|

جلال زنكَابادي
zangabady@gawab.com
Jalal
Zangabady
لتحاشي أيّ إلتباس قد يطال مفهوميّ الثقافة والحضارة في مضمونيهما
وتشعباتهما وتداخلاتهما؛ قد يسعفنا المفكر الهندي همايون كبير برأي
راجح:" الحضارة عبارة عن نظام من الحياة يتسنّى معه تحقيق مجتمع مدني،
أمّا الثقافة فهي وليدة هذا النظام، وتعبر عن نفسها عادة بواسطة:اللغة
والفنون، أو الفلسفة أو الدين والعادات والطقوس الإجتماعية والمؤسسات
الإجتماعية..إلاّ أن واحدة منها على إنفراد لايمكن إعتبارها ثقافة.
والحضارة هي النظام الإجتماعي، الذي يهيّء الجو لقيام الثقافة؛ وعلى
ذلك فإن الثقافة والحضارة متلازمتان يتمم بعضهما بعضا، فليس هناك ثقافة
بدون حضارة، وإن كان من الممكن قيام حضارة لم يتيسّر لها بعد تنمية
ثقافتها..ً" وهذا المنظور يعني عموماً ان الحضارة أداة للتحرير،
والثقافة وليدة للتحرر، لكنما هنالك إستثناءات طبعاً؛ فالثقافة
الكردية-مثلاً- تكاد أن تكون أداة التحرير، لكون كردستان محتلة،
مستعمرة وشبه مستعمرة ومفتقرة إلى كيان سياسي موحد على مدى تاريخها
الطويل؛ ولذلك فالكرد يواجهون تحدي إشكالية ثقاحضارية مزمنة ومتوارثة.
تعد الثقافة حصيلة للنشاط الإنساني الخلاق والإبداعي، ويمكن حصرها
في مجموع القيم المادية والفكرية؛ لأنها قبل كل شيء عملية خلق لهذه
القيم وتوزيع وإستهلاك لها، كما يؤكد المفكر ليف كوكَان، ويضيف بأنها"
نظام حركي معقد يرتبط عضوياً بسائر الأنظمة الإجتماعية، ويخضع في
النهاية للنظام الإقتصادي في المجتمع المعين" في حين تتجاوز الحضارة في
مفهومها مفهوم الثقافة كمستوى من التطور الإقتصادي والثقافي، بل أن
مفهومها أوسع، ومن ثم تكون الحضارة نمطاً ثقافياً يحدده بلد معيّن
ومرحلة تاريخية معينة، وذلك يعني تركيز التطور(التاريخي-الثقافي)
في(الزمكان) ويعني ضمناً أنه يمكن أن يشتمل النمط الثقافي الواحد على
حضارات مختلفة، حيث يمكن أن تتعايش ثقافات روحية متعددة في إطار حضارة
واحدة، حتى لو عكست تلك الثقافات أوضاع ومصالح فئات إجتماعية متعارضة
ضمن مجتمع واحد أو بلد واحد، كما حصل في أوج إزدهار الحضارة الإسلامية
في القرن العاشر الميلادي؛ وعليه فإن الحضارة العالمية(البشرية) لايمكن
أن توجد إلاّ كمحصلة للحضارات القومية، على أن يطور كل شعب حضارته،
وبذلك يقدم العون للتطور الحضاري العالمي، وعلى هذا الأساس لايتكون شكل
التطور الحضاري العالمي ولايستمر إلاّ بأشكال قومية. وهنا ينبغي
التذكير بحقيقة" ان الحضارات تولد وتنمو، ثم تندحر.." كما يقول المفكر
الإسباني أميركو كاسترو.
مع كل ما أسلفناه، ثمة ما يستوجب التأكيد، ألا وهو أن الإنسان هو
الذي يخلق جميع القيم والمنافع الثقافية، تاركاً نفسه يتكون بها وينمو،
فهو فاعل الثقافة ومفعولها في آن واحد، ولايمكنه ذلك إلاّ باستيعاب
وتمثل القيم الثقافية المتراكمة منذ قرون عديدة وكل ما تبقى من
الحضارات القديمة، كشرط جوهري وقاعدة لكل نشاط إبداعي للقيم
الجديدة..وهكذا فإن الإبداع نشاط إنساني يستوجب بطبيعته ذلك الإستيعاب.
ومع أهمية دور الإنسان(الفرد) يؤكد كل المعنيين، بشكل أو بآخر، على
حقيقة أن الثقافة تبدو مستحيلة التطور والتأثير دون وجود مؤسسات متخصصة
توفر إنتاج القيم والخيرات الثقافية وتوزيعها، فبقدر ما تكون الثقافة
متطورة في بلد؛ تكثر فيه المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، وبقدر ما يكون
النظام السياسي ديمقراطياً؛ تكون إمكانية المشاركة الشعبية كبيرة في
تسيير هذه المؤسسات، بل وتصبح هذه المؤسسات في متناول ملايين الناس.
لقد إنقضى القرن العشرون(قرن العلم) وشهد العالم في عقده الأخير
تسارعاً تاريخياً على جميع الصعد؛ فقد تداعت وانهارت عدة أنظمة سياسية
طغيانية، وراح الوعي القومي يتعاظم رغم طروحات العولمة، ويسود إيقاع
الإنفجار التكنولوجي المتقدم مجالات الحياة كافة، حيث بزغ فجر عصر
مابعد التصنيع، واشتد غزو الفضاء الخارجي، بل واستعماره، ومضى علم
السيبرنيتيك يتقدم راسخ الخطى، ويتوغل علم الهندسة الوراثية عميقاً،
شأنهما شأن العديد من العلوم القديمة والجديدة؛ بغية ترويض الطبيعة
والتغلب على آفاتها وتسخيرها في سبيل خدمة الإنسان، كما راح غزو الفضاء
الداخلي(الإنساني) يستغور الأعماق متسلحاً بالثورة العقلية المتصاعدة؛
لإستكناه وتفجير الطاقات الكامنة في العقل البشري..وهكذا تمضي البشرية
بفضل كشوفات الثورتين العلمية والعقلية مستغورة ومستثمرة طاقات
النهايات القصوى(الكبرى والصغرى) للجرمين(الأكبر والأصغر) بحيث تتجلى
أواصر الوحدة بين الذرة والمجرة، كأنما يهيب بنا صوت الشاعر الكبير
وليام بليك:
" كي ترى عالماً في حبة رمل
وجنة في زهرة برّية؛
امسك اللانهاية في راحة يدك
والخلود في ساعة واحدة"
ولكن حذار أن يبهرنا الجانب المضيء وحده؛ فيعشي أبصارنا وبصائرنا،
فلا نرى الجانب المظلم، أو نتغاضى عنه؛ حيث "يملك البشر قشرة الحضارة
فقط، فإذا خدشت مجرد خدش؛ يظهر مخبأ الذئب فوراً!" على حد تعبير
كَرامشي، أجل؛ هنالك المزيد من مخاطر توظيف الهندسة الوراثية
والباراسايكولوجي وغيرهما توظيفاً معكوساً(شريراً)، ثم إن هناك عواقب
الإنفجار السكاني وأزمة الطاقة وتناقص الموارد الطبيعية، والتصحر،
والتلوث والدمار البيئيين، بل وإن الخوف من العلم والتقنية آت من شيوع
وسائل الإبادة الجماعية المتمثلة بأسلحة الفتك والدمار الشامل، والتي
تهدد الجنس البشري بالفناء الكلي، وتفشي جنون العنف والإرهاب والأمراض
المهلكة كالسرطان والأيدز،والإدمان على المخدرات، ناهيكم عن معضلة طبقة
الأوزون، والتهديدات الخارجية، التي تواجه كوكبنا المرتبط مصيره بمصير
الشمس والمتغيرات الكونية...
وهنا تأتي أهمية دور الثقافة، التي عدّها الأديب الإنكَليزي ماثيو
أرنولد، السلطة الثالثة؛ بصفتها تنظيماً للفوضى، وفي مقاربة أخرى
شبيهة؛ يقول ف. إيفانوف: " الثقافة الإنسانية كلها، حتى زماننا الحالي
هي إلى درجة معينة، إحتجاج ضد الموت والدمار، وضد الفوضى المتفاقمة"
وهنا أيضاً يواجهنا تساؤلان مشروعان:- ماقيمة إمتلاك التكنولوجيا
المتقدمة وصناعة الصواريخ والقنابل النووية في بلدان يعيش مواطنوها
الإغتراب بكل أنواعه وأشكاله؟! وأيّ تقدم هذا الذي لايحمل للبشرية إلاّ
الإنحطاط والتقهقر، بل ويلحق أفدح الأضرار بتراث الإنسانية
الثقاحضاري؟! لقد أصاب الشاعر أندريه فوزنيسكي كبد الحقيقة بقوله:" كل
تقدم رجعي؛ حين يكون الإنسان منسحقاً" أجل؛ فإن" التقدم الحضاري يصبح
مستعصياً ومستحيلاً؛ إلاّ إذا كان مرتبطاً بتفتح الشخصية الإنسانية"
على حد قول كوكَان.
على كل حال، دخلت البشرية في مطلع الألفية الثالثة أكثر مراحل
تاريخها خطورة وإبداعاً وغوراً وتوسعاً، خصوصاً وان وسائل التنقل
والإتصال المتقدمة وأجهزة الإعلام الحديثة تيسّر للبشر الإتصال
والتواصل والتكيّف السريع للمستجدات والمتغيرات، وأصبح العالم يصغر
يوماً بعد آخر؛ فيشبه مدينة، بل قرية حسب نعت البعض، وراحت الآداب
والفنون والعلوم في جوّ الإنفجار العلمي والمعرفي والتلاحم الحضاري،
تتقارب وتتداخل وتتقاطع، بل وتتمازج أحياناً في مقاربة مضمونية
وأسلوبية ملحوظة، بشكل لم يسبق له مثيل، نزوعاً إلى التكامل والشمولية
في الرؤية والرؤيا، وكذا الحال في التأملات والتوجهات الفلسفية؛ فغدا
من المحتم على المؤلفين والمبدعين أن يبحثوا باستمرار عن أساليب جديدة
لتجسيد رؤاهم الأدبية، الفنية، الفلسفية والعلمية.
وعليه فإن المنطق التاريخي، رغم الطروحات الواهية لصدام الحضارات
ونهاية التاريخ، يفرض أكثر من أيّ وقت مضى، التعايش الأخوي والمصير
المشترك للأعراق البشرية، وتكريس الآداب والفنون والعلوم، لاسيما قوى
الذرة؛ في سبيل المقاصد الخيّرة، في الوقت الذي تتقلص فيه مديات
التباعد بين أنماط الحضارات الراهنة رغم التفاوت الملحوظ بين القائدة
والتابعة منها، وتتقارب الثقافات القومية مع تجسّد خصوصياتها؛ لتصب في
بحر الثقافة الإنسانية، بحيث يصير الكيان الحضاري الراهن تراثاً
مشتركاً للبشرية؛ مادام متشكلاً من تضافر وتلاقح عبقريات شتى الثقافات
والحضارات على مر العصور، وستنصهر الأصالات القومية في بوتقة0الحضارة
الكونية) المتكاملة، المتناغمة والمكرسة لخدمة الإنسان؛ فلا عجب إذن إذ
ولد قبل قرابة ثلاثة عقود علم جديد يعنى بالثقافة، ألا وهو(علم
الثقافة) لدراسة وبحث القضايا العامة المتعلقة بالثقافة والحضارة
والإنسان.
|