ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:20

Detroit Michigan U.S

 

 

في شفرة المكان والزمان(5)

 شهادة: المدن التي قالت لا

  

فارس عدنان

أنديانا/ الولايات المتحدة

   

حينما سئل نعوم تشومسكي عن أسباب أحداث سبتمبر أجاب بصوت محايد بأنها الفيزياء البسيطة، لكل فعل رد فعل. عليّ أن أستحضر هذا الجواب إذ أتذكر قيامة الشعب العراقي في آذار91.  نعم لكل فعل رد فعل يساويه بالمقدار ويعاكسه في الاتجاه، في الحالة المثالية، في العلاقات التجريدية للكتل الجامدة والبعيدة عن خفايا الجنس البشري وآليات تفكيره وعواطفه الخفية على الحكام قبل العلماء.  علاقات قد تخالف قوانين الفيزياء البسيطة  مرة" أو تتطابق معها مرات. حين حاول المؤرخون والباحثون الغور في أسباب الثورة الفرنسية اكتشفوا الكثير من الأسباب واختلفوا حولها واتفقوا على أن اقتراح الملكة للشعب الجائع باستبدال الكيك بالخبز المفقود هو الشرارة التي أشعلت النار في فرنسا وليس مخطوطات جون جاك روسو الفلسفية.  ترى ما هي الشرارة التي أشعلت نار الانتفاضة في آذار 91 وجعلت 14محافظة عراقية من أصل 18 تصوت لا بالرصاص ل(( محبوب الشعب)) الذي تباهى كثيرا ب((شرعيته)) أمام ديمقراطيات الغرب (( المستوردة)).

 

كنا طول عقد الثمانينيات نهمس سؤالنا لبعضنا البعض في جلسات الأنتلجسيا غير الرسمية: متى يحدث رد الفعل؟ وطبعا كانت الإجابة انعكاسا لخلفية الشخص الفكرية. الماركسي (وليس الشيوعي بعد اختفاء الشيوعيين من الشارع عقب انكشاف فخ الجبهة في 79)يدخل في نفق صراع الطبقات الضيق والديالكتيك والأرضية المادية لأحداث التاريخ. الإسلامي يستعير الآيات والأحاديث عن الغضب الرباني لابتعادنا عن طريق الحق وتبنينا بدع الغرب ولحربنا ضد جمهورية ((السادة)) وغياب أيماننا ب((الولي الفقيه)) وغيرها من التفاسير التي بعد كل شيء تقدم خيارين:انتظار المهدي وجيشه أو انتظار وصول جيوش ((السادة)) من الشرق بعمائم سود ورايات خضر لتحرر كربلاء والقدس وتقيم مملكة المستضعفين والتي ستنافس ((الشيطان الأكبر)) وإمبراطورية ((الإلحاد)). أما صحبتنا الذين لم يرتدوا العمامة الإسلامية ولا القبعة الماركسية كانوا بين فصل كيفي من الجامعات وبين هروب من الجيش ببطاقات مزورة مصحوبة بعمليات تدمير قاسية للنفس عبر التدخين والخمر وكآبة لا يمكن إخفائها وحزن دائمي لعملية فقد مستمر للروح والأهل والصحبة الذين ذهبوا إلى حروب عبثية ولم يرجعوا والذين غابوا قسرا" في سجون ((القائد المحبوب)).  كان الشعور باللا جدوى هو عنوان تفكير الأنتلجسيا غير الرسمية آنذاك.  كنا في زنزانة كبيرة أسمها الوطن ولا نافذة أو كوة تترك لنا الحلم بصباح مختلف لا نحمل فيه الكثير من الأوراق الثبوتية لنثبت لأي نقطة تفتيش سلامة موقفنا من الحروب المتواصلة. كنا نعلم تماما" أن المناحة في كل بيت ونقول في سرنا: ليرقص حسين الهاشمي طربا"لقد تحقق حلمه. إن شارات الحداد السود قد حجبت جبهة الوطن. كنا بجزع نقول:اللعنة، أأدركنا الموت؟حقا إن كل الطرق في الوطن تلتقي في المقبرة أو السجن ولا خيار ثالث

 

 

كنت أصل لمرحلة إحباط لا توصف وأصارح أبي أن المرجل يغلي، متى نصبح على صرخات الثورة؟ كان يذكرني بطول الفترة التي سبقت تموز58 ويردد بأمل أن وقت الشرارة الأولى قادم لكنه غادرنا(أعدم في عام86 لنشاطه الشيوعي) قبل آذار ولم يشهد قيامتنا التي نحتت فصلا" جديدا" من البطولة يمكن أن يضاف لنصب جواد سليم الرائع.

 

 ذكر كارل ماركس في بيانه الشيوعي حالة الاغتراب التي ستصاب بها البروليتاريا في المجتمع الرأسمالي ولست هنا في موضع تفسير للمفهوم الماركسي للاغتراب لكني أعترف بوجود حالة اغتراب متأصلة في العراق طول عقد الثمانينيات بين العراقي ووطنه وكل أشكال الوطن وصوره وليس بين البروليتاريا ووسائل الإنتاج كما صرح ماركس في بيانه الشهير. كنا لا نملك حياتنا في الوطن. لقد سرقوا بين ليلة وضحاها وجه الوطن وصار من ممتلكاتهم الشخصية.   نساق للحروب كي ندافع عن نظام نكرهه ولا نملك خيارا" أخر سوى الهرب والاختفاء في انتظار غودو أو الثورة المقبلة. كيف لي أن لا أشعر بالاغتراب في وطني وأنا طول الوقت معرض للاعتقال والذهاب وراء الشمس بسبب تقرير قد يكتبه جاري عني أو بسبب وجهي الذي قد لا يعجب ضابط ما في نقطة تفتيش أو بسبب لحيتي التي نسيت حلاقتها ليومين والتي قد تشبه لحية جيفارا أو لحية الخميني. حين صارت البذلة الزيتونية واللهجة التكريتية والشوارب الكثة على شكل رقم ٨ إشارات لمركز قوة ونفوذ كان علينا كتابة مراثينا لكل صور المجتمع المدني والوطن الذي عرفناه صغارا" في أناشيد الصباح المدرسية. كنا مقسمين بدون قرار جمهوري إلى فئة وقود الحروب ونزلاء السجون تنطبق علينا كل القرارات الحكومية بدأ" بالمادة 200 وإلى فئة ثانية تتكلم اللهجة التكريتية وتلبس البذل الزيتونية تجوب المدن والأسواق لا تأهبه لشارات المرور أو أي قانون أخر في بلاد حمورابي. كيف يكون الاغتراب أذن؟

حين أعلن بوش وقتها في الساعة الواحدة والنصف صباحا" بدء العمليات عبر إذاعة صوت أمريكا، دخل العراق في ظلام دامس وكانت إذاعة بغداد تبث من موقع مجهول خيبة ((القائد الملهم)) بغدر الغادرين!!! كانت المنشورات تهبط من سماء البلاد مكتوبة بلغة الضاد تدعو العراقيين للثورة.  كنت بين خوف من دمار أخر يعيدنا للقرون الوسطى وبين فرح لاحتمال تكرار سيناريو(( بنما89 ))في بلاد النهرين، ربما. مهما كان السيناريو المطبوخ لهذه الحرب فالخسارة معروفة. سيقتل الجنود السود والبيض على رقعة الشطرنج المسماة بطريق الخطأ شرق المتوسط. كنت أتسأل في سري: هل سيصدق الأمريكان هذه المرة؟ كانوا يسمونه في إعلامهم : هتلر الجديد. كنت أردد: قد تكون بلاد النهرين ألمانيا جديدة. ربما

 

ألقى الحلفاء في أسابيع قليلة أكثر من 88000 طن من القنابل على مدننا وعجزوا عن اصطياد ((القائد الفارس)). هاجر البغداديون إلى أقاربهم في المدن الصغيرة وكأن هذه المدن تلبس طاقية الإخفاء تحميها من طيران التحالف. الهزيمة من عناصر يومنا التي علينا تقبلها صامتين. التقيت صدفة في أحد المقاهي مثقفا" رسميا" هتف للحاكم طول عمره يجلس بصمت وخجل وقد دفعه قصف الحلفاء لهجرة وزارة الأعلام والتخفي في أزقتنا البائسة. بدأنا جلب الماء من النهر يوميا" وسماع الإذاعات الأجنبية وانتظار الجثث القادمة من الكويت وربما انتظار حدث ما. رأيت جاري يقطع أشجار حديقته كي يحصل على بعض الدفء. كان الناس ينتظرون أبنائهم في مواقف السيارات القادمة من الجنوب. أبنائهم الذين تركوا الكويت بدون إشارة من عقيد أو عميد أو من رئيس لم يعرف من العسكرية سوى البذلة والرتب المزيفة.

ضباط وجنود يحملون رائحة الموت والهزيمة على وجوههم وصلوا المدن الحزينة مشيا" على الأقدام وقايضوا بنادقهم وعتادهم برغيف خبز وأجرة سفر لمدنهم المباحة.  هنالك الكثير من المآسي لم تدون بعد عن آلاف الجنود والضباط الذين سلكوا طريق الموت السريع بين الكويت وسفوان ولم يصلوا بل وصلتهم أسلحة الموت الحديثة التي لم يتم تجريبها بعد.  هنالك الكثير من الأمهات اللواتي مازلن ينتظرن حتى هذه اللحظة أن يطرق الأبناء الذين سيقوا قسرا إلى محرقة الكويت  ومازلن يقدمن حتى هذه اللحظة النذور ويقرأن الأدعية علها تفعل فعلها.  مازلن ينتظرن الغائبين بعد كل الفجائع الوطنية الصنع.  أمهاتنا المتشحات بالسواد منذ الأبد مازلن ينتظرن غودو العراقي الذي غيبته حروب غبية بلا معنى.   سألت العائدين في كراج المدينة عن علي شايع ولا جواب. عن عمي؟ عن خالي؟ عن صحبتي؟ عن الوطن الذي سلمه الحاكم بأمره إلى أنياب الحلفاء الكاسرة. لا جواب لكل هذه الأسئلة. أيها الرب كأنها فصول جديدة من(( الساعة الخامسة والعشرون)).

 

الإذاعات تتحدث عن الحدود التي صارت معارك بلغة الأرقام وبإثارة واضحة كأنها تتابع تصفيات كأس العالم.  وحدها إذاعة بغداد مصابة بأعراض حمى غوبلز ولا تبث سوى أخبار نصر مزيف.الإذاعات الأجنبية تصف الهزيمة بتفاصيل مملة وتصف باختصار( بعد الفاصل الإعلاني) عودة الجيش على طريق الموت السريع بين الكويت والبصرة. وحدي أمشي على ضفاف الفرات أتسأل في سري ماذا حدث لفاطمة الشريفي؟ محمد رحمه؟ ضياء كاطع؟ نبيل السواد؟ عالية المطيري؟ كاظم الحجاج؟ د.صالح النجم؟ أسيا بار؟ فندق جبهة النهر؟ كازينو القصر الأخضر؟ مكتبة الجميع؟ سينما الوطن؟ شجاع العاني؟ أم البروم؟ سينما الكرنك؟ 5 ميل؟ وحيد أبو الجنط؟ ساحة سعد؟ العشار؟ كازينو البدر؟ تمثال السياب؟ جيكور المستباحة دائما. أواه بصرة الله، لم تدور الحروب دائما" في فلكك؟ أقدر أن تكون سماك أبدا" مصبوغة بلون الموت؟

 

 حين عادت بقايا الجيش من الكويت إلى البصرة كان الهواء محملا" برائحة الموت ودخان حقول النفط التي أشعلها نيرون قبل أن تأتيه ركلات التحالف على قفاه. تجمع الجند في البصرة يقايضون عتادهم بالخبز والشاي المحروق ويعلنون غضبهم على مشعل الحروب دون خوف أو رهبة. كانت إحدى الدبابات الهاربة من الكويت تتقدم من جدارية كبيرة للحاكم بأمره.  صوب رامي الدبابة مدفعه نحو الجدارية البغيضة التي تعلنها صراحة لنا منذ أكثر من عقد من الزمن: أنا ربكم الأعلى فأعبدون. وبكبسة زر واحدة، أعلن هذا الجندي المجهول الاسم رفضه لكل هذا الموت المجاني وكل هذه الحروب الغبية وصوّت لا بالرصاص لجنون الحاكم(حسب وثائق كتاب القسوة والصمت لكنعان مكية). هكذا ، تكلم جندي مجهول بوجه الطغيان في بداية آذار 91 وهذه شرارة أولى من شرار كثير أشعل نار قيامتنا في الوسط والجنوب والشمال: نار الانتفاضة.

إطلاقه واحدة كانت كافية لتحطيم جدار الخوف الذي بنته الطغمة في داخل الناس منذ شباط الأسود وتموز    68البغيض.  إطلاقه واحدة حررت البصريين من عقود طويلة من الخوف. التفاصيل الأخرى في البصرة وكيف سيطر الثوار على مبان الحكومة وكم من الشهداء؟ تفاصيل غير مهمة الآن. المهم في هذا الحدث الجميل هو كيف أعلنت البصرة ثورتها التي لا تختلف كثيرا" عن ثورة الزنج أو ثورة القرامطة. هي ثورة صعدت كالنار في الهشيم في مثلث الجنوب(العمارة والبصرة والناصرية). ثورة الجنوب ((شمس متحررة من الخوف)) كما يقول كولريدج.

وكالنار في الهشيم، سرت نيران الانتفاضة صعودا" في مثلث الجنوب. خلال ساعات قلائل، تحولت الناصرية والعمارة والبصرة إلى مدن خارجة عن قبضة قرقوش. كنا نسمع الأخبار عبر البي بي سي ونتابع تفاصيل القيامة الجديدة وراح خيالي إلى صورة حمدان بن قرمط. قلت في سري:نعم البصريون وأبناء الهور في مثلث الجنوب المعترض أبدا على كل الساسة هم من يحمل أبدا جينات حمدان الوراثية.

 

 

بي بي سي: البصرة مدينة خارج قبضة بغداد والبصريون يرفعون صور لشخصية من عمق التاريخ الإسلامي تنسب لأبن عم نبي المسلمين.

حسن الكاشف (مراسل مونتي كارلو من بغداد): الحياة طبيعية في بغداد بعد وقف إطلاق النار والرئيس العراقي يقوم بجولة تفقدية في الأحياء البغدادية.

إذاعة موسكو: دفع العراقيون ثمنا" كبيرا" لمغامرتهم في الكويت وسيعود رئيسهم للتلويح لشعبه عبر شرفات قصوره الكثيرة.

صوت أمريكا:التمرد ضد سلطة صدام ينتشر سريعا" في شمال العراق وجنوبه. الحرس الجمهوري ينسحب دون خسائر من المناطق الكردية بينما المواجهات مع المتمردين لا تزال مستمرة في ضواحي البصرة وسائر المدن الأخرى.

إذاعة بغداد: قصيدة مديح لعبد الرزاق عبد الواحد.

 

المواجهات في شوارع البصرة بين المنتفضين والحرس الجمهوري تنقل عبر الإذاعات العالمية والعراقيون سمعوا بزينب البصري تواجه دبابات الحرس. في الوسط كنا ننتظر.. ماذا؟ غودو؟ نبي؟ المهدي؟ ربما صرخة واحدة من ثورة العشرين التي لم تدخل التاريخ الرسمي لدولة العراق

 

في ساعات قلائل تحررت السماوة وقصباتها من قبضة الطغيان(أواه يا نخل السماوة يا نخل السماوات). إنه أرث ثورة العشرين وغضب فراتي متراكم، هي بندقية شعلان أبو الجون تطلق رصاصا" قديما" لم يدخل في حسابات حكومة المركز بعد صمت أصابنا باليأس.   نار القيامة الجديدة يتصاعد نحو الرميثه وسريعا نحو الحمزة الشرقي. في الديوانية، كان الهدوء المخيف الذي يسبق العاصفة. كان الديوانيون يسيرون نحو حريتهم ويرسلون رسائلهم المشفرة إلى حلم قديم أسمه الثورة التي هي (( الحل لكل حلم جميل)) كما يصفها ميشيل ليرسيس.

 

في الديوانية، انتشرت دبابات الفرقة الأولى في الساحات وفي مداخل الطرق تحسبا" لنيران الانتفاضة.  كانت صرخة عالية واحدة في الصوب الصغير المقابل لنادي الضباط والقريب من الفرقة الأولى كافية لإجبار الجنود على ترك دباباتهم والهروب في أزقة المدينة بحثا" عن ملابس مدنية وملاذ آمن.  في ذات الوقت، تقدمت قوات المنتفضين من جهة الحمزة الشرقي بقيادة الشيخ حسين الشعلان نحو الديوانية والتي شجعت أبناء المدينة بتنوعاتهم السياسية في التوجه نحو مبان الحكومة من مركز المحافظة ومديرية الأمن وغيرها. الحكومة لاشيء غير نمر من ورق. رأيت المحافظ يهرب عبر الدغارة نحو بغداد ملثما" مخفيا" شخصيته. في ذات الوقت، تحررت النجف وكربلاء والحلة بطرق مشابهة وبتفاصيل مختلفة. كانت المعارضة العراقية تقيم اجتماعا" في بيروت والجواهري الكبير يفتتح الاجتماع. كنا نحمل هذا الفرح العظيم فينا لانتفاضتنا وللاجتماع الذي قد يقدم البديل الذي نريد. اجتماع صافح فيه الإسلاميون الشيوعيين والقوميين. كنا متفائلين أكثر مما ينبغي.

 

بعد ساعات من رحيل ظلام قرقوش عن الديوانية، شكلت سلطة عسكرية ممثلة بوجوه معروفة لأبناء المدينة مثل العميد عبد الأمير عبيس ، توفيق الياسري والعقيد أبو ميثم وآخرين. كذلك تشكلت سلطة سياسية دينية في جامع سيد عباس رفعت شعار عفا الله عما سلف عن كل رموز الطغيان الأمر الذي أغضب الكثير من المنتفضين اللا دينيين وجعلهم يشكلون قيادتهم الخاصة بهم في أحد المدارس المتوسطة بقيادة وجوه معروفة من ((أهل الشط)) المعروفين بميولهم اليسارية.

 

امتدت في ذات اليوم شرارة الانتفاضة لجميع قصبات الديوانية وضواحيها: الدغارة، عفك، سومر، الشامية وغيرها. حدثت مواجهة بين فلول الجيش الهارب من الفرقة الأولى والمنتفضين على حدود الدغارة والشوملي سقط فيها سلطان عبد الله شهيدا" والكثير من جنود الفرقة. في هذه المعركة أبدع الدغاريون في استرجاع أمجاد ثورة العشرين حتى صرنا نفاجئ بأشخاص لم تتعامل مع السياسة يتقدمون للموت ويحاصرون مدافع الهاون وقوات الجيش دون خشية. بعد هذه المعركة، كنت أمشي في المدينة جذلا" أسمع في داخلي أغنية مارسيل خليفة: منتصب القامة أمشي.  كانت الناس تهنئني بيوم الخلاص.  وبدون مقدمات، كان السلطة بيد وكيل الخوئي،((السيد))، وصارت العشائر تزور بيته لتعلن ولائها أو للتوسط في الحصول على(( عفا الله عما سلف)) عن قريب أو نسيب كان قبل أسبوع يرهب المارة بمسدسه وبذلته الزيتونية.  صرت أحس بطعم اللحظة التاريخية التي أعيش (كم تمنيت أن يشهد أبي نهاية البعث والطغيان) وتذكرت وصف جان جاك روسو للثورة:تعيد للتاريخ الفرح وللقلوب شفافيتها الطبيعية.

 

ما هي الخطوة القادمة؟ ((ذهبت السكرة وجاءت الفكرة)) قالها لي أحد شعراء القصيدة العمودية. كنا قد اعتقلنا معظم المتورطين بعمليات الإعدام والذين مارسوا أدوارا" سيئة في حياة الناس. كيف يمكن السيطرة على غضب الضحايا ومنعهم من أخذ الثار؟ حاولت بجهود لا توصف أن أقنع الناس بجدوى المحافظة على حياة هؤلاء لأن محاكم الشعب تنتظرهم بعد سقوط بغداد. كنا في نقاط التفتيش حول مداخل المدن ننتظر الخبر المرتجى من بغداد: يا بغداد ثوري ثوري، خلي ال.. يلحك نوري. أواه كم انتظرناك يا بغداد.

 

ذهبنا لمعسكر النجف للحصول على العتاد والسلاح ولمعمل الطابوق لأخذ مولدات الكهرباء لإنارة الأماكن الرئيسية في المدينة. ذهب(( وكيل السيد)) وحمايته للنجف وعاد برسالة من الخوئي: حافظوا على بيضة الدين. كم كانت خيبتنا لتلك الرسالة كونها لم تكن بمستوى قيامتنا. والذي أزاد حزننا هو فشل مؤتمر بيروت وتصريحات غير مسوؤلة من هذا المعارض أو ذاك. أحد مؤتمري بيروت صرح لمونتي كارلو: لن ندخل لبغداد على دبابة أمريكية. (( يا بن قراد الخيل))صرخت أمام حشد من أتباع هذا المعارض وكدت أن أتعرض لعملية موت محقق برصاص غاضب. فوجئت بشعار على أحد مبان المدينة بخط عريض( عاشت الجمهورية الإسلامية في العراق بقيادة رفسنجاني) ودخلت في نقاش لانهاية له مع ملتحين يمارسون (( اللطم)) طول اليوم في المسجد حتى بح صوتي: حسنا"، تذكروا جيدا أن شعاركم هذا سيصيبنا في مقتل. وهذا ما حدث فعلا". 

تغيرت أسماء المباني بعد الانتفاضة وصارت مستشفى صدام تحمل أسم الشهيد الصدر. فتحنا السجون المعتقلات السرية واكتشفنا الكثير من الوثائق الخاصة بالعملاء والوكلاء. كانت الأيام الأولى مقترنة بالكثير من الفوضى. هي الفوضى التي تصاحب أي ثورة. حتى المصريين المقيمين في المدينة شاركونا نصرنا. كانت نقاط التفتيش التي أقمناها على مداخل المدينة تستفسر عن هوية الداخلين والخارجين. تأسفت كثيرا" لجهلي اللغة الكردية حين وجدت كرديا" في أحد نقاط التفتيش أطلق سراحه في الناصرية حيث كان مسجونا" في أقبية النظام وقد وصل إلينا يسألنا ببراءة الأكراد الجميلة: شكو ماكو؟ حدثته بالعربية ولم يفهم، أخيرا" قلت له إنها بيش مركة مال عرب ففهم. كان يبحث عن عائلته المعتقلة في مكان ما من معتقلات قرقوش السرية منذ حلبجة.  في ليلة من تلك الليالي الجميلة، وصلت حافلة من بغداد مليئة بوجوه ديوانية أعرف معظمها وإذا بأحدهم يهتف باسمي ويعانقني بفخر، هو سمير المرعبي(شقيق الشاعر باسم المرعبي) يحدثني باقتضاب وبنبرة مضخمة على طريقة محمود درويش عن الشمال الذي صار خارج نيرون وكيف قرر أن يعود للديوانية للمرة الأخيرة، أين هو الآن؟ سمعت أنه في السويد.  عقب هجوم الحرس الجمهوري على الحلة وإسقاطها، قرر الثوار إعادة تحريرها وفعلوا ما أرادو وجرح العميد توفيق الياسري. زرناه ليلا" في بيته، أنا وخالي العميد أبو زينب وكان في حالة غياب عن الوعي ونحن في حالة يصعب وصفها بين جذل النصر وخوف من الأتي.

 

ما تبقى من تفاصيل لتلك الأيام الجميلة لا أجد الشجاعة الكافية لذكرها الآن. هي تفاصيل سقوط مدننا تحت ضربات الحرس.  كل ما أتذكر هو تراجعنا من مدينة لأخرى كقافلة مهزومين نبحث عن معركة جديدة لاستعادة مجد أضعناه ووطن سرقه البرابرة قبل أن نولد. أتذكر جيدا" دخولنا مدينة" أخرى وجوابي للفنان المسرحي مهدي الشرع تحت ليل الهزيمة: قد يقود المعممون ثورة لكنهم لن ينجحوا بقيادة الموازائيك العراقي. أتذكر جيدا" نومنا في خيمة البدوي في صحراء السماوة وبكاءه المر لسماعه خبر قصف مرقد الحسين.  أتذكر ساقي المصابة وألمي الأكبر كوني تركت المدينة مكشوفة لبرابرة الحرس. أتذكر جيدا"وجوه الأمريكان وعرباتهم في صفوان ووصولي لهم أجر ساقي وهزيمتي وكأني قد وصلت من مذبحة من تاريخنا المعفر برائحة الدم. أتذكر إجابتي لمراسلة ال يو أس أيه تودي الشقراء:

مذبحة، لا شيء سوى مذبحة

(Massacre, nothing but massacre)

 

كانت أسابيع قليلة جميلة من الحرية، للآن أتذكر جمالها وتفاصيلها. هي القيامة التي يحق لي الفخر بها ما حييت. هو آذار الذي لم يغادر الذاكرة ولن يغادر أبدا".

 

رغم أن دكاكين المعارضة المحترفة قد نجحت في سرقة قيامتنا الجميلة ومنذ سقوط الصنم ولحد الآن تمارس هذه الدكاكين اتفاقا" غير معلن على تجاهل هذه القيامة واحتكار تاريخ التضحيات عبر أسماء ((مناضليها)) ورغم أن الأمريكان قد أدركو متأخرين أن تركنا في العراء في ربيع 91 قد وضع أمام مصداقيتهم ألف علامة استفهام ورغم كل التنظيرات التي أطلقها محترفوا الأدلجة وصيادوا الخبطات الصحفية في عالم عربي أدمن المعلبات اللغوية لكل حالة أو حدث ورغم كل شيء تبقى هذه القيامة تاريخا جديدا لكل من دخل في فصولها الملحمية وأعلن إحتجاجه بقوة وصوت عال نبع من خندق عراقي أجمل من كل الخنادق الجديدة التي تحاول إعادة البلاد نحو فجائع الحروب والزمن العراقي الجميل إلى ظلام القرون الوسطى.