ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

لا نقبل اسماء مستعارة أو مادة مرسلة الى عدد كبير من المواقع

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:19

Detroit Michigan U.S

 

 

 

وقبلت أبنة الجلاد":

 (جزء من دراسة يعدها الكاتب عن حياة الشاعر الألماني الكبير هاينريش هاينة)

 

 

ألمانيا: من ماجد الخطيب

 

تعلم هاينه الفرنسية على يد المعلم الفرنسي آيبي دولنوي، لكنه حسب اعترافاته، ظل يعاني من ضعف لغته الفرنسية رغم حياته الطويلة في باريس لاحقا وزواجه من ماتيلده. ويعترف هاينه في مذكراته كمثل ان اللجنة الامتحانيه عام 1810 سألت ست مرات عن معنى الدين في الفرنسية وأنه أجاب ست مرات بأنها le Credeit رغم ان الكلمة الألمانية المرادفة لا تختلف عن المفردة الفرنسية La Religion . ويضيف أنه لم يعرف الاجابة على السؤال إلا في المرة السابعة بعد أن انهالت عصا المعلم على يديه وقفاه وسط ضحك التلاميذ في الصف. لم يتعلم الشاعر الفرنسية جيدا من معلمه القاسي، لكن روحيته الميالة للشعر جعلته يحفظ في الحال علم العروض الفرنسي وبحور الشعر. وهو أهم ما تلقاه من دولنوي. يصف هاينه بعد ذلك بسنوات رحلته الطويلة مع اللغة الفرنسية بالقول " بوسعي التضحية من أجل فرنسا ولكن أن اكتب الشعر بالفرنسية – كلا أبدا ".

وما حركه معلم اللغة الألمانية شالماير بغرابة أطواره وزعيقه، ودولنوي بعصاه وقسوته من حب للفلسفة والشعر الفرنسي في الشاعر، أيقظته ذات الشعر الأحمر" اللدنه"جوزيفا ابنة جلاد دوسلدورف الرهيب.

كانت الصغيرة جوزيفا ذات الشعر القاني"بلون الدم" مغنية أغاني فولكلورية وقاصة حكايات شعبية من الطراز الأول رغم صغر سنها. والمعتقد ان حكايات هاينه الشعبية وقصصه الخيالية في دواوينه الأولى كانت مستمدة من حكايات أم الضفيرة الحمراء. لا سيما وانه يشير في أكثر من موضع في مذكراته إلى ان هذه الحكايات وصلت إليه شفاها و قام هو بصياغتها وتطويعها شعريا. ونشاهد انه قدم بنفسه إلى قصيدة " نزوات العشاق " المستمدة من الحكايات الشعبية الاوربية على انها حكاية شعبية حولها بنفسه إلى نص شعري لأول مرة. يقول هاينه بعد ثلاثين سنة في باريس: كانت تعرف ( يقصد جوزيفا ) الكثير من الأغاني الشعبية وربما أيقظت فيّ قصائدي الأولى .

قادت جوزيفا وعائلتها المرعبة ( جلادين أب عن جد ) الصبي هاينه إلى عالم سحري جميل قلما يتوفر لشاعر آخر في ذلك الزمان. وكانت رحلاته مع صديقته الصغيرة، التي يخشاها الصبيان، بين "ورشة" عمل الجلاد وحجرة زوجته " الساحرة " وأسرار الموت وعالم الأشباح والسحر الأسود أشبه ما تكون برحلات اوديسوس بين الجزر السحرية الغامضة وعالم الآلهة الهللليني الغريب. فعلاقته بالصبية الحسناء كانت أكبر مغامراته الشعرية الأولى وأضفت على حياته الدراسية، الجافة حينها، نوعا من غموض وجمال الصبي المتفرد بأسرار الحياة والموت بين الصبيان. اختطف الموت والدي جوزفينا في وقت مبكر من عمرها فحملتها عمتها إلى بيت جدها الجلاد وزوجته وسيطة الأرواح وراوية حكايات الجن والشياطين. كان كل شئ في جوزفينا غامضا وجميلا يستحق السبر من جسدها اللدن وشعرها الأحمر إلى ميلادها الغريب ونشأتها في بيت الجلاد.

ومن جوزيفا تعلم هاينه معايشة الجلاد وأطواره الغريبة وإختلاس النظر إلى أدواته المفزعة وسماع حكاياته المرعبة عن أعناق البؤساء التي يدقها يوميا. ومع جوزفينا كان يتسلل إلى غرفة "الساحرة" العجوز ويعبث بقواريرها وطلاسمها. وتحت ملابس جوزفينا كان الشاعر يتلمس أولى قصائده الرومانسية التي تصف جسد المرأة بأنه " أغنية الأغاني ". لم تكن جوزيفا ترتدي الكورسيه والتنورة الداخلية اسوة بفتات ذلك العصر فجعلها ذلك بعيني الشاعر كـ "تمثال عار الا من عباءة تغطيه".

تعرف الشاعر الحالم في بيت جوزيفا على عالم الساحرات العجيب واستمع إلى أولى الحكايات عن زوجة الجلاد من فم الصبية. كانت الساحرة تقطع أصابع المحكومين بالاعدام وتضعها في أقداح البيرة كي تجعل مذاقها لذيذا في أفواه ضيوفها الطارئين. تصنع وصفات سحرية لادامة الحب ودرء عيون الحساد وتعرف وصفة لقطع أعضاء الرجال الجنسية وإعادتها إليهم بعد ذلك وفق أسعار تحددها. وتفعل ذلك بالطبع نزولا عند طلبات النساء اللاتي يخشين من مغامرات أزواجهن الغرامية. وما أكثر الالتباست التي ارتكبتها المرأة في حق الرجال المخصيين. إذ كانت، لكثرة الأعضاء الجنسية المتراكمة . تخطئ على الدوام في إعادة العضو الصحيح لصاحبه المعني متسببة في الكثير من اللغط والمعارك الزوجية.

ومرة استمع هاينة العاشق إلى صبيته الحسناء وهي تسرد له كيف انخلع قلب الجلاد نفسه يوما حينما اضطر لقطع رؤوس 100 آثم مسكين في ليلة مقمرة. تخلى بعد هذه المجزرة الرهيبة عن سيفه القديم "القاسي" وطمره في مكان ما تحت الأرض مقررا شراء سيف جديد. نبشت الساحرة بعد سنوات من هذا الحادث ذلك السيف الرهيب وخبأته بين أشلاء غرفتها. أخرجت جوزفينا بعد ذلك السيف الثقيل من مكمنه وأرته لهاينة المعتمل بالعواطف المتناقضة من حب وخوف وفضول."كانت تحمل السيف الثقيل بكلتي يديها فعجزت آنذاك عن الدفاع عن نفسها، وحينها قبلت ابنة الجلاد ..... لا بسبب توقي الشديد إليها فحسب، وانما تمردا على المجتمع القديم وكل أحكامه المظلمة، وتأجج فيّ لحظة ذاك انفعالان اندمجا تماما في حياتي اللاحقة : حب النساء الجميلات وحب الثورة الفرنسية ".

يذهب فريق من الباحثين الألمان إلى الاعتقاد بأن حكاية ابنة الجلاد لا أساس لها من الصحة أبدا ولا تعدو كونها حكاية خيالية حولها حب جمهور هاينه وتوقه إلى كل ما هو غريب ومتمرد في حياة الشاعر إلى قصة حب خالدة. ويفسر هؤلاء الباحثين قصة القبلة الشهيرة، ومعها حكاية العمة الساحرة وقصة السيف على انها اسطورة نسجها الشاعر الشاب حول نفسه ولا تختلف كثيرا عن حكايات الاخوين جريم الخيالية الزاخرة بالجن الساحرات، لاسيما وان كاتبي حكايات الأطفال المشهورين عاصرا الشاعر وتبادلا الرسائل الحميمة معه ردحا من الزمن.

إلا ان فريقا آخر من الباحثين لم يغالب فضول أن يسبر غور هذه الحكاية الفانطازية ويبحث حتى النهاية في سجلات التاريخ المنسية عن أصل عائلة الجلاد وفصلها. وهكذا توصل الكاتب اوتيليه ي. جاللي من خلال التنقيب في سجلات ومذكرات البلدية القديمة إلى عائلة جلاد اسمها آيدل عاشت منذ عام 1694 في مدينة دوسلدورف القديمه على مدى ثلاثة أجيال من أبنائها، وكانت تعيش بالقرب من زقاق اليهود بدسلدورف الذي شهد ولادة هاينه .

وواصل الباحثان هاينز اويمن بوهلر وجورج هوفلمان التحقيقات التي بدأها جاللي فتوصلا إلى تفاصيل حياة عائلة جلاد دوسلدورف المدعو هاينرش آيدل بين 1725 و1803 ووقعا على آثار ابنة بيتر فيلهلم أيضا الذي ولد عام 1772 وعاش في ذات المسكن وورث مهنة قطع الأعناق عن والده. تزوج بيتر فيلهيلم عام 1789 من هندرينا يانسن ابنة جلاد آخر( أية عائلة؟؟) رزقت منه عشرة أبناء بينهم ثلاثة ذكور وسبع إناث بينهن فتاة اسمها اليزابيتا فيلهيلمنا جوزيفينا ولدت في دسلدورف عام 1801 وكان ترتيبها الثالثة من ناحية الولادات.

والمعتقد أن الشاعر، اليهودي الذي تحول إلى المسيحية في سن الشباب، تكتم حتى مماته على عائلة جوزيفا خشية تعرضها للتنكيل من قبل الكنيسة بسبب علاقة ابنتها بيهودي. وكانت الحكومات الألمانية في القرن التساع عشر تحظر على اليهود التعلم في المدارس والجامعات وتمنعهم من التسمي باسماء مسيحية، كما تحظر عليهم العمل في الجيش والقانون والتعليم. ولد هاينة باسم هاري وغير اسمه بعمر 26 سنة إلى هاينريش بعد أن عمد نفسه علنا في الكنيسة. وأتيحت الفرصة للشاعر آنذاك الشاب للتعلم ودراسة الحقوق بفضل احتلال نابليون لغرب ألمانيا.

أربع قصائد من شاعر ألمانيا الرومانسي العظيم هاينريش هاينة

ترجمة: ماجد الخطيب

إستحضار

يجلس الراهب الفرنسيسكاني الشاب

وحيدا في حجرة الدير القديم.

يقرأ كتابا باليا عن السحر،

عنوانه " إستحضار الجحيم".

وحين أنتصف الليل،

وأفلت منه العنان،

دعا كل المردة والجان:

" أيتها الأرواح، إحضري

لي من القبر جسد أجمل النساء!!

وأنفخي فيه الروح، ابتغاء

متعتي هذا المساء!"

نطق صيغة الأستحضار الرهيب

واستجيب له آنذاك الدعاء.

وأقبلت جثة الحسناء البائسة

ترفل بغلالة بيضاء.

نظراتها حزينة. تصعّد الأنفاس

الباردة مجبولة بالآهات.

تجلس الجثة إلى الراهب،

يطالعان بعضهما، بصمت الأموات.

ماتيلدة

 

أصد عني باقة زهور،

قدمتها لي ماتيلدة الباسمة،

بيد مستعطفة.

لاشيء يروعني أكثر

من مشهد الزهور النظرة.

تذكرني الزهور بعالم جميل،

ما عدت أنتمي إليه،

أنا الجثة، غير المقبورة، الناحلة،

حثالة عالم الأموات.

أنفجر بالبكاء

إذ أشم الزهور.

أي شيء، عدا الدموع،

أبقته لي الدنيا،

المفعمة بالشمس واللذة والحياة؟

ما كان أسعدني،

وأنا أشاهد فئران الأوبرا الراقصة.

لكنني أسمع الآن،

خشخشة فئران الكنيسة،

وحفيف خلدان المقابر.

آه، لعبير الزهور،

وهو يستدعي جوقة مغنين،

وفرقة باليه من الذكريات العطرة،

تباغتني مرة واحد بالغناء،

بتنورات مبهرجة قصيرة،

بدعابات وضحكات وكركرات،

بضربات سنوج وأنغام قانون،

ما عادت تزيدني إلا غما!

أبعدوا عني الزهور!

لا أطيق أريج أيام ذوت،

تحدثني بشماتة عن حكايات خلابة،

أنشج لذكراها بالبكاء.

هموم بابلية

الموت يناديني. وددت يا حلوتي،

لو أني في غابة صنوبرية تركتك،

تعوي فيها الذئاب،

تعشعش النسور،

وتنخر فيها الخنازير البرية مهتاجة

بوجه انثى الخنزير الشقراء.

الموت يناديني. وربما الأفضل،

لو أني على أعلى موجات البحر تركتك،

يازوجتي،

ياصغيرتي،

حيث ريح القطب الشمالي تجلد الأمواج،

وتسبح غيلان الأعماق النائمة،

وترتفع أسماك القرش والتماسيح،

بفكوك فاغرة

إلى السطح.

صدقيني، يا صغيرتي،

وزوجتي ماتيلدة،

لاخطر في القفار،

والبحر الهائج،

والغابات الموحشة،

يفوق الخطر الداهم في مدينتنا.

أفظع من الذئاب والنسور،

وأسماك القرش،

وغيلان البحر الأخرى.

وحوش أكثر هولا وأشرس،

تخفيها عاصمة الدنيا،

الزاهية، المغنية، الراقصة،

باريس.

يثير في الجنون،

ويهزني من الأعماق،

أن أتركك لجحيم الملائكة،

وفردوس الشيطان،

باريس.

ذباب أسود يحوم حول سريري.

وعلى أنفي و جبهتي،

تحط حثالات بغيضة!

بعضها بوجوه بشرية،

وأخرى بخياطيم،

كالإله الهندي غانيسا.

رأسي يرغو ويزبد،

وحين يهيأ لجسدى الصندوق،

سيفارقني، أيضا، رشدي-

أواه، قبل رحيلي.

نزوات العشاق

" حكاية شعبية رددتها الكتب القديمة وحولتُها إلى قصيدة"

جلس الخنفس على السياج بادي الكآبة،

مفطورالقلب بحب الذبابة.

" أنت، ايتها الذبابة فؤادي،

والزوجة التي تحقق مرادي،

تزوجيني، عليّ حنّي!

من الذهب الخالص بطني،

ظهري مرصع، بالتبر منحوت

يتلامع فيه الزمرد، ويسطع الياقوت".

" أوه، لركبني مس من جنون،

لو اتخذت الخنفس لي زوجا ميمونْ.

لا يهمني الذهب والزمرد والياقوت،

فالغنى لا يصنع الملكوت.

قلبي بالمثل العليا مفعم،

أنا ذبابة ذات أنفة وشمم".

ابتعد الخنفس كسير الفؤاد، هائماً

وانصرفت الذبابة تأخذ حماماً.

" أين إذن النحلة، وصيفتي،

تقف في الحمام على خدمتي،

تمسد لي بشرتي المخملْ،

أنا الذبابة عروس الجعلْ"

" تا الله، لأقيم عرسا ذا جلال،

إذا لا خنفس آخر يضارعه في الجمال.

ظهره مرصع، بالتبر منحوت،

يتلامع فيه الزمرد، ويسطع الياقوت.

بطنه الذهبية تليق بالنبلاء،

ستنفجر غيرة قلوب الذبابات الزرقاء".

" أسرعي يا نحلتي وسرّحي لي شعري،

عطري ثوبي وشدي لي خصري،

بخلاصة الزهور أمسحي بدني،

وبزيت الخزامى مرغي قدمي،

كي لا تنبعث رائحة خبيثة منّي،

وأذرع العريس برفق تعانقني".

" تتلامع هنا وهناك الفراشات،

يعلن البيعة لي في الزفة، وصيفات

يضفرن على رأسي إكليل العذراء،

زهورا رائعة من النارنج، بيضاء.

"يأتي الموسيقيون إلى الحفل زرافات،

جنادب منشدة ومغنيات عريقات.

الهوام والنحل وذباب الخيول،

ينفخون الأبواق ويقرعون الطبول،

يعزفون أغاني العرس الرائعة،

أمام ضيوف في حلل-من الأجنحة-ساطعة".

" وستأتي العائلة أخيرا مبهرجة طروب،

وحشرات مألوفة في باقة من الظروب،

دبابير وجراد، أخوال وخالات،

وتصدح الأبواق تحية للعمات.

يحضر الخلد القاضي متأخرا في المساء،

-كعادته- متجهما أسود الرداء.

" تقرع الأجراس بم بوم بام بوم،

ولكن أين يقبع عريسي اليوم؟"

" بم بام بم بوم تقرع الأجراس برفق،

لكن العريس طار بعيدا جدا في الأفق.

" الأجراس تقرع بام بوم بام بوم،

ولكن، أين يقبع عريسي اليوم؟".

حط العريس في هذه الأثناء

على مزبلة بالروث غناء،

وقبع هناك سبعة أعوام،

حتى تعفنت العروس بعد موت زؤام.

ملاحظة: حرصت إلى حد ما على التقفية في هذه القصيدة بغية الاحتفاظ بطابع الحكاية الشعبي السردي (المترجم