ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

موقع الكاتب العراقي

تأريخ النشر

May 12, 2013 03:05 AM

Detroit Michigan U.S

 

 

  بحث نقدي للكاتب والشاعر بولس آدم

 

 

بولس ادم
poles_adam@yahoo.com


عندما بدا القاص والفنان التشكيلي العراقي ( فؤاد مرزا ) مشواره مع القلم والريشة في بداية سبعينات القرن الماضي لم يكن هناك ميل كبيرالى فكرة الرحيل الا لمن شم رائحة البارود خارجا من جثث القوة والمجد التي عشنا هياكل ضخمة لها تمشي بعناد وباطراف هزيلة الى الجحيم مصطحبة معها شعبا باكمله كرهينة !
في ذلك الوقت الملئ بالوعود الكاذبة كان ( كولن ولسن) قد ترجم ووصل مثل غيره متاخرا الى ارض الحضارة ، يذكر في (اللامنتمي) ناصحاالماخوذين العراة من طبقة الحالمين نصيحة لطيفة :
( السيارة التي تنقلك بعيدا عن البلاد تخلى عنها واتركها ! )
الا ان الرد المرير تمثل ببدء فتح الباب وصفقه بقوة والحقيبة تنتحب نهاية السبعينات (رحل فؤاد مرزا عام78) فترة بدء اعتبار الحزب الأحمر اسودا ! لم يكن فؤاد احمرا بل من اكراد الجنوب الذين بدات الشكوك حول محفوظاتهم الوطنية ونواياهم الأفتراضية تزعج الضرورات التاريخية لأصحاب الشوارب والمهام القومية النازية الخ --> الى عام تلقي صفعة لاتنسى من قبل اصحاب الهمرات وبنادق M16 الممشوقة! عرابوا الشراكة الستراتيجية وعشاق الأمس الذين قاتلوا جنبا الى جنب ضد تسييس الدين ، الا ان العراقي الفطير ! ادرك وهو على حافة القبر بان حياته كلها سيست وبقوة الألهام السماوي لأصحاب الوصاية الربانية من رجالات الأقطاع الجديد (الأرهاب) .. وهكذا سقطت كل نظريات الطبقة والفلقة وسادت روح الهرطقة الكبرى ذات الخطايا اللامحدودة من الذين اساؤا الى الرسول محمد (ص) الذي كان متفتحا وفاهما لنوازع الكبت وماتنتجه من مصائب اكثر من السيدالمسيح! الذي اوصانابقلع العين المشتهية ، لكن ولسخرية القدر يتحول الغرب حرا من كبته والشرق يكرس الكبت ويقتلنا لأقطاعيته فقط ! اي الشرق الشريف المجاهد ضد ماخور الغرب لنيل غنائم دعارة الليل ، والعراقي الفطير دعه يحلم باكل (الباجلا بالدهن) امنا!

بداية السبعينات يوم بدء تحويل عراب ( ماريو بوزو) على يد (فرانسيس فورد كابيولا) الى شفرات شعبية ترسلها حزم الضوء الساقطة على شاشات العالم حول المافيا العالمية .... يجلس اليوم ( هنري كيسنجر) مافيوزي السبعينات امام كاميرات التلفزيون الألماني مرارا كنجم لامع من نجوم التاريخ ليمزح حول البطاطاالمقلية بينما البطل العراقي النرجسي الساحق الماحق يفشل في الدفاع عن نفسه ويشنق !


مرايا مقعرة للقصة

وضع عدد من المؤلفين العرب ( الى بداية السبعينات) كتيبات عن فن القصة القصيرة ، تشابهت كثيرا في تكرار الجماليات والخصوصية وكان كل واحد لايملك الا ان ينتهي الى معادلة التكثيف والأيجاز والدعوة الى تقليد البريد البرقي ! وهي بديهيات ابهرت من وصلته وهو يبحث عن طريقه في المورفيولوجيا و( الفوز بالتعبير عن جسامة
الواقع ) كانت البراءة تغلف تلك المرايا المتقابلة واعتمادا على مايرد تنظيرا للقصة ونماذج منها وكان مايصل منها شحيحا جدا ..
كانت القصة العالمية القصيرة في قمة ازدهارها وقد اخذت بالأنحسار
وقت بدء الميل الى كتابة الرواية ولندرك اليوم بان عدد من يكتبون القصة القصيرة في الغرب هو رمزي لااكثر !


عام 1945 نشر (العقاد) مجموعة قصص امريكية مترجمة وكان نفسه ماخوذا بالفن الذي اطلق عليه ( القصة الصغيرة ) في المقدمة التي كتبها بنفسه لتقديم تلك المجموعة القصصية.. وتسمية العقاد تشمل منطقيا حتى (القصة القصيرة جدا ) التي ابدع فيها ( فؤاد مرزا ) وهو يخطو خطواته الأولى في السرد وساثبت في الجزء الثاني تطبيقا على نموذج سردي بقلمه عام ( 1974) على انه اول من اعطاه البعد التجريبي المفتوح في فن تطور لاحقا على يد سبعيني اخر في الثمانينات هو ( هيثم بهنام بردى) الذي اعتبره بهجته وفرحه الأبداعي وهكذا كرس جهدا يمتد الى يومنا هذا في قصته القصيرة جدا الأخيرة ( الأصدقاء) .. والمثير حقا بان ( هيثم) هو كاتب مقالة تحت عنوان ( القصة القصيرة جدا..لمن الريادة ؟! ) في رد غير مباشر على الناقد المغربي الصديق ( د.جميل الحمداوي) حول تلك الريادة التي هي عراقية لامحليا فقط بل عالميا ايضا !!

يذكر (هيثم) في مقالته المهمة مايلي :-

(.. إلا أن الناقد باسم عبد الحميد حمودي يؤكد أن (اليتيم) هي قصة نوئيل رسام ، في بحثه (القصة العراقية القصيرة جداً) المنشور في العدد الخاص بالقصة القصيرة في العراق الصادر عام 1988، والذي يؤكد أن نوئيل رسام هو أول من ثبّت على متن إحدى قصصه مصطلح (قصة قصيرة جداً) والذي يخبرنا وبأسف شديد على عدم عثوره عليها، رغم جهوده المضنية.

إلا أن (اليتيم) و( موت فقير) تمتلكان كل مقومات وأُسس فن القصة القصيرة جداً، والذي إبتكره الرسام، لإنه لم يكن متداولاً قبله ( كمصطلح )، رغم وجود قصص لكبار الكتاب العالميين التي كانت فعلاً قصصاً قصيرة جداً، إلا أنها كانت منشورة تحت مصطلح قصة قصيرة. ولأهمية هذا القاص الرائد المنسي ولدوره الفاعل والمؤثر في ولادة هذا الفن المستقبلي، ولكي تطّلع الأجيال الجديدة على نتاجه ننشر قصتيه الآنفتين، دون الخوض في تفكيك بنيتيهما ضمن المفهوم المعاصر للنقد، كونهما نشرتا قبل ثمانية عقود، وكانتا الشرارة الأولى التي أضاءت للآخرين درب هذا الفن العصي وهل يجوز أن نحاسب الضوء المنبثق من الأعماق السحيقة للفضاء على درجة سطوعه سيّما وأنه طرد حنادس العتمة عن درب يقود إلى يوتوبيا جديدة مجهولة غير مكتشفة، ولكون هاتين القصتين تمثلان تلك الشرارة من السنا، تعزّزان اليقين على ريادة نوئيل رسام للقصة القصيرة جداً. ننشرهما كما وردتا في مجلة الأقلام العراقية الآنفة الذكر .) !!!


الشئ الذي يبعث على الأحترام صدقا هو ان ( فؤاد مرزا) اعترف
لي شخصيا وبعفوية بانه كتب قصته القصيرة جدا وهو جاهل تماما بان
هناك مصطلح دقيق في فن السرد القصصي هو القصة القصيرة جدا !


 

2

التاريخ القصصي القصير جدا ليس عصيا

لدينا محطات مهمة ونماذج تمثلنا كلنا وليس مقصودا هنا ذكر اسماء
ومحطات رمزية وتحيتي العسكرية كنائب عريف في جيش القصة المسالم لكل
عراقي كتب القصة القصيرة جدا ولندرك بان النص الذي لايصمد اكثر
من صمود خبر عن صدر (باميلا اندرسون) فهو جهد زرع القمل في المتحف !
يشملني ذلك الوصف ايضا . ( توقفت حاليا عن مرضي المستقبلي ككاتب
قصة قصيرة جدا ، لأنني انتظر لأحقق لنفسي غواية كتابة توازي ابداع
ذلك (الغواتيمالي ) العظيم وهو بتقديري افضلنا


قصة الفديو كليب عربيا ( القصة القصيرة جدا) ، ( قصة صحافة السباغيتي ) العالمية ، القصة الساخنة مثل ( شوربة العدس) التي تلتهم كوجبة صباحية ! هي القصة العراقية القصيرة جدا ( العالمية)!

نحن .. تشكيليا ، شعرا ، قصة قصيرة جدا ( في افضل موجاتنا العالمية انسانية ) لذا اتمنى ان تحترم ثقافتنا ( نحن براء من الأرهاب)

ومن يتجرا لتوجيه مدافع ( نافارون ) الى مؤخرتي بسبب تصريحاتي
ورؤيتي الشخصية ، فلسوف ارد عليه بمنجنيق اشوري لن يتيح له حتى فرصة ( ضرطة طفل ) ! .. تادبوا واحترموا--> ادب عراقي حداثي عظيم !!


محطات القصة العراقية القصيرة جدا :-

1- نوئيل رسام

2- فؤاد مرزا وجماعته ( الولادة الثانية )

3- هيثم بردى وجماعته ( الولادة الثالثة )

4- نحن كلنا في محطتنا الرابعة غزيرة الأنتاج وهي تجمع الحرس القديم
والجديد .. مع نواف خلف السنجاري وابراهيم سبتي و نصرت مردان
و رشيد كرمة وعشرات من الأسماء الجميلة في جهدهم الراسخ من جيل التسعينات وما بعده !

رسالة فؤاد مرزا ( وثيقة) .. بعد ان كتب قصته القصيرة جدا عام
(74) ثم ..اكتشف بانه ماض بقوة لكتابة القصة القصيرة جدا بوعي
اصطلاحي ونصي تام .

 عزيزي بولس
تحية الاحترام والمودة
اتذكر بدقة انني بداية 1975 بعد اطلاعي على تجارب ناتالي ساروت وسوريان درجت على عنونة الاعمال القصيرة (بالقصص القصيرة جدا) ولقد نشرت لي جريدة الجمهورة الصفحة الاخيرة(الثقافية) عمل اسمه النهر نشر تحت عبارة (قصة قصيرة جدا) كتب عنه في نفس الصفحة بعد يوم واحد الناقد باسم عبد الحميد حمودي مقالا ذكر فيه اسمي مع مجموعة من الاسماء معلنا ولادة هذا الفن على ايدي هؤلاء الكتّاب الشباب ثم اعرج على قصة النهر واشاد بلغتها الشعرية وموضوعها المتكامل على الرغم من قصرها. بامكانك العثور على هذه القصة القصيرة جدا في موقعي الشخصي. بعد تلك القصة نشرت العشرات من القصص القصيرة جدا في مجلة الف باء ومن ثم الطليعة الادبية وكلها تحت عبارة (قصص قصيرة جدا). كما اتذكر بأن عدداَ ليس بالقليل من الكتاب الشباب كانوا ينشرون اعمالهم تحت هذا المصطلح. . اي باختصار ان مصطلح القصة القصيرة جدا ولد بداية السبعينات واثمر عام 1975 بعدد من الكتاب الشباب الذين لم يستمر منهم غير القليل.
تحياتي مع اكاليل القرنفل
اخوك فؤاد ميرزا


سنلتقي معا مع نهر مرزا في المحطة القادمة .


( يتبع )

 

3


حواضن تاريخية لنص ( النهر ) :-


.. الى نهاية السبعينات ، كانت الشخصية العراقية تتلقى مثالية
عائلية.. كان ذلك سهل المنال والبيت كان قلعة حصينة يتناوب على
حمايتها الأب والأم والمقربين من العائلة وكانت المدرسة في سياق ....
رغم قدم وجفاف مناهجها تكمل وتبني وتهئ انسانا يحترم ( رجل الدين ، المعلم ، الشرطي ) ! الا ان توحد هؤلاء في شخص القائد الأوحد اعطى الضوء الأخضر للأنفلات المرعب .. اصبح البيت والمدرسة والمعبد معسكرات خلفية لجبهة القائد الذي قرر في حديقة قصر الضيافة ( هافانا) ان ينتقم لنفسه من ايران بسبب عار ومذلة اتفاقية الجزائر االتي وقعها بنفسه متنفسا الصعداء وكان مستعدا في وقتها لبلع اي (موس) الا .. انتصار المقاتلين الكورد بقيادة الراحل البارزاني .. كان الباحث عن تجنب موقف الفاشل الخاسر في (الجبهة ) ليس جبهة القتال ( في الجبال) التي خسرها فعلا بفعل المعالجات الميدانية المجنونة ل( طه الشكرجي وحمو ) ..
وكلاهما كانا عصابيان وسافلان ! بل الجبهة في بغداد التي كان الحزب الشيوعي ضمنها مصدر ارقه الداخلي بعد ( البارزاني ) ..

المبدع العراقي ( حمزة الحسن ) هو كاتب الأسطر ادناه حول الفترة التي كتب فيها( فؤاد مرزا) نص ( النهر ) :-


( كنا نخترق مضيق برسلين بسرب مدرعات في ذلك الشتاء الجليدي الموحل، الشتاء العاصف الجبلي، حيث بدا كل شيء غارقاً في البياض، بما في ذلك الجبال والأشجار والطيور والطرق والعواصف والأنهار والمنازل والمداخن.
كانت المداخن تنفث في هذا الغمر الثلجي الأبيض الكثيف دخاناً رمادياً بدا في هذا اللون الضبابي الكثيف، علامة حية وطرية ومهدئة على الحياة الخفية العائلية الدافئة. وهذا الدخان، الرمز، كان هو الشيء الوحيد الذي لم يحمل لون البياض، حيث غرقت الطبيعة الوعرة والصخرية بالأبيض المتوهج، حتى بدا العالم كأنه متاهة ثلجية بيضاء، ونحن نغرق في هذا الحريق الناصع المضيء.
أتذكر جيداً (سنة77) كيف أن الوحول والعربات العسكرية المنقلبة في المضيق، كانت تعرقل تقدمنا، وكنا أشبه ما نكون بفرقة ضالة تندفع نحو مصير محتوم وغامض، لكنه مرسوم بأوامر صارمة كقدر لعين.
وبدا الأمر لي كأننا نزلنا تواً من إحدى روايات أرنست همنغواي بهذه العجلات والأمطار والوحول والثلوج والعواصف والمداخن والموت المنتظر والمعارك المقبلة، وخاصة روايتيه الشهيرتين (لمن تقرع الأجراس، ووداعاً أيها السلاح)، فهما أقرب في هذا الضباب والأمطار والمضيق، لهذا الجو العاصف والقاسي والشرس.
كنا نعرف أن هناك ثلاث مدرعات محاصرة في منطقة تسمى ويلزة أو ديلزة، حين ينعطف الطريق من كلالة نحو اليمين على قنطرة فوق مجرى مائي، وقد تم إعطاب عجلاتها بالرصاص المنهمر من قمم الجبال وعلينا الإسراع قبل هبوط الليل لكي لا تحترق. )) ......


كيف لا وان احد قادة الجيش العراقي الكبار كان , الركن (حمو) الذي كان جده الرابع مجرما من القرويين المسيحيين قرب ( سميل ) الآشورية وكان اسمه ( خمو) لا ( حمو) لاحقا الذي اسلم واندمج ونال الحماية العشائرية ( لأخفاء جريمته ) وكان مستعدا لأنقاذ حياته الى حد فعل التنصل عن اصله مقابل الأبقاء على راسه ..
هكذا تحول خمو.. الى حمو.. الغاء تلك النقطة من الخاء (اهل) احد احفاد ( خمو) الى الموافقة على قيادة الجيش لتوجيه فوهات البنادق الى صدر الشعب فكانت الخطوة الخطيرة لجرح وتشويه الصورة البهية للجيش العراقي الباسل في حرب تشرين التي الحق فيها العار بجيش اسرائيل ! في عام حرب الهند والباكستان وتورط
الجيش الأمريكي في فييتنام ( هزيمة) !

الشاب العشريني ( فواد مرزا ) كان في تلك المرحلة قد امتص
مواجع ذلك التاريخ مع ملايين العراقيين العظماء ، لم يكن بطلا ..
كان الباحث عن طريقه كمبدع فقط .. تحت الضغوط المحلية والعالمية يولد دوما على سطح كوكبنا اناس في منتهى الحساسية

تلعب كل الوقائع والأقدار لولادتهم .. انهم ملائكة الرحمة
ليس الممرضة في رواية ( لمن تقرع الأجراس - همنغواي ) فقط
بل المبدعين المبدعين .. عندما كتب فؤاد عن حواريته مع النهر
كان موعده مع حرب اخرى ليست ( حرب الشمال ) بل حربه الشخصية
في تحديات الشباب في صورتهم الشبقة الأولى مع ارهاصات الأبداع
( صورة الفنان في شبابه - جويس ) !


الحكومة العراقية تحاور صيغة انفرادها بالسلطة بعد افاقية
الجزائر وفي نفس العام وبعد ان كتب نصه الأروع على الأطلاق الى
يومنا هذا ( يوم طارت الأسماك ) عام (74) ! وهو يجهل ماهية القصة القصيرة جدا كمصطلح وذلك ليس مهما بل .. بضعفك الصادق كفنان
فقط ستحقق لنفسك قفزة .. تلك القفزة في حياة فؤاد الفنية كاديب ,
لم يضع لها احدا سواه تكاملها كتجربة في الجنس الأدبي والنص المنشور لنفسه اولا وتاريخ القصة القصيرة جدا ثانيا ..

في عام التوقيع على اتفاقية الجزائر عام 1975

كتب فؤاد نصه الأول ( مقدما رسميا كقصة قصيرة جدا )
ذلك النص هو ( النهر )

وهو نص ليس شعريا و رمزيا كما اعتقد في يومها ( الناقد القدير باسم عبد الحميد حمودي ) بل شيئا يحقق خداعا بريئا له
ولغيره كان منسجما اكثر مع شخص مبدعه العشريني عمرا والسبعيني
عراقيا.. ذلك الشخص سيرحل ويغادر ارض الوطن بعد اعوام قليلة ..

وسيخلف وراءه حوارا مع نهر في ( حلكة الليل الداكنة ) !

( يتبع )

عزيزي بولس
تحية أخوية صادقة . بودي أولا ان اشكرك على جهدك القيم للكتابة عن تجربتي المتواضعة.
بالنسبة للفكر الوجودي وتأثيره على بداياتي اجد  ان نوازعي الفطرية الأولى كانت قد التقت مع أدب البير كامو  وخاصة اعراسه في صحراء الجزائر وملامسة الطبيعة والاحتفاء بالإنسان. ففي وصف البير كامو واندريه جيد في (قوت الأرض) تعمقت علاقتي بكل ما يمجد الفكر الإنساني ويحتفي بالحياة  والسعادة الفردية الأرضية . أما كولن ولسن فلقد  تابعته بسبب طرافة وغزارة نتاجه ولكن عدم انتمائي كان في حقيقتة انتماءاَ اخلاقيا للخير وقيم الجمال وللإنسان نفسه وحقه  الطبيعي بالسعادة والآمان. .
مع باقات من الجوري
اخوك فؤاد

mirzafouad@yahoo.com

 

 ( 4 )

(People of the River) :-

التماثيل الآدمية القديمة حول( نهر سنغافورة) هي بالحجم الطبيعي ,
إذا وجدت نفسك تنظر بدهشة وأنت تتمشى على شاطئ نهر سنغافورة ، فقد يكون ذلك لأنك وجدت نفسك فجأة في مواجهة بعض التماثيل البرونزية تبدو كأنها حية ترزق. تعرف هذه التماثيل بسلسلة أهل النهر (People of the River)، وتصور طرق حياة السكان الأوائل الذين أقاموا جوارالنهر. وهي من الإبداعات الفنية للنحاتين المحليين وتشكل جزءا من متحف في الهواء الطلق يسمح للمرء باستكشاف طبقات التاريخ السنغافوري في محيط معاصر.
ومع ناطحات سحاب شاهقة العلو في الخلفية، تخلق هذه التماثيل صورة آسرة لنمو سنغافورة من مستعمرة نهرية صغيرة إلى مدينة معاصرة صاخبة. فهذه التماثيل هي أكثر من مجرد ذكريات صبت تماثيلا من البرونز، بل هي المادة التي تصنع منها الأحلام..
لن يكون لتلك الأحلام قيمة تذكر دون النهر ..!

مافعله ( فؤاد) ليس تخليد شخوص قصصه التي عايشها بالصب بل بالسرد. ليس هو فقط بل من سبقه ومن كتب عن النهر والأنسان من بعده .. ( انبه بعض الأدباء الى زلة الصاق تهم وذنوب بالنهر!) واقصد ممن يكتبون بالعربية فلا ذنب مثلا لدجلة بتحويل ضفتيه المتقابلتين الى رمزين لطائفتين في ازمة ضمن ازمة تمزق مؤلمة ومؤسفة!! النهرالخالد ( وليس النهر الموسمي ) شاهد على كوارث كثيرة وهو يمنحنا الماء والجمال لنحيا بهما ولايبالي باسقاط الحالة الدرامية على حياته كمخلوق طبيعي فتلك علتنا الوجودية وليس مما يخص مادة النهر الصامتة ! واتمنى ان يقرا هؤلاء ما كتبه (ايفواندريتش)
عن نهر (درينا) وهويكتب تحت القصف الوحشي النازي عن عذوبة نهره
بينما هو يصف الفواجع التاريخية فوق الجسر الحجري الذي تعرض
ومن عاش حوله الى قساوات وفضاعات شتى ولقرون .. كان ( اندريتش )
على الأقل قد تعلم احترام نهره رغم قساوة حياته ! وهو القائل :-

"يحزنني مجرد التفكير،
بأن وطننا العريق، العجيب،
ينقرض مع مرور الأيام !".

(الروائي ايفو أندريتش، مؤلف رواية: جسر على نهر درينا. )
وروايتين اخريين ( تحت القصف ) ولم ينتظر انتهاء الحرب
وهزيمة الرايخ الثالث بقيادة الساقط (هتلر) . ليكتب عن الحرب
العالمية التي جرت كرواتيا امه الى هلاك كان الهول بعينه .. هو
لم يصب بمرض ( عمى الأنهار) ربما كان ذلك فال حسن او كان يحمل خرزة سحر..!

لم يكن ذنب النهر ( عدم حصول كلكامش على عشبة الخلود) بل الأفعى التي خطفت عشبة الخلود ! من اعماقه وهو الخالد في الاف النصوص حول العالم وفي قصة ( فؤاد) القصيرة جدا ، ( النهر )

ذلك النهر اسمه ( دجلة) ، ( الشاب يلتقي حبيبته على ضفة ذلك النهر ) في قصة اخرى سياتي دور الكتابة عنها وذلك النهر ليس بغداديا فقط !!
هو النهر نفسه الذي بنيت بالهامه قصة (فؤاد) القصيرة ( رحلة لصيد الأسود) في رحلةالأولى الى جنوب بغداد ، حيث اكتشف للمرة الأولى
بان اقارب له هم هناك والتقى ابن عمه ( مراد) هناك في الرحلة الأولى مع والده .. كان العالم بالنسبة لفؤاد هلاميا وغامضا الى حد ما الا انه تتبع دوما مصباح براءة وفطرية التخيل متلمسا ردود افعال الأقرباء الغرباء مهتما بالكائنات الحية في كونسيرت الطبيعة بلغة الرسم والألوان فهو في رحلته تلك يصف الشكل انطباعيا لاتلغيزا وترميزا!/غيرالمباشرلغاية فنية وليس الترميز/ فاحترامه لدجلة النهر في نصه (النهر) سنقلل من قيمة الدال والمدلول بنيويا في المتن اذ نحن تشاطرنا لأحالة ( النمل) في نصه الى سلطة وحزب معين .. وهو الذي بنى الحوار بين ( الشاب والنهر) على مسالة الخلود ( خلود النهر)
وذلك خلود رغم انف السلطة في العالم بمعيارها الرمزي والواقعي
التاريخي والمستقبلي ولو فككنا احصائيا لمفردات النص في السياق ..
سنلاحظ بان النهر ابتسم ثم بعد قليل قهقه قبل ان يضحك ويغرق في
الضحك قبل القفزالى النهر وغمر الروح والجسد كليا بمادة خلود النهر/الماء/ .. حيث ان الشاب (ارتوى ولن يعطش ابدا)..
القفزالى النهر وغمر الروح والجسد كليا بمادة خلود--->الأنتماء الكامل للشاب الى عجائبية النهر وامتيازاته الضخمة كنهر ..هو تصديق (فؤاد) لآراء النهر وحكمته ( التي هي وجهة نظره التي تحاور نفسها وتكتب ..

والقصة الخيالية التي باغت فيها النهر ( الكاتب/السارد/الشاب ..انا ) كان النهر الذي ياتي دوره ليتحدث ويعكس امنية لانظن بان امنية اخرى كانت اكثر اهمية من رغبته في كتابة نص متفوق ، اعجبه النهر بصفاته وايحاءاته وعظمته .. ذلك يتجاوب مع تعاطف نفسي دفين في حياة كل مبدع لكي على الأقل يتميز على الآخرين في بداية
السلم وان يكون في درجات اخرى على السلم نحو الأعلى .. ببساطة
كان النهر بجبروته مثل ( فؤاد) الأعلى !

... طبعا وبعد قراءة رواية( سدهارتا) التي ترجمت في بداية الثمانينات ، لايمكن لنا التجني على ( هرمان هيسة)عما قصد بحوارية بطله مع النهر والذي يرغب في الحصول على وجود مقدس بالتاويل السياسي في المانيا . بل دابه في البحث عن النقاء ونظافة الروح الأنسانية وهو التيولوجي المبكر الذي كتب شعرا بلغة السرد والسرد بلغة الشعر .. ماموقع ومصادفة ( فؤاد) في هذا ؟!

نعم !
- خلود النهر كان سحر نقاء جذب (فؤاد) اكثر من مرة وتمنى لنفسه الا يكون كاتب مرحلة !

الدليل ؟!

- نعم ، هو بعد اعوام----> رحل !


( اللغة ليست زادا من المواد بل ، افق )
- رولان بارت -


يتبع
 

5



مقطع من نص ( قصة القصص ) / ( ناظم حكمت ) :-


( على ضفة النهر واقفون

اولاً سيمضي الهرّ

فتنمحي صورته

سأمضي بعده

فتتلاشى صورتي

ثمّ تمضي الدلبة

فتختفي صورتها

بعدها سيمضي الماء

ستظل الشمس

ثم تمضي بعد الجميع ).

( مجلة (الثقافة) البغدادية ع 6 حزيران 1979/ فن ناظم حكمت/

اكبر باباييف/ ترجمة ومداخلة: جلال ورده (زنكابادى).

.....

القاص الغريب في المكان الغريب ! :-

لازلنا تحت سقيفة العقل الحزين التي تجمع عددا من نصوص ( فؤاد) ضمن مجرى القساوة والرومانسية معا والتامل الجريح مع النهر..
والنهر لم يغير مجراه القديم لذا فان القاص الغريب عاش مع ( جزيرة الفطر الأحمر ) في نهر الوطن قصة مروعة ( رحلة لصيد الأسود- 76 ) .. القاص الغريب بتامله الملئ بالهذيان المنظم في ( محطة كالابريا84 - ايطاليا ) شغل مكانه الغريب بجدارة .

يبدو لي بان الماساة حول النهر في اقصى جنوب العراق كان لها الموجة الأكبر التي تولدت بالقاء حجر الطفولة في ماء ( دجلة )/ ( رحلة لصيد الأسود) صدى تلك الموجة ضرب بقوة خيال الغريب المختنق ، لكن هذه المرة بعيدا عن ماء النهر ليواجه امواج البحر ..البحر في ( كالابريا) .

كل من شرب من ماء الأنهر مسه الجنون مثلي ومثلك ! لكاننا عشنا القصة القديمة التي جن فيها الملك والشعب معا لمجرد شرب الماء المسحور الملئ بجنون .. شاعرية تاريخنا المجنون .. قد يكون امرءا ما قد ناله كرم السعادة في غفلة من موجة النهر البالعة الشافطة .. انهرنا التي تشفق على النوارس .. تضمخت ايضا بدم المذبحة ..
في الرحلة الى جزيرة الفطر الأحمر احسست ان ( فؤاد) تذكر وكتب بلغة التراسل في الزمن الثالث بالباطن النفسي الضاغط المستفز عن طفولته .. عند قراءة (رحلة لصيد الأسود ) للمرة الأولى احسست بحاجة للتخلص من اختناق ذهولي
وكان علي مغادرة غرفتي .. هرعت الى النهر القريب من سكني ، في
طريقي لعبور الشارع ، ضربت الأشارة التي كنت بلون الدم الذي سال
من الفطر الأحمر في تراسل ( فؤاد) القصصي ! مددت يدي الى الجيب
الذي فيه علبة سكائري ، كان الجيب الخطا.. اتى في يدي ( كتاب
جيب ) قديم صدر عن مطبعة تطل الى يومنا هذا على نهر ( الراين)
في المانيا .. وجدت نفسي على ضفة نهر ( الدانوب ) اشعلت سيكارة
.. كان النهر غاضبا تلك الليلة وعلى وشك الفيضان ، احتميت بالمكعب الصيفي لمسرح دائم خال تماما شتاءا على الدانوب .. وانا اقلب كتابي وفي راسي عالم القصة التي حولنتي الى طريدتها كقارئ !

قرات في الصفحة 76 من كتابي المجنون قصة ، عند قراءة حرفهاالأخير اسفل الصفحة ، كان الرقم 76 في الأنتظار ولم يك ذاك
سوى نفس السنة التي كتبت فيها ( فؤاد) واحدة من القصص العراقية القصيرة
التي تحتل مكان الصدارة ( رحلة لصيد الأسود ) . قرات هناك , القصة التالية التي عاشها مكان يمثل امتدادا مزدوجا للمكان الذي اصطحب فيه الوالد ابنه ( فؤاد) قادمين من بغداد بعد ثورة 14 تموز الى اقصى جنوب العراق .. حيث جرت وقائع القصة .. تتضمن ( عرسا وحشيا) ايضا .. في رسالته المرسلة لي بعد قراء ته الجزء الأول
من كتابتي عن ابداعه يرد --> ( اجد ان نوازعي الفطرية الأولى كانت قد التقت مع أدب البير كامو وخاصة اعراسه في صحراء الجزائر ) ! .. حسنا ، اليكم المقطع التالي الذي قراته وانا اتامل غضبة الدانوب :

( يروى أن قورش، إمبراطور فارس، شعر بالإهانة الشديدة من نهر «الغيندس» الذي أغرق أحد خيوله البيض المقدسة، فأقسم على أن يحطم كبرياء النهر. وشن حملة كبرى. ولم يهدأ له بال إلا بعدما قسم النهر إلى 360 جدولا، بحيث أصبح في إمكان امرأة أن تعبر أي جدول منها، من دون أن تبلل ركبتيها.
لقد أدى انتصار الإمبراطور إلى اختفاء النهر. وحصان مقدس ليس أكثر أهمية من نهر يروي الأرض وينقل الناس ويرسل عليه الحطب والأخشاب والحملات. و360 جدولا لا تساوي نهرا، بل تساوي 360 جدولا ضعيفا لا شأن لها! ) .

عاشت عوالمنا بسهولها وجبالها العراقية قصصا مثل هذه في القسوة في حالة اضطهاد قدرية لن يعاني منها سوى ضحايا الحيوانات القوية في الخرافة ! يقطع هولاكو الآف الأميال في الأزمنة الغابرة المغبرة الى يومنا هذا ليبدع في تلوين النهر بحبر الكتب وتنحل الحيوات تحت سنابك خيول متوحشة مظلمة الحدقات جائعة وعطشى ..


في قصة ( رحلة لصيد الأسود ) ياتي على لسان ( مراد) الآتي :-

( خفض صوته وقال: إسمع.. أنت لا زلت صغيراً, وحينما تكبر, ستفهم ان هذه الأمور تحدث بحق وحقيقة. )

مالذي جرى بعد ذلك ومن الذي فقد في تلك الرحلة وماهي الأمور التي سيفهم ( فؤاد) انها تحدث / بحق وحقيقة / ..

ذلك لن ناتي اليه الا في المحطة القادمة !


( الذي يمكنكم ان تصبوه في الكاس والذي ياخذ بعد ذلك الشكل الذي تودون )
( هذه الجملة وردت في قصة - الماء - للكاتبة التركية ، ايرندز اتاسو )


( يتبع )
 

عزيزي بولس
أتمنى أن تكون بخير
لا أريد أن أكتب  لك في هذا الوقت خشية أن  اشتت جهدك خاصة ان محراثك قد دق عميقآ في أرض الحصاد.. وها أنا أرى بين كفيك كثير من الثمرات اليانعات..  كم اعجبت بإكتشافك بان اللغة هي أفق روح.. تستمد من الفنان نسغ انطباعية حسية تشيكيلية. والتي عبرت عنها انت بشكل رائع بهذه العبارة (  انه تتبع دوما مصباح براءة وفطرية التخيل متلمسا ردود افعال الأقرباء الغرباء مهتما بالكائنات الحية في كونسيرت الطبيعة بلغة الرسم والألوان فهو في رحلته تلك يصف الشكل انطباعيا لاتلغيزا وترميزا!/غيرالمباشرلغاية فنية وليس الترميز). أشد على يديك  واشكرك على حرارة وصدق جهدك.
أخوك فؤاد ميرزا
 

(6)


الأعمال الفنية تنبع دائماً من أناس واجهوا الخطر، و وصلوا إلى النهاية القصوى للتجربة
( ريلكه )


طبعا، لم يترجم كتاب ( جنكيز ايتماتوف) الأخير الذي ملأ صدري امتنانا له في تعلمه المستمر ودابه الخارق لحرق الحواجز السردية
التي عوقت وكممت قدرته العبقرية في تحطيم الذاكرة بقوة البطل الشاعري المتمرد ، الثوري والجميل ( جميلة) والفعال الغراميشي
( المعلم ) في..( وداعاياغولساري) .. لكان ( ايتماتوف ) انتهى مع طبخة حرب 1990 العالمية ! لكان مجده كان كالصبي (الأمل) الذي
ايقن في ضباب البحر بان خسارات رحلته الكبرى كانت مفارقة الوجود.. من قدمت له صفعة امام ( الكلب الراكض على حافة البحر )

اي ان اشياء حصلت في تلك الحكاية في البحر امام جبروت الطبيعة
لكن الضباب وحده حجب قدرة التصرف المحدودة بدورها في تغيير ذلك
المصير ! .. الضباب مهم جدا في كل الحكايا التي تتكئ على الذاكرة .. ماتعلمه ( ايتماتوف ) كما اعتقده .. هو عمله على خيال الشخصيات التي تغذي الذاكرة .. لنكتب عن خيالنا كماكان بالفعل والحقيقة والنظافة والصراحة ، لاان نبرمج ذلك في الية الستراتيجيا المقصودة في الأختيار والأسقاط لنصنع لنا تاريخا عبقريا جذابا .. يهئ للآخرين باننا مذ وقفنا على ارجلنا ولدت في تلك اللحظة شخصياتنا المتعددة المواهب الخارقة .. كل ذلك هو عمل مجنون نرتكبه لتقديم صورتنا في سيرة حياة لنا كمبدعين
لتحقيق احلامنا .. نحن دوما ميالون الى تضخيم كل شئ يخصنا!
اعتقد بانني شخصيا اريد ان اقرا بنفسي اعمالي دون نفخ رئتي في نصي ، لذا.. لدي شعور الآن بالضبط بان نصا كتبته مؤخرا ، بدا لي كالشباك المزركش الجميل لهم ولي ، وهو منطقيا شباكي .. لكنني عند تكرار قراءة نصي ذاك اكاد اشعر في لحظة معينة في الزمن الفالت بين صورتين بانني فخمت صورة استبدالية تظهرني كسخيف وابله . اشعر بان الكشف الذاكري كان ورقة دعاية لقدرتي ايا كانت قيمتها وليس قيمة ما انا مدين له ( سلة الذاكرة ) !

ليس لي ادنى اهتمام بالقرية التي ستدفع ثلاثا من المغامرين
المختلفين وعيا والمشتركين والمجموعين سوية في تلك الرحلة اقصى
جنوب ( العراق ) برابطة القرابة من جانب جدلي حول بناء منوع
في الشكل القصصي وتداعي صريح كاشف ومتزن لأبن الخامسة وهو يقف مع امه امام (اسد بابل ) .. هي تخرف وهو يتخيل ويتعامل ويعتقد
بان اسد بابل هو انسان مسكين مضطهد مغلوب على امره ( اسد بابل لم يكن الا التمثال الذي لم يكتمل ) ذلك الحلم في انسان مكتمل يساعد ( فؤاد) شخصيا كان مفقودا ! وجد نفسه في تمرد ( كامو)
وساعدته ليس رحلته مع والده كمحفز للكتابة والتراسل .. بل رحلته مع والدته !! .. هناك تماما تهئ له بان الأسد (انسان) ..

منذ قرون خلت لم يتبق اي اثر لمخلوق اسمه ( اسد ) في العراق !

اي الأسود، يرحل ثلاثة من العراقيين لأصطيادها في (جزيرة الفطر الأحمر ) في ( دجلة) كما يرد في قصة ( رحلة لصيد الأسود ) .. انهم
حقا في رحلة لأصطياد الأشرار من البشر ! ثلا ثتهم .. كل له هدفه
في قهر الحواجز التي عليه ان يزيلها .. علمنا من هي اسود ( مراد ) و ( شيبوب ) في تلك القصة .. لكن المشارك الأصغر سنا كان
كاتب تلك القصة بعد سنوات كان عمره (22) سنة .. وبسابق الترصد
والى اخره .. كانت رحلة صيد الأسود تعاملا درامايكيا في النظر
الى حيوان كانسان .. انها النتيجة الأكثر صراحة الى النظام البطريركي واستبداد شامل يتبلور في الحياة حولنا.. الدوغمائية!

لن يمكنني الأستمرار دون قراءة المقطع الكامل ادناه من القصة
التي هي ( قصة قصصه ) :-

***


قرب متحف الأثار, كانت هناك نُسخة مُطابِقة للنصب الأصلي لأسد بابل الذي يصور أسدا بجثه هائلة يجثم على شخص مسجى بلا ملامح. هذا الأسد كان موضع إهتمامي أنا إبْن الخامسة, فتخلصت من كف امّي وخطوت لأقف أمامه. مشاعري وأفكاري البسيطة كانت تتعاطف مع الجسم الإنساني المأكول والمشوه.. أمي قدمت تفسيرأ محيراً للمشهد رسخ كصورة التمثال في ذهني بعد ذلك: ( أخ زنى باخته فمسخهما الله حجراً على هذه الشاكلة وغدت خطيئتهما التي لا تغتفر عبرة لكل من لا يعتبر ). صنعت أمي دون أن تدري داخل عقلي مرآة ذات أبعاد جديدة لم تكن موجودة قط. ومثلما تنسحب المعاني عن الكلمات وتتركها جثة هامدة, تتناسل الرموز وتبتعد مهرولة بعيداً عن صورها الأصلية, غادرتني قناعاتي وثقتي بعقلي تلك اللحظة. وأمست المرئيات والأحداث كُلهاّ, رموزاً في دائرة مغلقه, قيض على عقلي إكتشاف أسرارها والعثور على حلتها الخالدة. وهذا ما جعلني أشك بما كان يقوله مراد عن نفسه وعن أمه, وأطبق على وهم أنه كان يتلصلص عليها, ويحرك رأسه بشكل شبه آلي كلما انشغلت عنه الى حيث تجلس. حلمت تلك الليلة بأسد بابل له وجه مراد, وقد انسحب عن جثة أمرأة مأكولة الرأس وتوقف على مبعدة منها ينظر اليها بعيون محتقنة. هذه الرؤيا ظلت راسخة في ذهني مخضبة بضوء وردي يشبه بدء الخليقة. تختلط الصور بالرموز بالأحلام, فأجدني أتساءل: هل كنت واهماً؟ هل كنت أحلم؟


( يتبع)

 

 

 ( 7 )

 


( من أين جاء هذا الصبي المضحك بحق الجحيم !!)

هذه الجملة التي تعرفنا بواحد من شخصيات ( رحلة لصيد الأسود) ,

لا تاتي ,

كقولة/ حوار تعبر عن رغبة الشخصية , للتعبير عن وجهة نظر تمد قميص الحبكة بجيب .. كان ذلك تصور القاص بان الآخر يفكر ايضا!
( فؤاد) تصور ودون انطباع الآخر عنه .. والقاص في غمار اثبات الوجود محتميا بحسه وادواته. قبل تحد/ يظهره مضحكا .. مضحكا) فتحية له .. لأن كل قاص هو كاركتور انتقادي ..
في البيئة الجديدة . القرية التي يخفي ركودها غليان ما ..
مكان القصة الأفتتاحي , اعتبره صدقا يليق بمناورة طيبة تعكس ثقة مبكرة , ثقة القاص الغامضة بنفسه /مكان/زمان/ رؤى .. بيئة .. اخفاق ، قساوة واحلام ..

ادرك تماما بانك ستنجح وبسهولة لتكتب بداية لمخطط قصتك ، غير ان مايتبع .. مايعقب .. ما يتلوى كصورة مركبة مؤلفة منك ومن صراخك وهذيانك المنظم .. هو وحده المهم ! لذا فان كنت تنوي خداعنا--> ببداية قوية ، فاثبت لنا بانك موهوب وعلى كامل الأهلية لتحمل مسؤولية اخراج قصتك ونيل ثقتنا بجدارتك لتكون واحدا من
شخصيات قصتك التي تحمل بصمتك .. شخصيااعتقد بان النص الحديث الحديث الحديث !
يمكنك الا تلتزم فيه بالبداية التي يقودك القاص منها الى النقطة اللعوب الساخنة .

هناك قصة كلاسيكية اسمها ( اشارة خطر) للمبدع الروسي ( يورشكين) .. بامكانك ان تبدا قراءة المستوى الأنفعالي فيها ، من اي نقطة تشاء ( فكيف مع القص المفتوح الآن ؟!)... للأسف كان ( تشيخوف) سيدا مطلقا للقصة حينها . ذلك العظيم ابرزته القيمة المثالية للفن كنبي وحيد !
وهكذا حطم النقاد الروس كاتبا عملاقا.. ( يورشكين ) .......!
وقتها فقط .. علينا مثلا التفتيش الغاضب عن نصوص مهمة لجيل القصة العراقية في الستينات ولا نكون حمقى في تلخيص تقليدي لفهم
الأبداع على الطريقة الصحافية سابقا ! --> ( محمد خضير ) كاتب مهم
جدا في القص الذي يتعامل مع المخفي والمسكوت عنه تاريخيا !
غير انه كان واحدا فقط من العديدين العظماء ..
مااثار خيبتي قبل سنوات ، كان مقولة لتشيخوف ( القاص يكذب عند افتتاح قصته)

طبعا ..
هو كان يود الأشارة الى تسمية لم تكن موجودة في زمانه
وهو ما يعرف اليوم ب ( فيكشن ) اي الخداع.. ربما !
وانا الى يومنا افكر في مقولته الخبيرة تلك !


المشكلة الكبيرة التي واجهتني في القراءة الأولى للقصة ، كان
فقرتها الأفتتاحية !!

ظهر لي ( فؤاد) القادم من بغداد في انطباعه الأول عن ( مراد) في القصة .. كشخص متعال متعجرف وكريه جدا ! وظننت بانه يمس معيارا مهما في الأبداع هو (المعيار الأخلاقي ) !.. وهو ما تحامق فيه كمثال فقط -->( عبد الستار ناصر ) في وصفه ل( نادل) في ( بار) عراقي ، واظهر نقمته كمخمور على اشوري مسيحي يعمل نادلا في واحد من باراتها وانتقامه النصي كان خللا في المعيار الأخلاقي في الأدب ( اخلاق امانة انسانية ) ليتعلم ذلك القاص الفاشل من ( جورج امادو ) ربما .. كيف يفرق الخيط القماشي من خيط المطر !!
لكن ,
مايعقب افتتاحية القصة كان المهم لأراحة ضميري كقارئ .. قلب ( فؤاد) المعادلة الحزينة باخرى افرحتنا ، كونه ضحية مشاركة في الفعل القصصي وليس الجلاد المعنوي كقاص في وصفه الفيزيائي لمن التقاه مبكرا في بداية القصة ( مراد) .. هكذا تكون المغامرة الفنية ممتعة .. دونها ، لربما تركت تلك القصة نهائيا ولم يصل بي الأمر الى درجة التفكير حول الكتابة عنها !

بداية قصة ( رحلة لصيد الأسود ) :-

( لم يكن إبْن عمي مراد أبلهاً كأخيه الأصغر ولا غريب الأطوار كأخيه الأكبر، لكن عندما يحّل الصيف ويصبح النهر مسكنه, يعجز الماء عن إختراق طبقة القذارة السميكة التي بنتها السنون فوق جسمه ، فتح مراد فمه فرأيت إبتسامته المعتمة و الفخورة جداً, بأسْنان مفضضة بطبقة من (الزنجار) ) !!


( يتبع )
 

( 8 )


      ليس ذلك فقط , هو بداية ( رحلة لصيد الأسود) !


   في المقطع الأول ، بداية كل فقرة في هيكله الأستهلالي يصلح
ان يكون بداية للقصة والبدايات الثانوية التي تعقب عتبة المقطع الأول هي :-

1- كنّا (أنا وهو) من عالمين متباينين, ولكننا كنا متشابهين
2- لحظة التعارف بيننا كانت مربكة حقاً.
3- كان أبي قد اصطحبني معه لزيارة اقاربه الذين يعيشون بعيداً في أقاصي الجنوب .
4- بدأ مراد الحديث محطماً جدار الصمت الذي بنته لحظات المفاجأة الباردة بيننا.
5- في غرفته الطينية, التي كان يسميها (القبو) , فوجئت بالسكاكين الكثيرة المعلقة على الجدار فوق مربعات ومستطيلات من قماش ملوّن .

كل هذه البدايات ترتبط بصلة رحم قوية مع البداية الأم بل هي مداخل اساسية ليس في وظيفة الأخبار ومهمة السارد ( ضمير المتكلم) في (التوجيه ) بل للوصول باكثر قدر ممكن من المسك بحركات الباطني في عالم القصة كلها ، يلجا ( فؤاد) الى /ضمير المتكلم/ الأصلح تقليديا للتنقيب عن تلك الصور الضائعة في اللاشعور ( هو يكرر في اغلب نصوصه هذه الملازمة) ، طبعا لابد ان ( يكون هناك سارد / باختين + تودوروف + ايكو+ ميشيما..الخ)

السارد في قصص ( فؤاد مرزا) هو من يطمح لتوليد الصور الدرامية بخيال عال / وهو الذي كتب قصصاقصيرة جدا بنيتها مستمدة من وتنتهي في التخيل ( قصة غيمة + يوم طارت الأسماك ) وقبل ان يكتب ( رحلة لصيد الأسود) بفترة لاباس بها ، وهذا يفسر تمرد السارد عدة مرات على ارضية القصة الواقعية بمظلة ساعدته سابقا
في
الكتابة بتقنية التحليق والطيران التخييلية ،
وهو مقنع جدا ،
لأنه يربط ذلك في رحلته ب / المعتقد/ التقاليد/ الموروث الخرافي
/ الخيال الشعبي / خيال الجنوبي الريفي / الميثولوجياالآنية التي
تبتكرها لنفسها شخصيات القصة وتبرر لنفسها تمردها على حصارها ومحاولاتها الأسيانة لفك الحصار الواقعي حولها في مجتمع القرية وغيره وعكس بلا ريب حصارا اخر ساعد القاص كثيرا في شم الهواء روحيا و.. القصص تحرره من حالات حصاره وتفعل فعل التطهير له شخصيا = ( معاناته كفيلي --> عقودمن جدل وشبهات واضطهاد وتدمير..) في عام 76 هو كتب ( قصة قصصه) ! .. في المقطع الكامل الأستهلالي الأول
تتحقق اشياء مثيرة جدا ومهمة لها علاقة متشابكة وبشكل صادم ..
لكان ابن 22 عاما كان مصمما على كتابة ( رواية سيرة ذاتية ) !
الا انه اكتفى بكتابة ذلك وبتطويع كامل للزمن الثالث / الباطني / في قصة قصيرة .. هناك من همس في اذن( فؤاد)
لكي يتحول من شاعر الى قاص وبعدها اصبح ( القاص الشاعر في نصوصه) ! ..
اهمس اليوم في اذنه باننا كسبنا قصة قصيرة من ذلك العالم الستيني المكتوب سبعينيا من مادة روائية غنية بكل جنون التنقيب المحموم والربط الدلالي المتشظي .. كم اتمنى ياصديقي ان تكتب الرواية ! رواية كان لها ان تظهر والأنسان لاياتي متاخرا جدا ( على حد تعبير , ديلاكروا ) .. بداية القصة اوحت لي بذلك !


في المقطع الأول من ( رحلة لصيد الأسود) عثرت على الشاب في قصة( النهر ) القصيرة جدا وهو الحضور الآنوي لمراد الذي شحن فؤاد
تحت سطوة شخصيته عشقا للنهر ، ففي الصيف كان مراد يلتحم مع النهر هاربا .. هاربا من كوابيسه .. اسال هنا سؤالا غريبا..
- مالذي كان سيكتب ( فؤاد مرزا) لو كان قد قرا( كافكا) كله.
- الدفين المبهم الذي ظهر في نص ( النهر) كان ( فؤاد+ مراد)
على الأقل ...

يشعر ( فؤاد) بالأمتنان الكامل لوالديه ، فهو في قصته يشير
الى ان الأب اصطحبه في رحلة اكتشاف غنية ومغذية كمادة للكتابة
لاحقا .. وهو قد شكره مرارا على كل شئ يدين به اليه ولم يكن
البورتريه الشخصي الذي رسمه له مرفوع الحاجب من العين القريبة
من عين راسمها سوى تاكيدا على حرص تربوي يتمثل بالحاجب المتبرم
لعين متفحصة حريصة كانت لازمة ابائنا ايضا ! والعقيد الجد لماركيز ايضا..
اما الأم التي افلت من كفها طفلا قبل دخوله المدرسة ليواجه ,,,
ماساة الفريسة البشرية تحت الأسد وتترسب في لاوعيه صورة مبكرة
عن التسلط والأفتراس ، اجل ، كان الأسد قد استحال الى ظالم/ .. انسان ! .. هل كان نحات اسد بابل بالأصلي والمستنسخ / نحاتا مكلفا من قبل الملك الكلداني لتفخيم سلطته / هل كان ذلك المثال مظلوما ؟
مثل الفيليين في عكد الكفاح و باب الشيخ و.. اقصى جنوب ( رحلة
لصيد الأسود ) !! .. ابن (5) سنوات ياكله الحزن حتى التلاشي في
قدرية المصير .. هو التمرين المحلي الأول على مواجهة الخطر الأول
في حياته .. اذكر هنا بلا تاخير بان الأسد ملأ ( فؤاد) خوفا وهو
سيظهر كانتقام بلا سفك دماء .. / ابداعيا في القصة / الرحلة بعد(12) عاما.. كيف لا وان مراد و شيبوب ازاحا كل ستارة تتعلق باسطورة الأسد بعد حرب 74/75 في خيال الكاتب الشاب مصمما على التداعي الدامي نصا وكتابة ذلك مبكرا قبل فوات الفرصة ! ..

الفرصة الذهبية للتماهي والتعاطف مع الأنسان تحت جثمة الأسد
وفرها المقطع ادناه ونحن ننهي الأستهلال الأول للمتن :-

( في غرفته الطينية, التي كان يسميها (القبو) , فوجئت بالسكاكين الكثيرة المعلقة على الجدار فوق مربعات ومستطيلات من قماش ملوّن. أخذ مراد يعدد لي أسماءها ومواصفاتها وطريقة حصوله عليها, وحينما أكتشف ضجرى, وعدم اكتراثي بهوايتة, توقف لبرهة عن الحديث, نظر ناحية شيبوب كما لو كان يستشيره في أمر خطير ثم استدار بهيبة نحو ثلاث سكاكين كبيرة الحجم معلقة فوق خامة حمراء وهتف: (أما هذه.. فواحدة مدماة بدم أسد والثانية بدم طنطل والثالثة) وركز مباشرة في عيني لكي يدرس تأثير كلماته (وهذه بدم أمرأة).

في هذا المقطع يحصل المس الكهربي بين العقل الباطن والثقة
بمراد الذي سيثار للضمير المتكلم وخاصة ان السكين التي ادمت
الأسد معلقة على خلفية حمراء ، لذا فان المقطع التالي الذي
يعقب --> هو صريح جدا في ترتيب الأليات الخالقة لضرورة واهمية كتابة هذا النص في ذلك الوقت المبكر من حياة القاص .

هكذا قصة ، حتما كانت احدى هدايا العرفان للأم في عيدها !
 



 

( 9 )




( قصة رحلة صيد الأسود .. أدخلتني في أجواء غرائبية هائلة تذكرني بالرسام روسو أو الرسامين الروس أمثال فروبل أو فيلونوف .. )


بهذه الكلمات التي تلخص انطباع فنان تشكيلي اشتهر منذ سنوات بمعالجات متجددة لمفردتين ( رجل وامراة ) .. انطباعي عن التكراري
الشعري في لوحاته ,الخصه بكلمة ( خطف )! يشبه تماما خطف العم لأمراة تركمانية الى اقصى جنوب العراق لتكون زوجة عم السارد في قصة ( رحلة لصيد الأسود ) .. ذلك الفنان الذي عثر على تناص ابداعي بين ( فؤاد ) و ( فيلونوف ) كان دقيقا جدا ! .. اؤكد هنا على انني
احمل انطباعات ( لوثر ايشو ) حول خربشاتي الأدبية محمل جد واهتمام عميق / ليس لأنه اخي/ بل لأنه فنان تشكيلي مدرب بصريا !!

ليس عند تلك المعلومة فقط ،

بل
وجدت اليوم في معرض لفنانة رائعة ( اندريا تيرني ) هنا في ( لينتز ) تطابقا مذهلا في ملصقاتي الذهنية المقارنة بين هذا وذاك وعالم القصة التشكيلية في ( رحلة لصيد الأسود ) .
ليس عند ( مدرب بصريا ) فقط بل ان الفنانة الشاعرة في اعمالها ( تيرني ) تذكر في بطاقة التعريف بنفسها واعمالها بعبارة تدفع تاملي الى امام / انا لاارسم ماارى بل حاصل العلاقة بين العالم الخارجي وعالمي الداخلي / !
كم اشكر صديق عزيز علي لأنه وانا في محطة قطار ( سالسبورغ )
ذكرني بزيارة معرض (اندريا) في المدينة ( لينتز ) التي اعيش فيها
والتي كان فيها ذلك الصديق الرائع مرارا وهو الذي لم يكتف برسم
لوحة ( العمادية ) بصريا في القصيدة الأولى التي قراتها له وانا مراهق ( عام 76) .. بل ( لينتز ) و... ( برايتن ) مؤخرا ايضا!
ذلك الأخ الأكبر ( ليس الوارد في رواية- 1984- اورويل ) / التي كتب
عنها ( ناقودا ) في الصفحة الثقافية في جريدة ( الثورة ) في شباط
بغداد 1984 مايلي :

( لقد تحققت نبوءة ارويل من خلال الدكتاتور الخميني اليوم / الأخ
الأكبر / ) !

طبعا يومها كنت جالسا على مدرج نادي اكاديمية الفنون في
بغداد ، وقلت للصديق ( ناصر مؤنس ) وهو حي لليوم :

- اتفضل اغاتي اقرا .. ايش كاتب هالجربوع !

طبعا نحن كنا نتنفس من خلال تطهير ارسطي تام اثناء قراءة تلك
الرواية العبقرية والى يومنا هذا اعتبر (السيد النائب )الذي تنطبق
عليه اخيلة (اورويل ) والذي كانت له شفرة ( عبود ) فيما بيننا
عبود الذي كان / السيد النائب / يوم كتابة ( رحلة لصيد الأسود ) !

شيوعيوا الجبهة الوطنية في عرس زفافها كانوا قد اطلقوا على السيد النائب --> الأخ الأكبر .... تسمية ( غيفارا العراق ) كم كانوا من مساكين ذوي عذرية ايديولوجية !

ذلك ( الناقود ) الذي كان يسهر صيف نبوءة (اورويل) في ملهى ( الطاحونة ) قرب ( مرديان - بغداد ) بعد ان يتغنى بقصص المعركة
مع بيرة - فريدة - في بار اتحاد الأدباء العراقيين في ساحة الأندلس ( اتشرف بانني لم اسكر هناك اطلا قا ) واي نكرة كنت يومها لكي يكون مقامي ومجلسي مع قادة الأدب التعبوي ايام الحرب مع ايران !

ذلك الناقد الكريه هو احد (مواليد برج الشيطان )الذين اقصدهم في نص بنفس الأسم .. وهو اليوم كاتب خميني القلم تارة ،ماركسي مستقبلي تارة اخرى ، تنويري ، بكاء على العراق تارة اخرى..
وهكذا وبكل صلافة امام اعيننا !

ذلك الأخ الأكبر ابداعيا الذي ذكرني ب ( معرض اندريا تيرني )

يكتب شعرا بريشة بصرية .. وهو الشيوعي الأخير ,المقيم في لندن !

اما ذلك الصديق القديم الذي ربط بين صور ( فؤاد ) و ( فيلونوف)

فكان لقائي الأخير به في احدالعواصم خارج العراق عام 1994
لم يكن من بعد (عناق حالم ) في لوحاته , بل(لون الدم) الذي كان قد اختزن في لاوعيه وهو خارج للتو من العراق , وهو شئ ليس بالضرورة, شيئا يجب ان تراه لترسم عنه او تكتب / Andrea/ . فالعنف الرمزي له شكل دموي لامحالة .. كان ذلك الفنان قد ارتدى قميصا احمرا وبنطال بيجي وحذاءاسود ، في نفس المكان كان هناك عرض للفن الصيني .. تمنينا لصديقنا ذاك كل التوفيق ..

وارتقينا انا و الرسام ( عاصم هادي مصطفى ) واخي ( مازن ) درجات السلم المودي الى صالة سينمائية في نفس المبنى ..

شاهدنا فيلما صينيا عظيما ومن نمط الأفلام الشعرية ..

لم يكن هناك في الظلام الذهبي لصالة العرض سوى تداعيات ( قصة اختطاف رجل لأمراة واخذها معه الى مكان بعيد ستعيش فيه / الأمر
الواقع /.... تماما مع اختلاف الجيو .. تماما وبما ينطبق على زوجة عم ( السارد في قصة رحلة لصيد الأسود ) !!

ذلك الفنان التشكيلي الذي يتصدر انطباعه حلقتي هذه من ( اسماك فؤاد مرزا التي طارت ) وتكرر في تداعياتي اليوم وبما يخص ملامح شغل القاص اليوم صورا وتكوين ليدفع بفنية قصته الى امام .. هو الفنان الصديق القديم منذ ايام القسم الداخلي رقم 19 في باب المعظم ، الخاص بطلبة فن اكاديمية عاش طلابها رعب منظمة حزبية نازية كانت مسلطة لتراقب برائتنا وكان قادتها الأشاوس من اعضاء الهيئة
التدريسية / اولاد قحبة / !

ذلك الفنان الذي ادلى براي ادبي تشكيلي حول قصة ( رحلة لصيدالأسود ) ورايه دقيق جدا, هو الفنان العراقي الذي اكمل ادناه المقطع الذي كتبته يده :-

( والأكثر من ذلك إنها تذكرني بلوحاتك ذات الأجواء الرمزية وبطريقة أصيلة ومدهشة )

( اخوك ستار كاووش ) .... !!!!

... حسنا, عرفنا هوية ذلك الفنان ..

لكن ماذا عن زوجة عم السارد في قصة ( رحلة لصيد الأسود ) ؟!

ماذا عن التركمانية التي تعيش في قرية اقصى جنوب العراق في مجتمع

فيلي ومجتمع عربي ومجتمع عراقي .. تلك المخطوفة ( ام مراد ) احد

ابطال القصة الرئيسيين ! كيف تفاعلت ذات الجمال الغارب تلك ،

كيف رسم القاص تكوينها الروحي بلغة الرسم والشعر .. الشعر

الذي كتبه قبل القصة وهجره اثر نصيحة احدهم له .. لربما في

مقهى البرلمان - بغداد - ، المكان الذي التقى فيه الراحل ( جان دمو ) في السبعينات !

كلها اسئلة ورؤوس اقلام ..


سيكون هناك حلقات اخرى .. فما اذهب اليه هو ( كتاب )! موسوم بعنوان ( اسماك فؤاد مرزا التي طارت ! )


وبصراحتي المعروفة عني حد انزعاج اللؤماء مني وتمنيهم زوالي الفوري من عوالمهم النايلونية hahahaha!

اقول بان شخصا عزيزا علي سالني معترفا بانه لم يقرا لفؤاد اي شئ .. هو سالني السؤال البرئ المشروع التالي :-

- قل لي يا بولس ، وهل ( فؤاد ) ذلك الكاتب العظيم ؟!

.. طبعا اجبته فورا ليس كعادتي in مثل هذه الأحوال !..:-

- عزيزي ، انا لااكتب عن العظماء بل عمن كتب نصا عراقيا بلحمه
وعظمه وشحمه .. تلك قصة كتبها وبتواضع ابن 22 ربيعا ..
واسمها ( رحلة لصيد الأسود ) .. الله يخلليك !


العمة التركمانية للسارد الفيلي :-
 


 

(10)

 

اخبار السارد حول زوجة العم ( الغريبة ) :-

( .. زوجة عمي لم تكن تخلو من أثار جمال قديم غارب,غير أن عينيها وكفيها خلتا من وشم وزينة نساء الجنوب مما يؤكد أصلها الأجنبي. صحيح أنها كانت تتكلم الفيلية والعربية بطلاقة, غير أنها كانت تخاطب بناتها المحببات حينما تجتمع بهن في الليل بعبارات غريبة لم أكن أفهمها. قالَ أبي أن زوجة عمي توركمانية الأصل. )
 


...
 


واحد من اكثر اسرار السرد اهمية ، امكانيات السارد في نقل المعلومات الى القارئ عما هو فيه في كل لحظة تبني .. امكانية جعل القارئ مكتشفا ومتشوقا لتفاصيل تخص الشخصية هي لذته السرية في الأستمرار المتدفق مع مستويات المنتوج الذهني للقاص / دعم التراسل / .. التراسل المرتكز على وقائع ووجهات نظر وخيال وتوترات لاتقترب من حالة الشخصية في حرها وبردها ، انغلاقها وانفتاحها/ الا لتقول لنا بوضوح ومهما اختلفت اساليب الكتاب :-

- انا هنا .. فترقبوني !

يرسخ القاص والفنان التشكيلي العراقي ( فؤاد مرزا) هذه القناعة لدينا ..
ما هي دلالات مبضعه اللغوي في جمل تتلاحق لاهثة لتعريفنا بزوجة العم .. الغريبة ؟!
لايمكننا الوصول الى الأعماق دون اسئلة نضعها لأنفسنا اولا قبل
ان يسرع القاص في تقديم اجابة مباغتة .. لكانه قرر المراهنة على الحقيقة دون توريات وتلغيم يستر الصميم والصادق في حقيقة الشخصية .. كما فعل الروائي والقاص ( فؤاد التكرلي ) في رسم شخصية (الخالة) في روايته ( الرجع البعيد )

في ( رحلة لصيد الأسود ) يظهر القاص متحررا جريئا وصادما, لولاه / لما صمدت هذه القصة الجميلة الى يومنا هذا/ !
ولما اعتمدنا واثقين على افعال تدفعنا بقوة الى الأنقلاب الدرامي الذي سيضعنا القاص ( فؤاد) وجها لوجه معه ( قتل الأسد هو واقع صيد ارنب ) مثلا ! القصة فيها ( حبكة درامية) وتقديم تقرير قصصي عن (الغريبة ) كان مهما جدا فعلا .. لم اغادر القصة دون وساوس ناتجة عن اغتراب عميق تمتلئ به . ليس خوافي النسق الأنساني للشخصية وادائها بل كل شبر من ازقة القرية والبيئة المحيطة وفضاءات الموروث الشعبي وخلاصات الخرافة .... دوما, لازمت الوساوس حول الكائن خارجنا في شخصيتنا العراقية . لماذا ؟!
- لأن الشر تنبانا به وتكلمنا حوله بدقة وبالتفصيل ، ثم عشناه يحدث لنا ويهدد جمالياتنا الشعبية وثقافاتنا المحلية على مر القرون / تلك ماساتنا / .
ماتحليلك لقولة الأم العراقية لطفلها الواقف على عتبة باب البيت الى يومنا الرقمي هذا :-

- استعجل وليدي فوت جواالبيت، لاتاخذك مني الجنية !

في عام 76 كتب ( فؤاد) عن (الغريبة ) عن بيئة قروية مركبة في بداية الستينات العراقية الجنوبية كما نكتب كعراقيين اليوم جراحا دون تخلف رمزي لحفظ العورات الأجتماعية المقدسة !
بل بكامل حريتنا .. من يكتب بجبن يطلق الرصاص على مستقبله ككاتب .. !
ليست المسالة محدودة محليا بنا ..
عندما بدات بقراءة ترجمات ( باولو كويلهو ) الألمانية كان هناك من يروج الى انه من صنع (دور النشر ) ولايرقى الى اهلية تقنية سرد محكمةوبارزة بين اساتذة ( البيست سيللرز ) الذين تجاوزهم في مبيعاته !
اعتبروه بائع نزوات وطموحات خيالية ..
سمعت منه شخصيا في امسية له هنا في معرض الترويج لكتابه الفذ (السيميائي / ساحر الصحراء ) مايلي :-

( بعد كلامي المتواصل عن خصائل القرابي وعائلتي وبيئتي وطموحاتي اعتقد والداي بانني مجنون ، هكذا فهموا تمردي .. ادخلوني المصحة
النفسية وتعرضت لصدمات كهربية وهكذا كان الحال الى لحظة اعتراض شخص نبيل قال لهم بانني لست مريضا بل اديب ! )

يقدم لنا ( كويلهو ) خلاصات بلغة واضحة عن اشراقة الأنسان تمردا على كوابح البيئة .

.. احد فناني السامبا قال لي بان خرافات العقود الماضية في نواحي/ سلفادور البرازيل / خلقت تمردا لكشف التابوات فيما يخصنا ، ظهر جيل جديد من فناني السامبا بسامبا جديدة قالت بصوت عال :-

- امهاتنا لأجل الخبز في المبغى ، لكن طبولنا تقرع لكم ، فارقصوا!

مع مراعات الأسلوب المقارن بين ثقافات كل بيئة في العالم انثربولوجيا قبل غيره .. كل بعد نقدي اجتماعي ابداعيا عليه ان لايغفل المعاني السامية لجوانب انسانية عظيمة لن تعثر عليها بنفس الخصوصية وفي اي مكان من العالم ! وكما قلت سابقا,(العراق ) فيه عدد لا محدود من القصص ,, تكاد تكون الأغنى مخزونا سردا وبموازاة ذهبها الأسود في باطن الأرض !

لو كان لفؤاد يومها فرصة طبع كاملة وانتشار كاملة ضمن بيئة عراقية سليمة ، للعيش كريما والأستمرار بطقس كتابة يومي لأصدار كتب اخرى كما هو حظوظ الآخرين في العالم ليس هو فقط بل كلنا ؟! لكن وكما يقول الشارع العراقي :-
- زرعنا كلمة ( لو) ولم نحصد ..
حسنا .. مجاميعه القصصية , متى ستطبع ؟!

اي كاتب في عالمنا هذا مثل الكاتب العراقي ارملا مع مخطوطاته !
تحية لكل اديب عراقي في الداخل يفطر مع حبيباته المخطوطات وينام
مهدهدا لها باغنية سمعها من امه على امل زوال الغبار ..
ونحن في خارج العراق فرصتنا افضل ، اقصد فرصة قرصنتهم لحقوقنا
لو مددنا رزمنا المخطوطة على شريط الطبع والنشر .. كابة ونحس !
لااحد من الكتاب العراقيين يعيش ككاتب متفرغ تماما مطمئنا من وارد كتبه .. لكن على الأقل استطيع القول اليوم بكل صراخ قبل ان اتهم الغرباء :

- وزاراتنا الثقافية منذ التوزير الثقافي الأول للدولة العراقية الحديثة كانت تهمش الأهم لتعتني بخطط رافقها الهراء .


المعاني ملقاة على قارعة الطريق ، كماكان الجاحظ يردد..

غير ان الأمر وصل بنا فيما يخص ( الغريبة ) في قصة ( رحلة لصيد الأسود ) الى وطر اخر ،

قضية وضعها كشخصية لابد منها في خطاب القصة ، كيفية سرد الشئ وليس محتوى الشئ ..


( يتبع )
 


 

(11)

 

  لاتعتمد القصة على السارد( ضمير المتكلم ) فيما يرد تقنيا حول تكوين ( زوجة العم / الغريبة ) ، يستخدم( فؤاد مرزا )  تقنية ( تعدد الأصوات )..( السارد + زوجة العم + مراد + الأب ).
باعتماد كلي على وجهة نظر كل صوت فيما يخص كينونة حضورها القصصي ، هي شخصيا تهرب من نظرية ( الخطف والهرب ) ! فذلك سيعمق
نظرة النفور والشعور بالخطاوافكار المحيطين بها سلبا .. هي تتهرب ..
لكن ليس من عشقها وادمانها على انسان اشترك معها في تتبع خطى الهوى حتى الموت ..
تلك قصة لم يكتشفها السارد بسهولة وهو يتقلب على فراشه الصيفي البارد الى جانب الأب وهو يقلب اكتشافاته ناظرا الى نجوم الصيف ..
ماابتدا به السارد من انطباعات تبلور عبر ( تقنية الأصوات المتعددة )الى ماكان قد تاكد منه حول انتقاله من بغداد بصحبة الأب الى عالم متشابك وغرائبي .. تعددالأصوات ذاك ، كان مستواه التحريضي لرغبة القارئ في الأكتشاف ايضا مستسلما تماما للسارد واصواته المرافقة ، ليس للأكتفاء باستقصاء (الغريبة ) كشخصية بل ماتركه كل غموضها وحياتها على ابنها ( مراد ) الذي يحمل اثارا ماساوية ناتجة عن خلطة غائمة وسوداوية حول امه .. تقنية السرد التي طبقها القاص لتعرية المستور نقلتنا الى ( المعذب مراد ) لكشف مكابداته الأليمة !
هو يلقي باللائمة على امه فيما هو فيه --> حتى في هذيانه حولها وكونه الوحيد الذي لاتقبله كابن بفمها وهي التي تحب القبل وتوزعها على الآخرين عداه هو ! .. هو يعلن كراهيته لها ! ..

ثم وبالم اوديبي تام يتمرغ في الطين في الظلمة وسواد الغائر الداكن ..
يسحبنا السارد من عاطفتنا حول خذلان (مراد) واقنعته .. هو يتعاطف معه في مشهد قصصي جميل تاخذنا اليه الأصوات .. الى ماتركته
الأم في العقل الباطن من صراع حب كبير لها .. يخفيه ويتمرد عليه :-

( توقف مراد عن الحديث متقطع الأنفاس وقد أدهشته اظافره القذرة الطويلة وكان ينظر اليها وكأنه يراها لأول مرة. ضحك بهستيرية ثم انطلق مثل السهم خارجاً من الغرفة. وحينما طالت غيبته قررت الخروج للبحث عنه. فعثرت عليه متكورآ وملطخآ بالطين قرب النخلة المبلولة الجذور وسط الظلام.
وضعت كفي على كتفه لإواسيه.
أحس بوجودي.
سمعته يقول: أمي لا تحبني. أمي لم تحبني أبدا. )


العلامات النفسية التي ربطتها معا بالتوازي مع تدفق الأصوات ،
لخصت عندي السبب الدفين الذي حرك ( مراد ) للقيام بعمل بطولي ،
توفر له عبر رغبة ( صيد اسد ) .. من اجل من يقوم بهذا الفعل البطولي ؟!!

لماذا اعتبر ( غابو / ماركيز )-->( سوفوكليس) عظيما وكتابه ( اوديب ملكا ) افضل عمل ؟! .. لو عدنا الى ( مائة عام من العزلة ) ,
بعد فشل (اورلياندو بوينديا ال17) في اثبات بطولته بعد حرب خاسرة كالتي خسرها امثاله من البويندات الآخرين قبله .. تطلب امه
مقابلته ! .. هو يرحب بذلك ، لكنه يطلب منها ان تحافظ وتلتزم بمسافة ( 3 امتار ) في قمة التوتر والصراع الداخلي في اعماقه بما
يسحقها من احساس مؤكد بالفشل .. هو يطلب من امه الا تقترب اكثر !

وهي تجيب :-

- هل كان كل هذا من اجل امتارك هذه ؟!

....

ليست الرغبة في القيام بعمل بطولي دوما خالية من دوافع فشل
عميق في المصالحة مع اي شئ اخر . دوما هناك عطب .. ورغبة كبيرة
في اثبات الوجود من خلال البطولة على مراى ومسمع اقصى نطاق ممكن
وتلك تقود احيانا الى السيادة التامة بوسيلة السلطة .. هنا
يندحر ( اوديب الملك ) ويكتب ( سوفوكليس ) اعظم دراما !

بالتاكيد وكما يتدفق ( فؤاد ) في التناوب مع الأصوات
وهو يواصل اكتشافاته معنا كقراء .. كان قد اعطانا صورة
صادقة وميدانية عن عالم ( مراد ) من خلال (ام مراد ) واكثر
من ذلك .. التعرف على اخ لمراد هو ( عيسى ) !

هكذا هو ( شكل الشئ ) .. ماذا عن ( محتوى الشئ ) ؟

طبعا ، لن اترك تلك الأصوات لأنساق الى الحركة لحظة بدء الرحلة بالفعل ..

سوف اتقمص كل صوت ثم اخرج منه باكتشاف الحقه بمضمون الرحلة

ليس بمقدوري الفوز والأطمئنان على المنسوب المعنوي الذي ياخذ فيه القاص بيدي كقارئ الى نقطة الشروع بالرحلة دون كشف البيئة والنفوس المعذبة التي ليس لها خيار اخر غير حياتها الغريبة في هذه القصة !

ستكون الفقرة ادناه من النص مفتاحا لباب اخر افتحه لنفسي :-

( لم أكن أعرف قبل تلك السفرة أن لي أقارب يسكنون بذلك البعد حياة أقرب الى البدائية والفاقة داخل أكواخ بنيت من طين وجريد. )


                                      ( يتبع )

 

 

 

(12)



(.. وفي الميناء هبطت. ماء شاسع، نظيف. وشممت بكل عروق أنفي. لقد انتظرت زمنا طويلاً لأرى هذا المشهد. تجولت قليلاً من غير ما هدف، وقد ملأني الشعور بجوار الماء. وفي البيوت القديمة التي كانت تنحني على الماء كحيوانات مسنّة منهكة، ميّزت حياة سرية تجري رغم كل شيء. وجرفتني الرغبة. لاشك انني كنت ابدو صغيراً غير نافع، كقوقعة فارغة، )

المقطع اعلاه هو من قصة قصيرة كتبها الراحل ( سركون بولص ) تحت عنوان نفسي جدا ومكاني قصا له علاقة بالجو النفسي الثالث الذي تكتب بموجبه قصص مثل ( رحلة لصيد الأسود ) للقاص المقصود في حلقاتنا الموسومة ( اسماك فؤاد مرزا التي طارت ) .. عنوان قصة سركون كان عنوانه الشعري لقصة وجد لها موضوعا دائريا حول شخصه السارد المتواصل مع ما يتيحه المكان له من اطلالات شخصها وتعامل معها من وجهة نظر السارد البارباروسي المشارك فناءا ! عنوانه لقصة عظيمة كتبها كشاعر كان ( النورُ ضعيف في السادسة ) !

اعود بعد غياب الى تكملة مابداته من كتابتي حول عالم( فؤاد مرزا) ..
 
وادخل الى مكان قصة ( رحلة لصيد الأسود ) بزوم سينمائي قصصي للراحل المعلم وبعدسة سركونية لامعة :-

( وفي البيوت القديمة التي كانت تنحني على الماء كحيوانات مسنّة منهكة، ميّزت حياة سرية تجري رغم كل شيء. )

غادر السارد ( فؤاد مرزا) بيوت بغداد التي يلعب السمنت والطابوق فترة الستينات بؤرة تجسدها وبنائها المعماري .. في رحلته مع الوالد , تفاجا تماما بعالم بدا بتصديقه تدريجيا .. رحلة بسيارة قديمة تتقافز قيادة في طريق يوصل بغداد بواحدة من قرى الجنوب المليئة اسرارا ومفاجات .. اختلاف عمراني جذري وهندسي اخر .. نعم هناك ايضا تراص شعبي للبيوت العراقية التي تكمل تعبير الجيرة ستينيا ..الا ان الأختلاف واضح لعين فؤاد مرزا الطفل .. لاسمنت هنا بل قصب ، جذع نخيل وسعفه وجدران بنيت بالطوب الطيني التبني المجفف تحت شمس صيف الجنوب العراقي ايامها .. بيوت بسقوف منخفضة واسطح فسيحة .. اول ما يراعى فيها قدرة الفرش الحر اعلاها .. هكذا نام فؤاد الى جانب والده .. نظر الى النجوم وهو يحاول فك طلاسم .. طلاسم . هناك تم ايقاضه ليكون واحدا من صائدي الأسود ..

هو الذي وضع كفه على كتف ( مراد ) مبتكر المغامرة التي قد يكون ثمنها حياة الكل او حياة احدهم او ... ! لاندري ..

يقطع القاص هنا سينمائيا !! ليقدم لنا ( فلاش باك ) :-

( قرب متحف الآثار ) !!

هو وامه قبالة نسخة من اسد بابل غير المكتمل نحتا والضرورة القصصية هناك مكتملة في الراسب النفسي لشخص القاص ! تحدثت سابقا وفي حلقة اخرى عن ذلك المشهد بدلالاته التاسيسية .. لكن فؤجئت بتطابق غريب اول من امس حول عالم الأفتراس واثاره في نفس القاص وهو جالس في بيته في احدى ضواحي ديترويت .. كتب فؤاد مرزا قصة مؤلفة من ست كلمات هي :-

( بعد قتل العنكبوت تلذذ بتعذيب فريسته )


( يتبع )
 

 

 

 

 ( 13 )


المكان في القصة يحتل درجة الخطورة ! تعبيرنا عن المكان اكان وصفاواقعيا تسجيليا او ايحاءارمزيااو نفسيا عائما بلا تشخيص هندسي
في الخطوات المخلصة لكتابة نص مختلف وانا من المصدقين لأمبرتو ايكو حول حضور المكان ايا كانت الطريقة لذكره فبدونه نقص قصصي وخلل !

في المكان المعلن لقصة ( رحلة لصيد الأسود ) بيوت وازقة ونهر قريب وجزيرة الفطر الأحمر وغيره من اوعية تحفظ اسرارا .. الغرف المنعزلة..دكاكين كئيبة..قوارب تحمل اشباحا احيانا وقوت سمكي احيانا.. هناك النهار كمكان وظلام الليل الستيني العراقي كمكان .. الشر في القصة يتحول الى مكان ! لذا لن يستكين القاص فؤاد مرزا الى ماكتبه سابقا حول ذلك هو يؤكده لأنه حال واقع الى نهاية خطورته القصوى لذا فان قاتل العنكبوت يتلذذ بالعبث المريض في جسد ذلك الكائن !

فريسة اسد بابل كان مبتغاها التعبير عن تعظيم طاقة بابل والتعبير عن قدرة بابل في سحق العدو المتمثل بشخص معتد يفترسه
اسد كوني يمثل قوة بابل ايامها اذ كانت بابل مركز الكون وقادرةعلى سحق العدو عن طريق المدافع الأقوى عنها .. اسد بابل ..

يحتل الأسد كملك للغابة مكانة تشبيه وتمجيد واستعارة من الدرجة
الأولى في الميثولوجيا الرافدينية .. فهو الذي رافق الآشوريين في
حروبهم ايضا .. لربما استعيرت قوة الأسد في تعبير لقوة تبغي ايجابية
الأشارة الى شجاعة مقصودة مع انني احترت صدقا في فهم النية الصادقة
للشاعرة اللبنانية ( جمانة حداد ) للراحل ( سركون بولص ) بوصفها
له ( اسد اشور ) ! كم اتمنى ان تمد ذاكرتنا من الرموز الرافدينية
رموز قوة السلم ! فنبتة البيبون العراقية التي احتفل بها النحات
الآشوري كرمز للحياة وشفاء المرضى هي اكثر قربا الى شاعر يمثل السلام لا الأفتراس الذي يلتصق بالأسد العائش ولادة الى يوم رحيله على
تلك الصفة التي هي قدر من اقدار الطبيعة واسرارها .. الا ان سلوك الأنسان سلطويا وسطوته المفترسة على اخيه الأنسان .. هو .. هو مافعل فعله الدرامي في نفس القاص فؤاد الى يومنا هذا !

لاتفارق امكنة فؤاد لعنصر مهم من عناصر الحياة الا وهو الماءوالكتاب العراقيين لم ينسو انهرهم اطلاقا .. كانوا كالأباء الأوائل
ينحنون خشوعا للنهر ويقدمون له قرابين نصوصهم !

الأمكنة في ( رحلة لصيد الأسود ) تحتضن فطرة اخلاقية وبصرامة !
التمرد على سطوة تلك الأمكنة كان بمرتبة البصاق في معبد !
لكن تمرد فرقة صائدي الأسود لم يكونوا على ذلك القدر من الأمتثال
العبودي لقوانين واعراف القرية المكتوبة فوق خطوط حمراء .. في كل
مكان في عالم القرية وثقافتها الخاصة بها المبنية على ثلاثي قروي
عراقي على طول البلاد وعرضها ( المال ، الخرافة ، الدين ) عناصر
بؤرية للسلطة قرويا غزت المدينة والنتيجة .. حداد عام .. قصة
( رحلة لصيد الأسود ) هي قصة تطمح لطي صفحة بؤس ، شقاء ، واضطهاد .. قصة توضح لنا بالدليل الدامغ قدرتنا العراقية لأفتراس
الأنسان العراقي على طول وعرض التاريخ بمعزل عن المحتلين !

من المفضل تذكر قصة قصيرة جدا لكاتب اخر هنا للتعبير المعزي لألام
القاص كاتب قصة ( رحلة لصيد الأسود ) كدلالة لمدى انسانية الأدباء
واهمية مدوناتهم كتنديد بروح الشر المحاصر لوجودنا !

قصة قصيرة جدا بقلم ( زكي بيضون ) :-

( كلما دهست نملة تخيلت الها يدهسني )


( يتبع )

 ( 14 )


 


.... ثمة اشياء قد تبدو غريبة فيما ساذكره هنا الا انها مما افكره وابحر فيه في خيالاتي المتواضعة تتزاحم وتحاكيني كومضات . هي جزء من محبتي لأشخاص بذلوا حياتهم للفن ويبقون محل اعتزاز كبير كنماذج تعكس في مراياها الأبداعية روح العصر !

كان للراحل سركون بولص قدرة على اخراج عدد من الأفلام العظيمة !

كان للراحل د. عوني كرومي موهبة عالم فيزياء !

كما للراحل كمال سبتي موهبة في الحوار الفلسفي !

لو كتب الشاعر العظيم سعدي يوسف رواية سيرة ذاتية حتما ستكون ملحمة مبهرة ..

اعتبر الفنان لوثر ايشو قاصا عظيما مع انه كتب لنفسه ولنا ونشر مرة واحدة وفي جريدة موصلية قصصا فقط !

نحن لاناسف لأنهم وغيرهم قد وجدوا انفسهم في مجال اختصاصهم وذلك جميل جدا .. الا انني ولفرط خيالاتي اتخيل لنفسي بان بامكانهم الحلول
في حيوات فنية وبمجالات رحبة اخرى ايضا .. ادرك تماما بان المرء فنانا يعيشها مرة واحدة فقط وبالشكل الذي يختار ..

ليس وفق مااتخيل لنفسي حتما ..

هكذا حوار شكل ارقا في حياة البعض ايضا .. الى درجة الحيرة
التي كلفت اعواما طويلة من حياتهم الأبداعية وهناك مثل حي في كاتب
حي هو الأمريكي ( بول اوستر ) كان لأنتقاله من فن الشعر الى فن
السرد الروائي .. قصة كلفته قلقا وحيرة بل قطيعة تامة ولسنوات
الى اللحظة التي فضل فيها ان يستمر روائيا وحقق هدفا ! لانعلم
لربما كان سيحققه شاعرا ايضا او لا .. الا انه نجح كروائي !


من تسنى له قراءة (ثلاثية نيويورك) لأوستر بالأنكليزية سيلاحظ بان (نورمان ميلر ) حي ! اكثر من اي وقت مضى كشاعر سوريالي يكتب الرواية ( له رواية جديدة تحتل الصدارة اليوم ) !

في لقاء قديم والأول من نوعه عربيا قال ( بول اوستير ) للشاعرة اللبنانية ( جمانة حداد ) في حوار / مايلي :-

( *لنبدأ من الصرخة الأولى، من لحظة اكتشافك أنك تريد ان تكون كاتبا: متى عرفتَ ذلك، في أي مرحلة من حياتك؟ فأنا أعلم أنك مارست عدة وظائف، ومنها غريب جدا، على غرار بحّار او عامل في مزرعة مثلا...

* أعتقد أن الولادة التي تشيرين اليها تمّت على الارجح عندما كنت في السادسة عشرة من العمر. لطالما كنتُ قارئا نهما، وكنت أكتب القصائد والقصص حتى في صغري. لكني اعتقد اني اصبحتُ جديا حيال المسألة في السادسة عشرة، فقلت في نفسي: هذا ما أريد فعله في حياتي. رحتُ أكتب النثر والشعر على السواء، لكني اتجهتُ كليا الى الشعر بعد ذلك ببضعة أعوام، وتحديدا خلال حرب فيتنام. اذ كنت يومذاك طالبا في جامعة كولومبيا في نيويورك، وكانت لدي قناعات سياسية قوية بينما البلاد تشهد حال غليان واجواء مشحونة بالضغوط، فتنازعتني رغبتان متناقضتان: الرغبة في المشاركة في شؤون بلادي العامة والالتزام سياسيا، والرغبة في الجلوس وحيدا في غرفة معزولة وكتابة القصائد والروايات. ولما كنت قد تعلمت الفرنسية في المدرسة، أتيح لي أن اطّلع على الأدب الفرنسي، وسحرني الشعراء السورياليون لأنهم استطاعوا تحديدا الجمع بين هذين النقيضين، فهم لم يكونوا يريدون تثوير الشعر فحسب، بل تثوير الحياة أيضا وخصوصا، ولذلك اتخذتهم مثالا وافتتنتُ بهم الى اقصى الحدود، وخصوصا اجملهم وأصفاهم بول ايلوار، وقد أذكوا نار حماستي لكتابة الشعر. طبعا لم اكن يوما متأثرا بهم في كتاباتي.

* هكذا بدأتَ مع الشعر، ثم انقطعت عن الكتابة كليا، وعندما عدتَ الى احضانها في اواخر السبعينات، وتحديدا عام 1978، اتجهت مباشرة نحو النثر. وبدا كما لو انها بداية جديدة لك، ومفصلا بين مرحلتين مختلفتين من حياتك كاتبا، الأولى كشاعر والثانية كروائي. ولم تعد الى الشعر مذاك، رغم ان كثيرين يتأرجحون بين الشعر والرواية من دون أن يعيشوا عملية فصل قاطعة بينهما. فلم قرار التحوّل الحاسم هذا لديك؟

* ما حصل معي في الحقيقة أكثر تعقيدا وغرابة وقدرية من مفهوم القرار. فكما ذكرت، لطالما كنت أكتب النثر منذ بداياتي، الى جانب الشعر طبعا، وكان طموحي الحقيقي أن أصبح روائيا. وخلال أعوام مراهقتي كنت أكتب الكثير من النثر لكني لم اكن راضيا عنه ولم اكن اريه لأحد. في المقابل شعرت اني احقق تطورا أكثر أهمية في الشعر، فازددت غوصا في هذا الاتجاه، وقلت لنفسي بمرارة: ربما لا أملك موهبة كتابة الرواية. وفجأة، في تلك المرحلة بالذات، اصطدمت بجدار مرعب. لم أعد استطيع الكتابة، وبتّ عاجزا عن توليد قصيدة واحدة. في اختصار، علقت في ما يشبه الفخ. ومرّ وقت لم اكتب فيه اي كلمة، باستثناء رواية بوليسية نشرتها بإسم مستعار بغية تحصيل بعض المال.

* تلك التي عدت وأوردتها أخيرا كحاشية في كتابك "أيام التقتير"؟

* بالضبط، حاشية من 250 صفحة، الأطول من دون شك في تاريخ الحواشي! وعندما رجعتُ الى الكتابة مجددا بعد حين، صار الكلام يولد مني نثرا. كان امرا غريبا للغاية في الواقع، وطبيعيا وفطريا في الوقت نفسه، واني عاجز حتى عن تفسيره. لم أتخذ أي قرار بل اتُخذ القرار عني وجلّ ما فعلته هو الامتثال. وانتِ على حق، فكأني ولدت مرتين كاتبا: فجأة مات الشاعر وولد الروائي. والأوقات الوحيدة التي أكتب فيها اليوم شيئا يدور في فلك الشعر هي المناسبات العائلية، على غرار اعياد الميلاد مثلا، حين اكتب اشعارا مضحكة ومسلية. فضلا عن اني كتبتُ خلال الاشهر الستة او السبعة الاخيرة نصوص أغنيات لبعض الموسيقيين، لكني لا اعتبرها قصائد، بل تجربة مختلفة في حياتي. ) !!

احيط القراء الأعزاء علما بان الرسالة ادناه وفي صلب المضي مع ( فؤاد مرزا ) في اثاره ككاتب قرر التحول من الشعر الى النثر
في اللحظة التخاطرية حول مسالة من هذا النوع .. كانت تحمل في طياتها الصدق الكامل ازاء ماقرره ليتحول الى قاص وهو اثبت نجاحه
كفنان في السرد افضل منه كشاعر في خيالي الومضي فقط !


اليكم رسالة ( فؤاد مرزا ) نصا :-


قصة قصيرة جداّ ( ! )


:أرسل لي الشاعر( بولس آدم ) سؤالاً مستعجلاً بالبريد الالكتروني
- لماذا لا تكتب الشعر يافؤاد؟
فأجبته بالميل إجابة أكثر عجالة:

عزيزي بولس

انت مليء بالشعر وتحول كل ما تلمسه الى ايقونة من الخزف الملون الثمين.
لن اسمع نصيحتك ولن تعديني بجرثومة الشعر المقدسة. لأن لدي مشاغل لعائلتي علي أن اؤديها, وعمل مجهد يتطلب صرامة وروتينية مملة, كما علي قيادة السيارة ساعة كاملة كل يوم.. بإختصار أنا لا اصلح للشعر حاليا. على الأقل.
يالهي.. اليوم رأيت صورة لبرج بيزا المائل على الياهو, فلمستني يد خفية ونفخت في روحى: شعرت بميول جارف تجاه الفتاة السمراء التي كانت تتقدمني. كانت داكنة السمرة فاحمة الشعر, تتخاطب بالإسبانية, وحينما وصلنا قمة برج بيزا, مكثت الهث لدقائق وكان ميولي مثل ميول البرج قد وصل ذروته,غمرني هاجس ان البرج سيسقط ليتحطم امام الانظار, وفي تلك اللحظة من الإنفلات الروحي والهيجان قلت لها: احبك..
أعود بذاكرتي الى جان دمو في مقهى البرلمان. يحدق في نقطة واحدة ولا يقلب الصفحة, بعد ساعة تقريبا قلت له: أما أنك تصغي وتتبع ما حولك.. وأما انك تقرء الكتاب دون أن تقلب الصفحات, وأما أنك تقرء كتاب أخر لم تجلبه معك!! ابتسم بحذر شديد. ثم سألني: تلك الفتاة المنحرفة فوق برج بيزا كيف عرفت بإنها اسبانية قد تكون من أمريكا الجنوبية؟!. قلت: صدقت لا أعرف. عاد الى نقطة تركيزه وسط الكتاب وتمتم وقد غاب وجودي تماما من وعيه: أنا متأكد أنها من أمريكا الجنوبية...
لا .. لا اريد أن اكتب الشعر ياعزيزي بولس.
.. أريد أن اعيشه.

محبتي
فؤاد
الشهر العاشر/ 21/2007
 

.....
 


وانا بدوري اعترف بخسارتي لتلك الجولة لصالح القاص نفسه .. لكن

حضور ( عيسى الأبله ) في القصة هو عودة الى حضور التداعي الشعري مجددا عبر شخص ياتي سرا ليلتقي امه ويعود .. يعود .. يعود الى
( جزيرة الفطر الأحمر ) المعزولة وسط النهر .. وصائدي الأسود .. لسوف ارافقهم في الحلقة القادمة !

قبل ذلك ولمرة اخرى اتكلم عن الأسد باضافة اخرى في نهاية الحلقة .. ولااستطيع اغفال مايجري اليوم حول كل ذلك .. ( فؤاد مرزا )
يكتب حاليا وبعد اعوام طويلة جدا ماهو بمثابة الجزء الثالث من قصته ( رحلة لصيد الأسود -76 ) !
 

...
 

( واحده من اشهر الاساطير اليمنية القديمة .. تقول الأسطورة أن أسدا من الأسود الكاسرة كان يهاجم احدى القرى الأمنه ويعمل فيها وفي اهلها قتلا وتدميرا ، والادهى أنه كان يداهمهم بغتة فلا يتمكنون من الفرار او عمل شيء لمواجهته، حتى ضاق بهم الحال وفقدوا الكثير من ابنائهم وتحولت قريتهم الآمنه الى مكان للخوف والفزع والموت .

اجتمع عقال هذه القرية يتدراسون الموقف بعد أن اوشكوا على الهلاك جميعهم ، واهتدوا الى فكرة ان طبقت ستمكنهم من الاستعداد للاسد عند قدومه ومواجهته بشكل افضل وبالتالي لن يتمكن من مباغتتهم او اخذهم على حين غرة .

الفكرة تقضي بان يُعلقوا ناقوسا في عنق ذاك الوحش كي يتنبهوا لقدومه .. استحسن الجميع الفكرة ووافقوا عليها وجاء وقت التنفيذ فوقفوا عاجزين .. إذ من يمكنهم تعليق هذا الناقوس على عنق هذا الاسد المفترس . وهكذا ظل الاسد يمارس عليهم هوايته وظلوا عاجزين عن تعليق الناقوس. )

هذه الاسطورة تنطبق تماما على واقع الستينات والى يومنا هذا .. وفي القرية التي كانت مدار القص ايضا !


( يتبع )

 

 

 

 

 

 15

 



بورتريه عيسى الأبله :-

كان ( وليم فولكنر ) واحدا من الذين شطبوا من قاموس سردهم مفهوم الوصف الخارجي الرتيب والمزركش بابرة نقش على نسخة الشكل لنقله الى القارئ فوتوغرافيا .. في الفعل تماما نبعت ديناميكية شكل تجريدي ينقل رسالة الحالة الداخلية للبورتريه ، كانت السينما
و التحول الكبير نحو التجريد في الفن التشكيلي قد تبادلتا والأدب الرغبة الأكيدة في الطلاق الأبدي مع التصوير الستاتيكي للأشياء ..
اصبحت الذاكرة وعيا .. والماضي قدرا ! والوجه الأنساني متحركا متموجا قلقا ناطقا في تجاعيده ونظراته /انعكاس الأمكنة والأحداث عليه .. ازيلت الكليشيهات والماسكات الجبسية لبورتريه حكايات القرن التاسع عشر لصالح وجوه يتداول الزمن بثلاثيته على ملامحها لتكون متحولة في قلب الحدث طرية في يد نحات حديث وليس مثال هندسي في التشبيه .. مايمكننا رؤيته من بورتريه الجنرال المعزول كورتيز
في فيلم ,الرؤيا الآن ,هو القسوة المتماهية على هيئة ظلال لبورتريه يعيش الظلمة التي تعكس ظلاما داخليا حاضرا في وعي البورتريه فيحاضره لكنه وسيلة لأظهار احتقان الماضي القريب ايضا ..
عند قراءة رواية ( قلب الظلام ) / جوزيف كونراد / نلمس تمامااحترافية المخرج ( كوبولا ) في نقل ذلك من الأدب الى السينما ..
وهكذا فان ماظهر من وجه براندو على الشاشة كان يسيرا لكنه كاف لوصف الرعب وحدسه الأستثنائي في البورتريه !

نقرا التالي عن ( عيسى الأبله ) /ابن عم اخر للسارد / :-

( قالَ إبن عمي عيسى الأبله: أن أخته عنّة تحبني وتريدني أن (أعرس) عليها. و قهقه بقوة. يضحك لكي ينبه كُلّ من حوله الى الفضيحة التي أعلنها للتو. وكلما كان وقع الفضيحة كبيراً, كان سروره باعلانها أكبر. يشد قبضتية ويعصب جسمه, ويغرق في ضحكة وحشية لا قرار لها, حتى يحمّر وجهه, ويكاد الدم ينفجر من اذنيه ومن جلدة رأسه الحليقة ومن عروتي أنفه المنكمش.)

ملامح البورتريه هنا تظهر في حالة خاصة بالشخصية نفسها فهي
تتحرك من خلال اعتقاد اكيد لها مصدقة اياه بان هناك حب وزواج محتمل
ورغبات سرية حول ذلك والبورتريه ينقل لنا غبطة وسرية ماتكتشفه
الشخصية من اسرار لنفسها وتنتشي بانتصارها لمناسبة ذلك الأكتشاف !
هي حالة انسانية تحمل روحا لتبادل المشهد الجمالي الظريف والحميم
من خلال هذا البورتريه الناضج قصا والقاصر نفسيا .. هناك خيط
معين لو كان ( فؤاد مرزا ) قد انقاد له / خيط الشفقة على الشخصية / لكان قد فشل منطقيا في ابعادنا عن الميلوداما !
بل عالج المعيار الأخلاقي هنا روائيا وركز على لعبة ( عيسى ) السرية في التلصص متخفيا في الدواليب وخلف الأشجار .. مشوقا ايانا لرغبة معرفة تلك الأسرار البريئة :-

( ومن أجل الحصول على أكبر عدد من الأسرار, كان يختبئ في الدواليب, وتحت الأسّرة, وخلف الأشجار, وفي اي مكان يتسع لحجب جسمه البدين القصير. يختبئ لساعات حتى تفتقده أمه وتطلب من الجميع البحث عنه )

يستثمر ( فؤاد مرزا ) الألعاب الشعبية لأيضاح اكثر استيعابا لمحلية الروح الشعبية وخصوصيتها :-

( وحينما يعجز عيسى عن الحصول على اسرار جديدة, يضطر للتودد اليهن, فيحطنه ويلبسنه ملابس البنات. يضعن الأقراط في أذنيه, و خطوط من الكحل عريضة ومضطربة حول عينيه, لأنه يتلفت ولا يصبر على السكون. ومع ذلك يمد بوزه ويدوّر شفتيه, ويلمض بلسانه بين لحظة وأخرى, مستسيغاً طعم الديرم على شفتيه. البنات يكركرن ويقايضنه باسرار وفضائح لا يكترث لوقعها أحد.)

هناك سرور وفرحة كبيرة ترافق (عيسى الأبله) حول فضائح لايكترث لها
احد .. نحن هنا امام ابله اخر غير ابله ( ديستويفسكي ) وان كان
التمثيل النفسي حاضرا هنا وهناك .. لربما اقارن تناص الجو الناتج
كاثر ظريف حول المسرة السرية مع واحدة من المشاهد القصصية الرائعة التي قدمها ( فولكنر ) حيث ينام الهندي الأحمر العجوز المصاب بالربو على كرسي خشبي، ولكنه يفرض على زوجته الصغيرة الشابة أن تنام على السرير مذهب جلبه من باريس. ماذا يحدث بعد ذلك؟ كان يسمعها تنسل خلسة من السرير المزين بالأشرطة، لتنام على حشية من القش مطروحة على الأرض. وحين يقترب الفجر، تعود بهدوء إلى السري المذهب، وتتظاهر بالنوم، يضحك الهندي العجوز الجالس قربها في الظلام، والمتظاهر هو الآخر بالنوم، يضحك دون أن يحدث صوتا.

(عيسى الأبله ) اذن وبمعزل عن دوره في الوقائع منطقيا لايصلح تماما ليكون خيار الكاتب للأعلان عن شخص قادم سرا من نقطة الهدف
في مخطط القصة ( جزيرة الفطر الأحمر ) بل سيكون ( خليل ) / ابن عم اخر للسارد هو الأختيار الأفضل .. اولا لأنه استنسخ علاقة شبيهة بعلاقة ابيه مع امه وطاله عقاب قدري ورفض اجتماعي ونفي :-


( في حكاية الأب, ينصّب غضب السماء على عمي, الذي عشق وأختطف صبية دون موافقة أهلها, وعوقب على ذلك بحرمانه من الجاه والولاء والثراء الذي كانت ترفل به عائلته ليعيش حياة تشرد وفاقة مضنية. أما أبنه البكر خليل فعقابه كان أشد وأقسى , لأنه هو أيضاً كان قد أحب صبية لكنها اصيبت بداء الجذام بعد عام, فتبعها إلى جزيرة (الفطر الأحمر) حيث حجرتها السلطات الصحية المحلية مع المصابين بهذا المرض . وتلك الجزيرة التي يتسع حولها نهر دجلة, مكان رهيب محاط بالإشاعات والغموض. )

من يكشف لنا اسرار ( خليل ) هنا هو المتلصص الذي يريد دوما معرفة المزيد عن عالم سيكون متفاعلا معه تماما ومشاركا في تفاصيل
المغامرة بكل ماتكتنفها من مخاطر كبيرة .. ( فؤاد مرزا نفسه )

سيكون الأمر مثير جدا عندما نقرا الأعتراف ادناه :-

( لم اتصور بأن مراد كان جاداً بشأن رحلة صيد الإسود تلك )

لكن هناك ماهو خارج توقعات ذلك الطفل اذ ان هناك فعلا ( رحلة لصيد الأسود ) .. سيغادر فراشه سرا مع المجموعة ليس اعزلا بل
مثلهم مسلحا !

يعتقد المحليون انذاك طبعا باهمية ودور الكوابيس والأحلام وماتحمله من نبوءات تتحقق وليس بالضرورة حرفيا بل يكفي بانها تغذي المخيلة الشعبية بغيمة شؤم لابد من بلل مطرها الأسود :-

( استيقضتُ على صوت الباب يطرق, رفعت رأسي فرأيت أبي يغط في نوم عميق وقد فتح فمه وغارت عيناه المغمضتان في محجريهما فسرت في جسدي قشعريرة وكأني أحلم من جديد بالكابوس نفسه .. كابوس رؤية أبي ميتاً و جثته ممزقة و ملقاة بين النجوم. والنجوم ببرودتها وسط عتمة الليل بدت مثل اصداف بيضاء على رمل سواحل جزيرة نائية.)

.. نتهيا كقراء لأستقبال الشبح الذي يتجول هنا ويحوم حولنا( خليل ) القادم من جزيرة الموت هو من يحمل شفرات غامضة سوداوية
تماما .. هو الذي يرغب جاهدا برؤية امه .. يتحد هنا رسول الموت في ذلك اللقاء مع ملاك الحياة .. في حيرة المصير .. لربما نقف دوما
في هكذا لحظة من لحظات حياتنا مع غراب / ادغار الن بو ! اليس الحاضر على البوابة ؟ لنتبادل معه غرابة الحضور والغياب الأبدي
ليس لنا ان نسال .. لماذا ؟! .. سنتسائل مندهشين راغبين في المضي
مجددا لكشف اسرارنا مشغولين بكلمة .. ماذا ؟! اكثر منا في لماذا؟!

ماذا يعني حلول كابوس بحجم موت الأب في نومة طفل ؟ !!

ذلك بلاشك يقودنا الى الأخطار وحالة الحصار التي يشهد عليها الطفل ليس بما يعيشه هنا فقط بل بما كان يجري في ( بغداد ) قبل السفرالى القرية اقصى جنوب العراق .. قبل وبعدايضا !

ادناه مقتطف من رسالة ( فؤاد مرزا ) :-

( .. ما حدث لنا تلك الأيام العصيبة (1963) يجعلني اصاب بالحمى والتعرق كما لواني مازلت اعيش الكابوس الآن... ) !



( يتبع )

16


شاهدة العودة ! :-

بعد ان بذل القاص ( فؤاد مرزا ) كل ما باستطاعته في الطريق الى نقطة الأنطلاق التي تشكل البداية الأهم في الطريق الى تنفيذ الوعد الفني الذي انتظره القارئ ( الرحلة ) بحقها وحقيقتها ، حصل القارئ على زاد قيم من المعلومات والفهم الخارجي والداخلي
لمرحلة دقيقة في تفاصيلها ، وبما يشبع فضوله لأدراك اسرار معينة شاركتم في السفر معها ، اكتملت مضامين حول شخوص وخلفيات واحلام مقصودة واخرى بايحاءاتها الأنسانية/ توقف لهاثنا عندها وتحرر في انحناءات وخلجات تقاطع دلالي في النتاج المتدرج المنطلق من فكرة مخطط القصة اجمالا . قبل ان يبتعد الرحالة ، انوه في هذه اللحظة المثيرة في بناء القصة ( بشاهدة العودة ) --> (حينما خرجنا من بين البيوت والصرائف الطينية الواطئة لم يبق لنا شاهدة للعودة غير مصباح شاحب الضوء معلق فوق محل للعطارة مبني من الصفيح (الـﭽينكو) واجهته مخرمة بعشرات الثقوب. وكانت ريح الصباح الخفيفة تطوح ذلك المصباح بضوئه الفضي, فيبدو من بعيد وكانه متدل من يد حانية بقت هناك لترشدنا إلى طريق العودة )

شاهدة العودة اذن هي / مصباح /

النور الشاحب او الساطع ، بصيص منه او غمرة فائضة منه ، ان هو نور يخلق حيزا للتضاد مع الظلمة،او هو توق داخلي وامنية نفوس تعبر عن رغبة عارمة في التحرر من حالة حصار ، عمل القاص جاهدا في تقديمها وهو ينتقل من حالة الى اخرى ومن بورتريه الى اخر
.. تبقى شاهدة العودة ( المصباح ) توقيتا مضمرا لمعنى تحدي (الردى) !

في لحظة كتابة القصة تحدث اشياء مهمة جدا ، وهي تعمل عملها المنقذ للقاص بعد كتابة جملة معينة ، احيانا يقودنا حدس غامض الى لوحة بصرية منفلتة ، لاندري لماذا هي حضرت في لحظة انتظار لزيارتناونحن نلتقط الأنفاس لكتابة شئ مكمل ، جملة او اشارة تالية ..

اجد نفسي مغتبطا عند قراءة كل مايخص الأمل في مصباح شاحب الضوء ، وفي لحظةالأنطلاق الحقيقية والمهمة في ( رحلة لصيد الأسود ) .

اود ذكر شئ /ادرك اهميته الآن ومن خلال حديثي الغيرمبرمج مع القاص نفسه / ونحن تكلمنا مرة واحدة فقط قبل كتابتي عن تجربته وكان حديث تعارف اكثر منه حديثا حول السرد ! ثم وبعد حلقات عديدة اتفقنا على الأعتماد على النص فقط .. واود تقديم الشكر للقاص ( فؤاد مرزا ) لأنه لم يرغب اطلاقا في ايقاف تدفق الكتابة التي انا مستمر فيها بملاحظة معينة منه ربما شتت المسار القرائي وعرقلته ، لااعلم حقيقة ماكانت ستؤول اليه الأمور لوتدخل ، لكنني اعتز حقيقة باعطائي حرية كاملة خارج ( القاص ) بل راهن واثقا بنصه اولا وتلك احدى العلاقات المثمرة المفيدة في عمل المبدع ودارس نتاجه .

( وبتواضع يخلو من الأدعاء السمج ، اتذكر بانني تمنيت ان تكون هذه
القصة (رواية) في حلقة مبكرة وعندما كانت الرحلة معنونة ب ( قصة قصيرة)، دون علم لي مسبق بان القاص امام مشروع ( رواية قصيرة) فعلا ! )

اهمية شاهدة العودة في القصة :-

اهمية ذلك في ( رحلة صيد الأسود ) ، تحول قصة قصيرة بجزاين الى رواية قصيرة بثلاثة فصول ! .. حدث هذا بعد اكتمال الحلقات العشر من هذه الدراسة ,, وجد القاص ( فؤاد مرزا ) نفسه متحمسا لأنجاز الجزء الثالث ( وجها لوجه ) وتوسيع رغبة السرد في قصة كتبها عام 1976 وحاول تطويرها في الثمانينات ولم تتحقق رغبته لحادث جسيم في حياته الشخصية .. الا انه وفي مراسلاتنا الشحيحة فيما يخص قصصه ارسل لي بالرسالة التالية من باب طمانتي ربما على امنيتي فيما يخص طواعيةالفكرة والشخوص ومحاورها والحالة النفسية للشخوص ، بما يؤهلها لتكون عملا روائيا وهو يخطو خطوة شجاعة ومثيرة الآن في تكملة مابداه عام 1976 .. فمرحبا ب ( وجها لوجه ).

رسالة من فؤاد الى بولس :-

( الأخ الغالي بولس. تحية طيبة.

بالنسبة للفصل الثالث لرحلة لصيد الأسود فكنت اكملته بشكله الأول عام 1977 ثم حذفت القسم الحساس منه وخاصة ما يتعلق بحصار الحرس القومي لإزقة الفيلين بعد اغتيال الزعيم عام 1963 ثم اعدت صياغته بعد اعوام طويله من ذلك في كلابريا ايطاليا بمواجهة البحر حيث اقمت مع زوجتي الأولى والتي انتقلت الى العالم الأخر اثر انفجار شريان في الدماغ.. ما حدث لنا تلك الأيام العصيبة (1963) يجعلني اصاب بالحمى والتعرق كما لواني مازلت اعيش الكابوس الآن. .ها أني احاول ترميم واختصار الفصل الثالث الذي حمل عنواناً فرعياً (وجهاً لوجه)لكي يشبه النص الأصلي الذي حررته عام 1977 تحت حرارة مضايقات تلك الأيام. النص الأصلي طويل مشبع بقصص وحكايات فرعية ولكن ثيمة النص تتمحور في تجربة مجابهة الأسد وجها لوجه والاحساس باطرافه وانفاسه الثقيلة تجثم فوق وجودنا. النص محاولة لإلتقاط صورة جديدة للأسد الجبار لحظة انتصاره, مع فارق بسيط.. هو سماع حشرجات المخلوق البشري ممزق الجسم مع زئير الأسد.

محبتي مع قرنفلة

أخوك فؤاد )
.......

لو تاملنا العمر الزمني الواقعي من منظور القياس المنتظم وانتقلنا الى عمر مستمر لقصة معينة لاتقبل وداع روح القاص كل هذه
السنين ، فلسوف تدرك عزيزي القارئ ، مدى اخلاص السارد العراقي لمواضيعه وافكاره ، ولي في هذا الخصوص امثلة عديدة ، تاملتها عن
كثب وبتعطش ومحبة فائقة .

شاهدة العودة او شواهد العودة في السرد :-

الشكل والأستباق ، ثم تداعي السرد بازمنته، الشكل والحاجة الى تشكيل العودة . الخاتمة .

هل هذا مخطط متعارف عليه ام هو نموذج يصلح لكل اساليب السرد ؟!

يتحول ( غريغور سامسا ) الى حشرة ، رغبة العودة الى الشكل المقبول انسانيا ، هو تامل ( كافكا) ومرارة نزيف تمرده السردي
.. جملة اثر جملة .. لكانه يدعو القارئ الى تامل ( شاهدة حياة ) تتوق الى عالم افضل ، وفي حال امتثال الوقائع التاريخية الوجودية
لرغبات السارد ( كافكا ) فلثمة معجزة ستحصل ! الا وهي العودة من صفة الحشرة الى صفة الأنسان . لكن ! المسالة معقدة وخارج الرغبة
التوفيقية المتدخلة رومانسيا لتحويل الداكن الى مضئ ! وعي السارد لم يكن تبسيطيا .. بل في كامل الفهم الرمزي لهموم عصره ..

هكذا تاخذ الأفكار الأبداعية طريقها الى الخلود, .


( يتبع )
 

 

 17


الدم الأول ظهر مع الأشواك الأولى في ( رحلة لصيد الأسود ) واللون
الأحمر يتكرر في الرواية ، وهو يحضر ايضا في نقد واضح بما يخص اعلان
فض البكارة ، والدم حاضر ،كقيمة رمزية في العرس ( سجن المغامرين
بقيادة مراد ، ابن عم السارد ) ، الجزيرة .. جزيرة الحكومة !!

.. لون احمر ..

اعتقد بان للقاص في منتصف سبعينيات القرن الماضي احساس درامي
موظف تماما ووفق المنطق الثلاثي الأرسطي تعاملا مع الفكرة كمعالجة ..

هو .. يلتزم قواعد معينة احيانا في ذلك ، الا انه يكسرها لصالح
شاعرية وليس شعرية اللغة على جمل متعاقبة يكتبها الواحدة تلو
الأخرى ، منبع طازج لتجربة داخلية حرة تماما ، ماتصدر سابقا في
الحلقات المتقدمة من التنويه بقصر جملة ( فؤاد مرزا ) احيله تماما
الى ذاته الثانية ( الرسم ) هناك امثلة تغني الملاحظة من خلال رؤيته
البصرية وتحليله المتوهج لهذا وذاك من اقرانه في التشكيل .

لن اتطرق الى مسارات التلاقي والأفتراق البنائي المعروفة في القصة
النموذجية على حسن القصة نفسها !

بامكان القارئ ببساطة تكملة القراءة في الرحلة القاتلة اياها

رحلة ، اقل مافيها غثيان/ واطول شوط فيها/ قفزعلى موانع الواقع عدوا .. الماساة الفيلية الكبيرة في بلد نكرة !

يكفيني تحرشا بالسياسة (القحبة !) لأنني اعلنت التوقف في الكتابة
بسببها .. ( وطبعا لن اتوقف !) .....

السينما في قصص فؤاد مرزا :-

جرت عادة المتكاتبين سينمائيا لغة وتنفيذا على قاسم صوري مشترك!

.. اعتذر جدا لكل المشرقيين ، الا انهم - لم يشتغلوا
الا في المجال الأكاديمي الضيق . او العشوائي ( باسم الجديد ) .

السينما كرد فعل :-

تلك هي السينما الصح !

سينما ردود الأفعال :-

يلتزم ( فؤاد مرزا ) بالثلاثية . سمكا متنوعا ، امكنة ، ازمنة

( المحطة في كلابريا - ايطاليا ) البدو -3- .. الغرفة .. قصة قصيرة
سيمفونية داخلية جدا !

شامة خديجة ، الأم .... زقاقه المدهش باحلامه وطلاسم قصة اخرى
والى مااليه من تجربة داخلية في ( البئر ) قصته القصيرة جدا مؤخرا.

.. لست هنا لتقديم مقدمة لتقديم قصص ( فؤاد مرزا ) سينمائيا

لربما اعتبرني البعض مثاليا .. الا ان الحقيقة الفنية لتكملة
مايمكن تكملته بالنسبة لي على الأقل وهو طموحي ..

بدون مقدمات كالتي اياها ، عند التوسط لمادة ادبية لتكون سينما

اقول قولي بما يخص سينمائية الرواية .. هي سينما وليست نثرا فقط!

يتوفر لك في هذه القصة ، ماتوفر ل ( كوبولا ) عندما نقل حرفيا
( غاتسبي العظيم ) .

وبامكانك معالجة الرحلة كلاسيكيا من بغداد والى بغداد ثانية .

او .. مثلا - نبدا من الطقس المتكامل باجواء درب الآلام المسيحية
ودلالات واسقاطات السقائف في جزيرة الفطر الأحمر ..

هناك خيارات عدة .. واكثر ،


(هناك سينما .. عندما تكون هناك رحلة ! )
( بولس ادم )


يثرثر المتطفلون على السينما .. يثرثرون ، اما عندما تسالهم
- كيف تم اختار عدة صفحات من رواية ، بنظرة واحدة فقط من الممثلة
( ميريل ستريب ) في فلم (امراة الضابط الفرنسي ) .. ( لقطة كبيرة)
.. يثرثرون حول ماشاهدوه جاهزا .. الا انك لاتدري مدى اهليتهم
السينمائية لمعرفة ذلك تطبيقا وتنفيذا .. لذا اؤكد لنفسي سينمائيا ، التركيز ثم التركيز على رد الفعل !

وجهة نظر محايدة ومترصدة ، طبعا ، هي كاميرا افلام الموازنة بين
الخاص والعام .. تلك مشكلتي الكبرى مثلا ( فكريا ) .. الا انني تجاوزتها حياتيا ! بمعنى لدي البديل الصوري . ( في مشروعي السينمائي
المستقل ) .

قصص ( فؤاد مرزا ) مبنية على رد فعل فقط ، وهناك دافع .

تلك واخرى سبق لي ذكرها .. استرعت اهتمامنا بالروح النقية له
وبمعزل عن كل شئ اخر .. اعتقد بان ( فؤاد مرزا ) من خلال حراكه
الثقافي ، تلقى الكثير من التباس الفهم !

وهو بردود افعاله تلك فيما يخص الغريب في وطنه ، دافع من موقعه

.. وهو في المهجر ، يكتب ويرسم وذلك مايهمني فقط .

فؤاد مرزا .. يقود السيارة ، جيئة وذهابا

ساعة + ساعة .. 3 اطفال وزوجة ، العراق ، امريكا ، العالم ،

..................

قريبا سنقرا تكملة ( رحلة لصيد الأسود )

..

قريبا جدا او مستحيل .. لاادري ..

ربما ، التقيته شخصيا .. لاادري ايضا .

افضل لقاء لي مع ( فؤاد مرزا ) الكاتب والفنان والأنسان ..

كان في كل هذه الرحلة السمينة مع نحالة واقعه ، ومع اسماكه ..

اسماكه الطائرة .. نعم ، وهنذا عائد الى البدء ، في شئ رافقته

بدموع وابتسام مع قصصه ، كانت اسماك واقعيته السحرية التي
طارت .. قبل ان يتعرف ( فؤاد مرزا ) على واقعية امريكا اللآتينية السحرية وبشوط طويل !!.. هي واحدة من الأنجازات الراسخة التي تستحق التقدير في مسيرة القصة القصيرة والقصيرة جدا عراقيا .


بدات بها في (15-8-2007)

تمت في ( 12-12-2007)

LINZ - AUSTRIA