ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:20

Detroit Michigan U.S

 

 

 

أسماء وتواريخ في حديث الذكريات مع الشاعر بلند الحيدري

 

" أردنا أن نعطي للريادة مفهوما معنويا وليس زمنيا . "

لغز العام 1926

عبد الكريم قاسم قبل استقالتي " بكل ممنونية "

"في عام 1963 اعتقلني الفاشست وحكمت بالإعدام "

قلت لشفيق الكمالي :" هذه شروطي للعمل في مجلة – آفاق عربية – "

                         أجرى الحوار : فراس عبد المجيد  

 

  قبل أربعة عشر عاما ، التقيت بالشاعر العراقي الكبير بلند الحيدري في الدار البيضاء ، وأجريت معه حوارا مطولا نشر بتاريخ 4 أبريل 1993  في الملحق الثقافي لجريدة " الميثاق الوطني " المغربية  حيث  كنت مسؤولا عن تحريره آنذاك .

 ونظرا لأهمية الحوار ، وقيمته الوثائقية  ، وحفاظا على تراث الشاعر الراحل ، أعيد ، في ما يلي نشره في " الكاتب العراقي" .

                                                                                                 ف .ع 

 

  

           + بدايات التجديد الفني والأدبي في العراق

 

س : باعتبارك أحد رواد الشعر الحديث ، هل لك أن تحدثنا عن بدايات الحركة الشعرية الحديثة في العراق ؟

ج : أنا أعتقد انه في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت جغرافية العراق كليا . فبعد أن كان منطقة نائية عن العالم ، أشبه ما تكون بالتبت، تحول إلى بلد في وسط العالم . فالتيارات الحديثة وصلتنا آنذاك ، وأثرت على مجموع الواقع الفني والأدبي. ففي الهندسة ظهر محمد مكية ورفعت الجادرجي وقحطان عوني وقحطان المدفعي . وكل من هؤلاء لعب دورا في العمارة التي تحاول أن تجد نفسها في التراث ، كما تحاول أن تجد نفسها في المعاصرة .

   كذلك الأمر في الحركة التشكيلية ، فجواد سليم وفائق حسن خرجا بالحركة التشكيلية من مرحلتها السابقة إلى مرحلة جديدة. وحاول جواد سليم ، وبهذا الهاجس أيضا ، أن يربط بين التراث والمعاصرة . وبعد أن تتلمذ على رؤية بيكاسو وعدد من الفنانين الأوربيين الكبار ، تحول إلى الو اسطي ومدرسة بغداد للرسم  في  القرن الثالث عشر الميلادي. ومن هنا خرجت " بغدادياته " بهذه النكهة الجديدة . وأنا أعتبر عملية جواد ثاني محاولة كبيرة بعد تجربة النحات المصري مختار الذي حاول أن يربط بين التراث الفرعوني والتراث الروداني الفرنسي المعاصر.

   أما بالنسبة للشعر فقد حدث الأمر بالصدفة ، ليس بنية مقصودة إطلاقا . ففي عام 1946 صدر ديواني " خفقة الطين " كما أرخ لذلك صديق العمر بدر شاكر السياب . ثم أصدرت نازك الملائكة " عاشقة الليل " . وفي أواسط نفس العام 1947 صدر ديوان السياب " أزهار ذابلة " وكانت هذه فاتحة الانطلاقة ، كما أرخ لها بدر ولست أنا .

 في دواويننا الأولى كانت هناك تأثيرات عديدة علينا من محمود حسن إسماعيل ، عمر أبو ريشة ، الياس أبو شبكة ، سعيد عقل . لكن التجربة في الخمسينات اختلفت ، حيث صدر ديواني " أغاني المدينة الميتة " . كان التحول خروجا نهائيا من التجربة السلفية ، ومحاولة لاكتشاف ألذات . هذا هو الواقع . ولكن مداخلنا إلى القصيدة الحديثة كانت ثلاثة مداخل رئيسية :

  المدخل الأول هو علاقتنا بالمفردة ، أي بالكلمة . فملنا إلى الكلمة المأنوسة المألوفة لتكون مدخلا لها ، لأن الكلمة المأنوسة هي التي تضع في ذاكرة القارئ آفاق التعامل معها . كان لنا أن نختار بين كلمتي مدية أو سكين . فالسكين لها إيحاؤها الخاص . أما المدية فهي كلمة قاموسية تدل على السكين ، ولكن لا توحي بأبعاد صورية في ذهن المتلقي . إذن دخلنا بالفعل من مدخل المفردة المأنوسة لإثارة التداعيات عند المتلقي . وهنا يحدث التعاطف بين الشاعر والمتلقي .

 التجربة الثانية : تحولنا من قصيدة البيت إلى  قصيدة القصيدة الأوربية التي لها أول ووسط وآخر .القصيدة التي تنمو نموا عضويا ، وليس بيتا فوق بيت ، ولا علاقة للبيت الأول بالبيت الثاني . هذه أيضا تجربة تأثرنا فيها بتجربة القصيدة الأوربية.

  الناحية الثالثة ، والتي كتب عنها الكثير ، هي موسيقى القصيدة . كانت القصيدة العربية بموسيقاها أشبه بإطار الصورة الكلاسيكية ، لا علاقة بين المضمون والإيقاع ، وصلنا إلى القصيدة التي يتفاعل فيها المحتوى بموسيقى القصيدة. لكل قصيدة ، إذن ، موسيقاها . لم يعد البحر هو المهم ، بل أصبحت إيقاعات البحر هي المستخدمة مثل " متفاعلن " و مستفعلن " ، وقد نغير ، وقد نمازج ما بين بحر وآخر للخروج بموسيقية ذاتية لكل قصيدة.

   هذه هي المداخل التي التقينا نحن الثلاثة عليها في البدء ، ثم التحق بنا عبد الوهاب ألبياتي ، ولكن من المهم جدا أنك عندما تقرا بدر تقول : هذا بدر ، ولا يمكن أن يكون نازك . وهذا بلند وليس بدر . فبدر كان يتميز علينا بذاكرة عينية مرهفة لتصيد الصور وتنمية الصور وتداعي الصور . أنا ملت إلى القصيدة ذات الطابع ألبرقي : أكبر كمية من المعاني ، بأقل كمية من الكلمات. أنا ملت إلى هذا التوجه ، أي القصيدة كانت عندي تنجز نفسها بأقصر ما يمكن ، ولا أترك إطلاقا لثرثرة التفاصيل أن تنال من القصيدة . فلو تلاحظ ديوان " أغاني المدينة الميتة " لرأيت هذه الظاهرة موجودة فيه. ثم آمنت إيمانا ، ربما أكثر من نازك وبدر ، بضرورة نمو القصيدة نموا عضويا ، كما تحدث في مقدمة الديوان – يوم ذاك – جبرا إبراهيم جبرا، مؤكدا على هذه الأهمية التي لم يلتق بها شاعر معي في هذا التوجه.

 

            + الأجيال الشعرية

 

 س : أستاذ بلند .. فيما يتعلق بالأجيال الشعرية التي تلت جيلكم ، ابتداء بجيل سعدي يوسف ، فإنها عرفت شيئا من التلاحم والتفاعل مع تجربتكم. فهل لك أن تحدثنا عن ذلك ؟

ج : بلا شك أنا اعتبر سعدي ظاهرة مهمة جدا في تجربتنا . ولي شرف واعتزاز أن احد دواوينه الأولى مهدى إلي ، وهو ديوان " النجم والرماد " . وأعتقد أن سعدي تواصل مع تجربتنا ولم يفترق عنا . وعندما تحولنا إلى همومنا الاجتماعية نما هذا التعاضد بشكل أوضح .

   وأيضا مما قرب سعدي من نفسي انه يحمل ذات الرؤية في " الاختزال " يوم ذاك ، قبل أن "يقع " في مطولاته المعروفة ، وقبل أن يخرج عن تجربته إلى تجارب أبعد. والجانب الذي تواصل معنا فيه تطوير الرمز. نحن ( بدر وأنا – والى حد ما- نازك ) لجأنا إلى الأسطورة الأوربية ، فتجد " أوديب " و " سيزيف " .. إلى آخر تلك الأسماء التي ترد في قصائدنا . أما الجيل الذي جاء بعدنا ، والذي يمثله سعدي يوسف ، فقد مال أكثر فأكثر إلى استخدام الرموز التراثية . فظهرت "مكة " وظهرت شخصية العامل البسيط " فلان بن فلان " ، وأيضا بتأثيرات من ناظم حكمت يوم ذاك . وقد كان ناظم حكمت أيضا أحد المداخل لهذه التربة ، خاصة عند لقائنا معه في بعده المبدئي والإنساني الذي كان يمثله .

   من هنا ، أعتقد ان الموسيقى لم تتغير لدى سعدي يوسف وفوزي كريم من بعد .. وآخرين، ولكن صارت هناك عودة أكثر إلى التراث ، وانعطاف نحو الشخصية التراثية . ويبقى في الأخير أن كلا هذين الجيلين كانا يكتبان شعرهما من شاعر مثقف إلى متلق مثقف ، ومن هنا انحسرت جماهيريتنا . لم تعد لنا الجماهيرية الكبيرة التي للجواهري  أو  للرصافي ، حيث كل المستويات تستطيع أن تجد نفسها في قصائدهما . هنا في تجربتنا نجد أنها تجربة مثقفين ، وأصبح للرمز بعده الذهني المهم في قصيدة الريادة . ثم جاءت التجربة التي التحقت بنا ، تجربة صلاح عبد الصبور ، و خليل حاوي ، ثم أدونيس الذي لعب دورا في خلق منعطف آخر للقصيدة . ولا يزال موضوع الريادة – برأيي – متواصلا بكل هذه الأجيال .      

    إذا أردنا أن نعطي للريادة مفهوما معنويا وليس زمنيا ، نحن التقينا .. والجانب المهم في التقائنا أننا ولدنا جميعا في سنة 1926. وأننا بعد عشرين سنة ، بصدور ديواني الأول وديوان بدر بدأنا الانعطاف . بهذا أنا أقول أنه ليس لأي منا فضل على الآخر ، فعصفور واحد لا يأتي بالربيع ، ولا تأتي زهرة واحدة بالبستان. هناك مجموعة . وقد سبقنا إلى الحداثة آخرون : لويس عوض ، وفؤاد الخشن ، ولكن ظهورهم كان ظهورا غريبا ، ولم يكن متكاملا . الجميل في حركتنا أننا التقينا في زمن واحد ، وخلال سنتين ، وهذا ما أعطى لتجربتنا أهمية خاصة .

 

        

              + التمرد الفني والاجتماعي

 

      س : تميزت علاقاتكم الاجتماعية بالغنى ، وأحيانا بالطرافة ، حين يسترجع المرء أسماء شعراء مثل حسين مردان ، من خلال نقل التمرد من جانبه الشعري و الإبداعي إلى جانبه الاجتماعي. هل يمكن أن تحدثنا عن ذلك ؟

ج : في تلك الفترة ، بلا شك ، كانت التيارات المذهبية تبعد الواحد عن الآخر ، فكنا نجد ثلاثة أنواع لطبيعة الثورة آنذاك. هناك ثورة ذات طابع أخلاقي ضد التزمت الخلقي في المجتمع العراقي . ووجدنا هذه الثورة واضحة جدا في شعر حسين مردان  وصفاء الحيدري ، وحتى في رسوم جواد سليم ، حيث رسم  " عاهرات في الصيف " و " عاهرات في الانتظار " . كانت هناك ثورة ضد الخلقية المتزمتة . حتى في ديواني " خفقة الطين " كان هذا التوجه واضحا ، ثم تطورت الفكرة . بينما كانت الثورة في شعر بدر تأخذ موقعها السياسي، تأخذ بعدا سياسيا انتماء إلى واقعه الاجتماعي كونه من عائلة فقيرة. أما أنا فملت ن يوم ذاك ، إلى القراءة الفلسفية ، وكانت الفلسفة الوجودية هي الأكثر قربا إلى نفسي . في هذه الفترة ، وتحت ظروف سياسية قاسية مرت ببدر شاكر السياب ، اضطر فيها إلى أن يعطي " براءته " ويدخل في معركة مع اليسار ، وكانت معركة متشنجة ، والحزب الشيوعي العراقي لم يرحمه آنذاك  ، وهاجمه بقوة . يوم ذاك حدث تقارب بيني وبين بدر ، فأصبح أقرب إلى تجربتي الوجودية واستيحاءاتها، بجانب مشاعر قومية ليست على شيء من الوضوح ، كما نلتقي في آراء مختلفة  تجمع ما بيننا من ثورية نيتشه إلى ثورية لينين . هذه المسافة كانت تتعاظم وتتداخل  . فنحن شعراء من ناحية ، والتزامنا السياسي ليس بالضرورة يقع على الآخرين . في هذه الظروف كان سعدي يفترق عني ، وأنا ألتقي به . ثم جاءت أحداث 1958 وأيضا أدت إلى افتراقات أخرى . فأنا في جانب يساري ، وبدر في جانب يميني ، ولكن مع ذلك ظل كل منا يحترم تجربة الآخر ، وظل بدر من أقرب الأصدقاء إلى يوم وفاته ن وقد انتصرت دائما ودائما له ، وانتصر دائما ودائما في الحديث عني ، وكنت أعتبره قد ظلم .

 

 

           + لغز العام 1926

 

كنا نلتقي في المقاهي ، ومن الطرائف ما ذكرته عدة مرات عن الموقف المتشنج ما بين عبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب . فالبياتي كان اعتدائيا. وأذكر من طرائف هذا اللقاء أننا كنا ذات يوم نسهر في نادي المحامين ببغداد ، وكنا جمهرة ، أنا وبدر وحسين مردان ومحي الدين إسماعيل والفنان خالد الرحال وآخرون، وفجأة سألني بدر : " في أية سنة ولدت يا بلند ؟ " فأجبته : " في سنة 1926 " ، قال : " وأنا أيضا ولدت سنة 1926 "، خالد الرحال قال : " أنا أيضا من مواليد ذات السنة " . حسين مردان كان من مواليد 1925 ، وان كان يدعي – رحمه الله – أنه من مواليد 1927 .. . كنا جميعا – تقريبا-  مولودين في ذات السنة 1926 ، مما دعا السياب الى القول : " ولدت العبقرية في العراق عام 1926 " فقلت لبدر ممازحا : " أعتقد ان عبد الوهاب البياتي أيضا ولد في سنة 1926 " ، فصرخ بدر محتجا : " لا يمكن ذلك أطلاقا ! لابد أن يكون مولودا في عام 1925 أو في عام 1927 ! " فأجبته ضاحكا : " يا بدر .. ليس من المعقول أن تغير تاريخ العالم ! " فأجابني بإصرار : اذا كنت تلح على أن اليياتي مولود في عام 1926 فسوف أقول عنك بأن بلند ذاته ليس مولودا في سنتنا "

  أما بالنسبة إلى الشاعر حسين مردان ، فقد جاءني وهو يحمل رسالة من أخي صفاء الحيدري في بعقوبة ، يوصيني خيرا به . وكنت يوم ذاك في بيت العائلة . فجاء حسين مردان يحمل هذه الرسالة ، بنصف حذاء ممزق ، وفي حالة يرثى لها ، ولم يعرف كيف يتصرف في غرفة الضيوف الكبيرة المملوءة بالصور والموسيقى . ووعدته خيرا بأنني سأحاول أن أجد له عملا في وزارة الزراعة التي كان عمي يعمل مديرا عاما فيها . كانت آخر كلمة قالها وهو يودعني : " لا يمكن لك أن تبقى في هذا البيت .. لا يمكن .. هذا البيت لا يوحي بالشعر !  تسكع معي !  " وبالفعل أغراني على أن أترك بيت العائلة ، وأتسكع معه ، وأنام في الشوارع ، في شارع أبي نؤاس وسواه .. ( ضاحكا )  ... هناك الكثير من الذكريات والأحداث عن تلك الفترة .

 

      + عالم حسين مردان و " شرف الشعر "

 

س : هل نطمح إلى المزيد من هذه الأحداث  ؟

ج : ذات مرة  كنا في فندق رخيص جدا ، وقد دخلنا بعد ليلتين من المبيت في الشارع ، وكنت ما أزال محتفظا بملابسي الأنيقة بعد أن خرجت من بيت العائلة . قال حسين : " يجب أن ننام مهما كانت النتيجة ."  ونمنا . حين فتحت عيني  صباحا لم أجد حسين في الغرفة ، ثم لم أجد ملابسي معلقة على المسامير كما تركتها ليلا . انتظرت في الغرفة ن وبعد نصف ساعة عاد حسين مردان ، فسألته : " أين كنت ؟ و أين ملابسي ؟ " فأجاب : " لم تعد لك حاجة بها .. فقد بعتها في سوق الهرج  " وقد اشترى لي بنطلونا قصيرا . قلت له : " ليس من المعقول أن أخرج بهذه الملابس ." فأرسلته إلى أحد معارفي ، وكان يعمل في مديرية الشرطة العامة ، القريبة من الفندق ، فجاءني هذه المرة ببنطلون ذي خطين جانبيين من ملابس الشرطة الرسمية .

         ومن طرائف حسين مردان أيضا ، صادف ذات يوم أن كنت في دار خالي ، بعد أن تركت بيت أبي ، اثر مشاجرة . وكان خالي داود آنذاك وزيرا للعدل . وفي ساعة متأخرة من الليل يرن جرس الهاتف . ضابط الشرطة يسألني عن " بلند باشا " ، فقلت له : " لست باشا " ، فاستبدل اللقب بقوله : " بلند بك " وقال أن لديه في المركز شخصا يدعي معرفتي ، واسمه حسين مردان . فتحدثت مع حسين عبر لتلون ، فقال مستنجدا : "   تعال يا بلند  أنقذني ! " .. وعندما ذهبت إلى مركز الشرطة وجدت حسين يقف إلى جانب رجل ضخم ، وكان الرجل بملابسه الداخلية ! فسألت لضابط : " ما الأمر ؟ " قال : " لندع الرجل يتكلم " .. فقال الجل شبه العاري  : " كنت وزوجتي وابني في الغرفة . والستارة كانت مفتوحة .. ووجدت هذا " اللص " يتطلع إلينا من بعيد عبر مسافة الحديقة الفاصلة بين الشارع ونافذة الغرفة ، فركضت إليه وأمسكت به بمعاونة الشرطة . " لما استفسرت الأمر من حسين قال : " جئت إلى المقهى ولم أجد أحدا منكم . همت على وجهي في الشوارع مخمورا ، فوقع بصري على هذه النافذة التي تكشف عن مشهد جميل لرجل يغازل امرأته ، فاستهواني المنظر .. ولم أشعر إلا بإلقاء القبض علي .. واقتيادي إلى هنا " . فوضحت الموقف للرجل قائلا : " هذا حسين مردان .. وهو شاعر وصحفي في جريدة الأهالي . وهو ليس لصا ....لكن استهوته  هذه الحياة الأسرية الجميلة المحروم منها أصلا ، فتطلع إلى غرفتكم . وهذا كل ما في الأمر ." ، فما أن سمع الرجل كلامي حتى صرخ متعجبا : " أهذا هو السبب إذن ؟ " وهجم على حسين مردان وقبله معتذرا ، وصر على استضافتنا في اليوم التالي على العشاء. طبعا أنا لم أذهب ، ولكن حسين لبى دعوة العشاء ، وأصبحا صديقين .

          س : من المعروف أن الشاعر حسين مردان حوكم بسبب ديوانه الشعري . فكيف تم ذلك ؟

          ج : هناك عدة قضايا ومحاكمات كان يزج بحسين مردان فيها ، وكنت أسهم في مساعدته . من جملتها عندما صدر ديوانه الذي يتغزل فيه بأمه ! وسيق إلى المحكمة ، فادعى أمام الحاكم بأن أمه هي الأرض .. والأمر لا يخرج عن استخدام الرمز في القصيدة . وكان الحاكم من معارفنا ، فنهره قائلا : " أخرج ! ولكن حافظ على شرف الشعر ."

          كان حسين مردان شاعرا ، ولكنه للأسف لم ينم طاقته الشعرية ، ولكن كانت شخصيته مؤثرة ، وكان بعض أصدقائه لا يتحملونه ، ويعتبرونه شخصية بذيئة وتافهة . نجيب المانع لم يكن يهضم حسين مردان . السياب هو الآخر لم يكن يطيقه ، وكان حين يحضر صحبة الفنان خالد الرحال يترك السياب المقهى لأنه لا يطيق صحبتهما .

 

      + بين الإعدام والسفر إلى بيروت

 

          س : كل هذه الذكريات محصورة في إطار بغداد ، ولكني أعرف أن ثمة ذكريات مشابهة تحتفظون بها عن علاقاتكم في بيروت وغيرها من العواصم والمدن كلندن وسواها ..

           ج : في عام 1963 حين استولى البعثيون الفاشست على الحكم اعتقلت وحكمت بالإعدام ، وكان يمكن أن ينفذ الحكم . فقد استقلت من وظيفتي في مديرية المعارف قبل الانقلاب ، وقيل لي أن عبد الكريم قاسم كتب على طلب استقالتي " تقبل بكل ممنونية .. !" ولكن هذا لم يشفع لي لدى عبد السلام عارف الذي طلب إعدامنا أنا وخمسة آخرين ، بعيدا عن مقره في التلفزيون ، لأنه " ما عنده وقت " كما يقول .إلا أن تدخلات من عدد من المسؤولين آنذاك ، مثل جليل العطية وفؤاد عارف ، وأخيرا علي صالح السعدي الذي كان نائب رئيس وزراء ووزيرا للإعلام ، أنقذت حياتي . ومن المفارقات أن هذا الأخير عرض علي منصب مدير الإذاعة والتلفزيون ! فاعتذرت قائلا بأن إحدى الصحف كتبت قبل يومين تحت باب " هل تعلم ؟ "

          ما يلي : " هل تعلم أن بلند الحيدري ما زال حيا ؟ " فكيف تريدني أن أقبل هذا المنصب ؟ ، إلا أنني طلبت مساعدته في الحصول على جواز سفر ، فاعتذر باديء الأمر ، لأن الموضوع مرتبط بمديرية الأمن العامة .. ولكني قدمت طلبا وانتظرت . وذات ليلة جاءني عدد من الأصدقاء ، وهم عبد الملك نوري ، وكاظم جواد  - رحمه الله – وحسين مردان وآخرون .. يحملون إلي خبرا مفاده أن هذا المسؤول كتب على طلبي : " بعلمي أن بلند الحيدري شاعر تقدمي ، ولا علاقة له بالحزب الشيوعي . وبالنسبة لي لامانع لدي إن لم يكن لديكم مانع من منحه جواز سفر " . ومنحت في اليوم التالي جواز سفر ن وسافرت إلى بيروت .

         س : وكيف سارت الأمور في بيروت ؟

         ج :  حاول كل الأصدقاء أن يجدوا لي عملا ، ومنهم بالدرجة الأولى فؤاد الخشن ، وعلي سعد ، وأدونيس ، ومنير بعلبكي . كان هم الأصدقاء إيجاد عمل لي ، فبدأت كمصحح في دار الحياة ، ومن ثم تحولت إلى رئيس تحرير مجلة " العلوم " ، ثم مدرسا في ثانوية الرمانة ، ثم صرت مديرا لهذه الثانوية . مرت حياتي بشكل جيد ، إلى أن ظروفا تعيسة أخرى أدت بي إلى أن أترك لبنان مرارا، فغادرت إلى أثينا .

         وهكذا ، وفي سنة من السنوات ، وأنا في أثينا ، جاء شفيق الكمالي ، وطلب بإلحاح أن أعمل معه في مجلة " آفاق عربية " ، فطرحت عليه شروطي للعمل ، وهي : أن لا تكون المجلة سياسية ، ولا تمثل حزبا محددا. وقد عدت إلى بغداد ، ولم يطل بقائي فيها أكثر من سنتين ، حتى تأزمت ظروفي فيها مرة أخرى ، وذهبت الى لندن .

       من خلال كل هذه التجربة ، يمكنني أن أصنف الأدباء إلى ثلاثة نماذج :

      الأول هو نموذج المطبلين للأنظمة ، والمداحين .

      والنموذج الثاني هو نموذج القردة الثلاث : " لم أر . لم أسمع . ولم أقل شيئا . "

      والنموذج الثالث هو من وجد له بابا صغيرا ، فهرب منه إلى الخارج .

 

 

         + ميثاق المثقفين العرب

 

           س : وما هو مدى الحرية المتوفرة في الخارج ؟

           ج : الحرية المطلقة ليست موجودة ، فالحرية نسبية .  لكن تخلخل الأوضاع والعلاقات ما بين الدول العربية أدى إلى أن نجد مسرحا صغيرا في هذه الصحيفة أو تلك . وجانب التناقض هذا ما بين الدول العربية يعطيك مساحة معينة وصغيرة أيضا تخرجك من تناقض إلى تناقض . ولكن مع ذلك ، هذه المسافة البعيدة عن الوطن قد تساعد كلا منا في أن يعبر بشكل صادق وصحيح عن واقعه .

            س : وهل يكون هذا الواقع الجديد بعيدا عن الاختراق ؟

           ج : ليس تماما ، ولكن تبقى الأمور نسبية كما قلت .وقد أثرت مؤخرا موضوعا مهما جدا ، وهو ميثاق المثقفين العرب في القاهرة ، فتبني . كان هناك لقاء واجتماع في القاهرة ، وضعت فيه مسودة ميثاق المثقفين العرب . المسودة جيدة ، وفيها آفاق رؤية . ولكني أكدت على الجانب العلمي . أنا أريد مظاهرة تخرج بقيادة نجيب محفوظ عندما يهان ، أو يقع تعسف أو قهر على أي مفكر عربي ، وفي أي قطر . أن تخرج مظاهرة تهز الواقع هزا . في هذه الحالة ، يستطيع المثقف العربي أن يهز الأنظمة ، ون تبلع هذه  الأنظمة ريقها مرارا ، قبل أن تقوم بأي عمل تعسفي ضد المفكر . والآن هناك نية أيضا في إعادة النظر في هذا الميثاق . وقد وضعت أنا شروطا منها :

 - إدانة هؤلاء الذين يطبلون للأنظمة الجائرة ، لأنهم يفسدون الرأي .

 - الضغط على الصحف والمجلات والجرائد المحترمة لكي لا تنشر لهم . ومقاطعتهم في المؤتمرات .

 - حرية انتقال الكاتب من بلد إلى آخر .

    واستمرارا لهذا الميثاق ، نحن بصدد وضع ميثاق للمثقفين لعراقيين . وأنا أعتقد أن مثل هذه الخطوات مهمة جدا . فكما كان برتراند راسل ، وجان بول سارتر يهزان العالم ، يجب علينا أن نضع ميثاقا يشكل ضمير المثقف العربي .

      س : وكيف كان التجاوب مع هذا الميثاق في القاهرة ؟

      ج : في القاهرة كان كل الكتاب العرب من مصر والدول العربية متحمسين لهذا الميثاق ، وكان هناك تأكيد على هذا الموقف ، ونحن نريد خطة عملية للاستمرار ، وليس لاتخاذ القرارات فقط .

 

           + الغربة أمام الفن التشكيلي

 

     س : باعتبارك ناقدا تشكيليا ، هل تتصور أن النقد التشكيلي في الوطن العربي استطاع أن يقرب اللوحة للمشاهد ؟ أم ما زال المواطن يشعر بغربة أمام اللوحة ؟

      ج : الشعوب التي تركض طوال نهارها ، بحثا عن لقمة الخبز ، لا تستطيع أن  تتواصل مع الحركات التشكيلية الجديدة .. ليس من السهل ذلك . الحركة التشكيلية ضرب من الترف . فمن يسعى طوال يومه وراء رزقه لا يستطيع أن  يجد مجالا للبحث عن مقومات هذا الفن . ثم أننا – مع الأسف – لم نغذ الذائقة الفنية لدى شعوبنا ، فلو تحولت شوارعنا و أزقتنا كما هي شوارع وأزقة مدينة أصيلة ، لتربت الذائقة الفنية التي من الممكن أن تتواصل مع الشعب .

   ثم أن هناك التغرب في اللوحة الفنية الحديثة . اللوحة السابقة ، والى فترة فائق حسن ، كانت تمثل العراق وتعبر عنه . وهذا ينطبق على الكثير من فناني الدول العربية . هذه اللوحة الآن حلت محلها اللوحة التجريدية التكعيبية التعبيرية .. الخ. وهي تستوجب بالضرورة ثقافة فنية . هذه الثقافة غير موجودة .

  هناك مرحلة الآن ، وقد لعب فيها دورا مهما جدا ضياء العزاوي ، من خلال الإفادة من التعبير الشعري والقصائد الشعرية . فأوجد نزعتي تعبير في اللوحة . النزعة التي تقرب منها لقراءة النص ، وتتأثر بمناخها الأدبي ، كما ظهر مع قصائد الجواهري ، مع بلند الحيدري ، مع سعدي يوسف ، مع أدونيس . وهذه محاولة هي أنه يجب أن يدخل المتفرج من خلال بعدين : البعد التعبيري النصي ، والبعد التشكيلي . وضياء كان من أنجح الفنانين الذين استخدموا الأبعاد الايجابية بمفهوم الكلمة والجملة الشعرية والقصيدة . طبعا هناك فنانون إلى جانب ضياء تعاملوا مع الحرف كالقريشي ، وهو فنان مهم ، والمليحي أيضا استخدم الحرف ، وشاكر حسن أيضا .. لكن أنا أعتقد أن الدرامية الموجودة باستخدامات ضياء العزاوي كانت جانبا مهما ومتفردا في هذا المجال .

      س : شكرا للشاعر بلند الحيدري ، ونرجو أن نلتقي مجددا في مناسبات قادمة .

      ج : شكرا لكم .

 

المرحوم بلند الحيدري

من الكورد الفيليين

ولد في مدينة بغداد عام 1926.

تلقى تعليمه في بغداد ثم عمل سكرتيراً لمجلة العلوم اللبنانية وسبق أن عمل في الصحافة.

عضو جمعية الشعر.

نتاجاته

1-خفقة الطين- شعر- بغداد 1946.

2-أغاني المدينة الميتة- شعر- بغداد 1951.

3-جئتم مع الفجر- شعر- بغداد 1961.

4-خطوات في الغربة- شعر- بيروت 1965.

5-رحلة الحروف الصفر- شعر- بيروت 1968.

6-أغاني الحارس المتعب- شعر- بيروت 1971.

7-حوار عبر الأبعاد الثلاثة- شعر- بيروت 1972.

8-زمن لكل الأزمنة- مقالات- بيروت 1981