|
 |
ثقافة وأدب
المواد ترسل الى
fuadmirzairaq@gmail.com |
موقع الكاتب العراقي
تأريخ النشر
January 13, 2012 03:14 PM
Detroit
Michigan U.S
|
|
|
|
حديقة البقدونس
قصة للكاتب الأمريكي وليم سارويان
نقلها
إلى العربية : فؤاد ميرزا.
|
|

في يوم ما من
أيام
آب (أغسطس) , كان (آل كوندراج) يتجول
بلا سنت في جيبه عبر (وول ورث) حينما شاهد مطرقة صغيرة لم تكن لعبة بل
مطرقة حقيقية, فسيطرت عليه رغبة جامحة لإمتلاكها.
فكر: المطرقة هي كل ما يحتاجه لكسر الرتابة التي تحيطه إلى جانب
امكانية استخدامها لصناعة شيء ما.. كان قد جمع كمية من المسامير
الجيدة من محل تعليب (فولي) حيث اسقط عمال التعليب بإهمال ما ثمنه
خمسة عشر سنتاً على الأقل, بفرح كان قد تكفل هو بعناء التقاطها لأن
مسامير بتلك الجودة, شيء لا يمكن التفريط به بسهولة. من تلك المسامير
جمع بحدود نصف رطل أو مالا يقل عن 200 مسمار وضعها في كيس مسواق
ورقي وأودعها صندوق التفاح حيث يجمع مدخراته عادة. واعتقد أنه بواسطة
هذه المطرقة التي ثمنها عشرة سنتات, سيكون بمقدوره أن يصنع من خشب
صندوق وبعض المسامير شيئاً ما.. لا يعرف ماهو .. ربما منضدة أو
مقعداً صغيراً . على أي حال أخذ المطرقة وأدخلها جيب وزرته ولكنه
حينما فعل ذلك تصدى له شخص أمسكه بإحكام من ذراعه وبلا كلمة دفعه إلى
مكتب صغير يقع في خلفية المخزن, حيث كان يجلس رجل عجوزخلف طاولة
منهمكاً بمعالجة اوراق امامه . الرجل الأصغر سناً, ذلك الذي قبض عليه
كان مستثاراً والعرق يغطي جبهته. قال: " حسناً.. هذا واحد آخر منهم".
نهض الرجلُ الجالسُ خلف المكتب واخذ ينظر إلى آل كوندراج من أعلى
إلى أسفل.
"ماذا سرق؟" .
"مطرقة"..الشاب كان ينظر إلى (آل) بكراهية: "سلمها لي".
أخرج الطفل المطرقة من جيبه وسلمها للشاب الذي بادر بالقول " يتحتم
علي أن أضرب بها رأسك, هذا ما يجب علي أن افعله " .. ثم التفت الى
مرؤسه العجوز مدير المخزن وسأله: "ماذا تريدني أن أفعل به ؟".
"أتركه معي".. قال الرجل العجوز.
خرج الشاب بينما جلس العجوز خلف المكتب وعاد لمعالجة أوراقه.
بقيَ (آل كوندراج) واقفا في المكتب لمدة خمس عشرة دقيقة قبل أن
ينظر إليه العجوز مرة ثانية ويقول: "حسناً".
لم يكن (آل) يعرف ما يتحتم عليه أن يقول.
الرجل لم يكن ينظر إليه بل إلى الباب.
وأخيرا قال آل: " احتجتها ولكني لم أكن أمتلك نقوداً "
"لأنك بلا نقود لا يعني أن لك الحق بسرقة الأشياء... أليس كذلك؟"
" لا .. سيدي".
" حسنا.. ماذا سأصنع بك الآن.. أسلمك إلى الشرطة ؟ ".
لم يقل آل شيئاً, لكنه بالتأكيد لم يكن يرغب في تسليمه إلى الشرطة.
أحس بكراهية للرجل ولكن في الوقت نفسه كان يدرك بأن وضعه يمكن أن
يكون أشد إحراجاً لو وقع بيد شخص آخر أصعب منه بكثير.
" إذا تركتك تذهب فهل ستعدني بأنك لن تسرق من هذا المتجر مرة ثانية ".
"نعم سيدي" .
قال الرجل: "حسنا أخرج ولا تعد إلا ومعك بعض النقود لتنفقها ".
فتح الرجل بابا يؤدي إلى باحة تفضي إلى الزقاق الخلفي.
هبط آل بعجالة إلى الباحة ثم اندفع خارجا إلى رحب الزقاق. أول شيء
فعله حينما أصبح حراً هو الضحك, على الرغم من أنه أُهين وكان يشعر
بالخجل العميق من أجل ذلك. لم تكن من طبيعته أن يأخذ اشياءً لا تعود
بملكيتها له. أحس بكراهية عميقة للشاب الذي أمسك به وكذلك لمدير
المخزن العجوز الذي جعله يقف بصمت في المكتب لفترة طويلة.. لم يرقه
الشاب الذي هدد بأن يضربه بالمطرقة على رأسه, كان عليه أن يتحلى
بالشجاعة لكي يقول له بغضب : " احذر وإلاّ "..... لقد سرق المطرقة
بالطبع , ولقد تم القبض عليه ولكن لم يكن من الضروري على الاطلاق أن
يتعرض للإهانة.. هذا ما بدا له.
بعد أن مشى ثلاث جادات نحو البيت, إستدار ومضى سائرا بإتجاه المدينة.
اعتقد أن سبب عودته هي رغبته في أن يقول للشاب الذي قبض عليه شيئاً
ما. بعد مضي وقت قليل لم يعد متأكدا من ذلك, وبدا له ان سبب عودته
هو رغبته بسرقة المطرقة للمرة الثانية ولكن هذه المّرة من دون أن يقبض
عليه .. لقد ارغم على أن يشعر وكأنه لص.. وبدا له أن أقل ما يتحتم
عليه أن يجنيه من كل هذه المتاعب هو حصوله على المطرقة.
خارج المتجرأحس بشجاعته تخونه , توقف في الشارع وأخذ ينظر إلى
الداخل بما لا يقل عن عشر دقائق. كان قد أحس بالإنسحاق والتشتت, والآن
بالخجل من نفسه بمرارة, أولاً لأنه سرق شيئاً وقبض عليه وأذل, ومن ثم
لفقدانه الشجاعة للعودة والقيام بالمهمة بشكل صحيح. أخذ يسير إلى
منزله مرة ثانية, وعقله مضطرب حتى أنه لم يسلم على صديقه (بييت
واجيكك) حينما تقابلا وجها لوجه أمام مخزن (كراف) لبيع قطع الغيار.
حينما وصل البيت شعر بالإمتعاض من أن يدخل ويتفحص مدخراته ، ولذلك
توقف ليشرب الماء بغزارة من صنبور الفناء الخلفي.. ذلك الصنبور تستخدمه
أمه لسقي المحصولات التي تزرعها كل عام: بامية وفلفل وطماطم وخيار
وبصل وثوم ونعناع وباذنجان وبقدونس. والدته تسمي كل تلك الأشياء بحديقة
البقدونس, وكل ليلة في الصيف تجلب بعض الكراسي من داخل البيت وتضعها
حول الطاولة التي اوصت (أندو) بصناعتها بمبلغ خمسة عشر سنتاً. تجلس
إلى الطاولة وتستمتع ببرودة الحديقة ورائحة الأشياء التي زرعتها
ورعتها. أحياناً تصنع السلطة وترطب الخبز البلدي المسطح القديم
وتقتطع لنفسها شريحة من الجبن الأبيض وتتناول معه العشاء في حديقة
البقدونس. بعد العشاء تربط خرطوم الماء بالصنبور وتقوم برش مزروعاتها
فيصبح المكان أكثر برودة من أي وقت مضى, وتنبعث رائحة طيبة , رائحة
طازجة وباردة وخضراء.. كل تلك الأشياء المختلفة النامية كانت تجعل
الحديقة الخضراء تنضح رائحتها من النباتات والهواء والماء.
بعد أن شرب طويلا جلس قرب البقدونس واجتث حفنة وأخذ يمضغه ببطء, ثم
دخل إلى الداخل و وأخبر والدته بما حدث..أخبرها أيضا بما كان يجول
في خاطره حينما أطلق الرجل سراحه ( الرجوع وسرقة المطرقة مرة ثانية).
" لا أريدك أن تسرق " قالت أمه بانكليزية ركيكة. "هذه عشرة
سنتات.. ارجع إلى الرجل واعطه هذه النقود واجلبها إلى البيت , تلك
المطرقة. "
" لا " قال آل كوندراج .. " لا أريد أن أبذر نقودك لشيء لا أحتاجه ..
كنت أفكر لو كانت عندي مطرقة.. لصنعت بها شيئاً كلما تطلبت الحاجة ".
" أذهب واشترِ تلك المطرقة " قالت أمه".
" لا " قال آل.
" حسناً ".. " اخرس " . ذلك ماكانت تقوله دائما حينما لم تكن تعرف ما
تضيف.
خرج وجلس على الدرجات. الآن أخذ شعوره بالذل يؤلمه. قرر التسكع على
طول سكة الحديد الموصلة لورشة (فولي للتعليب) لأنه كان بحاجة إلى
المزيد من الوقت للتفكير بكل تلك الأمور. عند ( ورشة فولي) راقب (جوني
غال) وهو يسمر الصناديق لمدة عشر دقائق ولكن جوني كان مشغولا جدا فلم
يلاحظه أو يتحدث معه. في أحد الأيام وفي مدرسة الأحد قبل سنتين أو
ثلاث كان جوني قد حيّاه بعبارة: كيف حالك أيها الصبي؟ جوني كان يعمل مع
مسمري الصناديق وكل واحد في (فريسنو) يعرف بأنه كان أسرع مسّمر صناديق
في المدينة.. كان أقرب شيء إلى ماكنة شهدها مصنع تعليب. فولي صاحب
الورشة نفسه كان فخوراً بجوني غال. أخيرا قرر آل كوندراج التوجه
إلى البيت لأنه لم يكن يريد أن يشغل جوني, فليس من اللطف أن يشعر من
كان يعمل بجد بأنه كان مراقباً, ربما سيزجره بعبارة : " أغرب عن وجهي
". لم يكن يريد جوني غال أن يقول له ذلك..لم يكن بحاجة الى المزيد من
السخرية.
في طريقه إلى البيت أخذ يبحث في الطريق عن النقود ولكن كل ماكان يعثر
عليه هو المعتاد من قطع الزجاج المحطم والمسامير وكل تلك الأشياء التي
كانت عادة تجرح قدميه العاريتين كل صيف. حينما وصل البيت كانت أمه قد
هيأت الطاولة وأعّدت صحناً من السلطة.
جلس ليأكل, ولكنه حينما وضع الطعام في فمه لم يحس بمذاق الطعام . نهض
ودخل البيت المكون من ثلاث غرف, قصد غرفته ومن الزاوية أخرج صندوق
التفاح وأخذ يقلب محتوياته.. كل شيء كان في مكانه كما تركه
البارحة..
عاد متسكعا إلى المدينة وتوقف أمام المتجر المغلق وهو يغلي بالكراهية
ضد الشاب الذي أمسك به ثم أخذ يسير إلى جانب ميدان سباق الخيل وهو ينظر
إلى صور الاعلانات المعروضة عن الفلمين الذين تم عرضهما ذلك اليوم، ثم
سار إلى داخل المكتبة العامة لكي يلقي نظرة على الكتب مرة أخرى, ولكن
لم يستحسن أي واحد منها فقتل بعض الوقت وهو يتسكع حول المدينة.
وبحدود الساعة الثامنة والنصف عاد إلى البيت وذهب لينام. كانت والدته
قد آوت إلى الفراش حيث كان عليها النهوض في الخامسة صباحا للذهاب
للعمل في شركة (انترّيدن) لتعليب التين. أحياناً كانت تعمل لنصف نهار
فقط . ما كانت تحصل عليه والدته خلال فصل الصيف هو كل ماكان يقيتهم
العام بطوله.
تلك الليلة لم يستطع النوم طويلاً لأنه لم ينس ما حدث له, وكان قد
قلّب أفكاره على ستة أو سبعة أوجه.. ذهب به التفكير إلى أن عليه أن
يسرق بشكل دائم وينجح فيه بقية حياته. كانت ليلة قائظة ولم يكن
بإمكانه أن ينام. وحينما استيقظت والدته ومشت حافية القدمين الى المطبخ
لتشرب الماء, في طريق عودتها قالت له بصوت خافت "اخرس".
حينما استيقظت في الخامسة صباحا كان هو خارج البيت.. حدث مثل هذا
الأمر عدة مرات من قبل. كان طفلا قلقا لا يكف عن الحركة والتنقل طوال
الصيف.. يرتكب أخطاءً ويدفع ثمنها.. وهاهو قد حاول السرقة وتم القبض
عليه, ولذلك هو منزعج من هذا الأمر.
أعدت إفطارها , وحفظت غذاءها وأسرعت للعمل على أمل أن يكون يوماً
كاملاً. ولقد كان يوم عمل كاملاً وهناك (أوفر تايم), وعلى الرغم من
نفاد طعامها, لكنها من أجل الحصول على المال الإضافي استمرت بالعمل.
أغلب عمال التعليب بقيوا أيضا , وجارتها عبر الزقاق (ليزا أبوت) والتي
كانت تعمل بجانبها قالت: " لنستمر حتى يتوقف العمل, بعد ذلك نذهب إلى
البيت ونعد لنا وجبة عشاء, نأكلها في حديقتك للبقدونس لإنها باردة
جدا.. إنه يوم قائظ ولكن هذا لا يمنع من الحصول على خمسين أو ستين
سنتاً إضافية". حينما وصلت المرأتان إلى الحديقة كانت الساعة قد قاربت
التاسعة مساءً ولم يتلاشَ ضوء النهار بعد, وشاهدت ابنها يسّمر قطع
خشب الصناديق ببعضها صانعاً بمطرقة منها شيئاً ما.. شيئاً يشبه
مقعداً.. لقد كان ابنها قد قام بسقي الحديقة وترتيب الفناء حتى غدا
لطيفاً للغاية, وبدا إبنها جاداً جداً ومنهمكاً بعمله. باشرت هي وليزا
بإعداد العشاء الخاص بهما, قطفتا الفلفل والطماطم والخيار وكمية كبييرة
من البقدونس من أجل السلطة. وتوجهت ليزا إلى بيتها لجلب قليل من
الخبز الذي أعدته في الليلة السابقة مع بعض من الجبن الأبيض.. بعد بضع
دقائق كانتا تتناولان العشاء معا وهما تتحدثان بلطف عن نهار العمل
الناجح. بعد العشاء صنعتا قهوة تركية على نار مفتوحة مضرمة مباشرة في
الفناء. تناولتا القهوة ودخنتا سجارة لكل واحدة منهما وتبادلتا
الحديث والقصص عن تجاربهما في وطنيهما وعن مدينتهما هنا في فريسنو.
بعد ذلك نظرتا إلى قعري فنجانيهما لإستقراء الإشارات التي تبشر بالمال
أو نصيب جيد من الطعام..وفعلاً كانت هناك إشارات عن: صحة وعمل وسفرات
صيفية لتناول العشاء خارج الدار, وما يكفي من المال لبقية العام.
(آل كوندراج) كان منهمكاً بعمله وسمع بعض حديثيهما.. بعد ذلك قصدت ليزا
منزلها لكي تنام
. أمه توجهت إليه قائلة: "آل
من أين حصلت عليها.. تلك المطرقة؟".
" حصلت عليها من المتجر".
" كيف ؟ هل سرقتها؟".
أنهى
آل عمله في المقعد وجلس عليه . قال: "لا.. لم أسرقها ".
"
كيف حصلت عليها؟".
قال آل: "عملت في المتجر من أجلها".
" أهو نفس المتجرالذي سرقتها منه امس؟".
" نعم."
" من منحك الشغل ؟"
" المدير"
"وما هي طبيعة عملك ؟".
" نقلت أشياء مختلفة إلى رفوف مختلفة ".
قالت المرأة: "حسناً.. هذا أمر جيد. كم من الوقت عملت من أجل تلك
المطرقة الصغيرة؟"
قال آل: "النهار بطوله".. ثم استطرد: "السيد كليمر أعطاني المطرقة بعد
أن كنت قد عملت لساعة واحدة.. ولكني واصلت العمل. أراني الشخص الذي
أمسك بي أمس ما المطلوب القيام به, ولقد عملنا معا ..لم نتحدث قط,
ولكن في نهاية اليوم أخذني إلى مكتب (كليمر) وقال للسيد (كليمر) بأنني
عملت بجد طيلة النهار, واستحق على جهدي ذاك مالا يقل عن دولار واحد "
قالت المرأة : "هذا أمر حسن".. ثم استطردت: " بإمكانك الحصول بالعمل
على مبالغ بسيطة لنفسك ".
"لقد وضعت الدولار على مكتب السيد كليمر"
قال آل كوندراج
:" وقلت لهما "لا أريد هذه الوظيفة" .
" لماذا قلت ذلك ؟" قالت المرأة: " دولار يوميا لطفل بعمر الحادية
عشرة, مبلغ جيد.. لماذا لم تقبل الوظيفة"..
" لأنني كرهت الرجلين ..لا يمكنني على الأطلاق العمل لصالح أناس من
هذا النوع..نظرت في وجهيهما ثم التقطت مطرقتي وخرجت, رجعت إلى البيت
وصنعت هذا المقعد"
" حسناً ". قالت أمه.." الآن أخرس".ثم ذهبت إلى الداخل وقصدت فراشها..
جلس
آل كوندراج
على المقعد الذي صنعه بنفسه متشمما حديقة البقدونس فأحس بأن شعوره
بالمهانة قد تلاشى تماما, عكس شعوره بالكراهية تجاه الرجلين, مع أنه
كان يعرف, بأنهما لم يفعلا أي شيء مخالف لما توجب عليهما فعله.
|
|