ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:20

Detroit Michigan U.S

 

 

(صباحُ السَبت. سيمفونية في ثلاث حركات)

 

 

27 آذار 2007 مدريد

 

الحركة الأولى:   Allegro ma non troppo    (سريعٌ متمهل)

    

بعد أن أطبقتُ باب العمارة الحديدي في شارع سيرا ليونا داهمني شعاع الضوء الساطع لنهار مشرق فوضعت على عينيّ نظاراتي الغامقة. كانت رائحة راكيل لا تزال تلفّني وتنبعث من جلدي. بعض المارة القليلين كانو متوجهين إلى العمل بخطوات سريعة. صباح أيام السبت شبيهٌ قليلاً ببدء الخليقة. لمحتُ باراً من بعيد وتوجهت نحوه.

جرياً على عادتي في الإستمتاع بضوء النهار ومعالم الأبنية والكائنات، جلتُ بنظري في واجهات المصارف المغلقة وهي تعلن إفلاس العالم عن المجيء بمنظر يليق بالبشرية، أكثر بهاءً من مشهد حاويات النفايات البرتقالية اللون وهي تلفظ من رئاتها البلاستيكية أنفاسها القذرة، ومشهد الهواتف العمومية التي كسرها الصبيان ليلة أمس ومقابضها تتدلى مشنوقة من اسلاكها، بقايا تشهد على مهرجان السُكر والصخب والعبث المنتظم، ليلة الأحد.

- أرجوك، قالت راكيل بقرار وتوسل، تُخالط صوتها الثمل رائحة التبغ والجعة، أرجوك عاملني كإنسانة وليس كبهيمة أو سلعة فقد مللت الزنوج  (؟). (هكذا ورد في أصل كلامها).

قالت هذا وهي تتعرى شيئاً فشيئاً، ولكن باستعجال لا يخفى.

لم أفهم ماقصدت في قولها بالملل من الزنوج. ولكنني افترضت أنها قضت الليل كله في مرقص مترع بالأفارقة الذي ترادفوا على (مغازلتها) طمعاً في جنسٍ سريع كالهامبرغر بينما كانت تكرع أقداح البيرة الرخيصة. افترضت أيضاً أنها رفضت كل العروض التي تقدموا بها لأن رسالة الهاتف القصيرة التي بعثت بها إليّ في ساعة متأخرة من الفجر (حوالي السادسة واثنتي عشرة دقيقة)، كانت تفيض بجوع شبقي لايرحم.

عندما هممتُ بالسؤال عن سبب ورود كلمة (نيغروس- زنوج) في كلامها، كانت شفتا راكيل تتحسسان رقبتي، إشارة إلى قرب بدء العمليات العسكرية. أجلت سؤالي إلى (مرحلة ما بعد الحرب!) وتركت يدي اليمنى تتجسس في (اراضي العدو!) و (قواطع عملياته!) بحثاً عن (جيوب المقاومة!). كانت قد تعرت تقريباً وتركت - من باب المجاملة والتذكير بأنها صاحية- شيئاً يسيراً من الثياب يجل عن الذكر، وهو ما أكد لي أنها سكرانة تفتعل العفوية.

في جحيم المعركة، وبينما كانت تعلو وتهبط، وهي تمسك ثدييها الكبيرين في محاولة للتشبث بآخر معقلين تبقيا في مملكتها، حاولتُ مُخلِصاً، وأنا أراقب عينيها شبه المغمضتين وفمها الصغير المتأوّه، أن أفهم سرّ الليلة التي قضتها في المرقص وحيدة بين أمواج الزنوج المتلاطمة... وتخيلت أصناف التزلّف والتغزّل الذي نال من لحمها وتركها فريسة شعور بالحيوَنة ويُتم إنساني لامثيل له. كان الأحرى أن أكون مندمجاً في الفيلم السينمائي الذي تدور أحداثه فوقي مباشرةً لكن عقلي الشبيه بمخفر حدودي كان صاحياً يفكر في هذه المخلوقة التعسة أتخيلها تلهث مدحورة أمام جيش من الزنوج الممسكين بقضبانهم المشرعة يلاحقون انوثتها الغائرة في جسدٍ بض. كانت تقول أشياء عديدة، لكن كلامها كان شبيهاً بنص أُدخل غسالة الملابس، ما أن تفتح طياته المبتلة حتى يتقطع ويتشرذم وتمحي كلماته.

سألتني متمتة: هل أُعجبكَ كإمرأة حقاً؟

خطر ببالي أن أداعبها قائلاً: بديهي أن لا تعجبيني كرجل!

غير أني لم أنطق بأية كلمة.

كرّرتْ السؤال نفسه مرة أخرى.. فسألتها: أين سهرت الليل؟

- في مرقص بشارع أويرتاس.

- وهل شربتِ كثيراً ؟

- كثيييراً . قالت وهي تمد حرف الياء ولا تزال تعصر ثدييها كما لو أنها تستكشف بستاناً بكراً لأول مرة.

اشعر أنني فتاة تافهة. قل إنني تافهة واستخدمني كجسد رخيص مباح.

كنت أراقب وجهها بصرامة ولذة خفيتين.

- لستِ تافهة، انت فتاة ذكية وجميلة.

كان ينبغي أن أقدم جميلة على ذكية في مثل هذه الساعة.

- مُخادع، هذا ماتقوله لكل النساء.. أليس كذلك؟ كلكم تكذبون..

كنت حريصاً أن لا أبتسم في تلك اللحظة، زممتُ شفتي محاولاً تغيير مجرى الحديث. لكنها كانت تبحث عن جواب آخر غير الذي تتلقاه بين فخذيها.

بعد دقائق، وفي وضع معاكس للأول، كان الحيوان النائم في داخلها قد استيقظ وداس على كل محاولات البحث عن الذات بحافريه: أنا تافهة حقاً.. هل ترى ذلك؟ كُن سادياً معي أرجوك، ابصق علي.. انا حيوانة فحسب.. تمتع واتركني كبهيمة لاجدوى منها.. أنا تافهة، ضاجعني بقسوة.

.....

تركتُ راكيل نائمة في سريرها، ارتديتُ ملابسي ثم انتعلتُ حذائي وألقيتُ نظرة سريعة على كومة من الدبب والنمور وحمير الوحش المصنوعة من الفرو وهي تحتل ركنها الثابت في غرفة الصبية قبل أن أتوجه نحو الممر الضيق المؤدي إلى باب الشقة.

 

الحركة الثانية:      Adagio   (بطيء)

 

قطعتُ الشارع بسرعة.

دخلت البار الصغير. طلبتُ شاياً وشيئاً من المعجنات للفطور. كان باراً تقليدياً لا شي مميز أو طريف فيه سوى تمثال تذكاري صغير فوق جهاز التلفزيون لخنزير مصنوع من عجينة شبيهة بالخزف الصيني، يرتدي قميص (ريال مدريد) وقد ركب خنزيراً أخر يرتدي قميص (برشلونة). فكرة الرابح والخاسر، الصياد والفريسة والأزمنة والعصور هي هي في مكانها. من يستطيع التخيل أو الجزم - بعد رؤية تمثال يحمل كل هذه الشحنة من الشماتة- بأن الجنس البشري سلالة متحضرة؟  

دخل البار بعدي بدقائق بينما كنت أفكر في الخنزيرين، رجل أنيق في أواخر عقده الخامس. معتدل القامة، حسنُ الصورة والملبس.

- صباح الخير باكو. قال الرجل الأشيب.

 فهمتُ من تحية الرجل الداخل بعدي، أن صاحب بار الحي يُسمى باكو، وحين طلبَ كأساً عامراً من الكونياك في تلك الساعة من الصباح، غدا بديهياً بأن صاحبنا الخمسيني، سكيرٌ عتيد.

هز كتفيه كمقدمة لما سيقول وهو يمسك كأسه المشعة بلون التربة الحمراء:

- بكم تبيعني المحراث، بخمسين يورو؟ ها أنني زدتك على المرة السابقة عشرة يوروات.

بدأ المزايدة وكأنه يستأنف قصة قديمة من حيث توقف.

كان لا يبعد بصره عن محراث صغير جداً من الخشب عُلق في ركن علوي داخل البار.

- إنه جميل أيها القواد.. أدفع لك ما تشاء وتبيعني المحراث.

- مازلتَ بعيداً جداً عن سعره الحقيقي.. ناهيك إنني لن أبيعه.

قال باكو وهو يضحك مفتخراً.

خمسون يورو.. هو ما يستحق، لن أزيدك سنتاً واحداً.

استمرا لبرهة يتناوبان الشتائم والأسعار والإشارات ويهزان كتفيهما بلا توقف.

كان المحراث قطعة سخيفة من الخشب المطلي بلون يعتّقه وخيط من أصناف الحبال الدقيقة يتدلى من نهايته، كان شاحباً وقد امتص دخان التبغ وبخار الزيت المحترق ورائحة فخذ الخنزير المثبت تحته فوق الطاولة على آلةٍ تسنده من الخشب. كان ثابتا في ركنه والحديث الساخن يدور حوله.

بادرتُ - ولعلي أخطأت حين تدخلت على غير عادتي- أساندُ رأي صاحب البار في أن محراثه أصيلٌ وفريد عصره، في محاولة مني لإضافة المزيد من المتعة على المشهد.

نظر إلي الرجل الخمسيني ورمق قدح الشاي في يدي وهو يستكشف هويتي وملامحي الغريبة عن الحي.

- ومن أية شياطين أتيت أنت؟

- أنا مدريدي. أخبرته مراوغاً.

- مدريدي أنت؟  لتضاجعني الأفيال إن لم تكن  مغربياً!

- أفيال مرةً واحدة! قال باكو ضاحكاً، بينما مدت زوجته رأسها من نافذة صغيرة في جدار المطبخ دون تعبير واضح في وجهها وقد أثار فضولها (حجم) الرهان!

ضحكتُ وضحك الجميع من تعبيره الفنطازي (لتضاجعني الأفيال). ذكرني بمسبةٍ قديمة كنت أسمعها من بعض رفاقي التركمان عندما كانوا يتشاجرون فيستشيط أحدهم غضباً: (نناوي فييلار قاوالاسن) بمعنى طاردَتْ أمَك الأفيال. و(طاردت) فعل ماضٍ يقصد منه الدعاء ويا له من دعاء! كنت يومها حَدثاً، أتخيل جيشاً جراراً من الأفيال تطارد إمرأة مسكينة متلفلفة بعبائتها وقد اطلقت ساقيها للريح تركض وتصرخ مستغيثة وما من مغيثٍ شهمٍ يمد لها يد الخلاص. وكنت أتساءل في سري: لماذا أفيال بالتحديد؟ هل لأن لها خراطيم طويلة؟ وماعلاقة الخراطيم - والحالة هذه- بإمرأة مسكينة؟ وأين ستتوقف الأفيال عن مطاردة أم فلان أو علان؟ هو (تخاطر ثقافي) إذن بين شعبين، قلت في نفسي. في نهاية الأمر كلنا بشر، فما دهشة أن تتكرر الثيمة نفسها وتختلج الصور في مخيلة قوم هنا أو هناك. ثم تذكرتُ - وقد اختلطت في ذهني الصورتان- قدَر (الإضطهاد) الذي لحق براكيل في المرقص حيث كانت ليلة أمس، وكأنها أم أحد رفاقي المتشاجرين في المدرسة. زنوج وأفيال ونساء راكضات. لم يخطر بخلد الرجل الخمسيني كل ما دار ببالي من لقطات وامضة من شريط العمر السينمائي! أضفتُ جواباً آخر لسؤاله السابق:  

- أنا شرق أوسطي، مبتسماً، وكأنني أجهزتُ عليه بهذا. فقطّب حاجبيه ونزل بنظره إلى قميصي وساعتي وبنطال الجينز المشدود ثم حذائي،  ليرفع كأس الكونياك طاوياً رقبته المجعدة إلى أقصى الخلف حتى تخيلته لقلقاً بشرياً لم يذق طعماً للشراب منذ طوفان نوح ونزول حمامة السلام على أحد السطوح:

- بكم تبيع هذا المحبس؟

علمتُ أن المحبس الفضي الصغير في خنصر يدي اليسرى قد أعجبه، وأنساه المحراث. فقلت هذا هاوي تُحف لربما أو هو ثرثار مهذار يهوى المزايدة على حاجات الغير، فأشرت له بيدي اليمنى، وهي التي لايريد، وفي سبابتها محبس أخر من الفضة الخالصة أيضاً، قائلاً:

- هل تقصد هذا؟

 أجاب بشكل قاطع وكأنه وضع على وجهه قناعاً من الزنك الرخيص وهو يفهم أني أغالطه:

-لا يافتى، هذا لا أريده ولو مجاناً.  أريد الآخر. بكم تبيعه؟ مصمماً.

قلت لا أبيع شيئاً. أنا هنا لتناول فطوري ثم أمضي.

نظرَ بحنق إلى باكو وكأنه أمام تحدٍ جديد ثم أدار وجهه إلي:

- سأدفع لك ثلاثة أضعاف ثمنه الأصلي.

كان جميع من في البار يراقب المشهد. واحد يمسك بصحيفة (ماركا) الرياضية  وآخر يزيل بقايا طعام علق بأسنانه بعود صغير، وثالثٌ يحرك فنجان قهوته بتمهل، مستمعاً دون أن يرفع بصره.

- أتظن أن المال يشتري كل شيء؟ سألته وكأنني أقول تلك العبارة في قصة قصيرة أو مطلاً من شرفة البلدية أمام حشد غفير من الخلق يتلقونها بعاصفة من التصفيق..

لم يجبني بشيء بل استمر مصمماً :

- ثلاثة أضعاف ثمنه، هيا إنه ثمن جيد.

كان يصرّ على رأيه ولا يسانده في ذلك سوى سُكرِهِ المزمن الذي بات يشكّل خطاً موازيا لكل مجريات يومه.

- المحبس هدية من خطيبتي ولن أبيعه.

ابتكرت هذا الجواب لأطرد شبح البيع والشراء من عقل الرجل الخمسيني. ولكنني بقولي ذلك، أججتُ بداخله (طنطلاً) نائماً اسمه الفضول.

- أها..هكذا إذن. وجال بنظره من جبهتي حتى قدمي من جديد.

كنتَ مع فتاة في الحي إذاً... (مؤشراً بكلتا يديه بحركة معروفة تاركاً ثغرة أبدية في كلامه) ...  

- ابتسمت، أهز رأسي علامة التوكيد.

- ياقوّاد... قالها بتحسّر وغبطة، في صحتك (رافعاً كأس الكونياك). رفعتُ بدوري كأس الشاي.

ثم أضاف، وكأن مغارة من الكنوز انفتحت في وجهه:

- أنتم تتزوجون بعشر نساء، أليس كذلك؟

- لا يا رجل لا.  إمرأة واحدة (وأردت أن أقول راكيل..) ولا سبيل إلى إشباعها فكيف بعشرة. معلوماتك تحتاج إلى تحديث يا سيد.

لكنه أستمر يكمل فكرته بالطريقة التي كنت أتوقعها:

- انتم تستبدلون النساء بالإبل.. لكل واحد منكم جوقة من الجواري!

- اوهووو، قلت مستنكراً. أية إبل وأية أفيال ياعم. لازال الوقت مبكراً على هذه الحكايات وها إنني أتناول فطوري. سكتتُ قليلاً ثم استأنفتُ بعد هنيهة:

 - عندي صديقة (قلتُ ألطف الأجواء) أعرفها منذ وقت طويل، أزورها في بيتها ويعرفني أهلها، ولم يطلبوا مني أية ناقة حتى هذه اللحظة بل لم يلمّحوا لشيء أصلاً!

- أقصد في بلدك وليس هنا. أجابني كمحقق للشرطة.

سكتَ قليلاً ثم حدّق في المحبس ثانية لبعض الوقت وفي حركة سريعة رفع رأسه ونظر إلي:

- أربعة أضعاف ثمنه، هل بعتني المحبس؟؟

عاد إلى حكايته فعلمتُ أن الشراب قد اخذ من هذا الرجل مأخذاً مذ كان آخر ماموث حياً يرزق!

- حسنٌ..استبدل المحبس بإمرأة، قلتُ ممازحاً، لكن المزحة انقلبت ضدي وعقدت الأمور أكثر.

لم ترق له الفكرة، تنمّرَ ينظر إلي بغضب ثم إلى باكو الذي كان يجفف قدحاً كروياً رقيقاً بين يديه وهو يبتسم ويصقل صورته المنعكسة في بريق الكأس كما لو كان يطلّ من لوحة رسمها فيرمير.

-لا تتدخل أنت يا باكو. (ضحك هذا الأخير ولم ينبس ببنت شفة).

- تبحثون دائماً عن الشيء نفسه، ها إنك عدت إلى أصلك، فإن لم تقايضوا بالإبل فبالمحابس .. لن أيأس بهذه السهولة، أردف قائلاً. لابد إنك عائد إلى الحي للترويح عن فتاتك فتبيعني المحبس.

قلت بلغتي وبصوت نصف مسموع:

(لا تمت ياحمار، الربيع قادم)

- ما أنت قائل؟ سألني.

-لاشيء مهم. كم هو حسابي؟ سألتُ باكو. دفعتُ ثمن فطوري الغرائبي ومددتُ يدي أصافح السكير الأنيق. شدّ هو أيضاً على يدي كرجل جاد وبحميمية.

- انه محبس جميل، ويليق بيدك مادمت لا تبيعه. حافظ عليه.

تخيلته في تلك اللحظة كأبٍ حنون يودع إبنه المقبل على رحلة حول العالم.

ربت بيده اليسرى على كتفي وكأنه انتهى تواً من تقليدي أرفع وسام.

ألم يكن من المفروض أن تنتهي القصة هنا؟ بالطبع. لكنه - وكما توقعت- نادى علي من جديد قبل أن أفتح باب البار:

- أسمع، أربعة أضعاف ثمنه الأصلي، مبلغ ممتاز، مارأيك؟

سمعتُ قهقهة باكو المعدنية وهو يسخر من السكير..  

  لم أقل شيئاً ولم ألتفت أصلاً. خرجت من البار قاصداً فوهة مترو الأنفاق. مطرٌ وشيك كان يُسقط أولى حُبيباته كما لو أن السماء تتهيأ لتمرين نهائي يسبق فعالية ضخمة ستجعل من المدينة مسرحها. 

 

الحركة الثالثة:      Presto    (سريع جداً)

 

مرت بقربي سيارة مسرعة يتدفق منها كم هائل من الموسيقى (المكائنية)، فرمَلَتْ وتوقفتْ عند الإشارة الحمراء على مقربة خمسين متراً مني. يقودها فتى عشريني لم ينم الليلة كما يبدو، قلتُ هذا ممثل آخر، دوره في المسرحية: فيل هائج، يتسلح بموسيقى الـ(هاوس) وحبوبِ هلوسةٍ تنسف كل احتمال نعاس يراوده.

دخلتُ المترو. قابلتني جالسةً في العربة، فتاة في العشرينات أيضاً. تنورة خضراء  قصيرة جداً، تكشف عن ساقين جميلتين بجوربين سوداوين عليهما آثار تمزيق أظفر (أو لعله مخلب) ترك ثقباً متطاولاُ في النسيج الشفيف. كانت حمراء الشعر، ناعسة تعود من مرقص بعيد في جانب آخر بالمدينة. هي راكيل أخرى فحسب، ولكن تبدو مسترخية وقد نال منها (فيل أو زنجي) مأربه. نظَرَت إلي غير آبهة ثم أغمضت عينيها وتركت رأسها يسقط مستنداً إلى دعامة الحديد في العربة.

(المحطة القادمة، بويرتا ديل سول) قال جهاز الحاكي المثبت في سقف العربة.

دخل غجري روماني يمسك أكورديوناً عتيقاً وبدأ يغني بلكنة غريبة وبدون مقدمات:

(عندما يأتي الحب هكذا.. هكذا.. بهذه الطريقة، ما لأحدنا ذنب في ذلك. ما للحب مواعيد ولا تواريخ تُثبّت في تقاويم الأيام.. عندما يأتي الحب هكذا.. هكذا.. بهذه الطريقة )

فتحت الصبية شبه الغافية عينيها وأخذت تتمتم مع الغجري بكلمات الأغنية:

(.. هكذا.. هكذا.. بهذه الطريقة)

خرج الغجري الروماني من عربة القطار في المحطة التالية دون أن يساعده أحد بأية عملة معدنية وهرع باتجاه العربة الأخرى في الثواني التي يتوقف فيها قطار المترو في كل محطة. وما أن أطلقت القاطرة صفيرها الحاد وتحركت حتى تناهى إلينا صوت المغني ثانية من العربة المجاورة:

(عندما يصل الحب هكذا.. هكذا.. بهذه الطريقة، ما لأحدنا ذنب في ذلك..) ولكن هذه المرة كان صوته بعيداً كما لو أنه كان يغني من تحت عشرة ألحفة تغطى بها!

كانت الفتاة الجالسة قبالتي قد انتبهت إلى أنني أراقب ساقيها الجميلتين، فنظرت في عيني بثبات حتى غضضت طرفي لأرفعه بعد ثوانٍ فأجدها تراقبني بشراهة. تبادر إلى ذهني أن أسألها عن أي موضوع يصلح للحديث، فطرقتُ باب الدعابة:

- يبدو أنك تحبين القطط. سألتها مبتسماً.

كانت العربة شبه فارغة سوى من رجل صيني يقبع في النهاية الأخرى وبيديه كيسان أسودان ضخمان من النايلون يمسك بهما أمامه فلا يهربان!

- قطط؟ قالت لي وقد فتحت عينيها المزوقتين بظلال خضر وزرق غطت جفنيها إلى أقصاهما. كلا. أنا احب النمور. بمداعبة.

ثم أردفَت بعد أقل من ثانيتين:

- ما الذي دفعَكَ لأن تفكر في أنني أهوى القطط؟

نزلتُ بنظري إلى شقوق جواربها قائلاً:

- وأنى لمخلوق أن يقترب من مكان على هذا القدر من الأناقة والرقة سوى هرٍ مدلل!

أعجبها التعبير كما أفترضت، غير أنها أطبقت سيقانها بعفوية وابتسمت وهي تغمض عينيها.

صوت الأكورديون والغجري كان يخترق أكثر من نافذة زجاجية ليتغلغل في عربتنا:

(ما للحب مواعيد ولا تواريخ تُثَبّت في تقاويم الأيام.. عندما يأتي الحب هكذا.. هكذا... ).

- لا بد أن لديكِ بقية من الوقت لقدح أخير من البيرة.. ما رأيكِ؟ سألتُها.

- طيب. قالت متظاهرة بعدم الإكتراث. ولكنني متعبة قليلاً.

تذكرت في سري جملة السكير الأنيق وحوّرتها قليلاً:

( لتضاجعني الأفيال إن لم تكوني شبقية مزمنة). حسبتُ أنها قالت في ذاتها الجملةَ بعينها! ابتسمتُ.. فسألتني وهي تلفّ بسبابتها اليمنى خصلة من شعرها الأحمر :

- مالذي يجعلك تبتسم؟

- جملة يكررها صديق، أتذكرها بين الفينة والأخرى.

- وماهي؟

حاصرني قولي الصريح، زيادة على جمال ساقيها الفاتنتين، فلم يخطر ببالي أمر آخر لإنسائها جملة السكير سوى التالي:

- لدي صديق ينوي إخراج فلم سينمي قصير، ويريد إسناد دور البطولة إلي.

- صحيح؟؟ قالت بدهشة مصطنعة.

- نعم، لكنني اشترطت عليه أن يُشرك معي في الفلم فتاة شابة ذات شعر أحمر..

وأكملت هي مقاطعةً كلامي بدلال:

- وتنورة خضراء قصيرة تكشف عن جوربين مشقوقين.. و ..

(المحطة القادمة: بلاثا أسبانيا) قال جهاز الحاكي في عربة القطار.

- هيا، قلت لها.

خرجنا من العربة باتجاه فوهة الشارع.

- هل تعرفين باراً جيداً في هذا الحي؟

- لا يهم.. أياً كان.

دخلنا مقهى صغيراً شبه خالٍ في شارع فومنتو. في الطريق إلى البار، كانت متناثرة في الأرض بقايا ليلة أمس، قصاصات من الورق البراق عليها صور فتيات شبه عاريات يوزعها أصحاب محلات العروض والمراقص مساء الجمعة. اسندتُ جسدي إلى خشب البار، فتحتُ يدي اليمنى وأنا أحدّق في عينيها، وضعت يدها الصغيرة في كفي كما لو كانت تسدد ديناً قديماً.

- أطلبي شيئاً تشربينه. قلت برفق كالهمس، وأنا اتحسس أصابعها وكأنني أحصي مبلغ الدَين!

- فودكا بالليمون. قالت.

- يا للهول! قلت بصوت مسموع. هذا نهار لا أغرب منه.

- ما أنت قائل؟؟

- هذا نهار لا أجمل منه. ضاحكاً.

- ما قصة هذه المحابس في أصابعك؟

- الصغير في بنصري الأيسر هدية من صديق سكير.

- هل بإمكاني أن أجربه؟

- بإمكاني أن أتركك تجربين شيئاً أخر. قلتُ بخبث.  

ضمتني إليها بعنف مقصود وقبّلتني بشراهة.

...................

 ذهبنا إلى منزلي بعد الخروج من البار. كان المطر قد أكمل تمرينه الأول على مسرح المدينة. لا تزال موسيقى الـ(هاوس) الماحقة تقود سيارة الشاب العشريني المجنون نيابة عنه، لمحته كالومض في (بلاثا إسبانيا). ومن شرفة منزلي، أسمع موسيقاه: (بوم بوم بوم بوم) كلما يقطع شارع (غران بيّا) ذهاباً أو إياباً. كان نسخة من الشاب الأول، ولعله نفسه، كلاهما يشغل خانات رقعة الشطرنج نفسها.

سألتْني الفتاة (التي لم أعرف اسمها أبداً) إن كنت أمانع أن تدخن في غرفتي. أجبتها بالنفي وأنا أراقب تنورتها الخضراء وجوربيها على أرض الغرفة.

ودعتها بعد ساعتين.

............

كنتُ أراقبها من النافذة وهي تخرج من باب العمارة حيث أسكن. داهمها رذاذ المطر، ورائحتي تلفّها وتنبعث من جلدها. كان بعض المارة القليلين يعودون من العمل بخطوات ثقيلة.

 

صباح أيام السبت شبيه بنصٍ أُدخل مفرمة الفاكهة.

 

خالد كاكي

27 آذار 2007 مدريد

khalidkaki@yahoo.es

 

  * الكلمات بالإيطالية تشير إلى سرعة المقطوعة الموسيقية والطابع الذي يميز كل (حركة) ضمن السيمفونية. وهو تقليد متبع أن تُذكر بالإيطالية مع إن بعض الموسيقيين لا يتقيد به.