ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:21

Detroit Michigan U.S

 

 

قصص قصيرة جداً

هيثم بهنام بردى

 

 

ابتسامة

 

بيت قديم  تهب من جنباته رائحة الطابوق والرطوبة والذكريات العتيقة، بيت كل ما فيه قديم: الأثاث، البلاط، التنور، الطابوق، الستائر، والأنفاس التي تتجول في أفيائه وزواياه وسقوفه المتقشرة.

بيت كل ما فيه يفصح عن خلاصة عراكه مع الزمن وهو يلم بقاياه المتهالكة وفي بصيرته تجربة العنقاء مع الرماد.

بيت يقايض ما تبقى فيه من حياة بالتمسك بآهاب المرأتين الشابتين اللتين تؤنسان وحشته بصراخهما وشجارهما السرمدي أناء الليل وأطراف النهار، وبعد أن تنتهيان من الزعيق تقتعد كل واحدة عتبة غرفتها ثم تشرعان ثدييهما بوجه السماء والزمن المهرول والشمس اللائبة، ويلقفان الحلمتين بفمي طفلين رضيعين.

الأولى: وهي تناغي رضيعها المنهمك بالمص مثل نحلة دؤوبة على وردة ريانة يغطيها الغبار والنسيان تناغيه.

- هلم يا صغيري الجميل، أرضع حليبي الطيب لتصير في المستقبل طبيباً مشهوراً يداوي الناس.. الناس الطيبين فقط.

وترمي الأخرى بنظرة مصبوغة بألوان الطيف النفسي المتشابك كنسيج العنكبوت، وفي العمق، في سويداء الحدقة نيران تهمي.

الثانية: وهي تحضن وليدها وتعصر ثديها بأصابعها المتشققة، ترنم.

- هيا يا صغيري الساحر، أرضع روحي وحياتي لتصير مهندساً معروفاً يبني العمارات ويسكن في قصر كبير وله سيارة حديثة.. وعلى كيد العذال.

والعنكبوت ينسج في الكيانين اللابدين خلف خرق تعارك الزمن، ويتحول الكيانان إلى مجرد خيوط دكناء لعناكب عديدة تسكن القلوب والأعصاب لتتحول المرأتان إلى عود ثقاب وكاز.

الطفل الأول: يتخلى عن الحلمة، وينظر إلى الأخر.

الطفل الثاني: يتخلى عن الحلمة، وينظر إلى الأول.

فيشرق الطابوق المتداعي والسقف المتشقق والطوار البليل البارد، بطيف ابتسامتين تنسل من فمين لدنين ويغسل أدران الزمن ويقطع خيوط العنكبوت.


 

الأصدقاء

 

أتكور، أتقنفذ، أصرف أسناني صريفاً، أدخل ركبتيّ المرتجفتين في حنايا بطني الحارة الدافقة بالأنفاس، لا جدوى... البرد يثلج عظامي، والبطانية الفريدة الوحيدة تقف عاجزة أمام البرد القارس (تجعل الجسد يحترق وكأن البرد نار)، أفتح عينيّ وأشمل غرفتي بنظرة متعبة: أغرق مع أشيائها وأبحث عن أثاثها وسط دغل من غلس جهم هارب من نثيث الريح المدومّة في الخارج، المتعاركة مع أشجار النخيل والسدر والصفصاف، أتوسل الضياء... أراه ملموما على نفسه وينوس باستحياء جم في أحشاء الزجاجة الصغيرة لقنديل لم يغتسل منذ زمن. أقفز من السرير وأتوثب قافزا في أرجاء الغرفة مثل ممسوس، أبحث عن البرد لكي ألثم خناقه بقبضتي، أهمس لنفسي.

- كيف أتصرف؟ كيف أتقيّ الزمهرير المسافر في أعماق العظام؟

أتجه صوب المنضدة وأفتح زر المذياع، وشيش كالريح الصرصر الهابة من أعماق الغابة الغارقة في عمق القرية الحجرية، أقفل الزر فيغرق الكون في سيمفونية الليل والبرد والريح، وفي لمحة تعانق عيناي أصدقائي الخلّص في وحدتي الخرافية، أراهم يبتسمون لي: همنغواي، باربوس،نجيب محفوظ، ديستويفسكي، أبن طفيل، ديوارنت، ملفل، يوسف أدريس،...الخ، أبادلهم الابتسام وأهمس لهم.

-    أعرف ما تفكرون فيه.

وفي الحال أنفّذ رغبتهم الملحاحة، أحملهم برفق بأغلفتهم الزاهية وأرتبهم فوق البطانية ومن ثم أحشر أصدقائي الآخرين فوقهم، نتراص في كيان مفعم بالمحبة الأبدية ثم أحشر جسدي المنتفض بالحياة تحت البطانية وأغمض ذاتي على همساتهم وقصصهم ورواياتهم وأبحاثهم التي ما أتموها بعد.

 


 

الصخرة

 

دخل رجل مدينة متلفعة بالليل، اتجه نحو حي الشمال، طرق باباً، فتحه شيخ وقور بجلباب مذهب الحواشي، قال الرجل:

 ـ جوعان.

أُوصِد بوجهه الباب.

في الحي الجنوبي.

ـ عطشان.

أُوصد بوجهه الباب.

في الحي الشرقي.

ـ تعبان.

أُوصد بوجهه الباب.

في الحي الغربي.

ـ نعسان.

أُوصد بوجهه الباب.

خرج من المدينة، اتكأ على صخرة صمّاء يتأمل البحيرة الغافية، أخضلّت عيناه بالدمع، وفي إحدى انفتاحات الأهداب البليلة لمح من أبواب المدينة: الشمالية، الجنوبية، الشرقية، الغربية... أطفالاُ يخرجون أسراباً: جوعى، عطاش، عرايا، نُعس. دخلوا في الرجل، فتسربلت المدينة والصخرة والبحيرة والسماء بالضياء، وانشقت أبواب المدينة...


 

العشّان

 

ارتقى الصبي قمة الجذع، كان يعّض طرف دشداشته بنواجذه بشّدة، وبيده اليمنى يتحسّس الصرة الصغيرة التي تعانق أسفل بطنه، يحس بالرطوبة تداعب أسفل سرته فيحبس ضحكة عميقة،... يحدق صوب الهدف، يخرج الأول رأسه ويرشقه بنظرة مستفهمة بعينيه الصفراوتين المزغبتين فيما الآخر لابد على القش لا يند عن أية حركة، يمسك بالغصن محاذرا ألاّ يسقط ثم ينهض قدميه وينزلق جسده زاحفاً فوق الأوراق مثل أفعى محنّكة، يحاذي العش، ينظر إليهما... شعرا بوجوده فرفرفا جناحيهما اللحميين وفتحا منقاريهما وأغلقا عينيهما، مد ذراعه نحو عبّه وأخرج الصرة، فرشها على لملمة دشداشته بين ساقيه، بانت في طياتها حبيبات البرغل المطبوخة الباردة، أركن ظهره على غصن غليظ ثم مد أصابعه وتناول حبة ووضعها في جوف المنقار الأول والثاني، وهكذا منقار يعقب منقارا حتى ارتكن الرأسان في دعة وهدوء وفي أمائر العيون شبع أكيد ونعاس آسر وناما بأمان في العشّين... عشّ من قش وآخر من لحم ودم.