حين يواجه وجهك إحدى
المرايا؛فتأمّله،وإذا ما أفلحت في رسمه،أي رسم وجهك
البادي في المرآة؛فلابدّ أن يظهر معكوساً،حيث تأخذ
أذنك اليسرى محل اليمنى...وذلك ليس ذا أهمية،ولاتعر له
البال!فإن ماترسمه يحكي لك عن صورة ما،يعني أن وجهك قد
تكوّن على وجه الورق من الخطوط التي كنت تتأملها في
المرآة،وبالطبع تمنح الخطوط معانٍ للأشكال؛إذْ ينجم
الرسم عن مجموعها،ثمّ إنك تستطيع أن تلوّن صورتك،ويعني
كل ماأسلفناه أن الخطوط والأشكال والألوان هي التي
تكوّن صورتك.
ولْننْسَ هذا الأمر
برهة..أجل،هلمّ ننسيك صورتك،ولْنقلْ:
-"كل صورة في حدّ
ذاتها،إنما هي صورة لاأكثر"
يقول فنان عظيم:
-"كل صورة هي مزيج
إبداعي من الخطوط والألوان،التي تمنح الجمال لبعضها
البعض،أي بالخطوط والألوان(وهنا إستبدلتها بالخطوط
والأشكال والألوان)وذلك ليس مهماً؛مادامت تبيّن
صورة:قطة،أو مشعلاً،أو صورتك أنت،فعلى كل حال تتكون من
مجموعة خطوط وأشكال وألوان ليس إلاَ.وبطبيعة الحال،فإن
صورة لك هي أنت نفسك،وحينها ستنظر إلى الورق
والمرآة؛فتقول:
-"هل أنا بهذا الشكل؟"
-"هل هذا هو أنا؟"
-"ماذا أكون أنا؟"
والأخير سؤال كبير
جداً في حدّ ذاته.
يستلفت الناس أنظار
بعضهم البعض،ويتحدثون عن بعضهم البعض:
-"أيّة قيافة عنده؟"
-هل هو أنيق؟"
-"لايمكنني معاشرته!"
وعليه؛فإن الصور
الشخصية،التي يرسمها الفنانون للناس تبيّن أجسامهم
بالتمام،أو وجوههم مع أعناقهم وأكتافهم،أو على أية
شاكلة أخرى؛وهذا يعني ان كل صورة،إنما تجسّدنا
وتكشفنا،لربّما يحبّذ أحدهم أن يرسم الفنان وجهه؛لكي
يبيّن للآخرين كيف يبدو للأنظار،وقد يلتذ الفنان برسم
مثل تلك الصورة؛حيث يجتذبه مجمل الخطوط والأشكال
والألوان المتعلقة بذلك الوجه على وجه الخصوص،ناهيكم
عن أن صاحب الوجه ربما سيدفع له مبلغاً من النقود؛ولذا
فقد إبتدأت كتابي(Shapes and People)هذا برسوم
الوجوه،وحيثما قد حبّذ الفنان أن يحاور نفسه أو
الآخرينعن ظاهره وباطنه...وهنا سأبتديء ببورتريهات
الفنانين أنفسهم.
حين رسم هنري
روسو(1844-1910)نفسه،لاأقول عنه:كان ساذجاً
ومغفلاً؛فقد كان إمرئاً متواضعاً،إذ أمضى ردح طويل من
عمره؛من أجل إدخار مبلغ ضئيل من النقود،ثم وجد نفسه في
منتصف عمره وسط الفنانين،على أيّ حال،هوذا يقول:
-"أنا هنري
روسو،باريسيّ مثل فنانين آخرين،واقف بثبات على ضفة نهر
السين،وثمة أيضاً برج إيفل"
لقد كان روسو فناناً
واقعياً،بالطبع،أثناء رسمه للغيم والمنطاد والسماء
الصافية والموت والعَلَم،وكانت لعبارة"هو ذا أنا روسو
الفنان"أهمية أقل ممّا لتلك المجموعة من الخطوط
والألوان.يقول أحد الشعراء الفرنسيين عنه:
-"كان بودّ روسو أن
يشوّف الآخرين كل ما تقع عليه عيناه،بل كان يودّ كل ما
يقع عليه عيناه..أجل؛كان روسو يحب سائر الأشياء"فهيّا
إقلبْ بورتريه روسو؛سيظهر لك إسمان على
باليته(ملْونه)هما لإمرأتين هام روسو في حبهما:كليمنس
زوجته،التي فقدها،بعد أن أنجبت لة تسعة أبناء،وجوزفين
التي شاء القدر أن تصبح زوجته الثانية؛ولذا بدت
فرشاته،حينما كان يرسم،كما لو أنها مغموسة في حبهما.
يقول عنه شاعر من
أصدقائه:
-"لقد حطّ على
كتفيه
ملاك وطائر
يثنيان عليه
إن روسو هذا:
طائر وملاك!"*
ولقد حفر روسو ذينك
الإسمين المحمودين على إحدى المصاطب العامة بباريس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*لقد إمتدحه عدد من
أبرز الفنانين
أمثال:كَوكَان،رودان،سور،بيسارو،وبيكاسو(المترجم)