ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

June 16, 2008 06:57 PM

Detroit Michigan U.S

 

قصة قصيرة

ليلة

 محمد موكري

                        

 

محمد موكري تقديم: وترجمة جلال زنكَابادي

 

 

{ يعد محمد موكري(تولد 1945 كركوك/عصامي النشأة) من أبرز الأدباء في مشهد الثقافة الكردية المعاصرة،فهو قاص،روائي،كاتب مسرحي،صحافي شاعر،رسام ومترجم إلى الكردية عن اللغات:الفارسية والعربية والآذرية.وقد ترجمت غالبية أعماله إلى اللغات:العربية،الفارسية،التركية والفرنسية،ومنها مجموعته القصصية(الطريدة) ورواياته:النباح/الإنهيار/الثأر/والتنين..ومسرحيتاه:ثلاث محاكمات،وهارون الرشيد.

*من ترجماته عن الفارسية:تاراس بولبا لكَوكَل/فيفا زاباتا لجون شتاينبيك/ الحمارنامه/ودراسة عن الشاعر خسرو كَلسرخي.

ومن ترجماته عن العربية إلى الكردية:همنكَواي لفيليب يونكَـ/هنري جيمس لليون نيدل/حديقة الحيوان لأدوار ألبي/ الجسر لجورج ثيوتيكا/ المرحوم لبرانسيلاف/القيثارة الحديدية لجوزيف أوكونور/قصائد بريخت/مسرحيات:الظمأ،الضباب،عربة الموت ليوجين أونيل/مسرحيات:البجعة،مسسز جوليا،سموم،اللعب بالنار لسترينبركَـ/مسرحيتا:اليمامة،حلم الملك لمحيي الدين زنكَنه.

ومن ترجماته عن الآذرية:مسرحية الأموات لجليل محمد قليزاده.

ومن ترجماته عن الكردية إلى العربية:قصائد للشعراء قوباد جليزاده وشيركو بيكس وصلاح شوان.

*يعمل منذ سنوات رئيساً لتحرير مجلتيّ(بيفين) الصادرتين باللغتين الكردية والعربية}

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   رشفة.رشفتان..ثلاث...كأس.كأسان..قنينة.ثمّ نصف آخر.

لاجدوى.لن أسكر.حتى الخمرة ليست مرّة هذه الليلة،وليس للمزّة أيّ مذاق،كما لاأحس بنكهة السكَائر،ُمّ إن الأغاني العاطفية والموسيقى الشجية،التي يبثها الكَرامافون لاتؤثر فيّ شأنها شأن روائح شتى الورود،والأنسام العليلة.سدى..لست أسكر.لاجدوى،في حين قررت أن أثمل في هذه الليلة خلافاً لكل الليالي الفائتة،وأن أخرق طوري،وأن أعربد!

   طاولة،شمعة ضئيلة الذبالة،في ركن منعزل من حديقة ناد كبيرة...يا لها من ليلة منعشة!

   سماء رمادية-بنفسجية،ولمح من القمر الذي يطل عبر غمائم وسخة،ثم يتوارى بإيقاع خفيف وخافت.بضع أغنيات تتلو الواحدة الأخرى،وأنا الوحيد أسير عزلتي،وثمة فراشتان عاشقتان تفتقدان بين الفينة والفينة لهب الشمعة،إنّما بلاجدوى؛فأنا لست أسكر!

   ثمّ نصف قنينة آخر من الخمر...تشجّعْ..هيّا.هنيهات من التأملات السادرة،ثم سيكَارة،سيكَارتان،ثلاث،ثمّ أخرى...آه قد أفل القمر.نفدت سكَائري.فرغت القناني.وانطفأت الشمعة بعد عجزها عن إمتصاص الظلام الأخلد من عمرها،ولم تحترق الفراشتان،ولم أسكر!

   إنتفضت،نهضت،تجتاحني رغبة عارمة.ترنّحت.تمالكت نفسي.تلمّست براحتيّ وجهي.بعثرت خصلات شعري،ثمّ رحت أتمشّى وأنا أدندن بشتات أغان،وإذا بي بغتة أخلط عفطة بصوت صافرة سيارة إسعاف مرقت معوّلة بجنبي؛بحيث رنّحتني وضللتني عن دربي؛فولجت أحد الأزقة الضيقة على غيرهدى.لم ألق إمرأة إلاّ وسارعت بخفض عينيها.كنت أدمدم بكلمات لامعنى لها،بل ولاأعي ماأتفوّه به.ثم رحت أحسب أعمدة الكهرباء واحداً واحداً،كما أحصيت جميع النسوة والعسس شبه النوّم،حتى أضناني التجوال.

غيرأني لم أسكر،وعدت أدراجي إلى الشارع الرئيسي المستقيم.تقدمت على الرصيف،وهنالك تسمّرت هنيهة..كنت أفكر(فيم أفكّر؟!)ومهما قلّبت أفكاري؛كانت تعاود الكرّة منصبّة على(لماذا لاأسكر؟)لاجدوى..لاجدوى حتى من التفكير!

   وهكذا عدت إلى الفندق،الذي كنت نزيله دائماً.دخلت غرفتي بمنتهى الكياسة والرياء هذه المرة،واستبدلت ملابسي دونما ترنّح،وانتبهت فوراً للساعة الجدارية،وهي تواصل دقاتها...وأنا مازلت واقفاً ولم أرتد بعد سوى فانيلا ولباس داخلي قصير،إذْ أصغيت:دقة،دقتان،ثلاث،أربع...إثنتا عشرة،ثم عاودت الدق من جديد...

(إيضاح):

  { تقع غرفتي في مبنى كان من قبل مخفراً للشرطة،وكانت الغرفة بالذات حماماً للمحظوظين من السجناء!وهاهو المخفر قد إستحال فندقاً في هذه المدينة المعدمة والصمّاء،ويتقاضون عنها شهرياً ثلاثة دنانير،وما إنفكت تلتهم أكثر ليالي ونهاراتي سواء أكنت نائماً أو يفظاً أو أقلي البيض...يا لها من غرفة محظوظة؛إن قورنت بغيرها!مادامت وحدتي المستديمة لاتزعج ولاترهق آذان حيطانها المتصدعة،بل ليس عندي حتى مذياع...أجل ليس لي من حطام الدنيا سوى ساعتي العتيقة هذه ماركة(جالما)والتي إشترتها أمي من أحد اليهود ببضع باقات من الخبّاز،في تلكم الأيام الخوالي،ولم تزل سليمة لحد الآن.ولقد تعوّدت أن أستصحبها معي من مدينة إلى أخرى،حتى أضحت ملتصقة بي كظلّي!}

   طفقت دقات الساعة تعلو؛بحيث لم يعد دماغي يتحمّل،فسددت أذنيّ بسبّابتيّ،وأغمضت عينيّ،وأنا أبحلق بعقاربها مشدوهاً،حتى توقفت عن الدق،وخمد الصوت الرهيب مخلفاُ سكوناً موحشاً،وقد وجمت معها أشياء الغرفة كافة،إذ كفت حتى الإلكترونات عن الدوران،والأنهار عن الجريان،واستكانت الغيوم،وتسمّر القمر في بدء نزهته،بل وكفّت حتى أسنان الناس عن تقطيع الخبز وتفتيته! وقد غمرتني سورة التوقفات هذه بإحساس غريب جداً،لكنني أضطررت إلى أن أتململ؛وإذا بالأشياء تتململ أيضاً وتستأنف حركاتها الإعتيادية،كما لو أنها تحاكيني!وعندها ملأت الساعة من جديد،وقرفصت قبالتها؛فاستأنفت سيرها،وفي لحظة إمتزاج دقتها الأولى بشهقة فرحتي الطاغية،نجم صوت رجّ الغرفة رجاً،وحدث مالم أتوقّعه،بل وأتصوّره يوماًما؛حيث أخذت عقاربها تعود القهقرى يساراً،وأنا رهن الإستغراب والإندهاش،بل إجتاحتني الحيرة،وشددت عل خناقي؛إذْ رحت أتصاغر مليمتراً واحداً مع كل دقة،في حين إستحالت الحيطان أربع شاشات،وأنا أشاهد عليها تاريخي،الذي يعود أيضاً القهقرى،،،ولما رجعت الساعة إلى الحادية عشرة والنصف،شاهدت صوري المبعثرة وهي تترى:

الطاولة،الشمعة،قهقهاتي البلهاء،لامبلاتي،ترنّحاتي،عثراتي،النسوة،ثم عفطتي!

ماإنْ دقّت الحادية عشرة؛حتى إنتفضت كمن سكبوا عليه دلواً من الماء؛فقد تغيّرت صورتي،لكنما الجدران كانت تستعرض صوراً أخرى،وكانت الصور تتمزّق،تتبعثر وتتمادى في إختلاطها،ومن ثم تتلاشى!

(ياترى لماذا يُنقَض كل قانون في الغربة،ويحل محله قانون آخر،إستثنائي؟!لماذا تبيع هانيك النسوة أجسادهن على مرأى ومسمع من أزواجهن،أشقائهن وأفراد عشيرتهن؟!)

دقة(1,30):في مطعم ألتهم المأكولات بطريقة جنونية.

دقة(10):مستغرق في النوم.

دقة(9,30):حائر.لاأدري ماذا أفعل(تُستعاد الصورة)لاأدري ماذا أفعل.

دقة(9):مع شلّة من الأصدقاء،لاندري ماذا نفعل...حسناً لنعاكس النساء!

دقة(8,30):نائم.

دقة(8):مازلت نائماً.

دقة(7,30):تختلط الصو وتتعقّد.

دقة(7):ألعب الدومينو.

دقة(5,30):أضحك.

دقة(5):أبكي.

دقة(4,30):أقهقه.

دقة(4,3):أنشج وأنوح.

 دقة(3,2):تختلط الصور.

دقة(2):جائع.

دقة(1,30):عطشان.

دقة(1):واقف.

دقة(12,30):لاأفهم أيّ شيء.

دقة(12):يراودني النوم وأتضوّر جوعاً.

   ثمّ رنّت الساعة بقوة؛فاستعرضت الجدران الصور نفسها؛وإذا بها تتقاطع،تتشابك وتتزاحم كخلايا النحل،وأنا أتأملها ضاحكاً مع ضحكاتها،باكياً مع بكائها،نائماً مع نومها،معتصراً بطني مع جوعها ومتلمّظاً مع تناولها للطعام.ولفرط ما أوغلت في الصغر؛تيقّنت من أنني سأستحيل صفراً إنْ بلغت الساعة(الثانية عشرة)مع أنني أدرك أن الصفر في الرياضيات هو البداية والنهاية.

   يا للهول! لم يبق من قامتي غيربضعة سنتمترات؛إذنْ لابدّ من المحاولة لإيقاف الساعة؛وإلاّ لأستحلت صفراً.ولكن دون جدوى؛إذْ لم يعد ذلك في مقدوري.وما إنْ بلغت العقارب الثانية عشرة؛دوّت رنة في باطن الساعة كهزيم الرعد،ناسفة سقف الغرفة؛فبانت لي السماء!

   كان الوقت ليلاً،ومن فرط ما تقزّمت؛خلت نفسي صفراً!أثمة صفر لايشغل حيّزاً من الفراغ على الأرض؟من ذا سأل؟لا،لا،لا!

   يقيناً ان قامتي القزماء لاتمكّنني من الوصول إلى الساعة؛كي أملأها من جديد،ورغم ذلك فقد تسلقت الجدار بصعوبة بالغة؛حتى بلغتها،ودققت النظر في أحشائها،فأدركت منذ الوهلة الأولى إن ماأوقها لم يكن إلاّ الصدأ؛فهي تتطلّب التزييت،ولازيت لي؛فلْأزيّتها بدمي.ورغم أن دمائي كلها لم تزد على بضع قطرات،فقد شبّكت أسناني على إبهام يدي اليسرى،وغرزتها فيه بكل ما أوتيت من قوة؛فتسّاقطت قطرة دم واحدة في أحشاء الساعة،وسرعان ما عاودت عقاربها السير،ولم أعد أستغرب الأمر؛إذْ أخذت قامتي تتمدد،ورحت أكبر مع دقة كل ثانية،وهي تطوي المسافة مابين الثانية عشرة والواحدة..ومع ذلك لم تعد قامتي إلى سابق عهدها؛لأنني سرعان ما إستغرقت في نوم عميق؛حالما بدأ مستقبلي يتراقص على الشاشات حواليّ.

   لم أدر كم مضى من الوقت،حين أيقظني رنين هاديْ؛فنهضت وغيّرت ملابسي،ثم تمددت على السرير ورحت أحدّق في عقارب الساعة،مجترّاً ذكريات هاتين الجولتين،حتى إنطبقت عقارب الساعة على السادسة،وراحت الديكة تصيح...وعندها سارعت بالنهوض،وحملت الساعة معي قاصداً عائلتي،حيث كان أطفالي ينتظرونني منذ وقت طويل.