ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 09, 2010 11:07 PM

Detroit Michigan U.S

 

في شفرة المكان والزمان(14) رحلة إلى وادي الغزلان

 

فارس عدنان

فرجينيا/ الولايات المتحدة

 

كل ليلة وقبل أن أصعد السلم نصف المظلم المؤدي إلى شقتي الصغيرة، أبحث في جيوب البنطال عن المفاتيح التي نسيتها غير مرة في أماكن لا عد لها.  فكرت غير مرة بتعليقها بالحزام لكني تراجعت متذكراً الصوت المزعج التي ستصدرة حين أبدأ الخطو والذي يشبه تماماً رنين الأجراس المعلقة برقاب الماعز. 

الوصول إلى الشقة الصغيرة في النهار أسهل كوني ألتقي معظم الأحايين بالجيران من الطابق الأول أو الثاني وخصوصا جارتي الحسناء أندريا التي تسكن في الشقة المجاورة لي والتي أسمع صوتها معظم الوقت وأغانيها الراقصة التي تنبعث بلا مقدمات حين تصعد الخمرة في رأسها أو حين يزورها صديقها في عطلات نهاية الأسبوع.  في أوقات النهار أصادف أندريا وغيرها من سكان البناية وألقي التحيات المعهودة:

طاب صباحك أو يوم جميل مشمس أو كيف حالك أو حين أكون على عجلة من أمري أكتفي بكلمة هاي السريعة المختصرة.

أحيانا تبادرني أندريا بطرق مفاجيء على الباب في ساعات الضحى أيام الأحاد معتذرة عن الموسيقى العالية وأصوات حسية تعلو وتهبط في منتصف الليالي مع أصوات مشابهة من صديقها.  لم أتذمر من أصواتها أبداً بل كعادتي حين ألقاها، أحييها أو ابادرها بإبتسامة خجولة أو دعوة لشرب الشاي العراقي أو إعتذارمع سخرية مقصودة عن شخيري الذي ربما سمعته غير مرة عبر جدار غرفة نومي الملاصق لغرفتها. سألتني، مرة، أن أشاركها قهوة الصباح وفطوراً خفيفا فوافقت بلا تردد وسالتها بدافع الفضول عن صديقها الذي قد يغضب أو يغار حين يعلم بفطورنا، الخاص كما يبدو، في شقتها وخصوصا أنها لا ترتدي غير روب من الحريريفضح الكثير من تفاصيل جسدها الجميلة.  طردته قبل ليلتين، أجابتني.  أضافت بعد صمت قصير: سرق نقودي وسامحته، نام مع صديقتي قبل شهر وغضضت النظر.. بدأ الشرب، قبل يومين، قبل الغروب، وحين وصل لمرحلة الثمالة بدأ بضربي فأتصلت بالشرطة.  أعتقد أنه سينتهي في سجن الولاية وسيكون محضية لأحد المثليين هناك  ههههه.  قل لي بصراحة: ماقصتك؟ اسمع طول الليل موسيقى حزينة هي أقرب إلى البكاء.  ألا تعطيك جولينا ما يكفي من الحب؟ هززت راسي موافقاً.  أضافت بصوت ساخر:  ساشغل لك السلسا الآن وأراهنك بألف دولار-إذا كنت تملكها- هه هه إذ لم تهز مؤخرتك خلال دقائق. نهضت بعدها لتعلن لي عن سلسا صباحية مع أغان إختلطت فيها الأسبانية مع الأنكليزية مع البرتغالية.  بعد الفطور والقهوة، صرحت لي بعبارات  لم أجد لها تعليقاً مناسباً: أنت تعيش وحيداً وكذلك أنا. لكني اشعر بالتعاطف معك للحزن المنبعث من عينيك طول الوقت.  ياعزيزي، هنالك حياة واحدة علينا أن نحياها بلا تردد.  لا تنظر خلف رأسك، إنه ماء تحت جسر كما يقولون.    

لامفر من العودة إلى الشقة في أخرالنهار ومواجهة الكوابيس التي ما فارقتني منذ أن أطلق سراحي من معتقل مظلم في وطن بعيد.  كلما أقترب من الباب، أحاول معالجة القفل وقبل أن ألج الشقة المظلمة، أصغي السمع بحذر وأهجس ربما ينتظرني أحدهم في الداخل ومسدس جاهز للإطلاق ينتظر رأسي.  الهاجس ذاته يتكرر كل ليلة سواء كنت في حالة صحو تام أو في منتهى الثمالة.  الخوف لا يغادر راسي إذ أقترب من الباب وحيداً وأنصت قليلاً.  أتخيل جلادي السابق ينتظرني في الداخل واضعاً ساقاً على أخرى وعيون متأهبة مدخنا سيكاره الثمين ورامياً الرماد بلا إكتراث على الأرض.  أبدأ بمعالجة القفل بحذر ومتوقعاً عملية إغتيال سريعة ستسجلها شرطة المدينة كالعادة ضد مجهول.  لست شخصاً مهماً على الأطلاق لكنها حكومات العالم الثالث التي تريد إخراس كل الأصوات وتريد التفاخر بعدم وجود أي نوع من الأصوات التي تصرخ أحياناً بكلمة لا وتريد رفع تقرير يومي للديكتاتور المحلي عن تصفية كل شخص يجروء على إطلاق هذه الكلمة الملعونة.

ربما أنا أعيش في دوامة بارانويا منذ أن قرأت خبر((إنتحار)) الكاتب الأيراني سلمان مصدقي في جريدة شيكاغو صن تايمز قبل بضعة أشهر.  أتصفح الصن، عادةً، مع قهوة الصباح في الستار بكس وأحاول قراءة الأخبار العالمية متجاوزاً صفحات الحوادث المحلية نحو صفحة الطقس وإعلانات الوظائف الشاغرة.  مالفت إنتباهي في صفحة الحوادث المحلية هو أسم المنتحر وصورته مشنوقاً على شجرة قريبة من شرفة شقته في ضاحية  سكوكي.  كان شخصا عادياً مثلي تماماً ولم يقم بأي نشاطات سياسية حسب معرفتي به حين كان يشاركني دروس اللغة في الجامعة وبعدها شاركني في قراءات شعرية شبابية كانت تقام مساء الجمعة الأخيرة من كل شهر في مقهى أناليشا على ساحل البحر.  كان يكتب عن وطنه الضائع وسنوات السجن ورجال أحتكروا الكلام والحقائق بأسم رب وهمي يعرفونه وحدهم.  قال لي، مرةً، أمام ميشيل الملحدة وكيث اليهودي:

لا أعتقد بوجود رب في العالم يشجع على القتل . المتحدث بأسم الرب هو من يثير المتاعب. بل هو المتاعب كلها.

لم يهدد مصدقي دولة ما ولم يشاركني في إعتصاماتنا الطلابية الكثيرة في مركز المدينة لكنهم شنقوه والشرطة سجلت الأمر كحادث عادي لم يحتل غير ربع صفحة في الصن تايمز وأقل من نصف دقيقة من نشرة السادسة مساءً على شاشة القناة المحلية.  بعدها بأسابيع، بينما كنت أحاول الخروج لتأدية أخر إمتحانات نهاية الفصل قبل عطلة الميلاد، رن الهاتف مع رقم غريب على شاشة الهاتف الصغيرة:

¾    مستر فاء؟

¾    نعم، من المتحدث؟

¾    المحقق بيتر جونسون من مركز شرطة كلفلاند في ولاية أوهايو.

¾    كيف يمكني أن أساعدك، مستر جونسون؟

¾    وجدنا رقم هاتفك في شقة السيد علي السواد

¾    نعم هو صديقي، مالمشكلة؟

¾    وجدنا صديقك مذبوحاً وقد فصل رأسه عن بدنه والدلائل تشير إلى أنه تعرض لهجوم قبل أكثر من 48 ساعة

¾    ماذا؟

أنهيت الأمتحان وأستدنت مائة دولار من ميشيل وسافرت رغم الثلج إلى كليفلاند فجر اليوم التالي.   لم يكن صديقي، علي السواد، شخصاً مثيراً لأي نوع من المتاعب بل كان يقضي وقته كله في البحث عن الجمال ورسمه على قطع القماش والتي ترك عليها معظم أحلامه في عالم جميل تخيّله بنفسه وترك فرشاته تدون بعضاً منها ببراءة واضحة.  شك المحقق أولاً بأن الجريمة تمت لغرض السرقة. ماذا سيسرق القاتل من هذا الأستوديو البائس؟ أجبته.

¾    ربما مخابرات بلدكم؟

¾    أستبعد وصولهم إلى أوهايو. فقط إنظر في المرأة العارية التي تكررت في معظم اللوحات

¾    لا أفهم

¾    لها ملامح شرق أوسطية. ربما تعرف عليها أحد ساكني العمارة. ما لا تعرفه هو أن العري والعلاقات خارج الزواج في الشرق الأوسط أمران قد يوصلا إلى الذبح

أنهيت الأجراءات القانونية وأستلمت الجثة التي دفنتها في مقبرة البلدية هناك. عدت إلى شقتي أردد لعناتي لهذه المنافي القاسية ومراث أتذكرها للغريب إذا يموت وحيداً بلا أهل أو وطن.  

مرة صرحت بلا خجل لجوليانا عن الكابوس الذي ينتصب أمام أنظاري بلا إنقطاع فتوقفت عن مداعبة قطتها الفارسية البدينة وأقتربت مني بحنو. يمكنك العيش معي إذا كان هذا نوع من الحل، أقترحت بهدوء. لا أعتقد أن الأمر واقعي تماماً، أجبتها.  بعد أن أخذت نفساً عميقاً من لفافتي، أضفت: شقتك صغيرة جداً ولا تناسب حياتي أبداً.  عندك حق. أنت تقضي الليل بين الكتب والموسيقى وأنا أدخل الفراش كل ليلة بعد العاشرة تماماً. تذكر أن مدرسة القانون تفرض جدولها وشروطها عليّ وأولها النهوض المبكر، أجابتني بتقريرية واضحة.  بعدها بفترة قصيرة، قدمت لي فكرة غريبة حقاً:

¾    تعرف أن أبي ينحدر من اليونان وأمي من قبيلة التشيروكي

¾    أمممم.. قلت لي، مرةً، هذا الأمر

¾    كانت جدتي لأمي تقول حين يصيبك الملل من المكان غيّره، حين يصيبك القرف من هذه الجهة من الأرض غيّرها إن أستطعت

¾    ماذا تقترحين؟

¾    أن نحزم الحقائب ونذهب إلى وادي الغزلان في العطلة القادمة كي تخلص أنت من كوابيسك وتتعرف على موطن التشيروكي وكهوفهم بدلاً من سماع رأي المؤرخين الأغبياء على شاشات التلفزة.

¾    ربما هذا نوع من الحل

في الطريق إلى وادي الغزلان، زودتني جوليانا بمعلومات كافية عن القبيلة التي سكنت الوادي قبل وصول البيض إلى هذه الأقاصي والحروب التي خاضها فرسان التشيروكي هنا ببسالة ضد الغزاة وفي النهاية تمتمت جوليانا بحزن:

¾    لكنه التاريخ الأحمق ياعزيزي، لا يدون تفاصيل الخاسرين ولا يرحمهم أبداً.

¾    ربما.. فقط عليّ أن أذكرك، أن المؤرخ أبيض أيضاً

¾    هذا سبب أخر ...هجرة بقايا القبيلة إلى المدن الكبرى سبب لم يدونه التأريخ ايضاً   

¾    التاريخ حفلة لا يحضرها إلا المنتصرون

¾    وهذا الأمر ينطبق تماماً على نصف ثورتكم في جنوب بلادك

¾    كم أحب تقبيلك اللحظة ولكنك خلف المقود وأخشى أن نسبب حادثاً مرورياً

¾    أنتظر حتى نجد كهفاً معزولاً في وادي الغزلان

¾    عشت عمري كله أنتظر الوعود.  لم يتحقق معظمها للأسف

حين وصلنا المكان البعيد عن المدن وصخبها ومداخنها العالية، لفت إنتباهي السكون الذي يلف هذه المنطقة النائية من القارة الجديدة والأشجار العالية التي تتلاحم نهاياتها في أعالي السفح والنهر الذي يمضي بهدوء في عمق الوادي نحو نهايات مجهولة.  العزلة ثمرة مجانية كباقي الثمار المنتشرة هنا في هذا المكان الذي أعادني دون مشيئتي إلى رائحة المزارع التي كنت أهرب إليها على ضفاف الفرات كلما كثرت مشاكلي أو أحسست بعفونة الهواء المحيط بي.  كانت المزارع على ضفاف الفرات ملاذي من العالم كله والأخضر، اللون الذي كان سائداً قبل وصول الحرب كان الخلاص وحتى بعد أن تسللت الحرب إلى حياتي، حاولت الهروب إلى المزارع كي أعيد بعضاً من توازني المفقود. اللعنة، كان عليّ إكتشاف هذا المكان منذ زمن، هتفت لجوليانا وبدأت أفراغ أمتعتنا ولوازم التخييم من سيارتها الجيب.  نجحنا بعد عدة محاولات فاشلة في نصب الخيمة قرب النهر وتحت ظل شجرة عالية بدت وكأنها أعدت لنا. هيأنا فراشنا الوحيد مع الكراسي قرب الخيمة والخشب اللازم للنار التي سنوقدها قبل الغروب مع أحجار صغيرة الحجم سورنا بها مكان النار إحتراماً لتعليمات السلامة المثبتة على بوابة الوادي من قبل شرطة البيئة وبدأنا نبحث في الدليل المطبوع عن مسار أمن يوصلنا للكهوف القديمة. 

تسلقنا السفح بحثا عن كهوف التشيروكي وربما سنجد بقايا أسلحتهم البدائية التي حققت لهم خسارات متلاحقة وأخرها خسارة كارثية في المعركة الأخيرة التي جرت هنا في هذا الوادي.  لم نعثر على شيء يذكر في الكهوف التي دخلناها غير ماتركه السائحون من علب الصودا الفارغة وأغلفة العلكة والسكائر والأطعمة المجففة.  كنت أتحرك بهدوء كمن يبحث في كتاب قديم عن سطور لم تدون بعد أو كلمات همسها أحدهم بين السطور وغادر المسرح بلا ضجة.  أقتربت من جدار غطته الأعشاب المصفرة ويصعب رؤية كتابات كثيرة لا يربطها شيء وما أقتربت أستعملت المصباح اليدوي الذي أحمله في حقيبة التخييم المعلقة على الظهر وهتفت لصديقتي أن تشاركني متعة الأكتشاف. كانت عبارة محفورة على الجدار بإتقان:

لا يمكنك الرقص مع إيقاع الطبل إلا إذا عرفت تاريخ الطبال(من أحفاد حكيم التشيروكي)

شكرا لإختيارك هذا الوادي. لقد عثرت على ما أريد. من هذه اللحظة كل ما تبقى من الجدول ملك يديك. الحكمة المحفورة على الجدار جعلتني ثرياً وأوشك على التحليق بحرية خارج كل التفاصيل. صرحت لها بفرح واضح. أجابتني بأبتسامة المنتصر: أنا سعيدة لكل هذا وأتمنى أن تغادرك الكوابيس على الأقل لهذه الليلة فقط والآن لنعد إلى الخيمة، أدركني الجوع وهذه الكلمات على الجدار جعلتني أشتهي شيئاً مختلفاً لا أدري ماهو.

بينما كنا نهبط بحذر على السفح نحو خيمتنا، سألتها: ما حكاية حكيم التشيروكي؟

¾    يوجد حكيم لكل قبيلة ولا أدري كيف كان يتم إختياره؟ بالطبع لم يعرف الهنود الحمر شيئاً عن ديمقراطية اثينا ولا بإنتخابات الكونغرس.

¾    ربما كانوا يطلقون صفة الحكمة على الذكي أو المختلف الذي يطيل التأمل ويغرد خارج السرب.

¾    ربما وكيف حزرت هذا؟

¾    القبائل العربية قبل الأسلام تشبه إلى حد ما قبائل الهنود الحمر.

¾    وضح لي قبل أن أرميك من هذا الأرتفاع. لا أثق بالتاريخ كما تعرف

¾    القبائل العربية تمارس الصيد والغزو.  كان الرجال يفاخرون بالقتل والغزو كل يوم

¾    حسنا

¾    الرجل الذي يمارس التأمل ويطلق عبارات لم تألفها أسماعهم من قبل قد يأخذ صفة الحكيم أو الشاعر أو الكاهن أو النبي

¾    وهكذا؟؟؟

¾    وهكذا جاء الشعراء في تلك الحقبة بكلام حسبوه معجزة وبعدها جاء شخص فقير يتيم يطيل التأمل في كهف خارج مكة وقال لهم أن الله أرسله إليهم كي يخلصهم من المحسوس ويوصلهم إلى المطلق

¾    اللعنة كم تشبه الأديان الفن التجريدي؟

¾    كم تشبه الأديان بقينها الدائم لغة الرياضيات؟

¾    من فضلك توقف هنا. نحن في أمريكا نكره الرياضيات أو بكلمات أخرى لدينا فوبيا وطنية أسمها الرياضيات.

بدأت أعد النار لطهي وجبتنا التي لا تحتاج إلى الكثير من الجهد بينما كانت هي تعد طاولة التخييم الصغيرة والكراسي والأطباق الورقية والشاي. سمعت صوت رجل من مسافة ليست بعيدة يطلق عبارة اشبه بتحية:

¾    أتحتاج إلى المساعدة؟

¾    لا أعرف ولكني جديد على حياة التخييم وإشعال النار بهذه الطريقة مشكلة حقيقية.

¾    دعني أساعدك. أنا أسكن قرب الوادي.  أسمي جيف في أوراق الرجل الأبيض.  أسمي الحقيقي هو ظل القمر. أسم هندي كما تلاحظ. أنا من بقايا التشيروكي.

¾    وهي تحمل دم التشيروكي أيضاً. عزيزتي. ظل القمر ضيفنا

¾    لا أنتما ضيفاي وضيفا وادي الغزلان

وبعدها ساعدني ظل القمر في أمر النار والطهي وإعداد الشاي وبعد إنتهاء الوجبة فتحت علبة الدخان لكن الرجل بملامحه الهندية الواضحة وشعره الأسود الطويل أخرج بهدوء(كأنه يؤدي طقساً دينياً) كيس قماش وغليوناً مصنوعاً من خشب لامع وقال لنا:

¾    كان أجدادي يدخنون الماريوانا ضمن صلاتهم القبلية لدفع الشرور التي تحيق بالوادي ولترضي ألهة الخير بجلب الصيد الوفير حتى جاء البيض

تدخلت جولينا: وحولوا تدخين هذه العشبة إلى جريمة توصلك إلى سجن الولاية بينما الحيتان الكبار يمارسون جرائمهم علنا تحت ضوء الشمس.

دار الغليون المعبأ بالعشبة الخضراء المحترقة علينا غير مرة وكان ظل القمر يطلق عباراته الهادئة عن أكثر من شيء لكنه لم يصل إلى مرحلة هرطقات الحشاشين المعروفة عن شؤون بلا معنى.  كان عاشقاً حقيقياً للطبيعة بكل مافيها وذكرتني كلماته الهادئة بخطبة الزعيم سياتل حين سلم الأرض قبل قرن إلى مندوب البيت الأبيض والتي قرأتها قبل أعوام مكتوبة على جدار في منطقة الأنتظار للخط البني لمترو شيكاغو قرب تقاطع كدزي مع لورنس.

¾    هل سمعت بالزعيم سياتل؟ وجهت سؤالي لظل القمر

¾    لا. هو من قبيلة أخرى وأمره لا يعنيني

¾    الرجل إعترف لمندوب الرئيس بأنه سيأخذ منه الأرض بقوة السلاح ولا يقدر أخذ أخوته مع الأشجار لأن رماد أسلافه قد أختلط مع الجذور.  هي فكرة متقدمة عن علاقة البشر مع العناصر وربما تقود إلى صورة الحرية

¾    الحرية؟ أهي التحرر من قيد ما، نراه؟ أم هي حرية هنا–مشيراً إلى رأسه-  من شيء يسكن في الرأس يجعل الحياة لا تطاق. سؤال صعب أليس كذلك؟

لم ينتظر جواباً ونهض مودعاً يمشي بهدوء قديسين من عصورغابرة محاولاً الأختفاء بين الأشجار التي غطت السفح والمداخل بينما كانت الشمس تغرب بأشعة حمراء جميلة تتناغم مع لون الأشجار والصخور المنتشره على السفح وكأنها تماثيل لقبيلة مازالت تعيش هنا في هذا الوادي رغم الوقائع التاريخية التي دونت هوامش الكارثة التي حلت بالتشيروكي.   

 فاجأتني جوليانا بإقتراح غريب: مارأياك في أخذ هذا القارب والذهاب مع التيار لساعة أو أكثر؟ أنا أكره التيار الذي يأخذني إلى مجهول ما، أجبتها مع سخرية واضحة في صوتي. دعك من الفلسفة الآن ولنعش ساعة في قلب الماء، أقترحت عليّ بصوت من يبحث عن المغامرة.  وعدتك في الكهف بأن ماتبقى من الرحلة ملكك، أجبتها.  عليك التجديف بهدوء وحاول أن تعرف الوجهة وإلا.. حذرتني جوليانا

¾    وإلا سنصل إلى المكسيك بلا جواز سفر؟؟؟

قفزنا إلى القارب وبدأنا التجديف بينما الغروب يطرز النهر وقاربنا وأنفاسها قربي برائحة لا تنسى.  أنها رائحة الحرية من الخوف، من الكوابيس، من اليومي العادي، من الماضي الذي أحمله على كاهلي أينما تحركت في المدينة التي صارت لي سجناً آخر دون أن أدري

¾    هل سمعت بأغنية أنا وبوبي مي كيه

¾    أن نعم مابها؟

¾    لننشدها سوياً

¾    تعلمين أني لا أغني سوى في الحمّام

¾    نحن في حمّام كبير أسمه وادي الغزلان

¾    حسناً

وبدأنا الغناء وبدأت هي الأقتراب مني ونسيت أمر التجديف وبدأ القارب يميل قليلاً وبدأت تقبيلها والتجديف قليلا حتى نسيته تماماً.  أدركت حقاً أن الرقص مع صوت الطبل أمر مختلف جداً ولايمكن أدراكه حتى أعرف تاريخ الطبال ولمّ يضرب بيديه على مساحة محددة من الجلد كي يعلن صوتاً حزيناً مرة أصوات إبتهاج مرة أخرى.  بدأ القارب بالترنح يميناً وشمالاً وأنا غير أبه ابداً وما هي لحظات حتى أختل التوازن وسقطنا بفرح في الماء لنتذوق بهجة كانت مختفية عنا كل هذه الأعوام.  كنا نعوم بملابسنا المبللة نحو الضفة ونضحك وكأننا أكتشفنا قارة جديدة أسمها الفرح. ما أن وصلنا الضفة، سحبنا جسدينا نحو النار التي كانت تقاوم النسيم الخفيف بلا كلل.  بعد أن علقنا الملابس المبللة على حبال الخيمة، جلسنا قرب النار عاريين نكمل صورة العري المدهش لوادي الغزلان وبدأت جوليانا ترتل أغنية قديمة وكأنها في لحظات نعاس مخلوطة بالعري والنشوة:

ياطفلي، فقط أدعوني ملاك الصبح

ياطفلي

أدعوني ملاك الصبح

يا..ط ..ف..ل..ي

فقط ألمس خدودي قبل أن تغادر