وقبلته من فمه
قبلة طويلة.
يحكى أن سعدية
عاشت مائة عام،
أما الفتى
اسكندر فلم
يذكر له
التاريخ خبر.
بغداد
1974
اسطة
بدري
وقفت
بدرية أمام
المرآة وبمقص
بارد كبير
أخذت تقص
شعرها الأسود
الطويل خصلة
إثر خصلة حتى أخذ
وجهها الفتي
يشبه وجه غلام
صغير. انتزعت
عقدها الذهبي
من عنقها كما انتزعت
قرطيها وخاتماً
له فص من
العقيق كان
يزين أصبع
أمها
المرحومة، و
ارتدت فوق كُلّ
ذلك ملابس
الذكور.
برعت
الشابة
اليتيمة التي
أخذت تلبس
الآن دشداشة والدها
المرحوم
وتطوق رأسها
بكوفية بتسلق
النخيل
السامق
الصعب،
وشوهدت تعمل
فأسها في الخشب،
تجمع حطب
الوقود، وتقف
في طابور عمال
البناء
الصباحي الذي
نقلها من
مدينة الى
مدينة حتى
استقرت في
بغداد.
أصبح لبدرية
التي تحول
إسمها الى
أسطة بدري،
شهرة وباع في
بناء البيوت
الحديثة المبنية
من الطابوق
المفخور كما
ذاع صيتها /صيته
بالنكتة
اللاذعة
وفاحش الكلام
حتى بوجود ابنته
الشابة بدرية،
التي كانت
ترافقه كظله الى
مقهى بوابة
الكيلاني حيث
اعتاد الجلوس
كل مساء.
وحينما يُسأل
اسطة بدري عن
سبب عزوفه عن
الزواج وخاصة
أن كثيراً من عانسات
الحي يتمنين
الاقتران به. يشير الى
ابنته
الجالسة
قبالته على
تخت المقهى ( بدرية
هي من ثالث وآخر
زوجاتي.. زوجتي
العاهرة كانت
تستدرج وتغوي
كل عمالي الفتيان
الذين
اخترتهم
لقوتهم و
إخلاصهم.... ولذلك
طلقتها و
أقسمت أن لا
اتزوج مرة رابعة)
يقهقه بخشونة
وتقهقه ابنته معه
بنفس طريقته
وهي تطلق
سحابات من
دخان النركيلة
في وجوه
المتعجبين. بغداد 1975
القلب
المسحور
كانت في
السابعة عشرة.
تواعدت معه
قرب شاطئ دجلة،
وضمته اليها
بقوة. قبلته
من شفتيه ثم
غرست سكينا
حادة في صدره
وانتزعت قلبه
ورمته الى السمك،
فنهشته عشرات
السمكات
النهمات. ثم
غرست السكين
في صدرها
وانتزعت قلبها
ورمته الى
الماء فأكلته
زورية صغيرة
عابرة.
***
تعشي
عينيَّ الصبي
شمسٌ قوية، و يتطاير
على وجهه رذاذ
بارد من دجلة.
وقف ملتصقاً بالسور
الحجري
المثلم
مباشرة فوق
مجموعة من
الفتية الفيلية
يصيدون السمك
بخيوط مربوطة
مباشرة الى
اصابعهم. كان
يبدو أنهم
تسابقوا على
عبور النهر
سباحة غير
انهم تعبوا
وعزموا على صيد
الشبوط وشيه
وأكله كعادتهم
دون مغادرة
الشاطئ... وعن
الصيد وعن
قدراتهم في
السباحة
كانوا يثرثرون
ويتشاكسون
ويخوضون في
الماء حتى
سراويلهم مخلصين
الصنانير
حينما تعلق
بالطين. وعلى
طول الشاطيء
من جهة
الرصافة كانت
ترى تجمعات
صغيرة مشابهة
تفعل نفس الشيء.
أشخاص
يصيدون أو
يسبحون أو
يجمعون اخشاباً
واوراقاً لغرض
ايقاد نار..
وفجأة علقت
سمكة بخيط
صياد شاب غاية
في الوسامة. فسحبها
ليكتشف انها
كانت مجرد
(زورية) صغيرة
فقطب وجهه
باستياء. خلص خيشومها
من السنارة
وأمسكها من
ذيلها مزمعاً اعادتها
للنهر. نظر
الصياد الى
أعلى فلمح
الصبي الصغير
الملتصق
بالسور يتطلع
اليه بإنبهار.
هتف بحنجرة
قوية: تريدها.
فأومأ الصغير بالإيجاب.
رماها الشاب
له بقوة من
خلف كتفه.
سقطت السمكة
قربه وأخذت
تتقلب على
التراب. انحنى
الصغير فوقها
وأمسكها من
ذيلها بحذر. رفع
السمكة محدقا
عبر حدقتي
عينيها كمن
ينظر عبر فتحة
صندوق مظلم.
من داخل
السمكة سمع
صوت فتاة
تهتف: أحبك. كم
أحبك.
غسلتها
أمه تحت
الحنفية،
فترطب جسم
السمكة الذي
كان متصلباً،
قالت: انها
صغيرة جداً ولا
تنفع لشيء.
خذها الى أم
كوثر فأنهم
يقلون السمك
اليوم للغداء؛
لعلها تقليها
لك.
هرول
خارجا من
الباب ممسكاً بالسمكة
من ذيلها بين
سبابته
وابهامه
مبعداً إياها عن
وجهه كما لو
كانت على قيد
الحياة. وبين
فترة وأخرى
يسمع صوت فتاة
تقول: كم أحبك..كم
أحبك.
دفع
الباب
المردود دون
أن يطرقه.
ثلاث
سمكات تفوح
منها رائحة
الشياط تتقلب
في مقلاة
مليئة بالدهن.
عند الزاوية
كانت هناك
فتاة حمراء
الوجه تجلس
على مندر، تحوك
ليفة من نسيج خشن
ذهبي امامها،
وفتاة ثانية
تشبه الأولى
تقلي السمكات
الثلاث في مقلاة
مسودة القاع،
تتهدل فوق
جبهتها خصلة
شقراء. قالت
الفتاة الحمراء
المنمشة التي
تقلي السمكات:
امّنا خرجت في
طلب ملح من الجيران..
تعال هنا اجلس
قربي وارني ما
معك.
رفع
الصبي
الزورية عاليا
ليقربها من
عيني الفتاة
المشغولة بالقلي.
ضحكت الفتاة
التي تحوك
الليفة في
الزاوية
وانتبه الطفل
الى ربلتي قدميها
البيضاوين
وساقيها
المكشوفتين
حتى الركبة:
ـ إنها
صغيرة جدا ولا
تصلح لشيء. هل
صدتها بنفسك؟
حرك الصغير
رأسه علامة
النفي ثم جلس
على المندر قرب
صينية فيها
خبز ساخن وبصل
أحمر مقشر
وملح ناعم،
فاحس بحرارة النار
الحمراء
اللاهبة تحت
المقلاة كما
احس برطوبة
طابوق الحوش الذي
كان قد غسل أو
رش ومازال
رطباً وبارداً..
نزلت الفتاة
الثالثة
وكانت أصغرهن وأجملهن
من مسوّر شناشيل
الطابق
العلوي وأخذت تضحك
بدورها على
صغر حجم
السمكة .. أذهل
جمال الفتاة
الصغيرة الصبي.
قال: سمعت
السمكة تبكي
وتقول: أحبك..
أحبك.
ضحكت
الفتيات
الثلاث دفعة
واحدة.
قالت
الفتاة التي
تحوك الليفة: - لابد
انها سمكة
مسحورة.
والفتاة التي تقلي
السمك:- أو
انها جنيّة،
وأصغر
الفتيات: بل انها
عاشقة أو أكلت
قلب عاشقة.
لماذا لا
تتركها لي
وسأعطيك
سمكتي بدلها؟
وافق
الصبي على
المقايضة.
وضعت له
الفتاة
الصغيرة سمكتها
وسط رغيف الخبز
ثم قالت:
ـ أنت لا
زلت صغيراً
على الحب.
ضحكت
الفتيات
الثلاث مرة
ثانية,، وكانت
رائحة شياط
السمك تعبق
قوية في الهواء.
***
من رأى
الفتاة
الصغيرة تلقي
بنفسها من
شرفة الشناشيل،
شبهها بطائر السنونو
المهاجر. فردت
عباءتها
السوداء
وطارت فوق البيوت
دائرة عدة دورات
قبل أن تسقط
أمامه وتتحطم
كقطعة من
الخزف.. أنحنى
فوقها وأخذ يتأمل
وجهها الجميل
الفتي بينما
كانت أصابعها
تلامس كفه:
قلت لصديقاتي لو
أعرف بأني
سأسقط بين
ذراعيه
لألقيت بنفسي
من النافذة.
سخرن مني. ولكني
كنت جادة.
اليوم تحققت
أمنيتي. ضمني
الى صدرك.
ضمها
الى صدره
وسمعها تلفظ انفاسها
الساخنة قرب
أذنه: آه من
حبك..آه من حبك.
1974
----------------------------------------------------------------------------
*
زورية جمعها
زوري: كلمة
عامية عراقية
تطلق على صنف
من السمك صغير
الحجم يكثر في
مياه
الرافدين.
* شبوط:
نوع من السمك العراقي
* مندر:
وسادة مربعة مسطحة
تستخدم
للجلوس بدل
الاتكاء.
الفيلية:
أحد أقدم
مكونات الأمة
الكردية،
ولهجتهم الحاوية
للمفردات
السومرية هي
الأقرب إلى
اللغة البهلوية
ولغة آفيستا
زردشت. وقد
أسسوا دولاً
ودويلات
وإمارات
عديدة منذ
غابر الأزمنة
حتى الربع
الأول من
القرن
العشرين، من
أقدمها كاردونياش
التي حكمت
مملكة بابل
أكثر من ستة
قرون.
المراهقة
والساحر
أخذتها
أختها الكبيرة
الى مدينة
الألعاب بعد
أن بدت متوعكة
و متألمة على
غير عادتها مما أقلق
أمها وأختها
عليها
كثيراً. مضت ساعتان
دون أن تثير
فيها العروض و
الألعاب
وبهجة الناس أي
حماسة.
وأخيراً
تعبتا وجلستا أمام
عرض سحري
لممثل شاب
نحيف القامة
له خصر كخصر الدبور.
و كان يحرك
عصاه السحرية
وأصابعه
الطويلة
بحركات رشيقة
جداً و يرمي بعباءته
المفضضة خلف
ظهره و يخرج
من قبعته حمام
ومناديل
ملونة وأرانب.
بدل متابعة
العرض شغلت
الفتاة
الصغيرة
نفسها بتأمل
لوحات
الإعلانات
الكبيرة على الأسيجة
الجانبية: (
تحفزت الرؤوس
العديدة حول
حلقة السيرك
وكأنها على
وشك الافلات
من أماكنها
والطيران مع
حبال
الأرجوحة
المتدلية من
سقف الخيمة.
وكانت الفتاة
في الصورة قد
ألقت بجسمها
خارج
الارجوحة بحركة
رشيقة طائرة
في الفضاء، وقد
وقف رجل نافر
العضلات في
الأرجوحة
المقابلة متأهباً
لتلقف الفتاة)
نظرت الفتاة
الى صورة
أخرى: ( سقطت
امرأة بيضاء
شبه عارية من
مكان عال،
وكانت
بسقوطها الشديد
البطيء
وسكونها
المستسلم في
عتمة الفراغ،
تبدو وكأنها
تحلم بأكف
قوية غزيرة الشعر
ستمتد
وتنتشلها من
أسفل).هتف
الساحر بصوت
شبه ممغنط وهو
يهبط من خشبة
المسرح ويسير
بين
المتفرجين
مقلداً حركات
نمر متأهب
للقفز على
فريسة ( أقرأ الأفكار..
وأعرف
الأسرار)
رددها عدة
مرات ثم أشار
بعصاه الى رجل
أصلع قاتم
السمرة يجلس
بين طفلين (
جاسم.. في جيبك
عشرة دنانير
وعشرون فلساً,
ورسالة مطوية
من صديق اسمه
عماد, وتفكر
برحلة صباح
الغد الى
البصرة).
تلعثم الرجل
بذهول
(صحيح..صحيح
كيف عرفت ذلك) تعالى
التصفيق
وهتاف الجميع
محيين الساحر.
خطا الساحر
خطوتين
متربصتين
بنفس الطريقة النمرية وقبل
أن يختار هو
نفسه تبرعت
امرأة عجوز
موشومة الوجه
فمها خال من الأسنان
تقريبا رافعة
اصبعها. فالتف
الساحر
بعباءته بحركة
سريعة ووجه عصاه
ناحيتها (
غزالة أم
سعدون.. أنت
تفكرين بابنك
الجندي
سعدون. في
جيبك خمسة
وعشرون فلساً ثمن
بطاقة العودة
بالباص
وخزامة ذهبية
مكسورة في
ورقة مطوية)
ابتسمت
المرأة و أغلقت
عينيها
الصغيرتين
هازة رأسها
بالإيجاب فقهقه
الناس
واختلطت
كلمات
استحسانهم بالتصفيق
والصياح.
الآن..أحست
الفتاة
الصغيرة انها
أمست في منطقة
الخطر؛ فلقد
اقترب الساحر
كثيراً وأصبح
على مبعدة
خطوتين من
مقعدها فضغطت
على ذراع
أختها طالبة
منها مغادرة
المكان على
عجل. طاوعتها
أختها
الكبيرة
وسارتا
صامتتين
مخلفتين الساحر
والضوضاء وراءهما
متجهتين نحو البوابة
الخارجية.
دار قطار
صغير حول
الزاوية و
فاجأهما
بصيحة قصيرة
عالية
اختلطت
بصرخات
الصغار الذين أخرجوا
رؤوسهم من
النوافذ. كان
القطار يشبه
أحد الزواحف
الطويلة ومن
وجهه أطلت ابتسامة
بهيجة وراحت
كرات بطنه
المكشوفة
ترتفع وتنخفض
بحركة
متموجة.. في
البدء لم تكن
الفتاة
الصغيرة قد
تنبهت لوجود
سكة القطار حول
الحديقة،
فأخذت ترقب
عجلاته التي تظهر
بين فترة أخرى
بين الحاجزين
المقابلين
لها. إلتوت
مؤخرة
الحيوان نصف
التواءة.. رفعت
الفتاة رأسها
لتودعه،
فلمحت أحد
الأطفال في
العربة
الأخيرة لوى
عنقه الى الوراء
في محاولة
لتثبيت بصره
عليها وقبل أن
تختفي مؤخرة
القطار وهو ينحرف
الى جهة محجوبة،
كان الصغير قد
قذف لها بقبلة
في الهواء ولم
يسعها الا أن
تبتسم له .. لكنها
أحست فجأة
بالدم يصعد الى
رأسها من
الخجل فتمتمت
بصوت خافت دون
أن تسمعها
أختها: (
للساحر
بالتأكيد..
أقصد ذلك
الشاب..وسامة
شيطانية).
***
صعدت الفتاة
الصغيرة
درجات السلم
حتى توسطت
عتمته، اتكأت
بكتفيها على
الجدار. فكرت بكذبتها
تلك:(اني
متعبة.. أشعر
بحاجة للنوم)
إن هذه الساعات
التي ستقضيها
في غرفتها دون
أن تنام,
جعلتها تحس
بماء بارد
يتجمع في مفاصل
قدميها و
كتفيها
وفقرات ظهرها.
فتحت باب
غرفتها
وامتدت يدها
ببطء الى
مفتاح الضوء،
بينما راحت
عيناها الخائفتان
تتسللان داخل
أحشاء الظلام
وكأنها
ستفاجأ بمسخ
بشع يقفز
عليها لحظة إنارتها
الغرفة. اندفع
الضوء من
المصباح
بسرعة هائلة لينسكب
فوق أثاث
الغرفة وحاجياتها
وتساءلت بخوف،
إنْ كانت هذه
الغرفة هي
غرفتها حقاً:
هذه الألوان
السحرية المتوثبة
والتي تشبه
ألوان الجلود
البشرية. إن
غرفتها مملوءة
بمئات الناس
يختبئون تحت
السرير وخلف
الدولاب
والستائر
وداخل الجدران،
يتحدثون
ويضحكون
بأصوات خافتة،
وان أثاث
الغرفة قد صنع
من لحوم أكفهم
الحساسة المتهيجة.
ستلامسها
لمسات شبقة
وهي تمر، أو
تستلقي فوق
السرير
وستمسح لها
جسدها البارد..
تقدمت نحو
الدولاب،
فالتهبت
صورتها في
المرآة. خلعت
ثيابها. كانت
نظراتها
تتسلل الى تفاحتيها
المثمرتين
بزهرتي
(الجهنمي).
خاضت في دقائق
ضوء الغرفة
التي تطايرت
من مكان تحرك
قدميها على
شكل فقاعات
ونجوم ماسية
كثيرة..
استلقت فوق فراشها،
سحبت الشرشف
على جسدها,
وواجهت
الحائط. .كانت بين
الحلم
واليقظة
وهؤلاء الناس
الذين
يتحدثون في
غرفتها يمدون
أيديهم بشوق
ويغرزون في
جسدها من خلف
الغطاء آلاف
الإبر
الدقيقة
الباردة (
نساء عاريات
يشبهن نساء لوحات
الإعلانات في
مدينة
الألعاب
يسقطن على
الأرض
الخالية من
الأرض
المنقذة.. يسقطن
على الأرض
ويمتن.. رجال
بأذرع قوية
مفتولة العضلات،
كثيفو الشعر
تجمعوا داخل حلقة
السيرك دون
حراك. . حبال..
شبكات قفز..
كرات.. خيول.. فيلة..
أكشاك
مرطبات.. مهرجون..حركات..مئات
الحركات
السخيفة
المنفرة.
هتفت: - (لا.. لا
أريد الذهاب
الى الساحـ..).
عبر ثقوب
الحائط
الصغيرة
وفتحاته
الخفية، كان
ساحر السيرك
يتسرب كالدخان،
ينتصب واقفاً
وسط غرفتها
المغلقة.. شاب
رشيق تقدم
منها وبصوت
شيق معبّر خيل
إليها أنها
تعرفه،
ناداها:(سميرة..
سأقرأ أفكارك،
لكنني لن أفشي
سرك أبدا) لم تعد تحس
بجسدها, هبت
نسمة باردة من
النافذة؛
فطارت
الستائر
الحمراء في
أرجاء الغرفة..
كان أهلها جميعا
يقفون خلف
النوافذ و
يحدجونها
بعيون جاحظة.
تقدم منها
الساحر وجلس
قربها على السرير..
اقتربت منه,
مسّت أصابعه
جسدها. رددت:(
لا.. أرجوك لا
تفعل ذلك). سقط رأسها
إلى الخلف
وامتلأت
عيناها
بالدموع.
بغداد 1975.
الخزامة:
حلية للأنف.
الجهنمي:
أزهار حمراء
أهل
الكهف
الخيمة
في مصباح
والمصباح في
زجاجة
والزجاجة هي
رأسي. هكذا
يبتدئ الحلم.
هكذا أراهم
الآن كما أراهم
حينما أنام.
بدو يثرثرون
في رأسي.
ثلاثة بدو حول
نار. وهم
يتكلمون أو
يناقشون أمراً
ما. والأمر
الذي يشغل
رؤوسهم خطير,
لكني لا أعرف
عنه شيئآ. وهم
يتكلمون
بأصوات خفيضة
تشبه الوشوشة.
وأنوفهم
حمراء ضخمة.
وهي تتقارب
حينما
يتكلمون.
يمدون
أيديهم
حول(منقلة)
متأججة الجمرات.
وهم بدو.. ثلاثة
من البدو في
خيمة مضاءة
بفانوس وهم في
زجاجة
والزجاجة هي
رأسي.
أنا
أراهم الآن في
رأسي وأمام
عينيّ في آن
واحد. وأنا
أسمعهم, لكني
لاأفهم من
كلامهم شيئاً.
وهم يتحدثون
في أمر ما. وها
إني أراهم
يشربون قهوة
بفناجين.
يهزونها أمام
وجوههم
ويتطلعون في
عيون بعضهم
البعض. لهم
عيون سوداء
غائرة
متلألئة،
مشحونة
بالانتباه
والتوجس.
وكانوا
يتحدثون في
أمر ما.ثم
أنهوا
حديثهم
وانسحب اثنان
منهم ليناما
تحت أغطية
قريبة منهما
وبدءآ
بالشخير. أما
الثالث فلقد
خرج للتغوط
خارج الخيمة.
أود أن
أمسكهم
بأصابعي
وأسحقهم مثل
حشرات وأطردهم
من رأسي. لكن
رأسي زجاجة
مفرغة وهم
هناك ينامون
بأمان.
يعود
البدوي
الثالث من
تغوطه خارج
الخيمة، وينفض
ماءً فوق(
المنقلة)
فيطفئ
جمراتها،
ويتساقط
الرماد فوق
الأغطية، ثم
يدخل فراشه
أيضاً لينام.
أنا أرى
رؤوسهم
المكشوفة
الآن.. أثر لصلع
خفيف وشعر
أشيب. كان
الثلاثة في
عمر واحد،
يتشابهون
تماماً،
لكنهم لم
يكونوا إخوة.
حينما
أنام من جديد
سيعودون
للاستيقاظ.
يجلسون
جلستهم نفسها
ويتحدثون في
موضوعهم الخطير
نفسه. يبدو
أنهم قد ألفوا
هذا الأمر
وكرروه آلاف
المرات..موضوعهم،
حركاتهم
الحذرة،
وبردهم الذي
لا يحد.
يبدو
أنهم لا ينوون
مغادرة
الخيمة،
وإنهم لم
يسأموا من
وجودهم هناك.
يبدو أنهم لم
ولن يحتجوا أو
أن في نيتهم
تغيير موضوع
حديثهم..
لكنهم كانوا
هناك في
انتظار وترقب.
إنهم في ترقب
للإشارة التي
ينتظرون. أرى
الآن بنادقهم
المعلقة على
أعمدة الخيمة.
إنهم سيخرجون
يوماً ما..
لكنهم الآن
سيبقون
وينتظرون
الإشارة.
سيعلقون بنادقهم
إلى أكتافهم
ويغادرون. أنا
أرى في وجوههم
الحزم وخطورة
الأمر الذي هم
عازمون عليه،
لكني لا أعرف
عن أمرهم
الخطير هذا
شيئاً.
الإشارة لم
تعلن واللحظة
لم تحن بعد,
لذا فإنهم
باقون هناك
متمهلين,
ينامون
ويصحون،
يجلسون حول
النار
ويتشاورون بأسنان
صفراء. يشربون
القهوة
ويهزون
فناجينهم في
وجوه بعضهم
البعض. اللحظة
لم تحن؛ لذا
فإنهم
سيتمهلون.
سينامون
ويصحون
ويهزون فناجينهم
في وجوه بعضهم
البعض.
إنهم
هناك في خيمة والخيمة
في زجاجة
والزجاجة هي
رأسي.
1 وداع
ليلى..
هتف باسمها ثم
طبع على شامة
شفتها العليا
قبلة حيية.
اعترفت
لها أمها على
فراش الموت
بأن الإسم
(ليلى) ليس
اسمها
الحقيقي، بل
اسم أختها
التي تشبهها
تماما والتي
ولدت مشوهة
بعاهة في شفتها
العليا مكان
شامتها هذه.
كانت مخرومة وفمها
ينزف من شق في
لثتها.
القابلة
المأذونة
إقترحت قتل
الوليدة
لأنها كما
قالت: لو خلقت
ذكراً لاختلف
الأمر ولكنها
انثى وبسبب العاهة
ستعيش حياة
مليئة
بالآلام والقهر،
ولن يتزوجها
أحد. وهكذا تم
التخلص من
الرضيعة
بسقيها
الزرنيخ قبل
حليب الرضاعة.
وفي العام
الذي أعقب موت
أختها
الرضيعة ولدت
هي و حصلت على
شهادة ميلادها
و اسمها. أما
أمها فالموت
الذي تمنته
طويلاً جاء تأخراً
ليرحمها من
جحيم تأنيب
الضمير .
قبلها من
شامة شفتها
االعليا
بجرأة هذه
المرة.. هبت نسمة
باردة و
امتزجت رائحة الأشجار
برائحة عفونة
كرائحة
القبور فهتفت
له: هنالك شيء
أكثر أهمية من
المباهج . ثم
ودعته.
بغداد
1975
2 وداع
داعبت
الفتاة قطة
فاحمة الفرو.
على نحو
ما بدا لها
ذلك حلماً
غريباً،
وانها تحولت
الى قطة فاحمة
الفرو مطمئنة الى
دفء حجر فتاة،
والأنامل
التي تلامس
فروتها برقة
تعود لشخص آخر
لا تعرفه.
ناولها
الشاب الذي
وقف قربها
واضعا قدمه
اليسرى على
المصطبة
الخشبية حيث
تجلس، سيجارة،
راسماً فوق
محياه
إبتسامة معلقاً
على الطقس
وعلى جمال
وجهها
ونظارتها. أخذت
منه السيجارة
بأصابع مترددة
محاولة بجهد
منع إفشاء
عواطفها
المضطرمة
نحوه. وحينما ملأت
صدرها
بالدخان،
زادها
إحساسها
بالرغبة بحضور
جسدها، فأحست
بألم حاد
بسبب الحزام الذي
ضاق على
بطنها. كانت
بطنها قد
انتفخت بسرعة.
ويا للغرابة،
ساور القطة التي
كانت في حجرها
نفس شعور
الفتاة
وامتلأ
وجودها بنشوة
قديمة متوهجة
ودافئة. قفزت
القطة من حجر
الفتاة
واستقامت على
شكل ظل قاتم
ارتسم على
الجدار
القريب. إتحد الظل
بقامة الفتاة
التي وقفت
بدورها
وغادرت المكان
مودعة الشاب،
من دون أن
تلتفت خلفها
أو تنبس بكلمة
أخرى.
بغداد
1975
الطلسم
على
بوابة الخان:
مسامير ثقيلة
صدئة تكّون
فيما بينها حلقات
ومثلثات تحتل
القسم الوسطي
والسفلي من
البوابة.
والمطرقة
الحديدية ( رأس
الأسد
المتوثب) كانت
معطلة عن العمل.
ثمة جملة
بسيطة كانت قد
خطت بيد واهنة
وبالدهان
الأخضر، الذي
تآكل بفعل
الشمس. كان
الخبير
الأجنبي
والمختص
بالانتيكات
الشرقية قد
أبدى إعجابه،
وكانت عيناه
وهما تتفحصان
البوابة،
تمّران
بالجملة
المكتوبة في
الأعلى
وتتخطيانها؛ فأن
مايهمه هو عمر
هذا الخشب
وهذه الصناعة،
وكل تلك
الشقوق التي
يموت فيها
ظلام بغدادي قديم.
داخل
الخان ثمة
بضائع من كل
صنف: أطوال
أقمشة،
براميل فيها
مواد
كيمياوية،
عطور، أقداح
وأوانٍ خزفية,
لعب
أطفال..الخ.
كانت محفوظة
في صناديق مكدسة
على الأرض ومهملة؛
لأن العمل قد
توقف, والرجل
الذي نقل كل هذه
الأشياء
موجود في إحدى
غرف الخان لا
يقوى على
الحركة. خمسون
عاماً والرجل
هنا. جاء منذ
كان صبياً مع
عائلته الفارسية
إلى الكاظمية
من أجل (
الزيارة) .
وفي
زحام (
الزيارة) آلآف
الرؤوس، آلاف
البشر
المحتشدين
يتدافعون,
يشدونه ويجرفونه
بينهم
ويملأون رأسه
بكلام وصياح
مدوخ. لقد فقد
عائلته، غير
أنه لم يذرف دمعة
واحدة من أجل
ذلك. جاء
بالضبط في
الوقت الذي جاءت
فيه البوابة.
كان قد عمل سقّاء
للماء في
الكاظمية،
غير أنه قرر
في النهاية أن
ينتقل إلى(
الشورجة) حيث أمضى
حياته هنا في
زقاق الخانات
بهدوء.
في
أوقات
الظهيرة كان
هذا الرجل الذي
تغطي وجهه
لحية كثة
عريضة يجلس
بجثته الضخمة
قريباً من
بوابة الخان،
يلامس أكتاف
الأطفال
ورؤوسهم،
يدفع بحبات
الهيل إلى جيوبهم،
ويرسلهم حاثا
إياهم على أن
يدخلوا
البيوت خوفاً
عليهم حتى من
أشعة الشمس! وفي
المساء يطوف
في الزقاق،
يسأل الناس
إذا كانوا في
حاجة لخدمة
يقضيها لهم.
هذا
الحمّال الذي
لم يكن له أحد
ويربح
أرباحاً جيدة,
كان يفرق
نقوده بين الأطفال،
كما كان يفرق
أكياس الهيل
على عوائل
الزقاق جميعاً؛
مما كان
يكفيهم من هذه
المادة الكمالية
تماماً. لا
أحد يعرف سر ولعه
بالهيل على
الرغم من أن
أحداً لم
يشاهده يلوك واحدة
منها. إئتمنه
الجميع, وزاره
أولاد الحي في
غرفته
المنعزلة في
الخان , ولقد أطلقوا
عليه لقب
الأصفهاني.
في حيّ
من أحياء لندن
الآن متحف
مغمور
للأنتيكات
الشرقية، فيه
بوابة ضخمة,
كتب عليها
طلسم غامض كان
قد خطّ بيد
واهنة وبدهان
أخضر تآكل
بفعل الشمس(مات
الأصفهاني
يرجى عدم
المراجعة
بشأنه).
القسم
الثاني
النبوءة
نجوم
الصباح
الذاوية
تنطفئ واحدة
اثر أخرى
وينكشف بالضوء
المحمر شاطئ
الطين وبيوت
الشناشيل
المنكفئة الى
الضفة وابعد
قليل . . الأزقة
المتشعبة،الحواجز
والسطوح التي
التمعت فيها
اسلاك الغسيل
واندلعت من بعضها
السنة اللهيب.
كان
الجريح
الملقى الى
الضفة في
غيبوبة وقد
انغرس رأسه
وذراعاه في
الطين، أما جذعه
السفلي فقد
غمرته المياه ،
وأخذ الدم
ينزف من جروحه
العميقة من ذراعيه وعنقه
وظهره بشدة.
وكان يهتز
ويكاد ينفلت
من مكانه،
يطوف وينسحب
الى النهر
الذي بدا
طينيا تلك
اللحظة. واخذت
الأمواج التي
تضرب الجرف
تلقي
باحشائها
الطافية.. مئات
من الأشياء
المحمولة
الخفيفة
تصطدم بجسمه،
وتبتعد مكونة
نصف حلقة من
حوله باتساع
ذراعيه.
كانت حشوة
النهر ذات
اشكال داكنة
وبراقة. اعشاب
وقطع اخشاب
سمراء. حجارة
واصداف وحصى.
مخلفات
معدنية
وحيوانية
وكسار صخور
وخرق وحطام
جذور. بذور او
رموز انبعث
فيها النبض
الحيّ وهي
تنساب من طرف
الموجة التي
ابتعدت مبتلعة
معها طبقة
جديدة من الرمال.
يفلت
الرأس من
الطين،
ويختلج الجسد
اختلاجات
سريعة، ثم
يفتح الجريح
عينيه، وبوهن،
بوهن شديد،
يتعرف على
موضعه، وينصت
لأقدام
المطاردين
المتنقلين في
الأزقة القريبة.
كانت
المدينة
سوداء قاتمة
تنيرها ألسنة
النيران
ويتوجها عش
كبير من
الدخان .
لم يكن
قادرا على
مواصلة الهرب
ورغبة عظيمة
للاستسلام او
النوم كانت
تملأ جسده بخدر
مضن وعينيه
بدموع ليس
فيهما ايما
شفقة على النفس. وتتعثر
انظاره
الهائمة بحدود
المياه،
الظلمة،
واجهات بيوت
الشناشيل،القباب،
ثم الجرف.. هذا
المكان الأليف،
ويلتقي
بمقذوفات
النهر المحيرة
امامه .. ذلك
القوس العجيب
من الأشياء، كما
لو نشرتها كف
عراف للتو..
حاضرة، ثقيلة،
مقلقة، تمتلئ
بالايماء:
علامات
وطلاسم وانعكاسات..
وجوه بغدادية
قديمة وجديدة
.. وجوه
لسلاطين ولصوص
وصور لحرائق
ونكسات وفيضانات
وكوارث
واوبئة،
مخطوطة اشكالها
وتواريخها
على الحصى
وظهور وبشرة
الأصداف والجذوروالحجارة
.. ارواح
هلامية،
واسرار
واحلام
ودموع.. كسار
سيوف ونتف كتب
وفُتات عظام.
التاريخ
المأساوي
للمدينة، ماضيها
المروع،
احتفظ النهر
بها حتى الآن.
( القى
المدافعون عن
المدينة
بدروعهم
وخوذهم ورماحهم
وسيوفهم
والتجأوا الى
الظلال والجدران،
بعد ان استبد
بهم العطش
واحرقت شمس
تموز اجسامهم
تحت معدات
الحديد. اما تيمورلنك
المتوجه نحو
المدينة فقد
امر جيشه
المؤلف من عشرة
الاف مقاتل ان
يرفع امامه
رأسا مقطوعة
من رؤوس
البغدادين كي
ينجوا بجلده.
ولقد بنيت من
تلك الروؤس
ثلاث ابراج
عالية آمام
مداخل المدينة
علامة للنصر
والظفر)*
حوّل
الجريح عينيه
النصف
مغمضتين
النصف ميتتين
باعياء شديد
الى مجموعة
اخرى من الأصداف
والحجرات في
محاولة
للتخلص من
طوفان
المشاهد التي
كانت ترهقه
بشدة.
( اسقط
الطاعون في
يوم واحد سبعة
آلاف، واخذت
الوفيات
تزداد حتى
تقلص عدد سكان
المدينة الى النصف،
وطاف الأحياء
والأموات
حينما فاض
النهر. اختلطت
الحيوانات والأثاث
بالمطعونين
والأصحاء. مات
الدفانون
والحرس والمؤذنون
والحطابون
والباعة والبلامون
ومات الرضيع
جوعا بعد ان
قضى الوباء على
الأمهات
والأباء. وخلت
الطرقات من
المارة،
وانقطع الناس
عن زيارة
اهاليهم
واقاربهم. غير
ان الجرذان,
كانت تقفز من سطح
الى سطح ومن
دار الى دار,
ناقلة الوباء
الى الجميع)
كانت ألسنة
اللهيب في
المدينة
تتصاعد..تسمع
اصوات
انفجارات
هائلة ورشقات
رصاص. صافرات
حرس ليلي،
تجمعات جنود وقطعات
عسكرية كلها
كانت تقترب من
الجرف .
موجة
اثر موجة
موجة
اثر موجة
( جثث
القتلى
والجرحى تسري
منتفخة فوق
المياه..اجزاء
بشرية مقطعة
أو مبتورة أو متعفنة.
بقايا اثاث
مجروقة ورماد
ملابس وافرشة
اشتعلت فيها
النيران)
جابت
الشاطئ
مجاميع كبيرة
من الجنود
والحرس وفتشوا
المكان
بعيونهم
وفوهات
بنادقهم لكنهم
لم يعثروا على
شئ.
كان
الجريح
البغدادي قد
نزف كل دمه
وفقد الأمل. تأمل
المجموعة
السحرية التى
امامه، أغمض عينيه
وبكل ما تبقى
فيه من قوة،
رفع يده وكأنما
بحركة تحدّ أراد
بها أن يغير
كل شئ، عبث
برموز وطلاسم
النبؤة
النهرية، ثم
سكن وقد تخلص
من الألم.
انزلقت
الجثة
بكاملها الى
المياه. وهبطت
الموجة
الأخيرة
لتغسل عن
الشاطئ. تلك التجربة
القصيرة
المثيرة
وتغطيها
بالزبد.
انسحبت الجثة
مع المياه، ثم
هبطت ببطء، ببطء
شديد مع أحشاء
النهر،
الأصداف
والأحجار
واستقرت في أعماق
النهر الذي
سرعان ما أشرقت
فوقه شمس
كبيرة من مكان
ما.
روما
1980
*
بعض الصور و
العبارات مأخوذة
من كتب تأريخ
مدينة بغداد.
مهاجر
كان
ينقل حقائبه
الأربع
بصعوبة. سينتهي
عاجلاً
بالموظف الذي
سيؤشر له
تذكرة السفر. كان
ينقل حقيبتين
خطوة إلى
الأمام،
ويدفع
الأخريين
بقدميه، حيث
كانتا
ثقيلتين وكأنهما
حشيتا (
بالصخر). وكان
يضطر بعض
الأحيان إلى
رفعهما عن
الأرض. فيتفصد
العرق من
جبينه.. لقد
حذره أصدقاؤه
من البرد
والجليد وزودوه
بمعاطف
وبطاطين
إضافية. أما الحقيبتان
الثقيلتان
فقد حشاهما
بالكتب..
مكتبته
الصغيرة التي
جمعها بصعوبة واستودعها
غرفة أحد
الأصدقاء..
مختارات شعر
وروايات
عالمية
وأوراقه
الكثيرة
ورسائله الخاصة.
بعد خمس
دقائق سيتخلص
من كل شيء،
سيدفع
بالحقائب
للموظف كي
تنقل إلى
الطائرة ويرتاح
لأكثر من عشر
ساعات.. مكان
دافئ, طعام,
مضيفة جميلة..
عشر ساعات من
الحياة الحقيقية.
لقد خبر تجربة
السفر أيام
شبابه الأول،
حينما كان يتغرب
نزقاً وترفاً.
غير أن هذه
المرة كانت
تختلف. لم
يودعه أحد. من
اسطنبول إلى
أثينا، ثم
البندقية. فرنسا،
روما،
باليرمو،
نابولي، روما،
تريست، جنيف
وهاهو مهاجر
إلى أمريكا.
ـ
مهاجر؟ كشر
الموظف
الإيطالي.
ـ نعم.
لم يكن
معه جواز سفر،
بل أوراق
زودته بها
الشرطة، حينما
وجدته نائماً
في إحدى حدائق
روما العامة
يرتعش من البرد.
وضع الموظف
ختمه على
الأوراق، ثم
أشار إليه أن ينقل
الحقائب إلى
الميزان.
ـ أكل
هذه الحقائب
لك؟
ـ نعم.
ـ هل
ستدفع إجرة
الوزن
الإضافي؟
ـ بلع
ريقه ( أيّ وزن
إضافي ! ) لم
يخبره أحد. لماذا
لم يفكر بذلك؟!
ـ مسموح
لك أن تصطحب
حقيبتين..
وسأتغاضى عن وزنهما
الإضافي
ـ لا أستطيع
التخلي عن هذه
الحقائب..
إنها كل أمتعتي.
صمت
الموظف
الإيطالي
ناظراً في
عينيه وكأنه
لم يفهم
تمتمته
الركيكة. كان
هو يفكر محموماً.
مرت
لحظات طوال.
المسافرون
ينظرون إليه.
يحمر
وجهه!
ثم هتف:
ـ
حقيبتان فقط
ولا يهم
الوزن.
ـ
حقيبتان فقط
ولا يهم
الوزن. أجاب
الموظف الإيطالي.
ارتعشت
يداه. كان
عليه أن
يختار. فكر
بالبرد. شعر
بالصقيع يلامس
عظامه،
أسنانه تصطك..
نعم. عليه أن
يختار حقيبتي
الثياب
والبطاطين،
سحقاً للكتب..
الكتب لا ترد
عنه الصقيع والتجمد!!
في بلد غريب
ومدينة قاسية
كنيويورك، ثم
بإمكانه لو
حالفه الحظ.. أن
يجد كتباً
هناك!! كان
عليه أن يتخذ
قراراً حاسماً..
لحظة واحدة..
الطابور
ينتظر خلفه..
وجه الموظف
يجلده.. تقدم
خطوة، رفع
حقيبتين
ووضعهما في
الميزان. إنتفض
مؤشر الميزان
بعنف.. كانت
الحقيبتان
ثقيلتين
وكأنهما
حشيتا (
بالصخر)!!
روما
1988
النافذة
لم يقطن
أعدائي حول
بيتي ولم
يفكروا
بالسكن في هذه
المدينة، وأنا
لا أعرف أحداً
، ولا يعرفني
أحد.
هناك
نافذة يخرج
منها رأسان
عجوزان يراقبانني
حينما أدخل
المنزل. العجوزان
يسمعان
خطواتي في
الصباح الباكر
فيستيقظان
ويفتحان
النافذة. يتكئان
الى الحاجز وينظران
مباشرة إلى
أسفل .. إلى
الحديقة .
ينقطع
العجوزان عن
الحديث حين
أخرج. يتظاهران
بالنظر إلى
جهة أخرى، ثم
يعودان ليواصلا
الحديث بهياج
حين ابتعد. العجوزان
وحيدان وهما
لا يخرجان
أبدا، ولا يعرضان
جسديهما
لأشعة الشمس
إلا في
اللحظات
القليلة التي
تصاحب خروجي
أو دخولي، ثم يعودان
إلى الداخل.
النافذة تغلق
بعد ذلك، ثم
تفتح من جديد
مساءاً
قبل دقائق قليلة
من موعد خروجي
.
تلتصق
صورتي على
الواجهات
الزجاجية لمخازن
المدينة. أترك
رائحة معطفي
الجلدي على أرصفة
الميناء وبين
أجنحة نوارس
رمادية شرهة. أشرب
فنجان قهوة في
المقهى المقابل.
أجلس واضعاً يدي
على المنضدة
متطلعاً إلى
الفتاة ذات
الشعر الأحمر
التي تتحدث في
الزاوية.
تتحدث الفتاة
بعصبية وتنفخ
في شعرها الذي
يضايق عينيها.
بين شفتيها
سيجارة تحترق
وهي تتحدث
باضطراد ولكن
بشكل غير مسموع.
أعود
بخطوات بطيئة
مودعاً السفن
الصغيرة، وأشرعة
القوارب
الملونة.
فوق
ثيابي حين
أعود، رائحة
ماء البحر
ورائحة
الصيادين والعقب
المحترق
لسيجارة الفتاة
.
أؤوب
كعادتي
مبكراً إلى
البيت فأرى
العجوزين يصبان
قدح ماء في
سندانة فوق
نبتة غير مرئية.
حينما أدخل
أتوقف برهة في
الردهة
المظلمة وأشعل
سيجارة.
خلال
النافذة
العلوية
المتربة
للباب ألمح
العجوزين
يتشاجران
وهما يناقشان
موضوعي الشائك
المحير.
كانت
سيارة
مستشفيات
بيضاء طويلة
قد توقفت
ليلاً وأنارت
مصابيحها
زجاج نافذتي.أحد
العجوزين
ينقل بنقالة.
النافذة
مغلقة منذ
أسبوعين ولا
أثر لوجود
العجوزين .
أخرج
إلى ردهة
الدار وأتطلع
إلى فوق .. إلى
النافذة
المغلقة.
ما
عرفني في هذه المدينة
غير العجوزين.
أتنهد
بعمق وأمضي
بخطوات ذات
وقع باتجاه
رصيف الميناء
والسفن
الراسية. أفكر
بأعدائي وأتمنى
أن أرى
العجوزين من
جديد .
1984
عودة
مضى
ينهب رصيف
المحطة التي
دخلها قبل
ساعتين ذهابا
وإياباً
وكانت باردة
برودة الموتى
جلس على
حقيبته لكي
يستريح، أو
ينفخ بين كفيه
ليدفئ أصابعه.
ولكثرة
مروره
بالواجهات
الزجاجية
المغلقة حفظ
تفاصيل معروضاتها
الكابية
الألوان والمغطاة
بالغبار
والتي أثقلته
بالكآبة،
وكان بعد كل
عشر دورات
يرفع رأسه،
ويحدق في عقارب
ساعة البرج
المقابل فيلفيهما
مازالت
متوقفة في نفس
مكانها لحظة
دخوله المحطة.
وربما بسبب
عدم معرفته
للوقت أو بسبب
مكوثه الطويل
وذاكرته
الحزينة بدت له
معالم المحطة
بكل تفاصيلها:
(القاطرات
الصامتة، السكك
الموحشة،
الأبنية الصفراء،
الأدغال
الكثة،
الرصيف
الساكن، غرفة
الناظر
الخالية،
خزان الماء، كشك
الهدايا،
غرفة الإنتظار
وباب المرافق
العامة)
وكأنها قد
حفرت في عقله
بشكل لا يمكن التخلص
منه أو تحريك
الحياة فيه
أبداً.
كانت
ترى من واجهة
كشك الهدايا
الزجاجية
المغلق دمى
صغيرة واقفة
بملابس
فلكلورية إيطالية
تتميز بينها
واحدة لها وجه مصبوغ
باللون
الأسود. وتذكر
أنه سلخ
الأسبوعين الماضيين
وهو ينتزع الحصران
الطويلة التي
تظلل أرض مخيم
( خليج الجنوب)
ويؤدي أعمالاً
شاقة وسط تقلب
الطقس
وبرودته مع
حفنة من الشغيلة
الأجانب من
أجل تهيئة المخيم
لفصل الشتاء..
كان أحد
العمال
الزنوج قد لامس
عموداً
كهربائياً
مبتلاً
بالمطر. بقى
جسم الزنجي
المتفحم نصف
نهار وسط بركة
الماء ويده
موصولة بعمود
الكهرباء حتى غطت
جسمه
النفايات وأوراق
الأشجار
المتطايرة
المبلولة. حينما
فتشوه لم
يعثروا بين أسماله
وحاجياته على
أوراق
أوعناوين
تدلهم على أهله.
وبعد حوار
طويل بين مدير
المخيم
وموظفي
البلدية
رخصواً أوراق
الدفن. ولقد
تم دفنه فعلاً
في مقبرة
صغيرة بمحاذاة
جبل يطل
مباشرة على
البحر تحت
شاهدة خشبية
كتب عليها
( هنا مات
زنجي غريب يوم
18/8/1984) وسمحوا
للعمال
بالتوقف عن
العمل نصف
نهار لمرافقة
الجثمان غير
أن عدداً منهم
تلكأ ليستغل
الوقت للراحة
بدل حضور
المراسيم..
وعند سفح الجبل
كانت الأمواج
صاخبة على
الرغم من ان
الطقس كان هادئاً
تماما، وخيل
للعمال وهم
يحدقون بعيدا
عبر البحر،
رؤية الشاطئ
الأفريقي خلف
بركان
(سترونبلي) وقال
أحدهم:
(ستنتظره
حبيبته أو أمه
على ذلك الساحل
لأعوام طويلة
قبل أن تيأس
من عودته).ثم شوهدت
الأمواج تطوق
القبر وتضرب
وجوه
المشيعين برذاذ
مالح.
موت
الزنجي كان
مثاراً لسخط العمال
فتململوا و
توجّسوا سوء الطالع
أما هو فلم يصبه
الإستياء
بقدر ما عصر
قلبه الحزن
واجتاحته
رغبة عارمة
للكف عن العمل
والهروب الى
مكان ما أليف
إلى نفسه. ولكي
يحقق ذلك تعلل
بفقدانه
لنظاراته
الطبية؛ لكي
يعجل بأمر
تسريحه من
العمل.
من خلف
الأبنية
المقابلة سمع
صوت عامل أجش
الصوت يتحدث
الى طفلة
صغيرة، ثم سمع
الطفلة تجهش
ببكاء متقطع.
بعد ذلك ظهر
عمال المحطة من
البيوت
المحجوبة
واجتازوا حاجز
الأعشاب
البرية
الطويلة، ثم توقفوا
قرب الرصيف يهيئون
بعض المعدات لقدوم
القطار الذي
تصاعدت نفثات
بعيدة من
بخاره فوق
صفوف الأشجار
القاتمة. وأخيراً
وصل القطار ومضت
نوافذه
المضاءة
الخالية من
المسافرين
تمرق حتى توقف
بعربته
الأخيرة
أمامه. تسربت
الى أصابعه من
المقاعد
والقضبان
قشعريرة؛
فسارع الى
اغلاق
النوافذ في
الممر وداخل
الكابينة. رفع
حقيبته الى
الرف فوق
المقعد المقابل
لمقعده ثم
جلس غاطسأ بعنقه
بين جناحي ياقة
معطفه وهو
يسمع جلبة
وضوضاء عالية
لسلاسل تسحب و
مفاصل ترفع؛ فخمن
ان عمال السكك
الذين كانت
تصله أصواتهم
بوضوح قد بدأوا
يهمَون بربط القاطرات
أو فصل أسياخ
السكك
الحديدية عن
بعضها البعض.
سمع ضحكة قصيرة،
ثم لمح وجهاً
ذئبياً يمرق
لصق زجاج نافذته
ويرمقه بنظرة
لسعته كالسوط
وتركت مذاقاً ثقيلاً
مراً في فمه
وروحه. حدث
ذلك بسرعة
خاطفة ولم
يعرف هل كان
ذلك الشخص أحد
العمال،
وساورته
الأفكار
والشكوك. إرتج
جسمه بقوة
بفعل ارتطام
عدة عربات
بعربته ثم انطلق
القطار
خارجاً من
المحطة.
***
حينما
فتح جفنيه
المجهدين،
بعد أن نام
لبعض الوقت، أحس
بقشعريرة
وبرودة داخل الكابينة.
خمن أن القطار
توقف
وكالعادة فتح
المسافرون
النوافذ
لإلقاء نظرة
فضولية على
الرصيف وعلى
المحطة مما
جعل البرودة
تتسرب الى
داخل القطار،
كما لو أنه أصيب
بالعدوى رفع
زجاج النافذة
وأدار رأسه في
كل الاتجاهات،
لكنه لم ير
أيّ ملمح من الملامح
المألوفة للمحطات
واكتشف بأن
عربته كانت منفصلة
ومتوقفة
لوحدها في ذلك
الخلاء. تكثفت
الدهشة إلى
حلم مشبع بألف
سؤال: هل تعمد
عمال المحطة
فك روابط العربة
لكي تنفصل
اثناء السير؟ هل
كان يحلم؟ هل
هو يقظ؟ أغلق
النافذة وعاد
الى موضعه
متحسساً
وجوداً بارداً
كالجليد يذوب
ويرشح عبر
مسامات جلده. خرج
وسار بخط مستقيم
فلم يعثر على أيّ
إنسان أو يرى
قرية قريبة.
وفجأة انزلقت
أمامه حية
صغيرة بخط متعرج
واختفت بين
الأشواك. مشى
بخطوات حذرة
بين نباتات
طويلة
متوغلاً كما
لو إلى مالانهاية.
لسعته حشرات
طائرة مركبة
لم يرَ لأشكالها
مثيللاً من
قبل. حلقت
فوقه غربان
سوداء كانت
خفقات
أجنحتها تحرك
السنابل وأغصان
نباتات عباد
الشمس
السامقة التى إرتفعت
فوق قامته.... وأخيراً
تندى الهواء
وتحولت الأرض
هشة خضراء مغطاة
بالجذور
وهشيم
السيقان
الجافة التي
كانت توحي
بموسم الحصاد.
عبر قنطرة فوق
جدول رقراق
وناعور يجره
حصان. ظهرت
القرية
والجبل والحقول
والقنطرة
والحصان
وكأنما من لا مكان.
رؤية الحية
الصغيرة
وعبور
القنطرة فوق
الماء
الرقراق، ثم
رؤية أهله
المتجمعين بصف
واحد، كل هذا
جعله يشك بأن
ما يراه حقيقة
تحدث في
الحاضر. كان
أهله قد
تجمعوا ليشيعوا
ويدفعوا
جثمان شخص ما
ملفوف بكفن أبيض
إلى حفرة معدة
مسبقاً. هل
عاد في وقت
غير مناسب؟
كان مسروراً
لرؤية أهله الَذينَ
فارقهم منذ
عقود. كان يود
أن يقترب منهم
ويضمهم بشوق
إلى صدره
ولكنهم كانوا
مشغولين بدفن
الجثمان ولم
يعيروه أي اهتمام.
اقترب من
الحفرة ونظر
الى وجه الميت
ولشدة دهشته
أنه رأى وجه
الزنجي المتفحم
المحروق قد تمثلت
ملامح وجهه هو
بأدق
التفاصيل.
الآن فهم ما
كان يدور حوله
وما يحدث له.. عرف
بأن الجثة
المحترقة في
المخيم في ذلك
المكان البعيد،
جنوب ايطاليا
بمواجهة البحر
كانت جثته
وليست جثة
الزنجي. إختلج
للحظة غير أن
الأمان تسرب
الى وجوده
بسرعة. فتح
عينيه ليتطلع
الى وجوه أهله
فألفاها
سوداء محترقة ملفوفة
بالأكفان. متى
حدث هذا؟ متى
مات أهله دفعة
واحدة. سمع
ضحكة ساخرة كالتي
سمعها داخل
القطار يتردد
صداها؛ فتتهشم
الأجسام وتتطاير
الرفات
والخرق
وتتحول الى دوامة
من غبار وسخام
تغطي الأرض
على مدى
البصر.
***
بعد نصف
ساعة .. تحرك
القطار
خارجاً من
المحطة
منحرفا الى
جهة الشمال، فأصبح
بإمكانه الآن
رؤية الرصيف
وغرفة الناظر
والبرج والساعة
العاطلة
وقامات
العمال الخمسة
بملابسهم
البرتقالية
السميكة وهي
تبتعد وتصغر
لتتلاشى خلف أشرطة
الأعشاب البرية
ونباتات
الحلفاء
الطويلة. أغمض
عينيه وحينما
فتحهما كان
الدفء قد سخن الكابينة،
فعدل من جلسته
المتشنجة
ماداً ساقيه
مسترخياً
بكامل جسمه
على المقعد.
من بعيد كانت
تلوح بيوت
متفرقة
لفلاحين وغابة
كثيفة خضراء تحولت
بسرعة الى
حاجز داكن تحت
زرقة الغروب.
وعلى زجاج
نافذة القطار
المضببة من
الجهة
الخارجية
انزلقت قطرات ندى
بتعرجات
مضطربة على
انعكاس صورته
وصورة الكابينة
الداخلية،
وتحول العالم
مع إطباقة
الليل الى نفق
داكن يجلجل
داخل الأنفاق
الكثيرة
المفاجئة التي
كان القطار
يخترقها في
سيره الكليل.
1984كلابريا
ايطاليا
كل شئ أخضر
كان
مصاباً
بالصرع. حالة
نادرة من
الصرع تجعل
الجسم ينام،
يسكن ويهمد
حتى ليخيل أنه
ميت. لم يكن
أحد يعرف عن
مرضه شيئاً.
له صديق أو صديقان
تعرّف اليهما
أثناء رحلاته
الطويلة بين
الخانات. كان
يبيع الجبن، وقد
إطلعته
النسوة
الساحرات على
أنه (سيعيش
عشرات المرات،
ويموت مرة واحدة)
كان يسقط فجأة،
ويبقى لساعات
وحتى أيام وهو
على حاله ذاك،
وكان يحلم (
بالرجل
الأخضر ) حلم
ذات يوم أن
الرجل الأخضر
قد ظهر. كان
واقفاً في
رقعة خضراء،
تمتد فوقه
سماء خضراء، وتستحيل
كل الأشياء
التي يلمسها
إلى اللون
الأخضر. كان
عدد من الناس
حوله قد تجمعوا
غير
مصدقين,وكان
هو بينهم.
حينذاك إقترب
الرجل الأخضر
منه ومسّ
ذراعه؛
فأطاعه ورقد
على الأرض.
رفع الرجل
الأخضر سيفه
وهوى به فشطره
شطرين دون أن
تراق قطرة دم
واحدة. أعاده
الرجل الأخضر
بعد ذلك إلي
الحياة وقال
له: ستصبح من
أعواني.
كان
يوماً مطيراً
فيه برد ورعد
حينما وصل رجل
الجبن إلى
بغداد. دخل أحد
الخانات التي
تؤوي مسافري
الليل
والغرباء بأجور
زهيدة. لم يكن
أحد يعلم عن
مرضه شيئاً، ولقد
كان متعباً
فلم يخبر
أحداً بذلك.
سقط رجل الجبن
واستحال على
الأرض جثة
هامدة..
ـ هل
تعرفونه؟
ـ لا.
ـ هل
يملك أوراقاً
أو هوية؟
ـ أهذه
أمتعته؟
سننقلها معنا
الى ( المركز).
رُفعت الجثة
وامتدت أكف
تشبه
الكلاليب
لرجال يرتدون
بدلات الشرطة.
مضت هذه
الأيدي بالجثة
إلى الشوارع
والهواء
والليل
والظلام, وانحرفت
أخيراً لتدخل
في رواق طويل أبيض
فيه مصاطب من
الخشب بنيّة
اللون. وضع
الرجال الجثة،
وكان الشرطي
الذي جلس ينتظر
حضور طبيب
الخفر، ويدخن
سيجارة، تنبئ
عيناه أنه كان
يتطلع إلى
نجيمات ذاوية
تذرّ في عينيه
النعاس. كان
طبيب الخفر
على عجلة من
أمره ومتعباً
دون شك. دوّن بسرعة
في ورقة ترخيص
الدفن ( وفاة
طبيعية ) ثم
رفعت الجثة من
جديد، وحُملت
على عربة تهتز.
امتدت
الأصابع؛
لترسم خطوطاً
متشنجة طويلة
انتهت فجأة
عند أصابع
مكتنزة هامدة.
سُكب ماء بارد
على الجثة،
حيث كانت
مسجاة على
حجارة
المغتسل
الرخامية.
وفي
مكان ما كانت
الحفرة قد هيئت
وكوّم التراب
على الجانبين.
ظلام
حالك يلّف المقبرة.
حارس المقبرة
والشرطي ورجل
المغتسل
كانوا
ثلاثتهم فقط متأهبين
الآن لدفع
الجثة
المجهولة إلى
مصيرها الأخير.
فجأة اختلجت
لفائف الكفن البيض
ودبّت فيها
الحركة! كانت
الجثة قد نهضت
وانتصبت
واقفة وفي
عينيها
ارتسمت صورة
الرجل الأخضر؛
فابتسمت بحب.
رجل
المغتسل
وحارس
المقبرة
والشرطي
ذعروا. غير أن
أصابع الشرطي
كانت قد تحركت
بشكل غريزي
وامتدت إلى
المسدس..
أزّت
ثلاث طلقات
نارية؛ فسقطت
الجثة من جديد،
وقد تلوثت
لفائف الكفن
بدماء بدت في ظلام
الليل الموحش
خضراء اللون!
بغداد
1978
الكابوس
كنت ممدداً
بكل جسمي في
سريري يقظاً
وحالماً في
الوقت نفسه،
أسمع صوت مؤذن
جامع الكَيلاني
له بحة غامضة
وحزينة. أخمن انها
الخامسة
صباحا. لم أر
نور الفجر
بعد. ألتقط
صوت حركة وسط
الدار. إنها
أمي تعد الفطور.
أسمع طرطشة
ماء وصوت حركة
ابريق. الصوت
يأتي من
الحمّام. أجزم
أن أمي تتوضأ لصلاة
الفجر. لا بد
أنها سمعت الطرق
هي الأخرى
فتوقفت عن
الوضوء
وتوجهت نحو
الباب.
الزلاجة
الحديدية
ترفع. أسمع
أصواتاً
رجالية خافتة.
من دون
أن استيقظ
أغادر فراشي
وأسير
كالنائم. أرى
أمي المسربلة
بالسواد
تتحرك ببطء زاحفة
باتجاه السلم.
لم يوقظ النقر
أخواتي
الثلاث أو أخي
الصغير. أحس
بهم دون أن اراهم.
صدورهم ترتفع
وتنخفض
برتابة النوم.
أهبط السلم
وأمر بأمي دون
أن أنظر إلى وجهها.
أحس ببرودة
بلاطات الدار.
أكتشف عري
قدمي. أتقدم
عبر المجاز
وأرفع
الستارة. باب
الدار نصف
موصد . أرى
ثلاثة أشخاص
بملامح متشابهة
. لم تكن
للوجوه عيون
أو أنوف أو
آذان. الوجوه
كلها عبارة عن
مستطيلات
داكنة يتوسطها
مربع أسود وفم
بلا شفاه. خمنت
أنهم رجال
الأمن أو
أعضاء الحزب.
انتبهت إلى رشاشاتهم
الموجهة
مباشرة إلى صدري.
لم يتحدثوا،
بل أصدروا
ضوضاء لا شبه
لها بالكلمات. فهمت
معنى أوامرهم. لمحت
غضون وجه أمي
وقد امتلأت
بالفزع. عدت ومعي
الأوراق
الثبوتية.
طلبوا مزيداً
من الأوراق. .
كل الأوراق. جدي
هو الذي بنى
هذه الدار،
وجيلان من
الأبناء
والأحفاد ترعرعوا
فيه. أكدوا لي
معرفتهم بأدق
التفاصيل. كنت
أحاورهم وهم
يردون بلا
كلمات. كان
ذلك كافيا
ليؤكد لي
بأنني مازلت
أحلم.
سحبوني
من ذراعي
ودفعوني هذه
المرة بخشونة.
كنت أسير
ببجامة النوم
حافياً. رأيت شاحنتين
عسكريتين
متوقفتين عند
فتحة الزقاق.
قادوني باتجاه
الشاحنة
الأبعد وساعدوني
على الصعود في
الشاحنة ، جلس
عدة أشخاص في
صمت بلا حراك
وكأنهم فقدوا
الشعور. كانوا
من أبناء
الحي. جلست
قرب شخص رمقني
بنظرة مواسية.
انتبهت
بسرعة إلى أن المسلحين
كانوا قد
دخلوا البيت.
مرت دقاق
طويلة وعسيرة.
خرج المسلحون
أخيراً بصحبة
أخواتي
الثلاث وأمي
وأخي الصغير.
كانت لهم وجوه
بلا تعبير، زرقاء
بلاانفعال
وكأنهم ماتوا
منذ أمد طويل.
قاد المسلحون
أفراد عائلتي
وصعّدوهم الشاحنة
القريبة من
الزقاق. رأيت وجوههم
للمرة
الأخيرة.
المسلحون
طرقوا
أبواباً أخرى.
امتلأت
الشاحنة بالنساء
والأطفال
بسرعة.
تحركت
الشاحنات واهتزت؛
فاهتزت معها
كل الأجسام
والرؤوس. ضجيج
المسلحين
يختلط بأزيز محركات
الشاحنات.
الشاحنات
تتفرق إلى
جهات متقاطعة ومجهولة.
الرائحة
من حولي أمست
نتنة. أجد
نفسي مستندأ
بظهري إلى
جدار غير سوي
رماديّ ولزج. لطخات
بصاق، مخاط،
بول وحتى غائط
ودم كانت تلوث
الجدار. الرائحة
لا تطاق وكان "الفيلية"
يتلاصقون
بأجسامهم
ويتحركون
باستمرار.
نتوء في الجدار
كان يثقب ظهري
ويضطرني إلى
التململ. كم
مضى عليّ في
هذا المكان؟
أحسست بفقدان القدرة
على التذكر.
هذه ليست
المرة الأولى،
التي
يرصّوننا في
غرف قذرة,
يخرجوننا كي
نرى النور للحظات،
ثم يغطون
عيوننا بقطع
قماش نتنة.
يطوقون أيدينا
خلف ظهورنا.
يوقفوننا قرب حفر
كبيرة مليئة
بالدم
والمعدومين
ويطلقون علينا
الرصاص. تسقط
أجسامنا فوق
بعضها البعض.
يواروننا
التراب ليوم
أو يومين ثم
يشقون حفرنا
من جديد
ويعيدوننا
بطابور إلى الغرف
القذرة. يدسون
إبراً طويلة
في أوردتنا
ليتأكدوا من
موتنا وخلو أوردتنا
من الدم.
كرروا هذه
العملية مئات
المرات
وسيكررونها الى
ما لانهاية.
كل مرة
يطلقون النار،
كانوا
يخطئونني. يطلقون
على جسمي و
يتجنبون رأسي
عمداً. ابقى
متخشبآ. أنتظر
على مضض.
يقترب شخص مني،
أسمع قهقهته
المعهودة.
يقرب مسدسه من
وسط جبهتي
ويطلق مرة
واحدة. أحس
بجسمي خفيفاً،
وأسقط داخل
فجوة بسعة
الفجوة التي تركتها
الرصاصة وسط
جبهتي.
أسقط
كما لو أني
أسقط من عل،
من سماء
وغيوم.
أترك
فتحة واسعة بحجم
جسمي في
الغيمات التي
يخترقها سقوطي
البطيء. بخدر أوازن
جسمي , وأسند
رأسي بكفي كما
لو كنت متكئاً
على وسادة من
ريش. أسقط أخيراً بين
الأجسام
الميتة
واستيقظ. أسمع
صوت مؤذن جامع
الكَيلاني له
بحة غامضة
وحزينة. أسمع طرطشة
ماء، وصوت
حركة إبريق
أمي وهي تتوضأ
للصلاة.
امريكا 1998
الوطواط
تسلمت
المفتاح
وقصدت غرفتي
بخطى متعبة.
لقد قضيت
صباحاً
مرهِقاً
جديداً بالتنقل
بين الشركات
والدوائر من
أجل الحصول
على عمل, ومن
نافذة غرفتي
شاهدت سطوح
المنازل تتلاحق
بشكل غريب
وكأنما
البيوت نفسها
متداخلة بعضها
ببعض. جاءني
عامل الفندق
بعد قليل وهو
رجل عجوز أشيب.
وقف عند الباب
وبقي صامتاً.
عرفت فيه عامل
الفندق لأنني شاهدته
في الأسفل. طلبت
منه أن يغيّر
الشراشف؛ فلم
يستجب. طلبت
منه أن يأتيني
بقدح شاي
فتجاهل
كلماتي كأصم.
اقتربت منه
بلطف ووضعت يدي
على كتفه
وأعدت عليه
طلبي الأخير.
لم ينطق، بل
ذهب بسرعة وبنشاط
لا يتناسب مع
عمره ولبى
طلبي. لاأعرف لماذا
أحسست تجاهه
بالشفقة وهو
يحاول تغيير شراشف
السرير. كان
عمره مقارباً
لعمر أبي.
ـ أنا
آسف لإتعابك.
ـ .......
ـ هل
تعمل هنا منذ
زمن؟
ـ .......
.ـ يا عم
ألا تسمعني؟
وهنا
أدار وجهه
إليّ وبخطى
رتيبة هذه
المرة وبعينين
خائفتين مرق
من أمامي،
وانسلّ بهدوء
إلى خارج
الغرفة.
في
اليومين
الأولين
تعرفت بشاب
كان يقيم في
الغرفة التي
تجاور غرفتي.
وحينما كُنا مجتمعين
ذات مساء
نحتسي في
الشرفة أقداح
البيرة، لمحت
رأس العامل
وهو يعبر
الزقاق ويختفي
في أحد البيوت
الخربة.
ـ كلمت هذا
العامل منذ
يومين، لكنه
لم يرد عليّ ,
هل هو أصم؟
ـ كلاّ، إنه
مجنون..
شرقت في
البيرة ودفعت
بما تبقى منها
إلى خارج فمي.
ـ
مجنون؟!
ـ يبدو
لي هكذا .. أو
ربما هو بليد
أو متخلف
عقلياً. أترى
هذا البيت
الذي دخله؟ إنه
بيته، حيث يعيش
مع زوجته .. ولو
رأيتها لما
صدقت
عينيك..شابة
في غاية
الجمال.
كانت البيرة
قد فعلت
فعلتها؛ فأخذ
يسرد لي هذه
القصة . قال:
زرت زوجته ذات
مساء، دخلت
الغرفة فوجدت
عامل الفندق(
زوجها) وقد
وضع رأسه في
حجرها
وأصابعها
تداعب شعره كما
لو كان طفلاً.
حينما رآني
تزحزح إلى
الخارج وتسمر
عند البوابة
يراقبني طوال العملية.
أصارحك بأني
لم أحس بلذة
كبيرة بسبب
وجوده. ولقد
عرفت فيما بعد
أنه حينما
ينهي عمله في
الفندق، حيث
يبقى حابساً
نفسه طوال
النهار،
يهرول بسرعة
ليختفي في
بيته، ولا
يخرج منه حتى
ينتصف الليل
وتخلو الشوارع
من المارة، ثم
ينطلق بعدها
في جولة طويلة
لا يعود منها
حتى يخرج أول
إنسان وتبدأ
الحياة في
الحركة، ومن
ثم يعود أدراجه
سائراً لصق
الجدران
ممزقاً قماش
دشداشته لشدة
احتكاكه بها. كان
وجه الشاب قد إحمرّ
بسبب البيرة
وتحمسه
للموضوع؛
فأخذت يداه
ترسمان
الكلمات في
الهواء وهو يتحدث.
قال: كان أمر
هذا الرجل قد
شغلني تماماً؛
فقررت أن
أتبعه في مرة
من مرات تطوافه
الليلي. أعددت
لذلك عدتي.
شربت كمية
كبيرة من
القهوة؛ كي
أبقى يقظاً،
وعند منتصف
الليل
تقريباً
أطفأت نور
غرفتي، وخرجت
إلى الشرفة
أرقب باب
بيته.
لم يطل
انتظاري؛
فبعد نصف ساعة
خرج رأس صغير توهمت
في البدء أنه
ليس رأساً
بشريّاً.. تلفّت
العجوز
يميناً
وشمالاً، وحينما
تأكد من خلو
الشارع
تماماً؛ دفع
بجسمه كلّه
إلى الخارج
ومضى سائراً.
نزلت بسرعة
حتى أنني
أيقظت بعض نزلاء
الفندق بضجيجي.
كان الرجل قد
وصل إلى نهاية
منعطف واختفى
هناك. فكرت
أنها فرصة
سانحة أن اخرج
الآن، حيث أستطيع
أن أتبعه
وأراقبه دون أن
يشعر بوجودي.
مضيت أتبعه
نصف ساعة. كان
يتحرك بخطى ثابتة
ورياح الليل
تداعب ردني
دشداشته. كان
يسير وسط
الشوارع، أما
انا فكنت مختفياً
في كسرات
الجدران وخلف
شجيرات
الأرصفة. فجأة
أحسست بدوار
في رأسي،
وحينما فتحت
عينيّ؛ وجدته
قد اختفى.
خرجت من
مخبئي،وعدوت لعلّي
أعثر عليه. كنت
متيقناً بأن
نزهته الليلة
هذه تحمل سراً
غامضاً. كان
فضولي الشديد
يدفعني
لاكتشافه. ومن
ثنية في
الشارع وأنا
لا أزال أعدو،
قفز علي شخص
له وجه انجلت
منه وحشية
مرعبة. لا أتذكر
كيف عدت إلى
الفندق وأيقظت
بعض النزلاء
وأخبرتهم
بالأمر. كانت
الدماء قد
سالت من وجهي
وبللت قميصي
ببقع كثيرة.
سرنا جميعاً
إلى البيت
المهدم،
دفعنا الباب
فانفتح. كانت
الزوجة تضمه
إلى صدرها و
تداعب شعره.
كان
يردد : إني
خائف. .
وكانت
هي تبكي.
ضحك
الشاب؛
فايقظني صوته
على حقيقة أنني
قد تأخرت
كثيراً.
ودعته
على عجل، وعدت
أدراجي إلى
غرفتي ولم انم
تلك الليلة.
بغداد
1978
الجواد
الى
رياض
استطاع
بأعجوبة ان
يهرب، أن يعدو
بكل ما في
جسده من قوة.
وبما انه عبر جبالاً
وصحارى، سهولاً
وودياناً. قطع
أنهاراً
ومحيطات، فقد
اطلّ علينا
بتلك الهيئة،التي لا
يجد امامها ايّ
أنسان آمن إلاّ
أان يصرخ رعباً.
لقد هرب
من الموت.
تسلل من
الجحيم
بأعجوبة. كانت
عيناه
جاحظتين
بارزتين
وشعره تلون بلون
الطين والقار
والدخان وعلى
وجهه ارتسمت
معالم
وتضاريس الأراضي
التى عبرها والأمطار
والأعاصير.
كانت أنفاسه
قد تقطعت.
وكان فمه الذي
غدا كفجوة
جافة، يتلعثم بكلمات
متنافرة
غامضة، تترك إنطباعاً
واحداً هو ان
ذلك الشاب
المسكين كان
يرتعش خوفاً.
كنا
نحتل أنا
واصدقائي
الثلاثة غرفة
صغيرة. غرفة
من أظلم غرف
الأرض وأشدّها
رطوبة. وكان من
الطبيعى جداً أن
نفسح لذلك
المخلوق
المرتعش
مكاناً على
الأرض لينام
فيه، ويشاطرنا
طعامنا. وكنا هكذا
طوال أيام
عديدة.. وكلما
جمّعنا
المقاطع الى
بعضها؛ نعرف
بالتخمين ولكن
دون يقين أن
الهارب من أحشاء
الجحيم هذا
يدعى جواد. أما
وثائقه
الصفراء الممزقة
والتي ضاعت
وامحلت فيها
الكلمات؛ فلم
تكن لتنفعنا أو
تساعدنا في
الكشف عن اية
معلومات
جديدة سوى أنه
كان من اصل
عراقي! لم نكن
نعرف
بالتحديد من أين؟
أهو من الريف أم
من المدينة؟
من الجنوب أم
من الشمال؟
غير ان ذلك لم
يكن يهمنا على
الأطلاق؛
لأننا كنا نرى
فيه صورتنا
الحقيقية منعكسة
بصدق دون رتوش
لضمائرنا القلقة
وأرواحنا
المرهقة
بالأشباح
والموتى
والظنون. فاذا
كنا نستيقظ
اثر كابوس صارخين
في الظلام,
كنا نجده
قبلنا يقظاً
بعينيه
الجاحظتين
وشعره الطيني
هناك متشنجاً
متلفتاً الى
الزوايا
وموشكاً على
الأختناق؛
فكوابيسنا
كانت كوابيس
نوم، أما كابوسه
ففي اليقظة
ودائم ومستمر.
وكنا نرعاه ونتتبعه،
نحرسه ونمرضه
كأخ حقيقي.
أحياناً،
وفي أوقات
متباعدة، كنا
نحصل على عمل،
أيّ عمل، وكنا
نقدم خدماتنا كمجموعة
: صبغ دور،
توزيع
اعلانات،
تنظيف..الخ.
نجمع ونقتات
على ما نحصل
عليه ببطء شديد
وبحرص دون
التفكير
بالكماليات أو
بأي سفاسف أخرى
مشكلين عائلة
فقيرة حقيقية،
كومونة
صغيرة بمعنى
الكلمة. فكرنا
ذات يوم باصطحاب
جواد معنا,
علّ جو العمل
يعيده للمحسوسات
وينسيه خوفه.
غير اننا ما
إن وصلنا العمارة؛
حتى إعترضنا
المدير المسؤول
ويداه عند
خاصرتيه! لقد
البسناه
ملابس نظيفة،
لكن شعره بقى أشعث
خشناً
متناثراً في الهواء
رغم اننا
غسلناه بالماء
والصابون،
وعالجناه
بكمية كبيرة
من الدهون!
عدنا ادراجنا
وتركناه في
الغرفة وقررنا
عدم اصطحابه أبداً.
***
مرت ستة اشهر...
إنقطع جواد
خلالها عن
تناول الطعام
بشكل منظم،
وكان يبدو
اكثر تأزما من
أيّ وقت مضى
صامتا متطلعاً
الى المصباح،
ومشيراً
بعينيه وأصابعه
دائماً الى الزوايا:
مخلوقات
عجيبة وهوام لامرئية
تحاصره؛
فيبدأ الصراخ.
وكنا نكمم فمه
بايدينا غير
انه كان يعضنا
ويفلت منا؛
حتى فوجئنا
بصاحبة
العمارة، وهي
امرأة عجوز
زنخة قذرة بكل
ما في الكلمة
من معنى، عند
باب الغرفة،
وهي تهدد
بطردنا إذا ما
بدأنا خصامات
جديدة. أقسمنا
لها بعدم وجود
شجار وان تلك
الصيحات التي
سمعها الجميع ما
هي غير صرخات
صديقنا
المريض
المتألم، لكنها
حذرتنا بتلويح
قبضتها من جديد،
وبصقت على
الأرض.
قررنا أخذه
الى طبيب. وبما
اننا لم نكن
نملك أىّ نوع
من الضمانات
الطبية؛ فقد اكتفينا
بالحبوب
المهدئة،
نسحقها له مع
الشاى
والطعام. وذات
مساء، حيث تركناه
في الغرفة
بمصاحبة مسجل
وأغان عراقية..وجدنا
باب الغرفة
مفتوحاً
والقفل
منتزعاً
وجواد غائباً.
لقد
هرب جواد .. إختفى،
عدا بأقدام من
ريح.
***
لاأعرف
فكرة من كانت
تلك؟ غير ان أحدنا
توقع على ما
يبدو مثل هذه
الخاتمة.
كتبنا عنواننا
ووضعناه في
جيب جلدي صغير،
وعلقناه
بسلسلة في
عنقه مثلما
تعلق الأجراس بأعناق
الجياد
الأصيلة. وبما
اننا لم نكن
نملك هاتفاً؛
فإن رسالة من إحدى
الدوائر الرسمية
وصلتنا تتضمن
ما يلي : وجدنا
هذا العنوان
بصحبة مجهول
الهوية؛ فرجاؤنا
لأيّ شخص له
معرفة أو
علاقة
بالمتوفي، الإتصال
على العنوان
التالي. و
بنهاية
الورقة العنوان،
أما التارخ
فيعود لأسبوع
مضى.
لقد مات
جواد.. توقف عن
العدو! غير أن
حضوره
غيرالمرئي,
لازمنا لشهور
بعد ذلك. كان
ظله الغامض
يقترب منا، ونسمع
حفيف خطاه،
دوراته
الخرساء في
الغرفة، ثم
صرخته الموحشة
المفاجئة،
التي يتردد
صداها طويلا ًطويلاً
قبل ان يتلاشى
مع ضوضاء الظلام.
احتفظ
بجواد بعد
التشريح في
ثلاجة مدة
ثلاثة ايام. وفي
مثل هذه
الحالات،
واذا لم يتقدم
احد؛ فإن
الجثة تعاد
الى المختبر
حيث تنتظرها
المشارط
والمباضع.
تجرى عليها اختبارات
وتحليلات,
تقطع ثم يعاد
تقطيعها أسوة
بجثث مجهولي
الهوية
الأخرى. تبقى شهوراً
وحتى أعواماً
حتى اذا ما تم
جمع اكبر
كمية من
المخلفات
والنفايات،
ثم توضع في أكياس
صفراء، وتدفن
في قبر جماعي.
وعند الحفرة
يرسم قس عجول
اشارة الصليب.
أعيدت الجثة
الينا أخيراً،
فقام (السيد) العراقي
الذي هب
لمساعدتنا والذي
تعهد بنفقات
الدفن بغسله
وتكفينه وسط
الغرفة وعلى
منضدة الطعام
الطويلة المتآكلة
الطلاء أمام عيوننا،
ثم عطّره بالمسك
وماء الورد، ووضع
بين أسنانه أعشاباً
لها شذى غريب.
كانت
المقبرة
بعيدة وكان
الثلج قد بدأ
يتساقط. كانت
مقبرة واسعة
باردة, بل
غابة موحشة
مكتظة باشجار
الصنوبر
العملاقة
الباسقة. ولقد
قسّمت الي
مقاطعات..كنا
نتوغل عميقاً
عميقاً بين
الصلبان
ونجمات داود،
حتى وصلنا الى
مرتفعات
جرداء، حيث
كان
المغتربون المسلمون
يدفنون
موتاهم. قال
السيد: قليل
من التراب .. التراب
فوق الميت محبب.
كان
الطقس بارداً،
وكان جواد نظيفاً
هادئاً
مسربلاً بكفنه
الأبيض لا
يظهر منه سوى
وجهه العراقي.
اتفقنا
عندما
انفصلنا بعد
ذلك بعام، أن
نبقى على
اتصال
ببعضنا.. فلو
مات أحدنا؛ فسيتكفل
الباقون
بدفنه. لعلنا
مثل جواد
نتحول الى محض
ظلال.. ظلال لا
يراها أحد،
ولا تخاف من أحد؛
فنعود أحراراً
في نهاية
المطاف.
امريكا
1992
الأنين
ينبثق
الصوت مثل
طرطشة أمواج
ضعيفة فوق
ساحل صخري
منعزل.. ورويداً
رويداً تطبق
صافرة ريح
بعيدة، وتفتح
الأمواج كل
حنجرتها،
وتقسو الصخور،
وتتهشم
الأمواج
بضربات عالية،
تزداد حدة
وسرعة مع
نبضات قلبه.
ينظر حوله..
ليس هناك من
مهرب. يدخل إصبعه
في أذنيه،
ويحشر حنكه
بين ركبتيه.
تنفجر
العاصفة فوقه، فيحس
بالريح تطوق
مساماته... ثم
يهدأ كل شيء ..
لحظة
صمت.
إصبع ما تتحرك
بين الأرض
والسماء.
الشفق
اللازوردي.
الإشارة
السرية، ثم
يبتدئ العالم
بالولادة:
الأصوات
الأولى
للطبيعة،
صيحة ديك، إنبثاق
نبتة من
الأرض, خفقة
جناحي طائر يحلق
للمرة الأولى.
خطوات إنسان أوحيوان.
إنجراف مياه.
تختلط
الأصوات كلها
من جديد خفيفة
ولكن مسموعة بإيقاع
واحد مضطرب
متداخل قوي،
ولكن غير
مفهوم، ثم
تقفز من الوشوشة
الغامضة صيحة أو
صوت ناتئ
لتكسر جذع،
كلمة عالية،
صرخة، آهة،
تمتمة، صفير، زئير..
قطرة مسموعة
في بئر يعقبها
أنين طويل
لنفس واحد.
قوي جدا،
متألم، يشق أذنيه
ويرعب عقله.
***
لم يكن
مؤمناً
بالخرافة، غير
انه غيّر
غرفته. كان
الصوت يأتيه
حينما يدخل
فراشه، ويتذكر
أنه قضى يوماً
رتيباً شاقاً،
وان جسده
يستسلم الآن
للراحة
ولعذوبة بخار
الحمام الساخن،
الذي أخذه قبل
لحظات.. سمع
الصوت فجأة
هكذا وبلا مناسبة
او سابق
انذار. فنهض من
سريره، وطاف
في الغرفة وضرب
على الجدران.
مفتشاً عن سبب
لكل هذه
الجلبة
الغامضة ( لابدّ
أن هناك عطباً
خطيراً في أحد
المواسير) فكر
بادئ الأمر،
ثم تخلى عن
الفكرة حالماً
تلاشى الصوت.
لقد أمضى في
هذه الغرفة أكثر
من أربعة أعوام،
ولم يعهد له أن
سمع شيئاً
كهذا.. لابد
انه التعب
والأعياء, غير
ان الصوت عاد
في الليلة
الثانية, في اللحظة
نفسهاالتى
اغمض فيها عينيه
محاولا النوم.
الصوت
حقيقي وواضح,
انه لايحلم.
فتح النافذة
فرشقته ريح
باردة من
طرقات خالية,
عاد ووضع اذنه
على الجدار(
لابد ان شخصا
ما قد فتح
ورشة صغيرة في
احدى الغرف
الأرضية! كيف
يمكن لاحد ان
يقلق نوم
الأخرين
المتعبين والمرضى
على هذا
النحو!) . انصت
بشكل اعمق..
انها ضجة من
نوع اخر, كما
لو ان الريح قد
وجدت لها
منفداً او
نفقا فيها. بل ان
االصوت اكثر
تعقيداً
وتشعبا من
ذلك. اصوات
وانفاس
انسانية
غامضة. عاد من
جديد الى فراشه
, اطبق جفنيه,
ووضع حشوتين
من القطن في
اذنيه وحاول
ان ينام. كانت
الوشوشة تتحول
رويداً رويدًا,
وبشكل لا يقبل
الخطأ الى
انين.
***
يخترق
الأنين سداد
اذنيه, بل
ينبع من داخل
الحشوة, بل من
اذنيه
نفسيهما من
جسمه, من اطراف
اصابعه. انه
يسمع حركة
مفاصله, قرقرة
معدته, نبض
قلبه, سريان
الدم في
اوردته, صمماته
الضاربة,
الحركة
المشحونة
داخله, شئ لا
ينقطع ولا
يمكن تجنبه.
انها ضوضاؤه هو.
ابعد حشوتي
اذنيه بحركة
عصبية. فأبتعد
الصوت وانسحب
الى الجدران
من جديد.. كلا..
ان تلك
الأصوات لها
قدرة غريبة
للتحول والوصول
اليه. وفكر
بالذبذبات
غير المسموعة,
غير ان الصوت
لم ينقطع. بل
اصبح اكثر
وضوحا وقوة
هذه المرة..
ياتي من ناحية
واحدة, من
ساعته
المنضدية
الموقوتة قرب
السرير. دق
قلبه بعنف,
وكان الصوت قد
تحول تلك
اللحظة بشكل
نهائي الى
مخلوق شرير.
ضغط على
الساعة التي
ترن معلنة السابعة
صباحا فتوقف
صوت المنبه,
وتوقف معه
الأنين فجأة,
ياله من
كابوس! ذهب
الى المغسلة
وفي المرآة
الصغيرة ,
اكتشف وجها لم
يعرفه.. كانت
بشرة وجهه قد
تجعدت واصفرت,
وتلون جفناه
بلون يشبه لون
السخام,
وتبعثر شعره
الدهني في كل
مكان. غسل وجهه
بماء ساخن,
وضرب وجنتيه
بيده عده
مرات, كي يعيد
الدم واليقظة
الى رأسه.
ابتلع
جرعات ساخنة
من القهوة دون
ان تكون له
شهية للأفطار.
وجد احد
مستخدمي
الفندق في
الطابق
الأرضيّ.
وبكلمات
سريعة غير
مبالية شرح له
مشكلة
المواسير
المحطمة داخل الجدران
والأصوات
التى تقلقه ليلاً.
غير ان مخاوفه
كلها كانت قد تبخرت
مع اضواء الصباح
ومع الوجه
البليد غير
المكترث
للعامل الذي لم
يفقه منه شيئاً
على اية حال.
***
عند
خروجه من
العمل, وجد
نفسه ينعطف
ويختار من بين
المجلات
الكثيرة
المعروضة في كشك
الصحف , مجلة
طبية متخصصة.
وفي الساعات
التالية, في
المطعم
الصغير, وفي
المقهى التى
يقابل فيها
بعض المعارف.
عكف على قراءة
المقالات
التي تتحدث عن
الأمراض العقلية,
صور باهرة
التلوين
لأجزاء من
الجسم منتزعة
ومشرحة بكل
الألوان:
القلب الأحمر
القاتم
وعروقه
السوداء,
الوان الدماغ,
الخلايا
والأوردة والفصوص
والغدد والأفرازات..
البنكرياس,
القولون,
العضام
المحطمة,
الخلايا
الشوكية,
المكروبات المكبرة,
البكتريا,
الغدد
اللمفاوية.. السائل
المنوي.. ترك
المجلة على
طاولة المقهى,
وخرج, وحرارة
محرقة تطوق
حنجرته.
في
غرفته, وقد آب
مبكرا, اكتشف
انه احتفظ
بمجموعة من
الصحف
والمجلات
والمنشورات الدورية
التي تصله
مجانا في
البريد.. صور
جديدة لجثث وقتلى
وجنود وحرائق
ونيران وحروب.
مقالات عن
معارك, انتصارات.
عناوين بارزة
عن مجازر
انسانية, كوارث
طبيعية, ارقام
محددة لموتى,
كتل هائلة من
اجسام بشرية
متراكمة فوق
بعضها او
مصفوفة بنسق واحد.
وجوه مشوهة,
عيون جاحظة.
افواه مفغورة,
رعب اخر
اللحظات,
وصرخة الموت
التي دفنت
والى الأبد في
الحناجر. تذكر
انه سأل احد ساكني
الغرفة
المجاورة عن
الصوت غير ان
ذلك نفض كتفيه
وغادر الرواق
بعجل.
انها
مشكلته وحده
اذن.. ان الصوت
في غرفته
وحدها. وحينما
سمع الصوت..
الوشوشة.. الأنين.
اطبق جفنيه
مؤمنا ان ليس
هناك من وسيلة
لأيقافه. غير
انه لم ينم
وبقيت عيناه
معلقتين
بشمسية صغيرة
متدلية من سقف
الغرفة. كانت
لطخات
الأقذار تتخذ
شكلا: عينين,
وجهاً بشرياً,
انفاً وفماً
مفغوراً. وكان
الأنين ياتي
من تلك
الفتحة, من
ذلك الفم.
هذه ثالث
غرفة يغيرها
خلال اسبوع.
حينما انسل
الى السرير
تحت الشرشف ا
لبارد انسل اليه,
وبنفس درجة
التوتر
الدفين , ذلك
الصوت, من لا
مكان, بالدرجة
التي ايقن
فيها بوجود
خلل ما, بوجود
مخلوق ما ـ ان
صح استسلامه
اليائس للوهم
ـ يطارده
ويدفع بموجات الأنين
الى اذنيه,
بشفرات حلاقة
الى اوصاله
جميعا. هل
يقفز من
الفراش ويضرب
الهواء بقبضته
صائحا: انت.
فيتوقف
الأنين. هل
يحيل تلك
الوسوسة الشيطانية
الى حوار:
لماذا لا تحدث
نتخاطب. مخلوق
لمخلوق.
نتفاهم وننفض
ايدينا من كل
هذا لبؤس.
انني اعرف اقدار
الناس وقدري
الشخصي . اعرف
انني ساموت
يوما بالتفاتة
استثنائية من
الأقدار ولكن.
توقف الانين
فجأة. هل يقول
شكراً؟ لم
يكترث كثيراً,
فأن موجة من
العبث والسخرية
من النفس طوته
بعيداً, وهو
ينحشر بين
الأغطية , في
بحر نوم عميق
وثقيل. ولكن
قبل ان يرن
صوت المنبه في
غرفته خيل له
انه سمع
الانين من
جديد.
جمع
مجلاتاً
وصحفاً وكتباً
اخرى.. عن ماذا
كان يبحث؟ لم
يكن يعرف
بالتحديد, غير
انه كان يعتقد
على نحو ما,
غامض تماماً,
ان سرالصوت يكمن
هناك. فكرة من
الأفكار
الطائشة معلقة
في احدى الصحف
او الاعمدة
غير ا لمثيرة.
انها
فكرة ما, حدث,
او اعداد
واحصائيات,
تنبثق منها الأشارة
او التلويحة
التي تجعله يكتشف
ا لسر. عاد بعد
ان زار طبيبا
متخصصاً
بالأمرض
النفسية
والعقلية الى
غرفته والى سريره,
والى الانين
الذي لا يكف
عن ملاحقته.
ادعى الطبيب
ان لاسبب
للخوف
والريبة, فهو
مجهد لقلة
النوم فقط.!
توقف
عند النافذة,
كانت الساعة
تشير الى
الواحدة بعد
منتصف الليل.
حدق في مربع الظلام
الذي هو
المدينة كلها
بوميضها
واضوائها الخافتة
المنعزلة. كان
الأنين قد جعل
يديه ترتعشان
. سدد انبوبة
مسدس اسود
قديم مزيت
بعناية وبعيار
كبير كاف
ليوقف حياته دون
خطأ. وحين مس َ
الحديد
والفتحة
الباردة عرق صدغه
النابض .
انقطع الصوت
وحل محله صوت
طويل مكبوت,
وكان يسمع
حشرجة رئتيه
وانفاسه. كانت
اصابعه تتحسس
النتوء
السفلي من
الحديد الذي
غدا ثقيلا في
يده. غير انه
لم يكن قادراً
على الحركة او
تغيير موضعه..
مشلولاًا
تماماً,
وكأنما منذ
ساعات, شهور,
قرون.
كان
الصمت يختنق,
يبتدئ, يتوحد,
ورويداً
رويداً, تاتي الريح..
الريح
البعيدة المذهلة.
تنبثق من شُعب
وثقوب مجهولة
المكان, تندفع
وكأنما من الماضي,
مختطفة معها ذرات
رمل, قطرات
دمع,
ابتسامات,
وجوهاً,
افواهاً,
شفاهاً..
معالم مقبرة
كاملة, متخلفة
ومنسية في
مكان ما في
رأسه. تندفع
الريح عبر
ماسورة المسدس,
تدخل نهاية
الأسطوانة السوداء,
وتقطع
المسافة بين
الأصبع
المرتعشة,
والأذن التى
كان ينبض
خلفها عصب
قوي. يتحرك
الأصبع, ينكشف
السر, ينقطع
الأنين,
وينتهي المشهد.
امريكا 1992
الشبيه
انحنت
العجوز
المسربلة
بالسواد،
واخذت تجمع
قطع الصحن
المتناثرة، والذي
تحطم عفواً قبل
لحظات. كانت
تمسح الغبار
عن المواعين
والقواري في
الدولاب
الزجاجي ذي
المرايا، حين
تعثرت يدها
بذلك الصحن
الثمين
القديم،الذي
توسطه رسم
باللون
الأزرق
البارز لشخص
ما.
ارتعشت
اصابعها فوق
المنديل
الكبير وهى
تجمع القطع
المتناثرة،
ومن عينيها
لاح شئ أشبه
بالدموع. لكن
ملامح الوجه أبت
أن تتجمع إلى
بعضها.
دخل
مصلح
(الفرفوري)
الساحة حاملاً
معه كيس الجوخ
وعجلته
الدوارة
ووجهه وسره الكبير.
كان في
الخمسين من
عمره، وكانت
هيئته تدعو
الى الريبة
كما لو ان
الرجل تنكر
بتلك الحلة
لغاية ما. كان
فيه لطف لا
يناسب صنعته.
وتوقف عند طرف
الساحة قريباً
من تخوت مقهى
مكشوفة،
يراقب بعينين
نصف مهمومتين
الحركة وردود
افعال الناس تجاهه.
أبو
جواد صاحب
المقهي تمتم
مع نفسه: أي
وجه غريب يملك
ذلك الرجل؟ إنه
يذكرنى بشخص ما!
ثم كما لوخطرت
للجميع
الفكرة نفسها
وفي وقت واحد؛
نظر رواد
المقهي, في
عيون بعضهم
البعض وكأنهم
لا يصدقون ما
يرون! تجمهر
اشخاص في
شرفات حول
الساحة، فتحت نوافذ
ثم اغلقت.
فتحت أبواب
وانسل منها
شيوخ وعجائز
صبيان تمشوا
في الساحة،
وتلكأوا هنا
وهناك ثم
عادوا السير.
تجمعت نساء
قليلات، وفي
أيديهن أوان محطمة
وسكاكين ومقصات
وفؤوس وجلسن
على الأرض، ثم
أخذن يثرثرن بأصوات
خفيضة،
وأيديهن
تتحرك
بانفعال تحت فوطهن السوداء.
تشمم
أعمى بدين
متفرد في أحد
تخوت المقهى،
الهواء ثم
تشمم يديه
وعصاه وزفر متأوها:
يا إلهي أهذا
معقول؟!
كان
مصلح
الفرفرفوري
الذي ترك
حذاءه على
الأرض، ودفع
العجلة
الدوارة، يعمل
بجد من دون أن
يرفع رأسه؛
مما دعا الآخرين
الى التقرب
منه أكثر فأكثر.
وتجرأت عجوز
داكنة السمرة،
محنية الظهر
على الوشوشة
في أذنه وهي
تنقده اجرته؛
فارتسمت على
وجهه إبتسامة
عريضة، فبدا
الشبه الآن
عجيباً، بل
غير معقول.
وتفوه صاحب
سبحة (يسر) طويلة،
كانت خرزاتها تطقطق
بانفعال،
ويلمض بلسانه
ماسحاً شفتيه..
إنه هو.. إنه هو
دون شك!
كان الناس
قد تجمهروا
على شكل حلقة
كبيرة حول
مصلح
الفرفوري,
مماجعله يحس بالارتباك
والضيق، فجمع
ادواته في
كيس الجوخ،
وعلق عجلته
بكتفه تماماً
كما جاء ومن
الجهة نفسها
سار تشيعه
العيون حتى
اختفى تماماً.
تقلب الناس في
أسرّتهم
الصيفية فوق
السطوح تلك
الليلة ولم ينموا
. كانت عيونهم المسهدة
قد تعلقت بتلك
الصورة
الغريبة
المرسومة على القمر،
فبلبلتهم
الأفكار والأمنيات..
وضعت
العجوز
المسربلة
بالسواد،
الصحن الذي أعاده
مصلح
الفرفوري الى
الحياة. في مكانه
بين صحون
الخزف الصيني
القديمة
المتربة.. فتوضحت
ملامح الوجه
المرسوم باللون
الأ زرق البارز
وسط الصحن.
عكست المرآة
الجانبية
للدولاب،
السدارة
والابتسامة العريضة،
بل كل وجه
الزعيم.
روما 1980
ثلاث أفاع
هذه
الأفاعي التي
تسكن حدائقنا
وجدران
بيوتنا أو
التي تحيا
معنا، في داخلنا
لكننا لا نراها؛
علينا أن
ننتظرها
لنقابلها ذات
يوم.
أفعى
رقم(1):
على
إحدى
البلاطات
المرمرية
الصقيلة.
والتي تكّون
في ما بينها
سلماً صغيراً
وقفت الفتاة
تتطلع إلى
الحديقة. إنها
تلمح الآن أحد
جوانب السور
المرتفع
والذي حجب
عنها كل ما
يقع في
الخارج. تملأ
رئتيها رائحة
جذور
النباتات
الرطبة
المسحوقة
وتدعوها لأن تنقاد
مستسلمة،
فتخطو ببطء
وببطء شديد،
تتلفت برقة
إلى البيت
الضخم الصامت!
وكأنها تخشى
أحداً
يراقبها. عبرت
الفتاة ممراً
ضيقاً بين نباتات
كثيفة تكوّن
سياجاً طويلاً،
وكانت تتوغل
داخل البستان.
كانت
الفتاة ذلك
المساء قد ارتدت
ثوباً عريضاً
شفافاً ذا لون
أرجواني, توزعت
عليه وريقات
خضر زين
محيطها خيط
فضي له بريق.
كانت تحس
خشونته على
طول ذراعها العارية.
وحينما مرت
ببركة رائقة
للمياه
يتوسطها
تمثال (كيوبيد)
شاداً قوسه
ودافعاً
بمياه الصبي
من فمه، مرت
بانعكاس
صورتها في
الماء؛ فأحست
بأن شيئاً ما
في داخلها قد
تغير. هذا
البيت اللعين
أما كان على
والدها شراءه
في مكان أفضل!
لمحت الفتاة
عجوزاً خرباً يقف
عند البوابة
الجانبية
للبستان،
فتقدمت منه
وراحت
تتأمله..
ـ
البستان مليء
بحشائش وحشية
متشابكة قد
تعرضين حياتك
لخطر إحدى
الحشرات أو الزواحف
إذا توغلت
اكثر..
ـ أنت
الحارس؟
ـ نعم..
لقد أعفاني
والدك من
صيانة
البستان ولقد
بعثنا إلى
القرية لجلب
بستاني شاب. .
مثل هذا العمل
لا تقوى عليه
إلا عضلات
مفتولة.
ـ ابق
ولا تخشَ
شيئاً.. سأجوب
البستان
بمفردي.
كان ظل
الفتاة يبتعد
رويداً
رويداً،
وقريباً من
البوابة
استسلم
الحارس الشيخ
لصمت وسكون
محايد. كانت
الفتاة تحس
برائحة
التربة تملأ منخريها،
وكانت الأرض
تحتها قد استحالت
هشة، وأخذت
الأعشاب
البرية التي
نمت في كل
مكان تسد
عليها طريقها،
وتخدش ساقيها
غير أنها كانت
تمضي بخطى
عنيدة غير آبهة
بشيء. حينما
التفتت إلى
الخلف وجدت أن
القصر أمسى
بعيداً،
وفكرت أنه
بستان كبير، والزهور
التي تملأ المكان
رائعة. فكرت
للحظة أنها
بعيدة ووحيدة
في هذا المكان.
هذه الفكرة
جعلتها تقاوم
شيئاً وحشياً
ملأ صدرها؛
فأخذ يرتفع
وينخفض بسرعة
فائقة( ترى
ماذا لو فاجاءتها
أفعى الآن؟!)
وشكل
الأفعى جعلها
تحس برعدة
تسري في
بدنها. لن تفاجئها
الأفعى فانها
ستقوم بعمل فريد،
ربما لم
تسبقها إليه
واحدة من بنات
جنسها.. إنها
ذاهبة لتبحث
عن جحور الأفاعي..
ستجد واحداً،
جحراً صغيراً
يقع في جذع
شجرة عجوز ،
وستمد يدها،
لن ترتجف، وستلامس
أصابعها كرتين
رقيقتين،
وحينما
ترفعهما إلى
وجهها ستجد
بيضتي الأفعى
تستقران وسط
راحتها. حينها
تُقبل الأفعى
وتقابلها
وجها لوجه،
ستخرج الأفعى
لسانها
المشطور وتتوثب
للهجوم،
وستكون
الفتاة في وضع
يتيح لها كامل
المجابهة.
ستبدو قوية
وجريئة إلى
حد كبير, ستمد
قبضتها إلى
أمام وبينما عينا
الأفعى
تلتمعان
بوحشية،
ستطبق هي
أصابعها على
البيضتين
فتسحقهما.
اضطربت
الفتاة، ودون
أن تشعر أخذت
تقفز ببطء
بادئ الأمر
فوق النباتات
الشوكية، ثم انطلقت
راكضة ورغبة
غامضة تفجر
شرايينها..
قنفذ صغير
يتحرك ببطء.
بقايا جذور محروقة.
طفل تدلى من
شجرة يسرق ثماراً
قريبة من
السور. ثلاث
علب من الصفيح
استحال طلاؤها
إلى اللون
الأسود. براز
حيوانات..
أعشاب برية. البستان
استحال حولها
إلى دغل كثيف
يعترضها
ويحاصرها من
كل جانب,,,, لم
تتذكر في
النهاية وهي
تعود بخطى بطيئة،
وأنفاسها قد
هدأت تماما،
كيف أنها قد
سقطت على
الأرض، وهل أن
هذا الجرح في إصبعها
والذي كان
يسيل منه ببطء
دم وردي اللون
.. قد سببته لها
أفعى حقا.
أفعى
رقم(2):
تجلس
المرأة التي
هجرها زوجها
وحيدة على
العتبة. اتخذت
لها من بساط
مربع الشكل ذي
خطوط طويلة
عديدة
الألوان, مقعدً،
ومن جدار غرفة
نومها ( جدار
الطين) متكأ.
السماء وحدها
وجدار الطين
يحاصرانها في
بؤرة روحها
المتفجرة
المتدفقة
المتجددة
الخامدة.
ليست
تعيسة.
ليست
سعيدة.
لكنها
أمرأة مهجورة
وتنتظر. تنتشر
فوقها خيوط
النور اذا
حركت رأسها
الى السماء.
كل هذا النور
مصدره نجمة
واحدة،
نجمتها التي
رافقتها منذ
ولادتها،
والتي ولدت
حينما ولدت
هي. حظها
الصغير
وبؤسها الذي
لا يحد.
ما الذي
جعلها تنتظر،
لماذا لا
تغادر هذا
البيت الى
الأبد، تغادر
هذا الجدار
وهذه السماء
الكاذبة التي
لا ترحم؟ واذا
هبطت عيناها
علي الجدار
فهناك عشب اخذ
يخضّر من حول
الثقب ثقب
الأفعى!!
على
الجدار نفسه
أخذ العشب
ينمو. عام أو
عامان.. من يعرف,
ربما سيغدو
هذا الجدار حديقة,
وستبقى هي
جالسة ترقب
الزهور وهي
تتفتح زهرة
بعد زهرة.
تتفتح
أوراقها الدقيقة
واحدة تلو
اخرى وتصيح باسمها.
ستكون هناك
حديقة ياسمين
كاملة!!
انها
تحس بالتعب.
ما هذا العرق
الذي أخذ يرشح
من جسمها
ويبللها. ألا
تنهض؟ ألا يمكنها
ان تقف على
قدميها؟... لقد
حان الموعد.. هاهي
ساعة غرفة
الزفاف تدق
الواحدة بعد
منتصف الليل.
دقائق وستظهر
الأفعى من الثقب.
غرفة الزفاف
التي جلست عند
عتبتها،
نظيفة
ومرّتبة
كغرفة من
البلور كأنها
مهيأة لاستقبالها
لأول مرة. أما الغبار
فقد ازالته
الأفعى
بنفسها. السرير
الواسع وشرشف
الدخلة نظيف
لم يتسخ بعد، لم
تسقط عليه
قطرة دم
واحدة. مرآة (
ميز التواليت
) الواسعة لم
تر نفسها فيها
بعد. ثمة خط
أحمر قد شوه
المرآة، لقد
لمحته الأفعى
وهي تمر
فمسحته لها،
كما لو كانت امها
هي التي فعلت
ذلك.. أما تذكر
أمها الآن؟!
أحلام
وأحلام, سماء
وجدار وأفعى،
مصيرها
المجهول.. ها
هو ستة شهور
وهي هنا لا
تنام ولا
تغادر مكانها.
ستة شهور
طويلة وهي
وحيدة ومرمية
في قعر هذا
البيت هذا
التنور.
ـ
وأخيرا عدت!
ـ عدت.
ـ
متأخرا!
هبت
المرأة من
مكانها والتصقت
بزوجها الذي
أخذ يضمها الى
صدره.
ـ كل يوم
كل ليلة.. وفي
مثل هذا الوقت
كنت متأكدة من
انك ستعود.
ـ لقد
أصبحت نحيفة
ولونك شاحب.
ـ انها
هنا.. ستظهر
بعد قليل.
ـ من؟
ـ الأفعى..
أفعى طيبة
تتحلى بعدة
أجراس تدق
وتدق حينما
تتحرك.
ـ أين؟
ـ هنا في
الجدار. بعد
أن رحلت! كانت
تظهر لي كل
يوم. شيء مثل
حلم.. حينما
رأيتها أول
الأمر, خفتُ لكنها
تكلمت معى
كلاماً طيباً,
قالت انها
ستصبح صديقتى.
ـ ماذا
بعد؟
ـ كانت
تحضر في مثل
هذا الوقت،
تدور في أنحاء
البيت، تنظفه
وتعد لي
السرير. تنظف الغرفة
وتنفض عنها
الغبار. وحينما
تنهي عملها في
البيت، تعود
فتجلس
قبالتى.. هنا.. في
نفس المكان
الذي تقف به
الآن بالضبط،
تحدق فيّ وأنا
احدق فيها
وأشعر كل يوم أن
شيئا فيّ
ينضب. فوجهي
يجف, وشفتاي
تذبلان، كما
لو أن الموت
يدب اليّ.
نبقى صامتتين
كل ليلة، حتى تبزغ
نجمة الصبح، فتعود
الأفعى بهدوء
وسط الجدار
وكأن شيئا لم يحدث.
ـ ها ان لونك
بدأ يعود
اليك.. ووجهك
يتورد، تعالي
لأضمك الى
أحضاني.
ـ أتعرف..
أشعر وكان كل
ذلك كان حلماً..
حلماً مزعجاً.
ـ تعالي
لندخل.
دخل
الرجل
وزوجته(غرفة
الزفاف) بينما
كانت الأفعى
تغادر الجدار
ثم البيت والى
الأبد.
أفعى
رقم (3):
كانت
الغرفة مظلمة،
يدخلها ضوء
ضعيف شاحب من
فرجة الباب
على شكل مثلث
غير متناسق الأضلاع
يرتسم فوق
السجادة ثم
ينكسر
وتتلاشى
نهايته فوق
السريرين
المتلاصقين.
حاول إيقاظ
أمه المريضة
.ـ أنت
نائمة؟
ـ هل
وضعت لها
الماء والملح
والخبز؟
.ـ نعم.
ـ حسنا
نامي الآن.
خطا
الأعزب الكهل
على السجادة،
وبينما كان
يفتح الباب؛
اندفع الضوء
فجأة فغمر جسم
الرجل ووجهه،
بينما انقلبت
المرأة
العجوز في
سريرها متضايقة.
كان الممر
المنّور ضيقاً
جداً ويتصل
مباشرة
بدرجات السلم
المؤدي إلى الطابق
الأرضي. وفي
منتصف السلم توقف
الرجل الكهل
ليلتقط
أنفاسه،
فامتلأ أنفه
برائحة نتنة،
هي رائحة غرفة
التواليت المنبعثة
من أسفل. كان
الطابق
الأرضي
مهملاً
تماماً،
وكانت الفسحة
الصغيرة
المبلطة بطابوق
عريض أصفر,
والتي تتحلق
حولها الغرف
الثلاث الخالية
قد بدت أشبه
ما تكون بمطبخ
على الرغم من
قطع الأثاث
القليلة
المتناثرة
فيها.
أدار
الرجل الكهل
مفتاحاً
صغيراً في قفل
أحد الأبواب
فأنفتح بصرير
حاد. كانت الغرفة
خالية وقد
عششت فيها
العناكب. وعلى
الأرض
الترابية
الرطبة ( أرض
الغرفة) كان هناك
صحنان وقطعة
خبز يابسة
(لقد قضمت من
الخبز وشربت
من الماء
والتهمت
قليلاً من الملح)
تأوه الرجل
العجوز:
- لقد
أصبحت واحدة
منا.
الآن هو
والأفعى
وحيدان في هذا
البيت الفارغ.
التفت فرآها.
كانت صغيرة جداً
وجميلة. تبعها.
خرجت من
الغرفة
واتجهت إلى
إحدى الأرائك
القديمة
الموجودة في
مجاز الحوش. كانت
بجلوسها
الخفيف قد
تركت أثراً
غير محسوس على
ظهر الأريكة.
.ـ كنت
أنتظرك.. كل
يوم تضع أمي
لك الماء
والملح
والخبز.
ـ ماذا
كنت تعمل؟
ـ أين؟
ـ فوق.
- كنت
أعتني بها..
المرض
والشيخوخة.
ـ سأعد لك
الشاي..هل أنت
جائع؟
الوجه
بسيط. شعر
فاحم. عينان
داكنتا
السواد. شفتان
رقيقتان بل بالغتا
الرقة. ملأت الغلاية
بالماء
ووضعتها على النار.
.ـ سأشرب
معك الشاي.
كان
الرجل قد جلس
على الأريكة
المقابلة
وكانت قواه قد
وهنت تماماً.
.ـ أمي
تقول بأني رجل
خرف. وإنك غير
موجودة في البيت..
لقد كنت
أنتظرك كل
ليلة!
.ـ ها هو
الشاي قد أعد.
صبت
الشاي في الأقداح.
ـ كم
عمرك؟ سألت
الأفعى.
ـ فارق
كبير .. كنت قد
هيأت لك
هدايا.. كل مرة
أذهب إلى
السوق
أتذكرك..
أدوات زينة وفساتين..
أخشى ألاّ
تناسبك.
ـ
الحجم؟
ـ سأقول
شيئاً..
واتمنى أن لا
تغضبي.
ـ لا لن
أغضب!
ـ كنت أتخيلك
بشكل آخر..
طويلة
وبيضاء.. عمرك
أكبر!
رفعت
الأفعى الشاي
وقربته من
يديه. راحت
تشرب بهدوء
وهي واجمة
تحدق في
عينيه.
.ـ أهذه
مواصفات
الجمال في
نظرك؟.. أعتقد
الآن انك
ترانى قبيحة!
ـ كلا..
شيء آخر.. رجل
عجوز وقنوع،
ماذا تنتظرين؟..
مخيلة ضعيفة.
صمتت
الفتاة
وانسحب الرجل
الكهل
بنظراته إلى
الأرض.
.ـ
أتعتقد أن
بالإمكان أن
يكون بيننا
شيء مشترك؟
ـ لم
يرفع الرجل
وجهه ولم يجب.
.ـ حسناً
سأغادر الآن..
وداعاً.
تطلع
حوله فوجد
الظلام
واللون
الأسود يلف كل
شيء يقع في
الغرفة, وأمه
العجوز المريضة
تتلقف
أنفاسها
بصعوبة.
قال
للأفعى:
ـ
وداعاً
. ثم خاطب
أمه:
ـ أأنت
نائمة؟
ـ نعم.
لقد
شربت من الماء
وأكلت من
الخبز والملح.
ـ أنت
تحلم.. نم الآن.
كيف
يمكنها أن
تصدقه. منذ
لحظة فقط كانت
معه. وكان يحس
بوجودها
وبأنفاسها..
دفع جسمه
الثقيل
المنهك في
فراشه. ولم
تمض لحظات حتى
كان هو وأمه
قد غطا في نوم
عميق.
بغداد
1978
البئر
خمس
بحيرات في
مشيغن تجري
من حولها
الأنهار .
وليس هناك
أيما حاجة
لاستجلاب
الماء من
تحت الأرض.
هذا ما دعا
الجيران إلى
التعجب وهم
ينظرون من
فوق الأسيجة
والسطوح إلى العجوز
الذي أخذ يحفر
حفرة عميقة
تحت الأرض.
أقنعهم بأن
حفر بئر
عميقة في
الفناء الخلفي
للدار أحسن
بكثير من
حياة التقاعد
والكسل التي
يعيشها
الجميع.
قص
عليهم رؤياه؛
فصدقه البعض..
رأى شهابا
من معدن
الذهب
يطأ الأرض
قبل آلاف
السنين
ويسقط في نفس
المكان الذي
يحفره الآن
خلف داره..
العثور عليه
سيحقق حلمه
بالثراء
وسيغدق الذهب
على الجميع.
تطايرت
من المسحاة
شرارات
ذهبية. ارتعشت
كل خلية في
جسمه وكل
خلية في جسم
كل من كان
ينظر الى
بئره من علٍ.
أزاح
آخر طبقة من
التراب عن
غطاء الصندوق الأسود.
بدل
الشهاب
الذهبي الذي
كان يتوقعه
الجميع عثر
على حفنة من
عظام..
عرف
بكل حواسه
أنه عثر
أخيراً على
ما كان يبحث
عنه
مدفوناً
عميقاً تحت
تربة ذاكرته.
2007
فهرست
الإهداء-----------------------------------
تعريف-----------------------------------
القسم
الأول
النهر-------------------------------------
مرجان------------------------------------
شامة
خديجة -----------------------------
الغيمة-----------------------------------
أزقة
الدهشة------------------------------
يوم
طارت
الأسماك-----------------------
تمر في
السماء---------------------------
زيدان------------------------------------
سعدية-----------------------------------
اسطة
بدري------------------------------
القلب
المسحور---------------------------
المراهقة
والساحر-------------------------
اهل
الكهف-------------------------------
وداع
1----------------------------------
وداع
2----------------------------------
الطلسم----------------------------------
القسم
الثاني
النبوءة----------------------------------
مهاجر-----------------------------------
النافذة-----------------------------------
عودة------------------------------------
كل شيء
أخضر--------------------------
الكابوس---------------------------------
الوطواط----------------------------------
الجواد
----------------------------------
الأنين-----------------------------------
الشبيه-----------------------------------
ثلاث
أفاع--------------------------------
البئر-------------------------------------