ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:22

Detroit Michigan U.S

 
 

 

جبار ياسين: النظرة الأخيرة على ابتسامة سركون

 

سركون بولص

 

مقال جبار ياسين

سركون بولص

عزيزي صموئيل

وصلتني رسالتك. انا حزين بل اني مرضت منذ اول امس. حمى وقرف واحساس بخسارة شيء ما. لم يكن سركون بولص صديقي. التقيته ثلاث مرات في حياتي. اول مرة كانت بعد حرب تدمير العراق الاولى في العام 91.كان ذلك في باريس، في الخريف على ما اذكر، في مثل هذه الايام. كان برفقة الجنابي والتقينا في تقاطع السان ميشيل مع السان جرمان. جلسنا على رصيف مقهى "كلوني" الصغيرة. كان دمثا وبدا لي انه يعرفني منذ زمن طويل. تحدث عن قصة لي نشرت قبل شهور في العدد الثاني من "فراديس" الذي كان مكرسا للهزيمة العراقية التي مازلت تجرنا بأذيالها. فاجئني يومها تواضعه ولكنته وصورة وجهه الشاب. افكر الآن انه كان حينذاك في نهاية الاربعينات من العمر. كما قلت لك تحدث عني قبل ان يتحدث عن نفسه بل انه تحدث بأعجاب عن تفاصيل القصة التي تدور احداثها في كربلاء، وتأكدت وهو يتحدث، بأنه قد قرأها حقا. كان ذلك غريبا في اوساطنا حيث يتحدث الاغلبية عن اشياء لم ولن يقرؤها كجزء من مجاملات عراقية او عربية.

التقيته مرة ثانية قرب معهد العالم العربي بعد سنوات. كان وحيدا ويبحث عن شخص لا اتذكره الآن. التقينا في الساحة التي امام المعهد والتي حملت فيما بعد اسم ساحة محمد الخامس. كان الوقت ربيعا واظن انه كان حزيران من تلك السنة. جلسنا قليلا في المقهى المقابل. توسطنا البار وكان هناك عرب كثيرون يثرثرون بأصوات عالية. تحدثنا قليلا ثم جاءت فتاة عربية سلمت عليه ومضت خارج المقهى. من تلك الجلسة اذكر ابتسامته وتدويرة الحروف في لكنته. لم نبق كثيرا في المقهى اذ سرعان ماتذكر كل منا موعده وغادرنا. بعد دقائق شاهدته في كافتيريا المعهد في الطابق الارضي يتحدث مع آخرين، تبادلنا الابتسامة من بعيد وحيينا بعضنا بأشارات من ايدينا.

التقيته للمرة الثالثة والاخيرة في برلين 2003. كنت هناك اواسط ايلول حيث شاركت في المهرجان العالمي للأدب الذي ينظمه ايلي شرايبر. كان فوزي كريم هناك في امسية شعرية بضيافة نادي الرافدين. ذهبت الى الامسية التي كانت في قبو. التقيت بحميد الخاقاني ومنصور البكري وصديق طفولتي رضا مهاوش. كان سركون هناك. تعانقنا كأصدقاء قدامى، وقال لي انه عرف بوجودي قبل حين. تحدثنا عن القبو وعلق بكلمات قليلة محايدة. كان يبتسم حينا ثم تغيب نظراته حينا آخر كأنه كان يسافر بعيدا في سهول ليس فيها غير الشمس. افكر الآن انه ربما كان ينظم خيوط قصيدة. بعد الامسية. مضينا مشيا الى بار وجلسنا على الرصيف. كان حشدا من العراقيين. كان هناك مؤيد الراوي، الذي تعرفت عليه ذلك المساء. كنت جالسا قرب سركون وبين حين وآخر كنا نتبادل حديثا آخر بعيدا عن حديث تلك الجلسة الجماعية. تحدثنا كثيرا عن انطباعات عودتي للعراق. ثم افترقنا بعد منتصف الليل وبعد ان فرغ البار من الزبائن او كاد. تصافحنا وقال لي : نشوفك... هه

ولم اره بعد ذلك، فقد تركت برلين بعد يومين من ذلك المساء.

اول مرة قرأت فيها اسم سركون بولص كانت في تصدير قصة لعبد السار ناصر نشرت في مجلة "الطريق" اللبنانية منتصف السبعينات."ايها الماضي، ايها الماضي ما لذي فعلت بي. سركون بولص". هكذا كان التصدير. بعدها بشهور اعارني نجم والي، الذي كان اسمه حينذاك نجم عبد الله، احد اعداد مجلة "شعر". كان بغلاف اخضر على ما اذكر. قرأت في العدد ترجمة سركون بولص لــ "عواء" الن غينسبرغ مع مقدمة عن البتنك. ثم سمعت قصصا عنه وعن هروبه من العراق وعن صفعة عبد الرحمن الربيعي له في حديقة اتحاد الادباء في بغداد. يومها قلت لنجم والي: لابد ان صفعة هذا هي التي دفعته للهروب. اضاف نجم : بل انه شتم أمه. فهمت القصة حينها. واليوم وانا اقرأ الاخبار في الصحف فكرت ان الدورة قد اكتملت. لابد ان يرقد سركون في مقبرة الاشورين قريبا من قبر أمه. لا ادري ان كان قد كتب لها تراتيلا بعد موتها كما فعل غينسبيرغ؟

 

***

عزيزي صموئيل

الحزن يمس الأحياء فالموتى يرقدون بسلام لحظة اغماض الجفن. لا ادري ان كانت هناك " هيدز " ليهيم فيها من لم تقم له طقوس العزاء. لكن الشعراء يعيشون حياتهم الارضية في هيدز ارضية ولن يهمهم تغيير الطابق ، ارضيا ام سماويا. انت وبضعة اصدقاء قلة كخالد المعالي وكاظم جهاد وعبد القادر الجنابي من احتفلتم بسركون في حياته. اليكم العزاء بعد اهله. كان سركون بولص يجمعكم، رغم تنافركم، وهو الذي كان يمنحكم فرصة الاحتفال بعراقيتكم الدمثة. قبل شهرين حدثتني عنه عبر الهاتف بوجع. كان ذلك حين زيارتك لسان فرانسيسكو ولقائك سركون. قلت لي بوجع: انه مريض وقد أبكاك مشهد قدومه اليك. اليوم وانا استلم رسالتك دمعت عيني وانا اقرأ عبارة النظرة الاخيرة التي ستلقيها على صديقك سركون.

اليك كتبت هذه السطور. فأنا لا احب تشييع الموتى ولن اكتب عنهم، فحسب لكني لا اعترف بأن موتهم حقيقة مؤكدة.

اعانقك بمودة

الموت شئ عابر ايضا

جبار ياسين

صموئييل يلقي النظرة الاخيرة على ابتسامة سركون

 

في سره كان يردد بلغة قديمة

لماذا تركتني وحيدا

لماذا تركتني وحيدا

يا اخي

ايها الشاعر

اين تمضي والعالم على وشك الانقراض

ألم تتعب من معانقة الموت

بعد ثلاث ليال من الدخلة؟

العشاق يغادرون المخدع بعد ليلة العرس

وانت مازلت هامدا كجثة

 

لن انطق بعد اليوم بلغتنا القديمة

سأضرب عن القول

كما فعل ابي طوال حياته

فأنا الفرح دوما بالحياة

لا اجيد الندب والشجن

رغم النور المكفهر لصالة الموتى

ورغم عيون الاصدقاء الزائغة

ورغم المراثي التي انهالت كالمطر

 

كيف تخفيت كل هذا العمر بقناع شاعر

كي لايعرفك الموت؟

 

منذ ان شهدت القلعة الحجرية تشتعل بنيران القصف

منذ الهجرة الطويلة بين تلال عكار

وانت تدندن بأغان لايعرفها غيرك

"في بطن شاحنة تقطع صحراء حوران

كنت والذهب الاسود نسافر نحو الدورادو

وحين وصلنا كان لون الدورادو بلون عشب ذابل"

هذا ماقلته لي يوما ونحن نحاذي ايلنغ برود ـ وي

في قطار لم يجرؤ على التوقف في المحطات

كي لا يقطع لحنك

لأنك كنت تغني باللغة الاشورية.

 

لحسن حظك، في يوم بعيد ، كان البتنك يملؤون شوارع المدينة بالصخب

لم يتعرف عليك احد وانت تضع اقدامك في شوارع سان فرانسيسكو العارية

قدح من البيرة كان يكفي يومها لقتل الجوع

وذكرى واحدة لقتل العطش

فأكملت سيرك ، مغنيا، في طريق ريفي

وكانت الريح تدفع شعرك للوراء

للماضي في غير انقطاع

 

لقد سمعت ما يكفي من الموسيقى

ولم تعد تحتاج الى كتبك

وانت تترك العالم المجبول بأحشاء ضحاياه

والشعر نار كما قلت يوما

تحرق الاخضر واليابس من الكلمات

في الخميس الذي نحن فيه

سيبتدأ الاسبوع من جديد

حينما تحلق الطائرة نحو سان فرانسسكو

سيرافقك ملاك واحد يتحدث بأبجدية قديمة

حينما ستحط الطائرة هناك

ستنفتح ارض المقبرة الاشورية

ستعلو اصوات واعشاب برية

وتزهر زنبقة بلون عينيك

سيعجب الناس منها

وثمة صوت سينادي

"حان لك الآن ان تعطينا

شرارة من نارك القديمة ، ايها الرجل

او شيء من هذا القبيل "

 

 

كاتب وشاعر عراقي، فرنسا