Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

رواية

فراسخ لآهــات تنتظر

زيد الشهيد

الأبُ كما رأيتـه .. البيتُ كما أراه 

اللحظات المتهاطلة بثقلٍ وئيد تتحنّط إزاء عتبة باب الغرفة الموصدة لتنضم إلى تكلّسات غبار يحجب سِفراً حكائياً تبوح به عينٌ تأخذ لها حيّزاً من التتبّع يبدأ بالتحديق وينتهي بالذهول ؛ وهو شهاب الذي كلَّت ذاكرته من الإرهاق فأصيبت بالوهن وبقي لها الاستعانة بالشَدَهِ . يقولون عنه المسكين المقذوف بالفراغ , المكبّل بالوحدة بعدما دفن رفيقة السنين مُجبراً على البقاء حيث شاء المشيء أن تتقدّمه في رحلة الأبدية فبات كلُّ ما يفعله هو الدنو من خزانة حاجياتها الدنيوية تلمُّساً . يشم رائحتها أو يستعيد مشهداً خشيَ أن يبهت مستحيلاً شتاتا من العسير لمِّهِ واعادة جدولته .

يضع أصابعه فتطبع أثراً يشكّل لوناً رملياً يعطي إيحاءاً بالإهمال .. يعنّف النفس لأنّه يوما ما مارس صفة إيذائها بدمع تهطله أو كلمات تفشي سرَّ ألمٍ دفين .( لم تكن النهاية لتحصل لولا غمامات الكدر المستبيحة سماء الحياة ،، والأعوام الخمسون لا تُعَد بعمر الدنو الطبيعي من جادّة الرحيل ... بدأ الوضع بوخزةٍ إبريّة تستدعي ضغط الخصر الأيمن ، ثم ضيق نفَس قصير آلَ إلى ارتياح يسير مُصرِّح بالطمأنينة الكاذبة .) ..

يحتمي بالنهوض صوبَ الخروج . تأخذه القدمان باتجاه مقهى أو توقفانه عند مفترق طريق مكبوحاً بسؤال , أين يذهب .. يقول :" أين أذهب ؟ " وهو لا يدري أنها هي .. هي .. تشابهٌ يوقظ في الروح غبارَ الضجر .

يومياً يلتقي الصغار الناسين فحوى اللعب وألوان الحلوى مضرّجين بوحل الشحوب . .  يومياً – في الطريق – يزاحمهُ بائعو عربات الخضار ؛ تصدم مسامعَه شتائمُهم المتضاربة ولعنات تشيِّع كُثراً الملفّعات بالعباءات الموحلة يحملن وراء طيّاتها سرقةً ما يقلل جوع المرابطات بين الجدران بغية تأجيل بثق اللوكيميا , وانتعاش السل في الأجساد المدججّة بالإنهاك .

سألوه يوماً عن جدوى التتبّع فلم يرد .. كل ما قاله : كفى ..كفى !! مستعيناً بانحناءة الرأس قبل التحسّر.. أنفاس الليل تسقيه كأس الذهاب محمولاً على رموش لمس الغائبة . تومىء له كأنها تناديه .. يلتفت لشتى الاتجاهات ضماناً لحصاد اليقين . يقين وجودها إمتثالاً لا تمثِّلها طيفاً .

ألقى نظرةً خاطفة على المرآة فأنبأته بقوام عفَتْ عنه الاناقة . وبدلاً من أنْ يعود ليتفحّص عاديات الأيام على الوجه الذي استبدلت التجاعيد والصفرة ومسوح الشحوب صفاء البشرة ونعومتها إستدار ليلتقط نظّارتيه .. هكذا ؛ ترك السرير مبعثراً . .. الوسادة مائلة كورقة مطويّة / الغطاء ركام بلا أبعاد / الخفّان يبصمان قدميه على تراب الأرض ..الخف الأيسر يلتقي الأيمن فيما الحائط تثقّبُه مسامير تحمل ثياباً لرجل متعب آثر الملل...

قال لها : بعدك لن يكون لها طعمٌ ، ورائحتُها تثير خمولي .

يلاحقه الزمن القديم فيتمنّى ساعياً لنسيانه .. يتشبّث بأيامها ؛ بأحاديثها ، بحميميّتها هروباً من الوطء الثقيل الذي يلاحقه .. وطء الصفحات الرمادية للعمر الساري / الليالي المليئة بالمكائد / النهارات الضاجّة بالملاحقات ... عندما يستعيدُ زمناً كان على أعتاب مواجهة حياة تفتح ذراعيها لتأخذه صوب محطّات الإلفة يشتعل ندماً .. يستعين بالدمع وحيداً ، وصولاً لتعذيب النفس ... يقول : كيف إرتضيت ذلك الإنحراف ؟ ولماذا لم أتّعض من تاريخ قراءة صفحات الآخرين ، أنّا ابنُ ذلك الأب رضي الحال ؛ شكور النعمة .

تحاصره الأسئلة ، وتعاوده الوجوه المتوسلة ؛؛ ويتذكّر؛ يتذكّر.. يتذكّر فيلوذ بوجهها هروباً .

كان الرحيل بمثابة تعميق الفراغ / تشتّت أواصر / هجران يفضي لبعثرة الزمن بإستثناء مكان الذكرى .. الأزمنة تذوب وتترك الأمكنة .. ساعات من غرف .. دقائق من فناءات .. لحظات من هواءِ مجازاتٍ تخثّرهُ العتمة ... والأعوام تشققّات ترسم لها خارطة تعرضها الجدران فيما أعمدة السقوف تحتفظ بأبخرة وسخام نيران المواقد الليلية ... أحاديث يعطّرها الهمس تنتهي بملاحقات أنفاس أشباح مفترضة...

نظرات متبادلة بمثابة نميمة أو خدش حياء ؛ دعوة لتنصّت مريب : أنيسة الأم وياسر الولد ؛ والإبنة حليمة ، بين تواضع أثاث وبساطة بيت تقرأ لهم سوَّراً لتبعد دبيب الوساوس ، وتطمئّنُهم بقلبِ الأبِ الشجاع .

.. ويتراجع !!

حين خلّفَ غرفته طالعه الحوش . ينثر أنظاره تفحّصاً كأنّه مدعو للملاحظة راسماً بُعداً ماثلاً مستهِلاً بالمطبخ ومنتهياً بالغرفة المواجهة لوقوفه .. يؤومها عبر بابها المواربة أبداً / أبداً ، سعياً لمعرفة ما إذا كان "ياسر" ينحت خطوطه السود على ظهر الجدران أو يذرعُ محدودية الأرض يقيسها بأشبار بصره المتصالب صحبة عباراته المبتورة تحت هيمنة التمتمة ...لا يثق وهو الأب بالصمت المالىء تخوم الغرفة دلالة عدم الوجود لأنَّ " ياسر" كثيراًُ ما صاحب الصمت إعلاناً لفضاء يشغله , محلِّقاً مع نأمةِِِ نملةٍ تمارس فعل الصيرورة خروجا ًمن ثقب ترابي أو شقٍّ جداري تعششُ فيه , أو مستأنساً لطنين ذبابة هتكت شيوعَ السكون ؛ أو تنصتاً لخربشة فأر تحرك بين زحمة الأنقاض لفعل القضم

يسأل : " أنتَ هنا , يا ولدي ؟"

. " نعم , أنا هنا ! " . يأتيه صوت الفراغ .

.. ويتراجـع !!

بقيَ أن ْ يستجلي وجود " حليمة" قبل الخروج . عندما نادى جاءته الهمهمة من الغرفة لصيقة المطبخ فادرك بعهدة التكرار استلقاءها على السرير وعدم الرغبة في النهوض .. يصيح " سأخرج يا ابنتي ! " . ولم ينتظر لأنه اعتاد على عدم تلقّي نبرة توحي باعتقاد السمع المؤوّل , فأطلق كلاماً آخر فيه رجاء يقطر توسلاً :" أرجو أن أجدكِ عند عودتي . " مع يقين انّه يخاطب هواءً لأنَّ حليمة الابنة هي واحدة من الدبابيس التي تنخز خاصرة ذاكرته وتتركه سليل الألم .

يخرج .. وهو كل يوم يخرج ..

تتحسّس أنامله الباحثةُ جيبَ سترته تلمّساً للساعة المكبّلة بسلسلة معدنية _ أهداها له الأب في واحدة من ساعات الاحتفاظ بالتذكّر _ تختزن برودة الأعوام الميتة. الساعة تتكُّ فلا يسمع تلاحق عقاربها . تنده به أنيسة من خلال فسحةٍ سمح بها الباب الخارجي : " إلى أين ؟ " وهي تعني : " إلى أين تخرج يا شهاب ؟ " .. يرد " ألا ترين ؟! " .. تقول :" أرى ؛ ولكن سيداهمك الظلام بغتةَ إنقطاع الكهرباء ." ( والكهرباء مثل الأيام صارت هاربة راحلة لا أمان لها ) ؛ ستُخطىء المسير – ولنفسها – يا إلهي سيصبح نهب العثرات . سيُدمي له الارتطام جبهةً فتضحك منه الاعمدة والجدران واشارات المرور المنسيّة . سيتأسى عليه المارّة فيعود مزدحماً بالشتائم ." .. تلاحقهُ بالنظرات الحنون . ترأف لبطء سيره . يلتفت ليطمئِنها فلا يجد غير باب موصد ودربٍ يئن .

يخرج ...

يلتقيه الجيران . ُيلقي , ويلقون سلاماً عابراً حيث السماء تجمع الرصاص لترتديه والجدران تتخلّى عمّا تبقّى من البرونز عنوةً بينما غربان تطلق سراح حناجرها : " قار .. قار ..قار " . حناجر تُبعثر نداءات السكون إعلاناً لمقدم المساء : مساء الباذنجان والضجر المعتاد .. مساء المجاهيل المتلاطمة واهرامات الكمد الجثيم .. مساء عطن المزابل شواخص الزمن الآتي .. مساء الترقب لفجرٍ قادم يحمل بين إبطيه بالونات المفاجآت .. مساء القار .. قار .. قار ؛؛؛ كأنَّ المدينةَ ريفٌ منسي , مفازةٌ فقدت خطوطَها على مجسّات الخارطة ... خارطة !! وعن أيّةِ خارطة تتكلم الكلمات ؟!.. عن تبعثر الأجزاء داخل ردائها البالي ؟! عن الساحات خاسرة الأسماء ؟ ! الوجوه فاقدة الملامح ؟ ! الأفواه مكمّمة النطق ؟! الصدور الضامرة ؟! الأرحام خزينة القديد ؟! السواقي المُستباحة بالسبايروجيرا ؟! النقيق الصادر من الترع الصفراء بضجّة هتافية ساخرة : قار .. قار .. قار ؟! ...

عندما يرد السلام يردّه ُ بشعور مَن سيهاجمه تعنيف داخلي , وتمنّي باختزال حياتي خاطف يؤول إلى خاتمةٍ سريعة كالتهالك المنتَظَر ؟ .

كثيراً تمنّى اللحاق بأنيسة .. كانت عوناً في ضيق , وأجوبةً لأسئلة ...

ثمّةَ الأقدام يقيس تتابعاتها فلا يرى انسجاماً مع آثار قدميه . يعرف ويدرك سَفَهَ الأمر الذي قاد لفم النفق .. يدرك قابلات الأيام لن تفِه ِ فسحةً من راحةِ بالٍ يسيرة هو التائب على يديها بعد فوات الأوان . يعرف أنْ لا ندم يجدي .

فالأوراق مُلِئت ...

والكتاب يوشكُ على الانتهاء . .

***********

 

 

 

الفصل الأول

 

 

( 1 )

ها أنا أخرجُ من جديد . أبرحُ مواطنَ الدفء ، مخلِّفاً ورائي جبالاً متزاحمةً من التهالكات ، حاملاً على كاهل الروح رغاوى متناسلة من الكوارث المتهافتة والحروب الخاسرة والأسى المهول ... أخرج ولا أدري كيف خرجت !! .. رأسي على جسدي والجواز بيدي . جوازٌ صار هويةً أبدية للرحيل والاغتراب والتنقّل عبر دروب المنافي ، مقذوفاً بين تتابع محطات القلق ومنعطفات التهجّس ومتاهات البراري وحشود الوجوه وتهافتات الاستفهامات الآيلة إلى اللاجواب .. أتساءل كما لو كنت مُنسلخاً من رحمِ الذهول : أحقّاً هذا الذي أنا فيه هو أنا ؟! .. أصدقاً هاتان اللتان يطآن شاطئ الأمان هما قدماي ؟! ...

أعدُّ اللحظات التي أخالها تمطّت فبلغت دهراً ، مثلما أحثُّ الحافلة التي تقلّنا – برجاءاتي المتوسلة – للإسراع والخروج من شِراك الفخ الملغَّم الذي اسمه " طريبيل " ( هذا المنفذ الحدودي الوحيد المتاح لنا للانزلاق من عنق الزجاجة / من دائرة الاختناق . ) لا لشيء إلاّ لإدراك محيط جوازات " الرويشد " الأردني والنزول بحثاً عن مرآة أحدّق فيها كيما تعطيني صدق يقين كوني أنا " مبدر داغر " بحق ؛ وكون الذي مرَّ ليس حلماً سينتهي في دوّامة خنق الأنفاس ، ولا موقفاً عابراً سيُعديني انتهاؤه إلى نقطة الصفر الناريّة .

ها أنا أخرج ..

وأتذكّر عيون العتاب في الوجوه الشاحبة المتعبة التي التقيتها في الأسواق والمقاهي والطرقات واللقاءات العابرة وزحامات البحث الساحق عن بضاعة مفقودة .. جلّ الأصدقاء وأغلب من لهم صلة معرفة جلبَتها سني العمل أو جلسات الود يوم كان التعارف الحميم سمة شاخصة لأبناء مدننا العائمة على سحابات البراءة عابوا عليَّ عودتي بعد ما يزيد على العشرين عاماً من مبارحتي البلاد ؛ مستنكرين بقائي بين ظهراني الألم المُجبرين هم عليه .

ستة أشهر صرفتها أتجوّل بعين الذهول ولوامس الاستغراب ، تلاحقني ترادفات أسئلة حائرة : ما هذا الذي حدث ؛ ولماذا ؟ .. كيف تسببّ الجُناة في تشويه وجه الوطن السمح الجميل ؟ .. ماذا جنت مدننا الحييّة حتى ترتفع على جدران حواريها لافتات الكدر ؟ ولماذا غدت الشوارع صحفاً يومية يقرؤها الآتون إمّا بحزنٍ مرير أو بساديّة موغلة بالتشفّي ؟ .. ثم ما هذه الشخوص الغريبة التي تتخفّى بأقنعة إظهار المواساة ما تلبث أن تتركنا وقد حملت على ظهورها أكياس جهدنا وعرقنا وأرثنا ، وممتلكاتنا المنهوبة هِبةً من اللصوص والقتلة والشُّذّاذ المتربعين على عنق جغرافيتنا الموشّاة بالطُّهر والوداعة ؟ .... عندما رأى المقرّبون جواز سفري جاهزاً أيقنوا أنَّ نصائَحهم أدّت جنيّها ؛ وأنَّ رحيلي الثاني سيكونُ بلا عودة .. لم يكونوا يدركوا أنَّ خروجي هذه المرّةَ ليس هرباً كما حدث في المرّةِ الأولى قبل عشرين عاماً ؛ بل للبحث عمّن جمعتُ لها ما قُدِّر من مال ورغبة وهدفٍ نبيل لأقترنَ بها ، ولأصرف ما بقي لي من أعوام في كنفِ لهفتها ؛ هي التي عاهدتني على ترسيخ حبِّها رصيداً لرغبتي في الحياة ... آ نجاة ! لقد منحْتِني أنفاسَ الدروب البهيّة في آخر لقاءٍ ، وتمسَّكتُ برجاءات نبراتك الحنون : " خذْ نصيحةَ أبي وارحل ؛ لعلَّ في رحيلكَ بارقةً نيّرة للقائنا الدائم . " ...

أتطلَّع في شعاب وجوه الراكبين فتتمثّل مرايا استبدلت غيوم البَهَت وضبابيّة الفراغ بتباشير ألقٍ يتجمّع كما سحابة بيضاء .. وجوه تعرض بتفاصيل براءة مزَّقت قميصَ جذلها مخالبُ التجنّي ؛ وطمست مسوح شفّافيّتها ركلاتُ المتخلّفين ... يكبر حجم المرأة الجالسة جوار زوجها العجوز في المقعدين المحاذيين لي بعد إنْ كانت منكمشة شأنها شأنُ جميع الركاب طيلة الطريق الصحراوي الذي قطعناه من بغداد حتى طريبيل ، ومضغوطة بعباءتها كما لو كانت ستتلاشى ذوباناً عند حين .

تستخرج كيساً قماشيّاً ، ثم تنهض لتوزّع فحواه :

_ خذوا من أُختكم أم محمد ، حلوى عملْتها لسلامة الوصول .

تتهللُّ القسمات تُكبر فيها شجاعتها بصمتٍ يحاول امتلاك صولجان الحرية المغتالة . تمتد الأكف لا لتتسلّم حلوى بل لتتقبّل تمائم أمٍّ سكبت خضائل روحها آيات صادقة على ورق أُمنيةِ جعل الحياة آمنة سارّة ، وخلق أبناء يحيون على رَفَل الاستقرار بعيداّ عن أنفاس شقاء تأتي به صدور المسخ وتنفثها فيروساتهِ لاغتيال هناءات القلوب .

تلتهم الأفواه أصابع الحلوى بشهيةٍ لا يمكن وصفها ( لعلّها الشهية السارية بإحساس مشترك أساسه المكايدة الدفينة لسارق الحلم ، والتعبير الرمزي لأبجديّة الاستهانة بظنون الموهوم بالاستحواذ ، المغرور بالهيمنة .. ولم تكن أم محمد إلاّ امرأة جنوبية لمّا تزل بعضُ ملامح بساطة الجنوبيين باقية بهيئة أوشام خضر أحدها نقطة مستديرة كأنها قطرة خِصب تربط وتري الحاجبين ؛ وأخرى في الحافّة المدبّبة للأنف الصغير بينما تتعامد تحت الشفّة السفلى الجافلة بفعل تهالك الأعوام تيجانٌ دقيقة تستقر في قعر الحنك ثم ينحدر بعضها هابطاً مع انزلاق الرقبة ليضيع خلف سواد الثوب ... تطلق ضحكةً بمنتهى الانشراح . تطلقها وسيعةً جذلى كأنها تُعلن نصراً على عدوٍّ مكايد وأبالسة موتورين . لا تأبه للزوج الذي راح يتمتم في أُذنها بمفردات تحجيم تصرفها ؛ بل انطلقت :

_ دعني يا رجل . كلّهم أولادي .

وبشيءٍ من السخرية تفوه ناشرة نظراتِها حييّةً على العيون المبتهجة لشجاعتها :

_ حتّى وأنتَ خارجَ القفص ترتعش خائفاً وتتلوّى متشكّكاً ؟! .. آه . أرعبونا أولاد الحرام .

يبتسم الشاب الذي يشاركني الجلوس بعدّما عدّلَ نظّارتيه الداكنتين وشرع يرمقها . ألمح تألقَ عينيه من وراء الزجاج . أُشاركه الابتسام ، فيهمس :

_ يا للمسكينة . الآن سمعنا صوتَها ..

( 2 )

علا صوت أذان الفجر من المسجد المجاور لبيتنا فكان إيذاناً بمبارحتي بعدما ودّعتُ أمّي التي نهضت من نومها لتراني أكملت ارتداء ملابسي فلم أكن راغباً في إيقاظها لتعدَّ لي شاياً وما يتوفر من فطور . كانت الحقيبة جاهزة عند باب الصالة . ما أن أبصَرتها عيناها الحسيرتان حتى انكمشتا ، لكنهما حبستا دمعاً أوشك على الانفلات . تتهالك في خطوها ( آ ، يا أُمّي . ذهب الألق البعيد وتبارى الزمن متآمراً مع فعل الجناة في إرهاق كيانك فصارت السنين المتعدّية على الستين كلكلاً يعكّرُ سماءَ حياتك !! ) . أراها تسحب قدميها سحباً وئيداً ؛ تتكلّف في تجسيد مقدرةٍ ظاهرة ... انحنيتُ اقبّلها في الجبين .. رفعتْ رأسها تقبلّني على خدّي ؛ ثم تبعتني .. أسمع همساً خجولاً : " وجعلنا من بينهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يُبصرون " .. خجولةٌ أمّي حتى وهي تردُّد كلامَ الله .. تلكُم هُنَّ أمّهاتنا ، يرتدين العاطفةَ نهراً ، ويقرأن الالتزام طقساً وفي قلوبهن ضوءُ العلي الرحيم .

_ هل ستمر على كمال في بيته ؟

_ لا ؛ سألتقيه عند محطة انطلاق الحافلة .. هكذا اتفقنا .

عند الشدائد ليس من ملاذٍ إلاّ قوى الغيب نتوجه إليها لاستلهام تماسكات روحية ترافق القوى الوضعية كي تمنحها ثقةً ، وتسقيها قدرةً وتحمّلاً . لهذا انطلقَ صوتي مع خاتمةِ ترديد المؤذِّن الذي طفق يلاحقني وأنا أحثُّ الخطى مخلّفاً البيت والمسجد المجاور ، منعطفاً إلى " شارع المحافظة " العريض ، متّخذاً الرصيف بمحاذاة الجدران العالية أو الوطيئة " لا إله إلاّ الله " . لا رحيق يفعمني بهمسه في هذه الهدأة الزمنية من أوان الفجر إلاّ رحيقه ودعاءات أمي بالسلامة المَطَرية التي لا بدَّ ستُضِّئل من لفح الأقدار الخبيئة ... أتحسس جهة صدري اليسرى كي أتأكّد من وجود الجواز في جيب قميصي وأطمئن لعدم نسياني له ولأشياء قد تُفسد عليَّ خطَّتي في المغادرة .

أصوات الديكة متناثرة .. خطاي تفضحها ضربات حذائي على الرصيف . الشارع مزدحم بالفراغ والسكون . الحركة ميّتة إلاّ من كلبٍ قفز من مكانٍ معتم ، فجّر دفعات من نباح ثم سكت مجتازاً الشارع ، عابراً إلى الرصيف الثاني . جاورَ جدارَ دائرة البلديّة و تمددَّ هناك ، مولياً لعينيه متابعة ابتعادي .

الشارع يسلك امتداداً طويلاً يحفّز على التأمل ؛ يحثُّ على الاستذكار . ( شاهد أيامه الغارقة في النأي وسنيّه الأربعين تنتصب لتأخذ هذا الحيّز الطويل .. رأى الصبي الموبوء بالأحلام ؛ المُغرم بالرؤى ، النزِق الذي لا يروم للّيل أن يدنو ليغتال حيوية النهار وغواياته . الصبي كثيرُ اللَعب قليلُ الكلام ، حتى أنّ عمّته المتزوجة في مدينةٍ نائية أطلقت عليه لقب " الأخرس " عندما كانت تعجز عن الحصول على ردود أسئلتها التي تبدأ بـ" كيف حالك يا مبدر ؟ " ؛ ولا تختتم إلاّ بـ" لماذا لا ترد ؟ ! " هي المتشوّقة لاحتضانه وتقبيله بعد فراق ٍطويل يأكل أشهر أو أعواماً ؛ فصار الجميع : الأب والأم والأخت والأخ الذي يكبره ينادونه "الأخرس " . كانت العمّة تتأسّى عليه ؛ وكثيراً ما ردّدت كلاماً يكاد يكون حصيلةَ حكمةٍ وتجاربٍ مرَّ بها الآخرون . : " هذا الصبي كثير اللعب قليل الكلام ، وحال كهذا يجعل منه حين يكبر انعزالياً متقوقعاً " ، هي التي لا تفقه السبب علمياً وليست قادرة بحكم بساطة تعليمها على اعطاء تفسيراً مقنعاً لذلك ، ودون أن تعلم أنّ المحللين النفسيين يعزون الأمر لصدمات سيواجهها الأولاد المليئون بالنشاط والمكدّسون بالطاقة من مجتمعٍ لا يغفر للكبار أعمالاً تستمر صبيانية فيما هؤلاء الصغار لا يبغون لحبال الرجولة أن تسحبهم من جذل الطفولة ، ولا لسلاسلها أن تكبّلهم عن الحركة الدائبة في سهوب البراءة .... تنظر إليه العمّة فتحزن ،؛ وتقف جامدةً للحظات ، ثم تندّفع منتحبةً :

_ إنّه يشبه عبّاس . آ . أخشى أن تسري دماء عباس في عروقه .)

وعباس أخوها / عمّي . التقطته هالة الشيوعية بعمرِ ثمان عشرة سنة , وعَدته بتطلّعاتٍ ستمنح الانسانية المُعذّبة حريةً وسلاماً ؛ وهناءة عيش رغيد فأعتُقِل في العام 1963 ، ومات آنذاك تحت طائلة التعذيب عندما مارس البعثيون معه ومع الكثير ممّن سحرتهم الشعاراتُ الأممّيّة تواليات من انتهاك أخرق ينأى عن الفعل العقلاني ابتداءً من اجلاسهم على قناني المشروبات الغازية ثم ادخالها في مؤخراتهم ؛ وانتهاءً بتعليقهم من أقدامهم بخطّافات حديدية معدّة لتعليق الخراف المذبوحة ، وحرمان طويل من ماءٍ وطعام ، حتى انتهى مع اثنين مشنوقين بحبال عمَلت حزوزاً غائرة في رقابهم .

تبكي عمّتي ؛ وتروح تواصل النحيب . ثم تؤول بعد رجاء أمّي للاستعانة بالله إلى سؤال :

_ هل ما زالت كتب الشيوعية موجودة في البيت ؟ ألم يحرقها أحمد ( وتقصد أبي) . إنْ لم يكن أحرقها لحد الآن فسأصعد لأتولّى الفعل بنفسي .

وتهمُّ بالصعود إلى السطح .. إلى غرفة عمّي عباس التي أغلقها أبي ولم يمس ما في داخلها .. أمرَ أن يبقى سرير أخيه ومنضدة الكتابة ، وخزانة الملابس كما هي بمحتوياتها من بدلاتٍ وقمصان وبيجامات كانت تعود له . ( حتى عندما أُعلنت ما يسمى بالجبهة الوطنية والقومية عام 1975 ، وأصبح نشاط وعمل الأحزاب مشروعاً رفض أبي طلبات كوادر الحزب الشيوعي العليا للتعرّف على مخلّفات عمّي من كتابات وأفكار . كانوا يرون فيه رغم صغره آنذاك كاتباً واعداً وذكيّاً جسَّ مواطن كثيرة من مفاصل الحزب الفكرية والتنظيمية ؛ وظلّت شهادة المرحلة الثانوية المزجّجة والمعلّقة بمواجهة الباب تحكي سِفراً تعليمياً أدركه ولم تسنح له أكف القهر والعذاب والوحشية بتجاوزها .)

هل أنا حقّاً كعمّي عباس ؟ .. هل انتقلت دماؤه الفائرة في عروقه لعروقي _ كما خشيَت عمّتي يوما ما _ فجعلتني بعد اجتياز السنين أحمل صفاته ؟ هل ؟...

انتهى شارع المحافظة فوجدتني أعبر الساحة المستديرة الوسطى ، مركز التقاء أربعة شوارع . حثثت القدمين سالكاً درباً يقودني إلى زقاق " العراية " ، فانتهى بي أمام محطة الحافلة . هناك رأيت الركاب وقد احتشدوا عند باب الحافلة ... ارتقيت ؛ واندفعت إلى مقعدي . وقبل أن أدسُّ جسدي إلى جانب رجل ستّيني ريفي الملامح لمحتُ كمال على مبعدة ثلاثة كراسي .. إبتهج عندما أبصرني ؛ ويبدو أنّه هجس الكثير لتأخري .ّ لم أكلّمهُ ؛ ولم يُبدِ حركةً ...

هكذا كان الاتّفاق .

(3)

كان الطريق من بغداد إلى عمّان شاقّاً ومرهقاً وثقيلاً . والشاب الذي يجالسني المقعد بشعره الأكرد القصير صرف الساعات نائماً أو متظاهراً بالنوم ؛ حتى وهو يفتح عينيه قليلاً كان يمارس الصمت ، ولم تبدُ عنده رغبة للحديث . غير أنّه ، وحين بانت أنوار طريبيل الصفر اللاهثة سمعته يسألني :

_ هل ما زالت الحدود بعيدة ؟

_ نحن على مبعدة خمس كيلومترات .. ألاّ ترى الأنوار ؟

الساعة تتعدّى الواحدة ليلاً . وسؤال الشاب فاتحة مؤمّلة لهدف سيجعلني أشعر باستقرار بعد ساعات قلقٍ مُمِض صرفتها محاطاً بإسوار العزلة . لا بدَّ من أن أفتح معه حديثاً وصولاً لإنجاز غايتي التي تشغلني وحاصرتني بجيوش الهواجس .. عرفتُ أنّه تونسي وأنَّ اسمه " الهادي " .. طرحتُ أسئلةً مقتضبة ممزوجة بترحاب خاص معلناً أنَّ شعوب المغرب العربي جميعاً اخواننا لكنَّ شساعة المسافة هي من مسببّات البعد تقف إلى جانبها تراكمات الحدود ؛ هذه العوائق المثيرة للحنق . قال أنّه جاء قبل عام ليدخل احدى الكليات العراقية اعتماداً على يسر الاجور في الدراسات الجامعية ، لكنه وجد الحياة صعبة ومعقّدة ؛ والدراسة مرتبكة ليست كما فهم من خاله الذي درس الطب قبل أربعين عاماً في جامعة بغداد ويعمل الآن طبيباً له سمعةٌ طيّبة في تونس العاصمة .

اكتشفته راغباً في الحديث ؛ لم يُظهر تهيباً كأي شخصٍ يحسُّ بوطأة الغربة عند لقائه الآخرين . ذلك ما مررَّ أنسام الارتياح فوق حقل روحي المفتقد لها .

_ قال لي اذهب إلى بغداد اذا أردت لك مستقبلاً رصيناً ؛ فالاختصاص الذي تبحث عنه والمعرفة التي ترمي اغترافها تجدها هنالك . لي أصدقاء في بغداد صاروا أطباءً مثلي وما زالت لي معهم بقايا مراسلات وذكريات يمكنهم إعانتك فالعراقيون أوفياء ، والسنين لا تراكم غبارها على ذاكرتهم .

" الطريق يخلقُ الصديق . فلا تقلق يا مبدر ." ... كانت هذه آخر كلمات كمال عندما مدَّ كفّه للوداع ، ورسمَ ابتسامة متكلفة تخفي خشية أنْ يحدث شيء ٌلغير صالحي ... ولحظة تحركت الحافلة وتطلّعتُ اليه أدركتُ عُظمَ خوفه من الصفرة ٍ العميمة التي احتلّت وجههُ . ولم يكن كمال الوحيد في إظهار هذا الانفعال بل عموم المودِّعين لركاب الحافلة وهم يلوحون . فالمغادرون ليسوا كالأعوام الخوالي ، ينطلقون قصد السياحة والارتياح إنّما لإغراضٍ دفينة في طوايا النفوس ؛ لا قدرة للبوح بها . كلٌّ ينشد هدفاً ؛ وللجميع مآرب .

( 4 )

أربع ساعات قطعتها الحافلة تحركّاً باتجاه بغداد .. نام أغلب الركاب ولم ينتبهوا للتوقّعات العديدة المفترض على السائق أداؤها . فنقاط التفتيش تناسلت على الطريق . لم تعد السلطة تثق بقرية أو قصبة أو مدينة فصارت تُكثر من النقاط وتزيد من مفارز الأمن والجيش والحراسات الخاصة . وكان وصولنا لبغداد حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحاً .

تهاطلنا من الحافلة ؛ وتبعثر الركاب . رفعتُ حقيبتي واتجهتُ لأستقلَّ سيارة أُجرة .

_ إلى فندق الوفاء ، ساحة الوثبة .

تركنا " العلاوي " وعبرنا جسر الأحرار . دقائق ، و كنت أقف في صالة الفندق ، أقدّم هويتي للرجل المسجّل وأتفرس في قائمة الأسماء . أفرحني أنَّ " كمال " سبقني ، و أُعطي الغرفة رقم " 115 " بينما سلّمني المسجّل مفتاح الرقم "116" . هذا يعني أنّنا في طابق واحدٍ بل ومتجاوران . اتخذّتُ السلّم راجلاً إذْ المصعد متوقف يساير انقطاع الكهرباء .( لقد نسي النزلاء مثلما نسي أغلب سكّان العاصمة والمدن العراقية جميعاً لون وطعم الكهرباء . والساعتان في اليوم اللتان يصل خلالهما التيار يصرفه الناس بدقائق الخشية والقلق من الانقطاع في أية لحظة .) . نقرتُ على الباب نقرات خفيفة فانفرج عن وجه كمال يطلُّ ببسمة ابتهاج كأنها الانتصار . سألني عن رقم غرفتي ووعدني غب دقائق سيكون عندي .

الماء البارد ، الهاطل رذاذاً من فم " الدوش " ، الوسيلة المثلى التي افعمت أعضائي المزدحمة بالحرارة انتعاشاً ؛ وزارتني رغبة الخروج على الشوارع ألفّها مشياً . وهذا ما طرحته على كمال ونحن نلتقي في الصالة لأول مرّة .

_ سفركَ يجب أن يكون اليوم .. كم الساعة الآن ؟

_ العاشرة والربع .

_ هو الوقت المناسب للحجز . المكاتب لا تبعد كثيراً من هنا .. هيّا .

عبرنا الشارع واتجهنا سيراً إلى مكاتب " حافظ القاضي " . أدخلني مكتباً اعتاد أصدقاؤه السفر برحلات حافلاته ، ولم يوافقني على مكتب ذكرته كنت قد سافرتُ بحافلاته قبل خمسة عشر عاماً ؛ بل لم يعرف مكتباً بهذا الاسم ... قطعنا التذكرة ، وحُددَّ لنا وقت التواجد الضروري . كانت الخامسة عصراً لأنَّ التحرك سيبدأ الخامسة والنصف .

في النهارات الصيفية منذ سنين طويلة ، أيام كنّا نعوم في بحر الشباب الصخّاب اعتدنا التوجّه إلى المعارض الفنيّة والملحقيات الثقافية : معارض الرواق والفن الحديث تقدِّ م إنجازات المبدعين ، نلاحق الخلق الحثيث ونتابع المواهب الجيّاشة . نبحث عن كل ما هو جديد وخارج عن المألوف فأعمارنا المفعمة بالشباب تناوشت العشرين حديثاً تطرح أمام تطلعاتنا رغبات لا تُحّد .. ندخل المركز الثقافي البريطاني ، نطالع المجلات ونقتني مواعيد عرض الأفلام في صالة المركز . نسأل عن الجديد وننتهي .. نصعد الحافلة باتجاه "الباب الشرقي "؛ ثم من هناك نلجُّ شارع أبي نؤاس حيث المركز الثقافي السوفيتي . يواجهنا الرجل الأصلع ذو اللحية المدببّة ، وينظر إلينا الملتحي المؤطَّر بإطارات مزخرفة ، مثلما تلتقّينا العيون الزرق تقدِّم تحيةَ الاستقبال .. نخرج بعد جولة وحوار فرحين بما حصلنا من أشعار في كتبٍ لبوشكين وروايات لشولوخوف وجنكيز اتماتوف واجابات عن كيفية الحصول على تدوينات دستوفسكي وتولستوي وغوغول .

نهارات صيفية تدفعنا أماسيها إلى زيارات للأندية الثقافية للكلدان والتركمان والمهندسين . ولا ننسى أن نعرِّج على ساحة الأندلس حيث اتحاد الأدباء . هناك نرى وجوهاً كثيرة بعضها احتوته صفحات الجرائد ، وكثيرين لا نعرفهم قدموا لاحتساء كؤوس الخمرة وسط أجواء تمنحهم الاحتفاء والانتماء للوسط الأدبي وإنْ لم ينتموا إليه حقّاً .

رفض كمال اقتراحي في إعادة السيناريو ، مستنداً على سببين : أولهما أن لا وجود للمركز الثقافي السوفيتي أو البريطاني . فالأول أُغلقَ منذ أعوام بعيدة بعدما نُظرَ إليه على أنّه بؤرة هدّامة تطيح بصرح القومية ؛ أمّا الثاني فقد أُغلِقت أبوابُه يوم غُزيت الكويت ؛ إذْ استحالت بريطانيا الحميمة بالأمس عدوّة لدود ذلك اليوم . ثمَّ أنَّ الحضور إلى بغداد ليس بدافع النزهة والتفرّج ، فالأمر ليس بهذه السهولة والاستهانة .

_ هيّا نأخذ جولةً في شارع المتنبّي ثم ندخل مقهى الشابندر فندخِّن رأس أرجيلة تبديداً للتعب واستعادةً للذكرى .

_ نعم ؛ هيّا .. دعني أستنشق من خثرة ظلال شارع الرشيد وأعبُّ من هوائه الوفير. قد لا أعود إليه مرّة أخرى فيغدو حلماً أمسكتُ به ولم يدم بيدي ..من يدري ؟ ...

* * *

 

تذكّرتُ كمال .. تذكرته وهو يؤكد :

_ سأتبضّع من الشورجة وأعود هذا اليوم . لايجب قضاء الليلة في بغداد . مبيتي سيكون في بيتي بالسماوة حتّى يغدو سفري لغرض التسوّق وليس لشيءٍ آخر . هاتفني حالما تصل عمّان ولاتُطل المكالمة .. كن حذراً .

( 5 )

شيءٌ ما تبدّل عند دخول الحافلة الأراضي الأردنية . تمثّلت الأبنية المقتربة شيئاً فشيئاً شواخص ارتياح وطرد زفير . تغيّر الهواء الذي كان ينهمر على الوجوه ساخناً ؛ مستحيلاً أنساماً طريّة باردة . هل ينجلي التعب المزروع في أنسجة أعضائنا ، وخلل فضاءات النفوس بعد ليلةٍ كابوسية جَلمديّة الساعات أخذ فعل التفتيش والمراقبة والتحقيق سبعَ ساعات ( كانت العيون الذئبية تحتشد ؛ تطلق شرراً يتابع المسافرين ابتداءً من إنزال الحقائب وحملها إلى قاعة التفتيش حتى إعادتها إلى الحافلة مجددّاً . الخارجون يحسبونهم أعداءً يحملون أسراراً لا يجب أن تخرج . أسرار هي من نافلة كشف العورات المطمورة تحت أستار الرعب . ) .

في الجهة الثانية من ضفة الحدود الأخرى اقترب رجال شرطة زرق البدلات ؛ والقبعات موسومة بنجمة ملكية فضيّة ناصعة . كلماتهم الترحيبية تسبق أكفّهم الداخلة في بطون حقائبنا بخفّة وآلية لا تبغي التفتيش الحقيقي .( أنّهم يعرفون أنّ عراقياً مدعوكاً بقبضة الحصار منذ أعوام لن يأتي بما يضر المملكة ، وليس لديه الشيء الثمين لينافس به أبناء البلد ؛؛ إذْ الخارجون فقراء كما الباقين داخل القفص الكبير .)

لم يطل الانتظار أمام شبّاك تأشيرة الدخول ... وكانت الحافلة تواصل مشوارها الطويل باتجّاه عمّان .

_ خُذ .. قالها الهادي ؛ وسلّمني المظروف الذي استعنت به على تمريره .. قال : " لقد حرصتُ عليه أكثر من أشيائي . تفتيشهم لنا كان بسيطاً . لقد أعطيتكَ العذرَ عندما شاهدتهم يفتشونكم تفصيلياً ." ضحكَ بتعبيرِ السخرية : " يرونكم أعداء ! هذه سلطة ليست لها وشيجة مع شعبها ."

_ حُسن صنيعك سيبقى أجملَ ذكرى أحتفظُ بها عنك . _ سيكون لفعلِكَ هذا تاريخٌ قد تقرأه على صفحات عملٍ روائي ساقدِمُ على نشره يوماً .

تهللَّ وجهُه ، ورأيته يرسم اهتماماً مضاعفاً ينمُّ بها بريق عينيه النافذ عبر عدستي نظارته :

_ أأنتَ روائي ؟‍

_ بل شاعر ؛ لكنّي سأوظّف أدواتي لكتابةِ روايةٍ أمتلك الكثير من مفاصلها والأحداث .

من تلك اللحظة ازداد اهتمامُ الهادي بي فراح يحدّثني عن مسار الأدب التونسي رغم امتلاكه القليل ممّا لا يتعدّى اسماء من قرأهم في المناهج الدراسية . ولمّا قلت أنّي قضيت ما يربو على العشرين سنة في ليبيا وأنَّ بلده تونس كان محطة إطلاع وسياحة مستمرة لي ابتهج . حدّثته عن الأماكن الأثيرة لدي مثلما عرّجتُ على أسماء أصدقاء أدباء كانت لي معهم علاقة رفقة ٍ وتبادل آراء .

خلّفنا قرية " الرويشد " ودخلنا عمقاً في الفضاءات الصحراوية .

السماءُ تصحو فتعرض زرقتها المبيضّة بأشعة شمس الضحى . المفازاتُ على الجانبين تكسوها تربة سوداء وحجر ناري فاحم . لا أثرَ لزرعٍ ولا وجودَ لإكمّة ، فقط الحافلةُ تعدو والسائق الذي أتعبه سهرُ الليلة الفائتة استبدله السائق المساعد الذي بدا أكثر حيويّةً . تبدّى ذلك من تشغيله جهاز التسجيل بأغانٍ ايقاعية لبنانية راقصة وسريعة بثّت في دواخل الركاب نشاطاً ظهر من خلال نهوضِهم من مقاعدهم لادارة أحاديث مع جلاّسٍ في مواقع أخرى ؛ فيما ظلّت عيونُ آخرين تتابع من خلف الزجاج المظلل كلَّ ما يبعدهم عن رؤى خوفٍ وتوجّسات ظلّت تساجلهم .. وحتّى أمُّ محمد طردت من رأسها رغبةَ نومٍ هرب منها طيلة ساعات القلق الليلي الفائت ، فراحت تتساءل : " كم بقي على عمّان ؟ " فيرد المنتشون بالذي يُسرُّها .

الوقت يجري ، والساعة تدنو من الحادية عشر ظهراً . تركنا وراءنا " الأزرق " ومفرق " الزرقاء " . صرنا نشاهد على البعد القريب مزارع خضراء وبيوتاً حجرية ومشاريع انتاجية بهياكل أبنيتها الشبيهة بأكواخٍ كبيرة انطباعاً بأنَّ يد الحضارة امتدّت لتزرع بذار فائدتها في هكذا أماكن قصيّة فلم تعد المشاريع تقتصر على محيط العاصمة ومشارفها ... وكما لو أنّه اكتشف وجودي إلى جانبه لن يطول انطلق الهادي يواصل الحديث . يسألني وأجيب . أصمت ويتكلّم . الودُّ يزداد ؛ والحديث يأخذ طورَ الحميمية .. وأتذكّر طمأنةَ كمال " لا تقلق .. الطريق يخلق الصديق ! " . مددتُ يدي إلى جوف حقيبتي أتفقَّد جوازي والمستمسكات . شريطا كاسيت صارا بيدي ؛ لم يكتشفهما المفتّشون عند الحدود رغم أنَّ مَن تولّى تفتيشي دسَّ أصابعه تحسسَّ جميع منافذ جسدي ، فلم يسلم كلُّ ما بين فخذي من الأمام والخلف .

_ سنفترق بالتأكيد ، وقد لا نلتقي . هذان شريطان غنائيان لمطربين عراقييَن جنوبيين ؛ شريطٌ لك وشريطٌ لي . اعتبره عربون ذكرى .

تطلّع في الإثنين بحثاً عن اسمٍ يُرفع قبل أن يفوه :

_ غناؤكم حزين ؛ ومطربوكم لا يغنون بل يبكون .

_ لا غرابة .. غناؤنا تعبير روحي دفين عمّا نعيشه ؛ ومغنّونا لا يغردون خارج السرب . أنت عشت بيننا ويقيناً مرّت باصرتُكَ على بعضِ مواطنِ الجراح .. جروحُنا كربلائية لا يمكن لإعصارِ فرحٍ محوها .

_ ها هيَ عمّان !!

جاء الصوتُ من مقدمةِ الحافلة . صمتَ الركابُ لوهلةٍ كأنَّ القول سرق انتباههم وسلّمهم إلى شَدَهٍ / إلى أحلام نيّرة ما ظنّوها ستوصلهم إلى مرافىء الأمان حيث لا لون رمادي يلاحقهم ولا عين آتية من سلالات تخوم الإجرام تتعقّب خطاهم وتبصم قرارات التجنّي والبغض الكريه، ولا كف تمتد بمتعةٍ ساديّة تضغط إصبعاً على زناد يُنهي بومضةِ اللذّة سجلاً من حياة .. كم من شموسِ التطلّعات أطفأوا ، وكم من نسماتٍ متراقصةٍ على سهوب الفيض الآمن اغتالوا .. كم من طفلٍ صفعوه على خدِّ أيامه الناصعة فأنهوا متواليات الساعات الضاحكة ويُتمّوه يُتمَ الأجيال الرامية نظارتها نحو ضفاف الكون المشرق ... يتنادون على خلق قتلٍ جماعي ومقابرٍ تكبر وتتّسع .

بعثنا ببصرنا فأخبرتنا جغرافية الأرض بعمّان على مرمى بصر . الجبال تفترشها أحياءُ عمّان الحديثة تبدو شاهقة بينما قلب المدينة لا يُرى ؛ غائصاً في خثرة الأودية وغمرةِ الزحام ورهص الحياة الراقصة على تأجُّج البناء والعمل ؛ وعاصمة أُريدَ لها أن تكبر وتزدهر حاملةً رُقي العصر ورهافته .. ومزّقت الصمت والسهوم المشيع على حدقات الركاب زغردةٌ ملعلعة أطلقها فمُ أُم محمد كالبشير . أظننّي هتفت : ما عابَ فمُك أيتها العراقية المُحنّاة بالطيب والبراءة ؛ يا أصيلة ، يا حييّة يا ماء الحياة الرائق وبلسم جراح الورود .

( 6 )

 

خلف الساحة الهاشمية ؛ وسط عمّان كانت آخر كلماتي للهادي الشكر والوداع على أمل اللقاء يوماً ولو تحققَّ في الجحيم . أخبرته بتوجّهي إلى فندق قريب نزلتُ فيه قبل ستّة أشهر يوم نويت دخول العراق بينما أطلعني بنيّة ذهابه مباشرةً إلى مكتب طيران عالية لأنّه حجز من مكتبها في بغداد وأنَّ الطائرة ستقلّه إلى القاهرة مساءَ ، ومن هناك ستكون وجهته تونس .

وقبل أن نفترق رددّ :

_ أرجو أن أقرأ روايتك قريباً .

_ إنَّ الآلام الكبيرة تخلقُ آمالاً كبيرة ، يا صديقي . والرواية ستقرأها عاجلاً أو آجلا .

وافترقنـــا ....

الفصل الثاني

( 1 )

هي ذي مدارج الوجع وآليات التعبير ..

هي ذي مقوِّمات الحزن الدانية والألم القطوف .

ها هيَ ذي عمّان مضمارٌ للبحث وتجربة لا تنتهي من التفاصيل . شوارع وأزقّة ومحلات تحتشد ؛ وقمم جبلية أخفاها الزحف المدني فبانت بيوتاً معلّقة يُظهِرُها البعد الماثل كما لو كانت هياكل كارتونيّة متلاصقة . حركة الناس وسراع الخطى : وجوه عربية وأُخرى أجنبية : قمصان وبناطيل ضيّقة لنساء في أقصى درجات التحضُّر فيما أُخريات في أبعد حدود التديُّن : أحجبةُ وجوهٍ / كفوف لإخفاء قسمات الأكف / أردية بلا تكسُّرات أو تعرجات ، هطولاً إلى أسفل القدمين المدفونين في أحذيةٍ تقليدية .

هي ذي عمّان بفنادقها التي تتناسل وشققها المُعدَّة للتأجير . عمّان العين الوحيدة التي يرى من خلالها العراقيون حدود الأفق رغم انحساره وضيقه . هي المنفذ الذي لاغيره يتسلل منه العراقي الصاعد هرباً أو العائد اضطراراً .. ها هيَ بقلبها المتجيِّش حركةً . وسط المدينة / جامع الحسين يمكن أن يكون موقعاً للتطلّع ؛ ومن ثم الرغبة في التوجّه . شارع الملك طلال شمالاً يأخذك صوب المتنزّه الكبير الذي استُحدث بفعل حاجة العاصمة لوجوده . ويميناً تنحو صوب الساحة الهاشمية ، حاضنة العراقيين المتشرّدين . وعندما تجعل الجامع خلفك فإنّ الطريق يأخذك صعوداً ليتفرّع يميناً وشمالاً حيث المقاهي المعلّقة عادةً في الطابق الثاني ، لأبنية قديمة تعجُّ برائحة التاريخ الغائر : مقهى بغداد / مقهى العاصمة / مقهى الأردن اعتاد المثقفون العراقيون ارتيادها . فيها تتمُّ لقاءاتهم ؛ وحول مناضدها يتداولون الحال . القادمون من الوطن يقصّونَ آخر سيناريوهات الألم ؛ والمقيمون يستمعون لبانوراما حياة تترنَّح على كفِّ الأقدار .. الآتون من بعيد / من بلدانٍ بهيئة منافٍ يحضرون . يتشمّمون رائحةَ الأهل ، وينصتون باهتمامٍ ووله لجملة الأخبار . يتساءلون : هل تغيّر الحال ؟ هل الذي جرى عبر السنوات الثقيلة الممتدة إلى عشرين عاماً وأبعد ما زال هو ، هو ؟!.. هل مازال الفرات يبكي الضفاف ، ودجلةَ تشكو الوحشة ؟! ..هل.. وهل ؟! . وحين تمتلئ ذائقتُهم المستفسِرة بما يُشير إلى استمرار الدوّامة ينهضون مُكدَّسين بالكدر .

أُسلّم جوازي إلى إدارة الفندق وأطلب تهيئة الحمّام .

وتحت رذاذ الماء البارد المنهمر على يافوخي الساخن أسترجع كلمات العم شهاب وحواري معه .

_ لن تجدها . نجاة تشظّت وضاعت .

_ لا يا عَم . لن تضيع ، سأجدها .

بحثُكَ لن يكون له جدوى . اسألني ، أنا أبوها .. كلماتُ وداعها الأخير شممتُ فيه رائحة الغياب بلا عودة .

كلماتُه كانت صاعقة تهتك مسارب جسدي وتبدّد محاولات عقلي في التركيز . تدفع باليأس للتغلغل ؛ فتارةً أُصّدق القول لمعرفته بها كأب وتارةً أقول لا ؛ لايمكن أن تفعلها نجاة . ثم أعود واُخمّن أنَّ سنوات غربتي تمطّت وشسعت فتغيرّت مرافئ نجاة المستحبّة فلم تعد نجاة البراءة اعتقاداً أنّ للزمن تداعياته التي قد تقلب المعادلة وتطيح بالوعود والعهود والأقسام ، تُفكّك تشابكات الأصابع ؛ تصنع هوّةً هائلة بين فاهين كان آخر كلمات وداعهما انطباق الشفاه وامتزاج الأنفاس وتعانق النظرات .

_ ماذا حدثَ لها ، يا عم ؟!

يصمت / يرتكن للسكون فلا يجيب . يطأطىء الرأس ويروح في إسهامةٍ تنتج ذهولاً كاسحاً يقودني إلى تركه في جلسته المتهالكة ، وسط أثاث يبوح بإرثٍ مُنتهَك .

خنقني الرذاذ . والدوش صار يقذف فوق رأسي حممّاً تلهب جسدي وتدفعني لمبارحة الحمّام نصف عارٍ ؛ ثم يأتيني عامل الفندق بعد وقت موجِّهاً العتاب لعدم غلقي الصنبور .

جحافلُ الأسئلة تهاجم خلايا الدماغ ؛ تقتحم سواتر دفاعاتي الروحية : أيُعقل أن يكون بحثي عقيماً ؟ . وهل سيؤول تصميمي إلى تخوم الفشل ؟. ثمَ من قال أنّها في عمّان وليست في مدينةٍ ثانية . مدنُ العالم بلا حدود والآفاق بلا انتهاء . الدروب شسيعة المدارات ؛ هل سألفُّ العالم وأدور نادهاً ، صارخاً : من منكم رأى فتاةً بعمر الألق ؛ لها ملامح التراب والملح ؛ دماؤها مياه عذبة تجري منذ آلاف الأعوام بشرايين وأوردة اسمها دجلة والفرات ؛ لها أهلُ ملأوا عقولَ العالمين بمشاعل النور ، وسلّموا الأمم قصبةَ الكتابةِ ليدوّنوا الإرثَ ، والفعلَ والوجود ؛ ومنحوهم عجلةَ السير نحو اقيانوسات الخلود ؟!. أتراهم سيضحكون لبلادتي وغباء استفهاماتي؟ . وهل سيحسبون بحثي من عِداد الجنون والسفه ؟ . هل سيرون بي بحّاراً لا يملك سوى زورقاً بائساً ومجدافاً بالياً ليخوض في بحرٍ له مبتدأ وليس له اختتام ؟!..

الإرهاق يتسيّدني .. السهرُ سلبَ من طاقتي الكثير. وكان عليَّ أن أنشر جسدي على إنبساطة السرير وأرافق الوسادة في رحلة كرى ولو لدقائق ..

لكنَّ الرأس أبّى ، والجسد حملَ بواعث اللاإستقرار . نهضت فارتديت ملابسي . لم أستمع لنصيحة النزيل العراقي الذي شاهد حقيبتي وشمَّ رائحة الوطن . اكتفيت بالقول :" جولة قصيرة ، وأعود . " .

ألتمسُ الكَذِبَ لأُبرّر الفعل ، فأقول :

_ لقد نمت في الحافلة طويلاً ؛ والإجراءات الحدودية كانت يسيرة .

وسط غرابة عدم تصديق لم يعارض إنّما عيناه تحرّتا واستدّلتا على قلقي .

_ كما تشاء .

_ بعد نصف ساعة سأكون هنا .

ودّعته هذا الخمسيني الودود ؛ واجهني بأسئلة مبتورة عندما عرف وصولي للتو . حدّثني عن وجوده في عمّان ووصوله ؛ يتسكّع في الشوارع ثم يعود لغرفته . إنّه ينتظر منذ عشرين يوماً تأشيرة الدخول إلى تونس ، والسفارة التونسية لا تعطي الرد للعراقيين إلاّ غب مرور شهر كامل أمّا بنعم أو لا . فالعراقي بعيونهم كتلة ملغّمة بالريبة والشك . هكذا تُقدّم سفاراتنا العتيدة رؤيتها للدول التي تروم استقبال مواطنينا . تذكّرت معاناة العوائل العراقية وهي تنزل العفش أرضاً للتفتيش وترفعها بجهدها المتهالك لاعادتها للحافلات وسط عيون التتبّع من الحرس المصريين ، المرافقين للركاب الممنوعين من أية تحرّك خارج حدود وقوف الحافلات .. أسوار محطات الحافلات مزروعة بالعيون لئلاّ يهرب العراقي من نطاق التتبّع . تذكّرت ما حكاه لي أحدهم قائلاً :  تستحيل " العَبّارة " المصرية ناقلة المسافرين من خليج العقبة الأردني إلى مرفأ " نويبع " المصري مُعتَقَلاً لنا حيث منبّه الصوت يُعلن من على سطح العبّارة وأخاديدها أنَّ على الجميع النزول إلى الميناء باستثناء العراقيين . عندها يهتف الذي داخلي مرارةً : هنيئاً لكِ أيتها العروبة المُستباحة بالعهر والعاهرين ، ومرحى لكم أيها العرب السجناء . . العراقيون لا يُسمح لهم بالنزول ، وأمام الأنظار ترفل الإسرائيليات السائحات بأجسادٍ نصف عارية . أردافهن تعلك سخريتها بوجوه جرذان البالوعات حُماة الأوطان الأبطال ؛ يودّعنَ بجميل القول فيما العراقيون مجذومون مجدورون لا يجب أن يهبطوا كالآخرين ، ينبغي سوقهم برتلٍ من العساكر يتوزّعون بلوامس الحذر لكل ما يبدر من عراقي . لا يرتاح لهم بال إلاّ بعد أن يشهدوا دخول الجميع النساء والرجال في المعتقلات الصغيرة التي اسمها الحافلات حيث العسكري المُدرَّب على أداء الدور يقف عند الباب بعد أن يعدَّ الركّاب مراراً لتأكد مطابقتهم والقائمة التي بيده يطالعها بين الحين والحين خشية تسلل أحدهم من ثقبٍ في جدار العربة أو سقفها .

( 2 )

إيه نجاة ..

ها أنا أمسك الحرية من عنُقِها وأندفع لاحتضان بهاءً كادَ أن ينطمر تحت ركام الآهات .. ها أنا أرى نفسي سجيناً منحته قدرةٌ خارقة هوية الانصراف بلا عوائق ولا مقيّدات ولا نقاط تفتيش تتحرّى الهوية وتبحث عن ومضة حب للوطن والأهل لتكون مستمسَكاً وجريرةً تعيدانني إلى براثن الأسر والملاحقة اليومية .. قلمي بيدي والصور المتلاحقة الغائرة في شتات الذاكرة تمنحني فيضاً دافقاً للكتابة ، وما عليَّ سوى البحث عنكِ ، آآآ . أين أنتِ ؟؟ . أين سأعثر عليك ؟ لقد تبعثرت جذوتُكِ وتشظّت . استحَلتِ ذرّاتٍ يحملها أربعة ملايين تفرّقوا أشتاتاً . احتوتهم بلدانٌ لم يخطر بذهنِ أحدهم إدراكها ؛ ولم يدنُ إلى ذاكرتهم أن سيصبح بعضهم طعماً لأسماك القرش والسلاحف والفقمات والقريدسات .

في هذا المضمار الزمني المُلقى على أعتاب اختتام القرن العشرين تتوشّى عمّان بلمسات عراقية واضحة . فالبشر الذين يقطعون الطرق ويزاحمون المارّة بأعدادهم الوفيرة أغلبهم عراقيون . الباعة من النساء الجالسات على الأرصفة بعباءاتهنَّ السود وأخمرة وجوههن السوداء الموحلة يبعنَ السجائر على المشاة جميعاً عراقيات . أغلب المطاعم المتكاثرة وسط عمّان روّادها عراقيون . . دكاكين الباعة التي تزداد تهافتاً تزدحم بالعراقيين ؛ فقط المصارف والمحلاة الفاخرة المبهرجة بالسلع الباهظة ليست من نصيبهم ، يتجنّبون فتح حسابات بأرصدةٍ من هواء .

عمّان ! .. تتغيرين بعيني ؛ ونظراتي إليك اختلفت عمّا قبل ستة أشهر يوم عُدتُ مُحمَّلاً بشوقٍ لا يسعه فضاء روحي المحدود ، وليست لمشاعري قدرة التعبير عنه . كان أمل لقائي بنجاة يرغو ويتعالى ، والأحلام التي كدّستها فوق كاهل رغبتي باللقاء تتمثّل بساتين تتكاثف بزروعها وخضرتها ويناعة نخيل كثيراً ما تراءى لي كقامات فاتنات جنوبيات يندهن بي أن أعود فقد طالت الأيام وعظم الشوق ؛ وصارت الشواطئ في افتقاد دائم لخطانا البريئة / الحييّة / الجذِلة / وكركرات تركناها قبل أعوام طويلة تلوذ بالزوايا والعطفات لتطبع ذكرياتنا المائية النقية . أعوام صرفتها في المنافي حَفَرتْ بأزميل قسوتها على مسوح الذاكرة وتضاريس الجسد ، فلا الذي أبصرني عرفني ؛ ولا مَن مددتُ له كفّي أدرك تلك الكف ممتلئةً بالقوة والألق .. سألوني عن ارتعاشها وتوازيها مع العمر الزمني . وقال مَن حدَّقَ في عينيَّ :" ما له الذبول يكتسحهما ؟ ! " .

كانت اللهفةُ ترد : أنَّ كلَّ شيء يهون ؛ وإنَّ الثمنَ الباهظ سيعوّضه اللقاءُ الأبدي بنجاة .

أنا أدري أنَّ ما يؤرِّخ لولادتي الثانية هو اللقاء . ومن هنا استهنتُ بفيض الرثاء المُرتسم في النظرات الدهِشة لمطالعتي .

إيه نجاة ..

أين سأجدكِ ؟ وما هذا السؤال المتردد صدى مدويّاً في مسامعي حاملاً نداء كمال : " ابحث عنها . يجب أن لا تدعها تضيع .". آآآ .. أنفاسُكِ أعبُّها ساخنة ، شهيّة تمضغ شفتي .

_ أُريدها ليلةً من نارٍ ودم حتّى لا تنساني .

الفراش الذي ضمّهما كان متواضعاً لكنَّ نهديها ممتلئين وباذخين بشهد حبٍّ يأبى النضوب ورغبة الحياة المُشتهاة بلا انتهاء . فخذاها يعجّان بالشبق . أبصرا بعين النشوة أصواتاً تتجمّع وتتكاثف عند قاعدة النافذة تغني رفَل الوجود اليانع المُخضر ؛ وسمعا بآذان الرهافة صور العصافير بغير همومها اليومية . ابتهجا لرؤية البلابل تعيد لحناجرها سيمفونيات التغريد المنطفئ منذ زمن مثلما استقبلا الفواخت وهي تستبدل نغمة النواح بنبرة الرقص الفيّاض .. تقول :

_ أتعرّى لأول مرّة لا لرغبة في اغتراف شهوةٍ ولا استجابة لفورةِ شبق ؛ إنّما لتبقى الرائحة ملازمة لتحركك لا تُعطلها رائحة أخرى ؛ ولا ترتضي اقتراب غيرها مهما هجمت عليك نوارس الإغواء . أُريدها رحيقاً يتساوق والحاجة التي تفرضها محطّات الرحيل وقطارات النأي .

نهضت عارية تقطع ظلام الغرفة مُشعَّةً كأنها رمحٌ من نور . فتحت النافذة المطلّة على سماء أظهرت نجوماً تسفح نورها رضاً كأنه الدموع .

_ نافذتُكَ تمنحكَ الصورة الجليّة للوجود . لا بدَّ أنها كانت المُلهِمة تسقيك شهدَ الخلق من رضاب الرومانسيّة .. قُم الآن وانهل من الهواء السابح إزاءها . اغترفْ من منظر مدينتك الأثيرة . خُذْ وعبْ ؛ ستبكي كما بكى المنفيون قبلك .

لم تكن نجاة تلك اللحظة الفتاة الوديعة التي التقاها أول لقاء . كانت استحالت مَلاكاً من التجلّي والكلم النافذ . ترجّلت كما قصيدة مفعمة بالحماس مالكةً غمار الأحرف والأبجديات ، تشكِّل فحوى الثقة والاتّزان رغم مسحة الخجل الظاهر ، جمعت الكثير من ملامح "إينانا " إلهة الخصب لدى سومر ؛ وأفروديت إلهة الجمال عند اليونان ؛؛ بل كانت كلَّ النساء .

تختطفني الأكتاف تلامس كتفي مُعيدةً إيّاي لوجهةٍ كنتُ أسلكها منقاداً إلى مقهى " العاصمة " .. استلمتني الدرجة الأولى للسلَّم ؛ دفعتني لتهافتات الدرْجات الصاعدة تفصلني عن الحركة الضاجّة للمارّة وتقطع عن مسمعي ضربات الخطى المتلاحقة . أرتقي صعوداً في فضاءٍ تخثّره عتمة مُستباحة بضوء يهاجمها من أدنى السلّم ينتهي بالباب الموارب على فناء المقهى . روّاد يتحلّقون حول طاولات مستديرة انشغل بعضهم بقراءة صحف الصباح فيما غيرهم توسّد مرابع الصمت ، وآخرون يبحلقون بمن يُظهره فم الباب كأنهم بانتظار أحد . سحناتهم تعلن عراقيتهم .. عامل المقهى يدور بين الطاولات حاملاً صينية مستطيلة حوت أقداحاً وفناجين تلبيةً لطلبات الجلاّس . الجدران عتيقة تعرض صوراً لعمّان في الأربعينات ومشاهد لمزهريات تحتضن وروداً باهتة . وفي المواجهة ساعة جدارية آلية يتحرك رقاصها ليعد الزمن ويقدّمه جاهزاً لمن لا ساعة لديه .. كفٌّ ارتفعت تومئ باتجاهه . حدّق ليقبض عنق اليقين ، وتساءل إن كانت الإيماءة تقصده . حين وجدها تشير إليه دنا على وتيرة التطلّع . وجهٌ دائري ممتلئ يحيطه شعر غزير منسرح يبتسم من بين وجوه محّدقة به . تفرّسَ في الوجه مليّاً فأعاده إلى عبد الرحمن ياسين . آ،، ها هما يلتقيان . عيناه تفجّرتا ببهجة مدافة بدهشة . أبصرَ شفتي عبد الرحمن تختلجان بوجنتين محمرّتين مسوّرتين بلحيةٍ غزيرة سوداء انتهكها شيب متناثر. ملامح هي ذاتها التي اعتاد مشاهدتها أسبوعيا من على شاشة التلفاز الذي يبث برامجَهُ من لندن .

تناثرت الفرحةُ من فمه :

_ مبدر داغر !! .. وأخيراً .. ها .. ها ..ها .. خلتُكَ مُتّ انتحاراً عندما توارت أشعارُك عن صحف لندن العربية .

_ لا . وجودي في العراق سببَّ عدم تواصلي . كان عليَّ أن أصمت طيلةَ بقائي هناك ، ولو على مضض .

قدّمني إلى من يجالسوه ، وقدّمهم لي :

_ علي الزرّوق . ناقد مغربي يتخفّى بأسماء مستعارة ؛ يكتب الشعر باسم الفرزدق وينشر نقوداً أدبية باسم " الأفوه الأودي " ، ويحمل جوازاً باسم أبو بكر الزرّوق .

_ مرحباً .

_ وهذا أحمد كامل ، ناقد تشكيلي سوري يقيم في السويد .

_ أهلاً .

_ ومصطفى العارف .

_ أعرفهُ من مجموعته ( ضياع النوارس ) تدهشني ! لم تكن مجموعة أشعار إنّما جيش قلوب مُنتهك بالفقد .

وإليهم توجه مشيراً عليَ :

_ صديقي مبدر داغر ، شاعر لابدَّ أنكم قرأتم له .

هتف علي الزرّوق :

_ كيف لا . هذا الشاعر يتوجّه بخطابته إلى امرأة مأسورة على لسان محاور طعين . هكذا كنت أستنتج كلما قرأتُ له نصّاً .. جميل أن نلتقي وبمصادفة تفشي لنا سرّ معرفة قديمة معك يا عبد الرحمن .

انتشى الجميع إعلاناً لبهجة اللقاء .

يؤثر عبد الرحمن النقد الأدبي ، وله اطّلاع عميم بالمدارس الأدبية النقدية ؛ كما أن له رؤية دافع عنها كثيراً في كتابه " وقائع النقد المعاصر " المتعلّق بالتناص ؛ يتناول من خلال أحد أبوابه أعلام من تداول هذه الظاهرة وأُطلق عليهم " البنيويون " . كان متحمّساً إلى أنَّ رولان بارت لم يأتِ بالجديد وأنّه يُكرر ما قاله كتّابنا العرب قبل عشرة قرون .

أراحنا اللقاء . بددَّ بعضاً من جفاف الروح وخففَّ من تواترات القلق . دعاني أحمد كامل لزيارة المعرض التشكيلي المقام في قاعة " الفينيق " ، متحدّثاً عن الظاهرة الجديدة التي تجمع معرضاً مشتركاً عربياً وأوربيّاً ، ثم التعاون بين جمعية " إيكو" السويدية للفن التشكيلي ودار الفينيق . تحدّث عن التمازج كبادرة حسنة ، وانتقل إلى أن التعرّف على الثقافات الفنية يغني الفنان بخبرات وتجارب تدفعه إلى التحرك صوب مضامير أبعد في الإبداع .. قال : ستظهر لي بعد يومين قراءةً عن المعرض في عمودي الأسبوعي " توهجّات " .

في خضم الكلام والتداول الحديثي سألني عبد الرحمن عن إقامتي الحالية :

_ فندق زهران ؛ وضعت حقائبي فيه ولم أمكث غير نصف ساعة . اليوم كان وصولي من بغداد ، والساعة هذه وصلت فقادتني الخطى إلى هنا .

_ أكمل ليلتكَ فيه وغدا صباحاً سأمرُّ عليك لتقيم معي . لدي شقّة استأجرتها لشهر ؛ لا يجب أن تبقى في فندق يحطمك خروجُ ودخول نزلائه .

استأذن العارف ، ثم تلاه أحمد كامل ؛ تركانا لوحدنا .عبد الرحمن يختزن أسئلة وفيرة بينما داخلي شرعت تنبثق استفهامات لا تنتهي : عن ظروف وجوده في لندن . كيف استطاع اقتناء كفِّ الرحيل لتقلّه إلى جزيرة الأمان ، وكيف أمكنه التكيّف طيلة سني الارتحال وآلِ به الأمر إلى أن يصبح ًمُعدّاً ومقدِّماً لبرنامجٍ ثقافي في محطة فضائية عربية لها ثقلها الإعلامي المنتشر على أرض البسيطة .. أتملّى ملامحه وما فعلته مخالب الغربة على سيمائه ومنها أطابق ذات الفعل على وجهي .. نصف ساعة انصرفت عبر المكوث الملغّم بالأسئلة والاستفهامات والحديث المُسهب عن شؤون ثنائية وأخرى تغلفها العمومية التقليدية ، ثم : " هيّا لننهض " . قالها بتلك النبرة التي لم يتخلّى عنها حين كان يبدي حميميته يوم كنّا صغاراً نتقافز كالقطط ونحن نتّجه صوب الفرات لنغطس في صفائه السارح الرهيف ونعوم على غيمة الجذل العميم . حملَ حقيبةً جلدية صغيرة منتفخة ، مؤكَّدا تحوي ما أفضت به الروح من إبداع دوّنه ؛ و لقاءات أدّاها ليغذّي بها برنامجه .

هبطنا إلى حومة الزحام . كان الوقت قد تجاوز القيلولة ليدخل هنيهات وقت العصر . حركة المارّة تتكاثف فتُثقِل الخطى وتُبطِؤها . في دروب الرأس ينبثق سؤالُ مقارنةٍ بين أُناس لا يعرفون سوى راحة البال ويرفلون على ثرى الاستقرار ، وبين آخرين هناك ، في مدننا التعبى حيث الأحزان غيوم تسكب كدرَها على الجميع فتغمر مسارب أرواحهم الخاوية بغدران اليأس ... ينتشلني صديقي من بين الكتوف المتراصّة وزخم ألمي المتعثّر ليدخلني إلى انعطافه فرعية ضيّقة تتقابل فيها محلات لبيع الإكسسوارات ؛ ثم يوقفني عند مدخل خلته مقهى فإذا به بار يلفه الصمت . روّاده قليلون ؛ تناثروا منفردين حول مناضد تُعلن قناني بيرة " هنجر" ذات الزجاجة الخضراء استطالتها . تقدّمني صوب منضدةٍ تجترح مكاناً تتناسل فيه عتمة رائقة . ما أن احتوتنا الكراسي واتكأنا حتى بزُغت أمامنا فتاةٌ خُلاسية عارية الصدر ، يتنافر نهداها السمراوان بحلمتين مستهترتين ، وخصر ضامر ينتهي أسفله بشال ريفي مشجَّر يخفي مرايا الفخذين من الأعلى لكنّه يتيح لهما امتصاص الضوء الشحيح المتساقط من مصباح ضئيل يجاورها ، ليظهرهما بالتماعة تثير تحديق الناظر وتدفعه للتملّي الوئيد ، فيما العينان مفتوحتان باتساع يجمع حشوداً من الغواية والنفور الغجري .

القدحان الأوليّان من السائل الذهبي الأقرب إلى الانجماد بعثا شيئاً من الاسترخاء في جوفينا ، طفق يدبُّ بلذاذةٍ شرعت تقلل من غِلواء الآهات المزدحمة عند أفق الأعماق الجريحة .

في تواليات ارتشاف الكؤوس أسئلةُ عبد الرحمن تتماوج عن حالة دخولي العراق وحيثيّات خروجي . أسئلة حسبتها من قبيل الاستمرار في الحديث ليس إلاّ ؛ وظنّي أنه طمر كل ما يمت إلى الوطن ؛ لكن للخفايا سواترُها ، وللألم تراكمُهُ مثلما للبوح نوافذٌ تواربت أمامي فإذا بمحمود الذي ظننتُ دواخله باتت هواء تتمثل إزائي خزينُ وجع ؛ وإذا بالجَلَد الذي شكّلَ قناعاً خزفياً يتهشم مع أول آهةٍ ؛ وإذا به كما لو كان ينتظر هذه اللحظة منذ دهر :

_ ستستنزفني غمامات القهر ، وتشظّيني كفُّ الأحزان . سيحترق دمي ويستحيل قلبي بالونة أسى يمكن تفجّرها في أيّما لحظة إنْ بقيت بذلك الهلام الذي لم يعُد لنا .. تركتُ الأم كما تعرف والأخوة ،، الحواري والمنعطفات . تركتُ طفولتي ومكامن دفئي ؛؛ أغصان الفرح وأعشاش البهجة . تركتُ مدينتنا الوديعة ، المولودة من سرّة البراءة وطقوس حنين الفرات الأبدية . تركتُ أفياءها وأنفاسها ، وحديث الزروع .. تركتُ كلَّ شيء . ولو فكّرتُ بشيء من هذه سأسقط في سحيق هاوية البكاء والانسحاق .

أظنُّ أنَّ تلاحق الكؤوس فعل فعلته معي أيضاً فجعلني أرد :

_ تطرَّفتَ كثيراً بخروجك المبكّر . كنتَ مُغرقاً بالعبثية ولم تعطِ لعقلك فسحةً من المرونة تمارس فيها مراجعة الذات والمواقف .

كانت الأعوام الوسطى من السبعينات لقاءات حفاوتكم . مبدر، وعبد الرحمن ، وكمال وشلّة من الشباب الخارجين من بيضة المراهقة . تعومون على طفو قراءات هيمنت فيها أفكار " كولن ولسن " و" ألبير كامو" و " جون بول سارتر " المنفلتة من عقال الالتزام ، والرافضة وجوداً يعجُّ بالمقيّدات .. تدخلون سجالات محتدمة لآراءِ عبثٍ توا شجت وتغلغلت في أعماقكم وسط شغف لا تفقهون كيف كان يتراغى ويعلو . تقرءون لغةً تنأى عن المألوف وترسو على مرافئ أراء جريئة تناهض السائد . لا ترون الماحول سوى هباء من حياة باهتة / مقيتة / قذرة يحياها الغاطسون بمستنقع البلادة على أفضل وجه .. غيوم السريالية القادمة من آفاق الشيوعيّة تتسرب إلى الأوساط المحيطة فيتلقّفها شبابً صاخبوا الأعماق بينما يقف شبابٌ آخرون على الحياد . أمّا أنتم فتنكّرتم لها بشدّة . حسبتموها ريحاً مرّت ولم يعُد لها ضرورة . التمسُّك بها يعني اقتناء البلادة والاستغفال ؛ لذا ركلتموها بأقدام تطرّفكم . اعتبرتموها وباءَ تفاهةٍ يتساوى وأيدلوجيات الضحك على الذقون . فالثورية حاملة لواء السياسة مصطلح فسّرتموه أكداساً من الكَذب والافتراء يثير القيء ويسرّب لمفارق الروح فايروسات الغثيان . المهووسون بالماركسيّة والقومية ، وأولئك الذين يُعلون من شأن الحزبية والتحزّب اعتبرتموهم يبعثون على الزيف والريبة . لخّصتم موقفكم بقولكم : " أنَّ هؤلاء بحماقاتهم يطيحون بقامة الوطن الجميل دافعين به إلى قعر الحضيض . وإذ ْ ينتهون من صرخاتهم وأحاديثهم الرافضة ننهض . لا شيء يضمّنا بمعطف هدوئه سوى " بار السعفة الذهبية " . تهرعون إليه لتستلهموا روح التخلّي عن الوجود المزيَّف .

وفي غفلة من الاهتمام انفرّطت حبّات اللقاءات وتناثرت . أعاصير هوجاء هزّت كيان عبد الرحمن وجعلته يتخلّى عنّا ، مثلما ألقمت كمال حجر التهيُّب ؛ عاجلها القدر بصفعاته المرّة فاستحالت منابت الألفة منابعَ كمد ؛ وساعات التلاقي محطّات لاعلان القَرف من كلِّ ما هو محيط . فكان على عبد الرحمن ركوب موجة الاغتراب . رحل إلى بيروت ومن هناك سمعنا أنّ جزيرة مالطا تلقّفته مبحراً في زورقٍ جمعه مع وجوه شرق أوسطية ، تتلاقى همومهم ولا تتغاير التطلّعات . لكنَّ الأشهر التالية نقلت خبر وجوده في طرابلس الغرب . كيفَ حدث ذلك ؟!

استمرت الفتاة الخلاسيّة الناهد تترصّد انفعالاتنا ؛ والدخان المتعالي من بارجة سيجارة عبد الرحمن حجب نفاذ نظراتها باتجاهنا .. سألني عن كمال ، فحكيت له عن آخر لحظات الوداع في بغداد وأنبأته بقراره المؤجل في الانتحار لأنّه تزوّج وله الآن بنتان وولد ؛ غير أنّه كثيراً ما يحدّثني ويذكّرني بأن آخر مَطافِه سيكون الانتحار حتى لو صار لديه قطارٌ من أولاد .

رسم ابتسامةً هاربة :

_ هذا القرار اتّخذه قبل عشرين عاماً ؛ ألا تتذكّر ؟

_ كان قرارنا جميعاً .

_ صحيح . ما زلت أستعيد عبارتَك وأنت تناهضه : " لا يجب أن يكون انتحارنا شفاءً للموتورين ." فيسخر من قولك برفعِهِ لافتة التحدّي والإصرار على أداء الفعل حتى لو أنجزه بمفرده .

يتكدّر وجه عبد الرحمن وهو ينطق آخر كلمة . يجتاحه شرود غريب . في عينيه تطفح غمامات ذهول ثقيلة ، تلتها سحب أنفاس ٍ متكررة من سيجارة هصرها انطباق الإصبعين . رأيته يستجمع أفكاراً مُبددة ، يجني مفردات مبعثرة . رأيته ينقر على الطاولة نقرات مَن أُهينَ وأعلن حاجةً للرد . يذوي ، ويتقهقر ، وتنفرط لآلئ رقّته فتسقط في هوّة المجهول . ثم رأيته يوشك على البكاء ففاجأتني سحنته تغيب منها السماحة ، أنا الذي كنت أعتقدتها وديعةً ، هادئة .... أعود إلى عشرين سنة خلت . أعود إلى ذلك اليوم الذي تفرّط فيه جمعنا وقال القدر: قفوا ! ؛ فدوهِمَ بيت عبد الرحمن ليلاً وسِيقَ مُعتقّلاً ؛ ثم بنفس الوقت أُخذ كمال من بيته . أمّا أنا فتحسسّتُ شيئاً غير عادي إثر مشاهدتي لوجوه غريبة تترصّد شارعنا وقد أخبرتنا جارتنا أنّ أشخاصاً يغدون ويروحون يتطلّعون لباب البيت وعندما دخلتُ أبصرتهم جارتنا يتخاطبون بإشاراتٍ . ليلتها تسلّقتُ الجدار الخلفي هارباً عبر بيت جارنا فلم يفلحوا في اعتقالي ساعة داهموا البيت منتصف تلك الليلة . كان حظّي الهرب شهراً بعيداً عن الأعين ، وحظ عبد الرحمن الاعتقال بلا خبر عنه ولا كلام ثلاثة أسابيع ؛ أمّا كمال فخرج بعد أربعة أيام إثر توسّط أخيه وتحركه استعانة بدرجته الحزبية العالية وتعهده بحسن سلوك الأخ لئلاّ يؤثّر على سمعته الحزبية مستقبلاً .

_ لكمال الحق في تأكيد الانتحار ، فهو يشهد التجنّي اليومي ويغدو أحد المدوّنين لحقبة سوداء يحياها عراقنا الذبيح .

_ هل تعلم ؛ أنّه ما زال مصرّاً على الانتحار حتى وهو يدخل الأربعين ؛ حتى وهو مثقل بالأولاد ؟

_ الآن لا ؛ لا أوافقه . أريده أن يشهد انسحاقهم بأقدام الثكالى واليتامى والمغيَّبين .. آ..يا مبدر ( قالها بصوت علا فوق حدود الكلام المعهود فالتفت ناحيتنا مَن كانت الخمرة لم تبعده عن فضاء المكان ) لقد رمونا في رحم المنافي ثم راحوا ينهالون علينا بهراوات شتائمهم ونعوتهم الجاهزة . فتارة نحن الخونة وهم صومعة العفّة ! نحنُ القُمامة على قارعة الطريق وهم ساحة الروض العاطر المفعم بالورود ! نحن أبناء العاريات اللاتي لا يسترن عوراتهن وهم أبناء الناسكات الطهورات حافظات فروجهن وساترات مؤخّراتهن ! نحن الكلاب السائبة وهم أولاد الملائكة ! وكأنهم لم يأتوا من أوجار الثعالب العفنة وبيوتات العهر التي ضمّت أمهاتهم ، وتوزّعوا بين آباء لا يعرفون أسماءهم .

تطلّعت الخلاسيّة الناهد تنظر بعين زائغة فيها دهشةً وسؤالاً صرتُ أسمعه ، يأتيني كذبذبات متتالية : ما هذا المشحون بالألم والغضب ؟ أي حزنٍ يتراكم في جوفه فيدعه اللحظة ينفجر بهذا الهول من الصراخ إلى حدّ أنَّ النادل اقترب ليتساءل إنْ كنا بحاجة لشيء استدراكاً لتخفيف الغائلة التي عمّت المكان .

لا ندري كم صرفنا من الوقت سوى أنَّ الطاولة ازدّحمت بالقناني الفارغة ( لكأننا كنا في سباق للتعويض عمّا فاتنا من سنين لم نلتق خلالها لنمارس طقوس السكر الجماعي . ) ، والبار خلا إلاّ من النادل الملتصق عند حافة مصطبة البار والفتاة الخلاسية نافرة النهدين وضامرة الخصر تتأملنا بعين كاميرا راصدة ( لابدَّ أنها ستهبط تاركة إطارها الخشبي الصقيل لتستبيح فضاء البار تمارس الرقص الجنوني على سطوح الطاولات الفارغة لتشم أنفاس الجُلاّس ، لتقيس مقدار الشبق أو الهم ، أو اللذّة التي شاعت في عيونهم ثم سكبوها حرّى وغادروا . ولا بدَّ أنها ستقف عند طاولتنا لتترجم فحوى فوضى الأعوام وأبجديات الضياع التي صرفناها بعد تراكم خيبات استنتجناها من استحالة تحقيق الآمال وتغيير العالم كما نشتهي . ).

عندما ودّعني عند باب الفندق واستقلَّ سيارة أجرة نحو شقته في جبل الحسين كان العقربان يتعانقان عند الثانية عشر ليلاً . ذلك ما أنبأتني به ساعة إدارة الفندق . استنجدتُ بالاتّزان كي أقطع الممر الموصل إلى غرفتي لأُضيّع على الرجل الجالس خلف مكتب الإدارة فرصة اكتشاف تخدّري . ( دائماً هناك الرقيب . إذا قدرتَ على إقناع أو خداع الخارجي هل باستطاعتك خداع الداخلي وهو المنشطر المتناسل ؟! ) .

مباشرةً كان ارتمائي على السرير . رغم الجوع الضارب وحاجتي لما يسد فراغ الصارخة في جوفي . تركتها . لم أفعل شيئاً . فقط خلعت الحذاء الذي سمعت سقوطه أرضاً ونظرة انفلتت إلى سرير النزيل العراقي . كان خالياً . لم يثر انتباهي ، ولا توالد سؤال أين يكون ؛ لأنَّ الوسادة أدّت فعلها المتمّم للخدر . وما أن هممتُ باستذكار الرحلة من بغداد إلى عمّان حتى سحبتني من فوضى التذكّر لتقلّني إلى دوحة الكرى ؛؛؛ فكان الرحيل غوراً .

( 3 )

في صباح اليوم التالي ؛ في الساعة التاسعة استيقظت على صوتٍ هامسٍ فإذا بعامل الفندق يبلغني عن نداءٍ هاتفي تكرر لثلاث مرات . قال أن شخصاً اسمه عبد الرحمن هو الذي اتصل ، وأنه طلب مني البقاء في الفندق لحين مجيئه .

_ بالأمس انتظرتك في صالة الانتظار ؛ كنت أتابع التلفاز لكنني لم أشاهدك وأنت تدخل .

قالها النزيل العراقي بعد التحية الصباحية .

استنجدتُ بعذر لقائي بصديقٍ قديم هو ما سببَّ تأخري . لم أتطرَّق إلى جلسةِ استنباتات الآهات واستدعاء الذكرى والقناني التي تهافتت انتصاباً على منضدة البوح .

 

********

وأنا في دقائق الانتظار خامرتني فكرة أنْ أمد يدي إلى الظرف ، استخرجه من جوف الحقيبة . أستخرج روحاً كتبَ بعضاً من خلجات وأباح بكمٍّ من مشاعر . لقد وِهِبَ الإنسان نعمة التدوين كتابة أو رسماً بغية التأريخ .. نؤرخ أفكارنا لنجعلها تصويراً مثبتاً لزمن سيغدو مكاناً تؤوب إليه الذائقة لتعيش الفعل .

إنه روح نجاة تسكبه على الورق ؛ تهرقه على صخرة البوح . روح صادق ينأى عن المبالغة ؛ يلامس جدار القلب .. أنا ونجاة سنكون مشروع رواية .مشاعرنا ستتمازج ؛ نصهرها في بوتقة السرد . نمنحها رحيلاً سيّاراً في فضاء الإفضاء بلا مواربة ، بلا قيود .

_ من كلماتِكَ الراقصة أو الذبيحة على صفحات المجلاّت وأعمدة الصحف ارتشفت رغبة القراءة . ومن لقاءاتك أدركتُ كيف للإنسان أنْ يكون كاتباً . كنتُ مجنونةً ومهووسة بأجواء الكتابة وبحور الأدب تتلقّف زورقَك المتلاطم بعبثٍ لذيذ واحتراقٍ شهي .

أقول :

_ لا أُريدك أن تتمثّلي بي فأنا رجلٌ عابثٌ رافض ؛ ومأزوم .

فتقول :

_ صراحتُكَ هذه واحدة من مسببّات تعلّقي بك . لم تكن غامضاً ، ولا غائماً .. رأيتُكَ سماءً تُعلن صفاءها ، ولافتة متخمة بشعارات البساطة والوضوح .

في زمن الانكسارات والتقهقر القسري ومحمولات الهم الثقيل تتبارى جبهات الإرادة . جبهة تتأبط حِزم الخيبة واليأس وانطفاء الشمس . وجبهة تركن إلى تفعيل الانزواء والركود ؛ فيما ثالثة تنتفض كالعنقاء من بين الركام والأنقاض والرماد لتعيد خارطة تشكّلها الاستهلالي . وجبهة رابعة تتأرجح ؛ وخامسة تنوء ؛ وسادسة تلهث وراء سخرية الأعداء تلثم الأكف وتتدرّب على إجادة فعل الركوع والخنوع ، وطلب الغفران .

المظروف يُحدِث تنمّلاً في كفّي . وفي الأوصال تسري رعشة تثير الدواخل سعياً للاكتشاف . سأُكمل قراءة ما أفضت به أعماق نجاة في مجتزأ نصّها " الأب كما رأيته .. البيت كما أراه " فألجُّ جزءها الثاني سعياً للاطلاع .. حزمة الأوراق ما زالت محتفظة بنصاعتها لكن خط الكلمات المدونة عليها أفشى لي بأنَّ ثمّة تعثراً كان يحدث أثناء الكتابة ، وأنّ نجاة لم تقم بتجديد ما كتبتْ بل تركتْ مشاعرها مسكوبة كما هي دون تشذيب أو إضافة ( لعلها كانت تكتب بتواصل لئلاّ تتلاشى ومضة الرغبة في التدوين ، أو أنَّ المزاج كان متعكّراً بحيث لا تجد ما يدفعها إلى التقاط أنفاس الارتياح لتعيد الكتابة أو أنها شرعت تكتب بهذه السرعة لأنَّ في رأسها قراراً ستعمل على تطبيقه .. أتراه كان قرار التواري . )

دخل النزيل العراقي يحمل قدحين من الشاي . وضع أحدهما أمامي مبتسماً :

_ قبل الفطور؛ يزيح بقايا النعاس ويفتح الشهية للأكل .

ذكّرني بما نسيته . منذ أن قضمت حلوى أم محمد في الحافلة ولم أُدخل إلى فمي لقمةً يمكن أن تسمى وجبةً باستثناء حبّات " الترمس " التي أرميها في فمي كمقبّلات يُحضرها لنا عامل البار . شاي ساخن بخاره يدرك تخوم الأنف فتعبّه الخياشيم ، وعينان تفتحان شهيتهما على الورق . نظر إلى حزمة الاوراق وتطلّع يجوس نظراتي . وقبل أن أقدّم شكري تركني :

_ سأعود .

ثم كأنّه تذكّر :

_ ألم يأتِ صديقك بعد ؟

لم يسمع الرد . كان ترك الغرفة ليمنحني فسحةً للاختلاء .. طيبون أبناء بلدي . يمتلئون بمشاعر الدفء والألفة المميَّزة . لقد جُبلوا على رقَّةٍ وحُسن سلوك بلا حدود ، حتى وهُم في أقصى اقيانوسات الألم : مطرودون ومنفيون من مرافئ الحلم .. ما الذي دعا هذا الرجل لتقديم مودَّتهِ الفائقة ودفعه إلى أن يعرض حناناً هو ذاته الذي نحسّه عند آبائنا والمقرَّبين منّا . وضعتُ أصابعي على جبهة الصفحة الأولى لأقرأ ما خطّته مشاعر نجاة : " الأب كما رأيته .. البيت كما أراه " . .. دفعه ذلك إلى التعرّف على جزئيات قد لا يعرفها ؛ سيما وهي المتغلغلة في شرنقة حياة أسرة كانت له معها أيام معدودات ( أيام من عِداد التوتر الحاسم ، وساعات من التلظّي على صفائح القلق الساخن ) ، ومؤَكَّداً ثمّة تفاوت بين أن تنظر من الخارج وبين أن تكون داخلاً . تكتب نجاة عن محورين مثيرين كأنها تدرك أهميتهما : الأب والبيت . لا بدَّ له من القراءة برويّة . نهض فأغلق الباب ؛ وأحكم إغلاق النافذة المفتوحة المطلّة على شارع الملك طلال ، المُربكة بفعل منبهات العربات والكوابح ولغط المارّة المقتحم جو الغرفة .. دخل عبر استهلال الكلمات الموشّاة بالشعر والناضحة توصيفاً لا تريده نجاة أن يطير محلّقاً بعيداً بعيدا ، بحيث تنأى عن الواقعية فيدخل فوضى المبالغة . غمرته الدهشة وهو ينهي فصل الرؤية والتوصيف للأب والبيت . سقط في حومة التفكّر ؛ فالذي قرأه هو أسلوبه في الكتابة النثرية ، مع نَفَسٍ فيه مسحة حزن دفين ورثاء لا تبغي إظهاره كما تفعل نادبات المراثي لراحلٍ عفَت عنه الدنيا وسلّمته لمصير البشرية المحتوم . فكّر أنَّ نجاة كانت تقرأهُ فعلاً . كان مقروءً عندها حقّاً ؛ ويقيناً أنها التهمت أشعاره وطالعت كتاباته الرؤيويّة في الشعر بحيث تشرّبت بكل ما كتبَ فراحت تكتب بقلمهِ لتصوِّر حياةً تعيش جزئياتها . هذا تدوين أسلوبي عالي المستوى . إذاً كانت نجاة مشروع كتابة مؤجَّل وجد طريقه بعد رحيله ؛ والرحيل فجّرَ البذرة المُخدَّرة في رحم إبداعها الكامن . هذا الثراء السردي المُتقَن والتوصيف الصوري الباهر سيكون مقدِّمة للعمل الروائي .. هكذا قررتُ .

حين ألتقي بعبد الرحمن سأُطلعه وأُكلّمه عنها . لحد الآن لا هو سألني عمّا لدي ولا أنا بادرته بالحديث ( لعلَّ لفراق الأعوام وقصر الوقت الممنوح لنا للقاء الأمس مع تأثير الخمرة التي لعبت فأعادتنا لسنين بعيدة وأحاديث هي من عِداد الشتائم على مبعثرينا ما أبعد طيف نجاة عنّي ... حين وجدتُ أن الأوراق تقدّر بخمسين صفحة من الحجم الكبير ساورني ارتياح وتسللت لمفارق الروح رغبة أن يكون فحواها جزءً هامّاً من اشتغالي الروائي .

نقرة خفيفة على الباب أنبأتني به يدخل عليَّ باسماً بعينين متورّمتين قليلاً ومحمرّتين مؤكداً .

_ كنتُ كالجبل الجاثم فوق السرير . أجبرتُ نفسي على النهوض .لولا الموعد لانتهى النهار ولم أفق .

أمعنت النظر فيه . الوجه أكثر احمراراً ، والشعر الطويل الهاطل على الكتفين لم ينل اغتناء المشط . الشاربان الكثّان متداخلان مع اللحية المتراكمة يُقرِّب لي وجه ناسك هندي أزمع على الرهبنة الأبدية .

_ أراك أحد أتباع بوذا !

_ بل قل مجوسيّاً يُقدّس حكمة النار ولا يرى في التعاليم سوى هذراً يثير الضحك .. هيّا لرفع حقيبتك وتعال . دفعتُ حساب الليلة الفائتة . ما هذا الذي بيدك : شعر ؟

_ لا.. لا . شيء سأخبرك به لاحقاً .

أعدتُ الأوراق إلى الحقيبة ونهضت . تذكّرتُ النزيل العراقي ، مؤكَّداً يرابط في الصالة مشدوداً لشاشة التلفاز يتابع ما حلَّ بالوطن .. توجّهتُ إليه لتوديعه ؛ لكن عبد الرحمن دفعني باتجاه السلم نزولاً .

_ إترك للبسطاء همومهم وآمالهم ودعنا بأفكارنا التي لا تثير سوى تهكمهم .

اندفعنا وسط الزحام وبين تلاطم الرؤوس . تمكّنا من أخذ سيارة أجرة أقلّتنا إلى جبل الحسين حيث الشقة التي ستغدو مخدعاً لآهاتنا .. متى أخبره بمهمّتي ؟ وكيف سأبدأ الحديث : هل تراه سيوافقني الرأي أم سيرسم أمامي مانشيتات من سخرية ، على اعتبار أنني أسلك طريق الجنون ابتغاء إحكام القبضة على دخان .

الفصل الثالث

 

( 1 )

مددتُ يداً للمصافحة فأمسكَتْ كفّاً ترتعش

( 2 )

تبدأ معرفتي بنجاة من ذلك الوقت المسائي ؛ من أحد الأصياف قبل ثمانية عشر عاماً حيث اللحظات المُلغّمة بالحذر والفضاءات المُدلهمّة بالغمام . تعرفتُ عليها يوم تسلَّم " عريان " مقاليد البلاد فانتشرت في مدينتنا عيونٌ لا نعرفها؛ وظهرت أسماء مكاتب متوزعة في الشوارع الرئيسية والأسواق : مكاتب محامين / مكاتب استشارات هندسية / استشارات قانونية / بيع عقارات ،مثلما صرنا نرى سيارات متفاوتة الطراز تحمل أرقاماً مموَّهة طفقت تجوب الطرقات وتتّخذ من نهايات الشوارع مواقف لها . يهبط منها أو يقف عندها شخوصٌ لهم ملامح بدوية صارمة .. ومن المدن الأخرى صرنا نسمع عن أنباءِ اعتقالات ومضايقات تواجه الشرائح المتعلّمة والمثقفة . اعتداءات تطال البسطاء في الشوارع وعلى مرأى من اندهاش الناس ونظراتهم الحائرة / المتزاحمة بالتساؤلات . اندهاش استحال بمرور الأيام فزعاً قادهم للانكماش تحت سحابات الرعب فلم يعد ثمًة تجمع حميم لأربعة أفراد أو أكثر في شارعٍ أو زقاق ؛ ولم يحصل أن تبصر أُناساً يتّخذون المساءات نزهةً لينفضوا عن سحناتهم همومَ النهار وأثقاله .. صار الليل ساعاتِ وحشةٍ ؛ والطرقات صورا ًصارخة للفراغ والسكون المُثير للتحسُّبات المُقلقة ... هُلام اللحظة يشي بالمطبّات الهائلة التي ستزرعها المفاجآت . ونواصي النفوس ينزرع على أديمها بذارُ الريبة . إنَّ أمراً ما يلوح في أفق هذا الوطن المُبتلى بالشعارات الرمادية والهتافات الذئبية . منذ نصف قرن وهراوات الأفواه المزحومة بالكذب والزيف والدجل والوعيد والشتائم والخراء تترصد حركة الساعين للنهوض واللحاق بركب الإنسانية الراكض نحو الشمس . منذ نصف قرن وهي تنصب الفخاخ وتطيح بالآمال . أشعارُنا نبثّها مُرمَّزة على صحائف الهواء تدين همجيّتهم وتُعّري وجودهم الهجين ، مُتنبِّأةً بغيوم الكدر التي نراها قبل غيرنا تتكدّس بعيداً ، زاحفةً من أقاصي الغدر وتخوم النوايا السوداء . نصرخ بأصوات استنجاداتنا أنَّ خطراً داهماً كالجراد سيأكل الزرع البشري ويبيد نضارة الأرض . سيُهلِك الأماني ويُطيح بالآمال .إنَّ مستقبلاً بلون السخام الفحمي يلوح كاسحاً / ماحقاً .

ذلك الوقت المسائي من أحد الاصياف طُرقت الباب طرقاً خفيفاً . سمعتُ أمّي تسأل : " مَن ؟ " ، ولم أسمع غير ذلك . راحلاً كنتُ مع " بائعة الأزهار" ، محلِّقاً مع رومانس " جاك بريفير" خلقه في نصّه عن ذلك الرجل الذي فاضَ روحه أمام البائعة وهو يمد يده ليسلّمها نقوداً تهاوت أرضاً بين الأزهار المتناثرة والجسد المتهالك سقوطاً .

الضربات المتأنية على درجات السلّم ، وصرير باب غرفتي عرّفني بوجه أمّي يسبق قامتها الناهضة . انتصبت تطالعني بتفرّسٍ مقصود وقسمات استفهام مُدافة بارتياب تارةً ، وتارة بابتسامةِ استدراك .

_ هل تعرف فتاة اسمها نجاة ؟!

_ مَن نجاة ؟

_ ابنة شهاب سعدون .

_ أبداً .. ما بها ؟

_ خُذ ! .. سلّمتني رسالة قالت من أبيها إليك .

ما أعرفه عن شهاب سعدون هو أنّه أحد كوادر حزب السلطة في المدينة ، وأنّه زبون متقطّع لمقهى السيد جاسر . يأتي بعض أوقات الغروب فينال حفاوة الجّلاس لما يمتلكه من بشاشة وحلاوة لسان . يصرف ساعةً‌ يصاحبهم بامتصاص دخان الأرجيلة ثم لا يني مغادراً بمثلِ حفاوة الاستقبال .. مراراً ما يدخل معنا في أحاديث ندركها للمجاملة ليس إلاّ . كنّا أنا وكمال وعبد الرحمن ومَن يجالسنا من شبابٍ يتأبطون الصف ولهم مواهب بازغة توّاً في ربوع الثقافة نبادله ما يُستجَد من كلامٍ عابرٍ بطأطأة رؤوسنا توافقاً مع ما يقول ، أو نرسم ابتسامةً لكلامٍ لا نسمعه لكننّا نتظاهر بفهمه .. لم يؤذِ أحداً ؛ ولم نر ما يُريب في تواجده وحضوره رغم حذرِنا من روّادٍ صاروا يترددّون على المقهى لأيام ثم يذوبون بعد ذلك فلا نبصرهم أبداً .

بعد التحية سطرٌ واحد يقول : " أدعوك لقدح شاي نشربه سويةً في بيتي .سأكون بانتظارك يوم غد ، الساعة الواحدة ظهراً . أرجو أن لا تخبر أحداً ." .

الكلمات رغم قلّتها أثارت خشيتي وأوجدت قلقاً فتح أبواباً للاحتمالات . احتمالات أغلبها تشاؤميّة تحمل أثقالاً من الأسئلة لعلَّ أولها سؤال ما الذي يريده منّي ؟ّ هل دعوته تحمل أطياف البراءة رغبةً في مجاملة ودعوة لبناء علاقة صداقة دون الاهتمام بفارق سنٍّ بيننا ؟! أتراه يفكّر في كسبي لتنظيمات حزبه على اعتبار أنّي شاعر محسوب على الطبقة المثقفة وأنَّ ضمّي لصفوفهم يُعادل عشرة أو عشرين أو حتى مائة مرّة مما يكسب من بسطاء الناس الذين ليس لهم إلاّ همٌّ واحد هو إحراز ما يمكن إحرازه من ثراء الحزب سيما وأنَّ تنظيماً كهذا استخدم الإغراء المادي وسيلة لضم الكميّة على حساب النوعيّة ؟ أيكون أرسل دعوة مشابهة لكمال أيضاً ؟! .. إذا لم يكن دعاه لماذا إذاً جعلني هدفاً يتوجّه إليه ؟!

على جمر التساؤلات ولظى التوجّس صرفتُ وقتاً ثقيلاً أوصلني إليك في المقهى ، يا كمال . كنتُ منتظراً منك مفاتحتي ، لكنك لم تفه بشيء . ذلك ما جعلني أدنو من يقين أنَّ هذا الرجل استهدفني أنا وليس غيري . أوشكت على اخبارِك لكنّي تمالكتُ نفسي ، مُقررِّاً اطلاعك بعد لقائي به .. وفي البيت كنتِ يا أمّي ، أنتِ الأخرى حائرة . لم تُظهري توجّساتك إلاّ بعد ما تناولتُ عشائي . جَسَستِِ لحظات هدوء لم تكن هادئة قطعاً . أعدتِ سؤالَكٍ عن حضور نجاة ، وماذا تريد . ولأجل أن لا أواربَ باباً للقلق أخبرتُكِ أنها ورقة تحوي شعراً وتبغي رأيّ فيه .. رأيتُكِ ، يا أمي لأولِ مرّةٍ تُظهرينً خشيةً . وجهُكِ الذي بَقيت من فتوَّتهِ مسحةُ بياضٍ أبدى صفرةً صارخة ؛ وجبهتك تجسّدت عليها الغضون وبانت تكسُّرات الزمن . تجاعيد ظاهرة حول محجري العينين ، فيما انكمشت شفتاكِ انكماشاً لم أعهده حتّى في أقسى حالات مِحنِك ( قلبُ الأم بوصلة تستشعر لوامسُه طيوفَ التطيرّات وأجنحة الكوارث القادمة . قلبُها نبيٌّ مُصغّر يمسك بالآتي الرمادي ، ويتنبأ بما يخفيه الغيب العميم . ). تحرّكت نظراتُك تترجم التعابير وتتملّى شيئاً ما يتخفّى وراء فعلٍ غير مُرضٍ تحسبينني ارتكبته . رأيتُكِ تتقلّصين داخلَ ثوبك الأزرق الداكن ، الموشّى بنقاطٍ مائيّةٍ مستديرة كأنها قطرات دموعك المبعثرة ، المتبقّية بعد طول بكاء أوصلكِ يوما ما إلى أنَّ رحيل أبي حقيقة لا يمكن تجاوزها ؛ وأنَّ الدموع ليست بذي حلٍّ . فلو كانت الحل الوحيد لإعادة الراحلين لبكت البشرية عمومها أمام تخوم الأيام كي يعود الغائبون من رحلة الأبديّة ؛ وتنتفي معادلة الفناء القاهرة . وعندما تأكّدتِ _ وقال قلبُك أنَّ كلامي عن شعرٍ أتت به الفتاة غير صادق _ قُلتِ برجاء التضرُّع :" ابتعد عنهم ، يا ولدي . أولئك مثل الحديد إن سقط عليك آذاك ، وإنْ سقطت عليه آلمك ."

عدتُ إلى نص " بائعة الأزهار " أحاول إعادة قراءته . بيدَ أنّي لم أشعر بتلك المتعة الفيّاضة لحظةَ طفحت على غدير روحي عندما قرأته عصراً . تغيّرت القراءة . رأيتُ رجل جاك بريفير ممددّاً ببدلتي الزرقاء ومعطفي الذي انفرجَ فصار كبساط يحوي جسدي الهامد ، ورأيتني أرسمُ الفمَ فاغراً والعينين مفتوحتين نحو السقف تبعثان آخر نظراتهما صوب الهوّة المُشرعة باتجاه سماء زرقاء تحتضن عصفوراً يهفهف بأجنحةٍ طيفية تعلو ، وتعلو نحو قرارات نائية .

ليلتها كنتُ مزحوماً بالأفكار المشتتّة والأسئلة المتناسلة . أزرع بذار الطمأنة فأجني غلالات التوجّس . لا أدري كيف انبثق بغتةً شعورٌ بعبث الحياة وضآلتها فسرى يجوب دروب الأعماق ، مُعيداً جملة الأفكار البوهيمية التي غارت في البواطن فأسسّت ساتر اللامبالاة . توالَدَ مع البغتة قرارُ تحنيط مبرّرات القلق . سأنام إذاً على تقدير مواجهة الرجل بلا تهجّسات .. نهضتُ وقد تجاوز الليل انتصافه . خاتمة النظرات على كلمات القصاصة الورقية لا تكشف ما يبعث على الريبة ، إنّما حوت دعوةً ورجاء . عندها رميت على كاهل الليل بواعث القلق . أطفأت النور فغطست الغرفة في يم الظلام . تبارى السكون ينشر أشرعته عندما تناهت لمسمعي خُطى أمّي الوئيدة أعلمتني بعدم استقرارها . أنها تشاركني الاستفهامات المربكة ..( أنا )تجاوزتها ( الآن ) ؛ (هي ) استمرت تعتاش معها ( اللحظة ) . لكأنها ولِدَت من رحم التهالكات المرهقة لجدّاتها الصارفات أعمارهن في مضمار الجهد اليومي اللاهث ، لا يعرفن الركون إلى أفياء السكون ، ولا يرتئينَ رغبة الاسترخاء تحت أفياء الخمول . تلكُم المولودات من أرحام حبّ العمل وشغف التفاني ، وسحابات النقاء ، وضفاف العفاف , وسلالات الإخلاص للأزواج والحنان للأولاد ، والرحمة للأحفاد . الجدّات اللائي وَلدنَ الرجال المسربلين بمواجهة المواقف العسيرة ؛ الرجال الأبطال واشمي وجه الأرض بشواهد الشهادة ، ومسقينها رواء الدماء الفيّاضة الفوّارة نابتين الخطى الطهور على أديم الصفاء العذب . خُطى أمّي ترسم أصواتها المتهجّسة .. آ ، أمّي !! .. كدتُ أنهض لألقي عليها رجاءات الارتياح ، طارداً عيون القلق من أمام أبواب لحظاتها المرتبكة .

 

( 3 )

 

في الساعة الواحدة من ظهيرة اليوم التالي تلقفتني انعطافة الطريق . استقبلتني بعدما خلّفت شارع الجسر .. دربٌ فرعي أوسع من زقاق حسير / أضيق من شارع عريض يضجُّ بالفراغ ؛ ذلك ما أفعمني بأطياف الارتياح لأنَّ الأمتار الثلاثين التي قطعتها على أكثر تقدير سلّمتني لبابٍ حديدي رمادي اللون ، أنبأني كتفه الأيمن بزرِّ جرسٍ ضغطته مرتين تاركاً للزمن المتشبّث بالإحراج استطالةً كاستطالة القصائد المملّة التي كثيراً ما يقرأها أشباه الشعراء ليقال عنهم أعلاماً فأتمنى الانسلاخ من ضجرها حتى لو تطلّبَ ذلك خنق الذائقة .

... وفُتِحَ الباب !!

بعمر السحابات البيضاء ، بلون النغم المُعطّر بآثام الشغف ، برهافة الورد والأنسام والفَراش والهمس والأحلام مَن أشرعت فانتفضت بـ" مرحباً " .. الشَّعرُ كستنائي غزير شذَّت عنه خصلة بلون الحنّاء ، هاطلة على حاجبها الأيمن الكثيف مطرودة نهايته من نفور الرمشين .. الوجنتان استعارتا لون حب الرمّان بفعل انبثاق فورة خجل مُحتشد وانعكاس من حمرة قميص قرمزي مُطعّم بزهيرات بيض متناثرة بعبثٍ على ثراء الصدر . ( لقد رأيتُ هذا الوجه .. رأيتُ هذا القوام الفتي ، ولكن أين ؟! ) .. لم تنطق شفاهاً إنّما العينين استحالتا فماً يفوه بكلام الصورة . سريعاً فسّر قلبي سرَّ البهاء ، فقال : هذا قوام ما ارتادتهُ فوراتُ شِعرك الناري ، ولم تصل مدارك هياجاتك الذاتية نواصي فتنتهُ .

مددتُ لها يداً أصافحها ، فأمسكت كفّاً ترتعش ..

تملّتني بعينين فاحصتين كأنهما تخططّان لالتهامي ..

_ هل العم شهاب ...

_ ينتظرك .. من هنا .

أقطع ممرّاً فوقه السماء وعلى جانبيه شجيرات آس متراكمة ومتكاثفة ومتّسقة انتهت بي إلى فناء حسير ، أدخلني لصالة عريضة بعدما تجاوزت باباً صاجيّاً قهوي الطلاء .

_ تفضّل ..

الأصبع الرخامي أشار إلى غرفة استقبال مستطيلة ، داخلةً عمقاً . أرائكها مغلّفة بقماش من القطيفة المشجَّرة باشتباك ألوان بُنيّة وصفراء ذهبية توشّي فراغاتها تفرّعاتٌ سوداء كحيلة . الناظر إليها / المتفرّس في تشابكاتها سيساوره شعور بأنه داخل غابة سحرية ملغّمة بالمتاهاة .. ما أن جلست حتّى تراءت إزائي عينان منكمشتان لفيل ينتصب على منضدة وطيئة وقد برز ناباه العاجيّان كأنهما يوجّهان نهاياتهما المُدببّة لعيني فيما طفقت تكتكات ساعة جدارية مُسدّسة تستبيح أجواء الصمت المُشيع ... عندما رفعت رأسي فوجئتُ بها منتصبة لم تتركني .. تلكم العينان الوسيعتان المحروستان بسواتر رموش نافرة و؛ وفم يرسم ابتسامة خفيّة .

_ نجاة .. أليس كذلك ؟

بابتسامة فرح مرتبك ردّت :

_ هي بعينها .

خلل فيوض الرؤى التي كنّا نستحم في غمارها نغطس ونعوم كانت لهفاتنا للتعبير واندفاعاتنا للتصوّر ، وهياجنا لتمثيل كل ما يواجهنا وما نلتقيه سمةً نُجاهر بها وندعو لارتيادها . كانت الفتنة التي نصطادها على الوجوه الفتيّة نحيلها قصيدةً ناجزة عن عبث الأنثى بعاطفة الذكورة الهوجاء . نصرخ بمفردات إبداعنا هتافات العطش والظمأ والجفاف والحرمان : يا مفازات الجِنان وأقداح الزنابق ، وسلسبيلات السواقي . أنتِ أيتها الشموس الراعفة والسحابات المُثقلة بعسل النشوى واللذاذات هبينا دفقاً من جذلك ، ودناً من خمرك ، وسحراً من لياليك الراعشة . كنّاً نقف عند مفترق دروب الشمس ، عند الافق النائي متضرعين لومضةٍ من ابتهالات الحب النازف أن يهبنا لمحةً من جمال فتاة لا تخجل من الشمس ولا تستحي من القمر .. وها هيَ نجاة تهبني ألواح التملّي والتطلّع والاغتراف لأُعلن ولو بطريقةٍ سريّة مهمّة استهلال الحب الصادق .

من بين خِضم التداعي والتردد قرأت تساؤلاً ، فردّت :

_ سيأتي ..

ثم كأنها كانت تُحضِّر شيئاً ما فاهت :

_ سيأتي .. لا تنبني المحددِّات بالمعيقات ، والألفة نصنعها بأرواحنا السابحة في هُلام المجهول .

توجَّستُ !! .. هذه الكلمات ليست غريبة عليّ .

تفرَّستُ في وجهها استفساراً قبل أن أتذكّر أنها كلمات عبد الرحمن قبل أن يرحل ، كتبها تقدُمةً لنص نشره في إحدى الصحف العربية إهداء بحروف ملغّزة " م. ش .ا " . تلك أهزوجة روحية خلقتها لحظات الشعور بالفراق ، مُشيرةً لنبوءة رحيل قسري قادم .

******

 

غب إرتشاف قدح الشاي ، وأسئلة من عِداد الاستهلال المُفتَرَض للدخول لفحوى الأمر الذي استدعاه الحضور . وبعد ابتسامات وملامح بشاشة وترحيب ودود ، وأسئلة عن مشاريع الكتابة المُنجزة أو المؤجّلة حدّثني عن حبّه القديم للقراءة ، ومتابعاته في فترة الصبا للمجلات المصوّرة للصغار ، وملاحقة أخبار الفنّانين تأتي بها مجلات لبنان . حدّثني عن رغباته الفَتيّة في أن يصبح كاتباً : " كانت لنا طموحات وأيامٌ أردناها للتحققُّات وللصلة الروحية مع الخلاّقين المبدعين ، ولكن تجري الرياح بما لا نشتهي ؛ لهذا كنت أراني فيكم كلمّا رأيتكم في المقهى أو قرأت لكم في النشريات . ثم .." .

طفا خفوتٌ ما كالبريق الآيل إلى الانطفاء في حدقتيه . أعوامه الراسية عند مرافئ الخامسة والأربعين أوحت لي أنها تبتعد . انتبهتُ إلى الشيب النافر يكتسح فوديه ، وجملة تغضّنات تستبيح جبهته تُظهره أكبر عمراً .

_ أقرأ ما تنشرون .. ميَّزتكم أنت وكمال وعبد الرحمن . نتاجاتكم لا اعتيادية ، متمرّدة .

تطلّعَ في وجهي يسعى لقياس ردّة فعلي قبل أن يستدرِك :

_ لكن طريق الأدب والفن مُلغَّم بالمخاطر .. يبدأ المبدعون بالاعتداد والزهو وينتهي بالكبح والأمل المقموع .

_ ذلك لأنهم مكلّفون برسالة ذاتية كبيرة عليهم الإفصاح عنها ؛ هُم حالمون بحياة ترقى إلى النقاء .

_ وهذا ما يُغضِب الآخرين . السلطات تحديداً . الكُتّاب كما أرى مُحارَبون في كلِّ زمان و..

_ ولكن ليس في كل مكان ! .. قاطعته .

رفع قدح الشاي يأخذ منه رشفة ً فقال الذي داخلي : هذا رجل يتحدّث بصراحة مَن يلمُّ بقضايا معقّدة ويفسرُها بحسٍّ عالٍ . لقد أبرق كلامه بشيفرة في فضاء يستدعي التهجّس ويبدو أنه حصد غيوم حدسي ...

بينَ الجدِّ ومحاولة تعطير الحديث بروح الدعابة قال :

_ لذلك خيرُ بيئةٍ لهم هي المنافي ؛ يفضّلونها على السجون بالطبع . وحسناً يفعلون .

ماذا يريد هذا الرجل أن يقول ؟! ولماذا يأخذ هذا الموضوع منحاً يتّجه صوب دروب التشاؤمية وأغوار التخويف بدلاً من أن يجعل اللقاء موسوماً بالحبور والبهجة ؟!

وكأنه قرأ حوارات القلق ورغبَ في قطع طريق تواصلها :

_ يبدو أنَّ دورك يا مبدر جاء . وبلا إطالة عليك أُصارحك . أمامك فسحة لا تزيد عن اسبوعين عليك خلالها اتّخاذ قرار الهرب خارج البلاد ، وإلاّ ستُعرّض نفسك لاضطهاد لا يجب أن يصيبك .

_ لا أفهم !

_ المستقبل القريب لن يكون في صالحك وصالح الكثيرين . البلد مُقبل على أحداث سيتضرر بتأثيرها الجميع ، حتى نحن المنضوين تحت لافتة الحزب والدولة .. أنتَ مُتابع يا مبدر دون علمك ؛ وعندما حددّتُ لك هذا الوقت لتزورني فلأنَّ فترة الظهيرة تنسحب عنك المراقبة لأنهم أدركوا بحكم مراقبتك أنكَ إذا دخلتَ البيت ظهراً لا تبارحه إلا عند الغروب فاطمأنوا لذلك .. مشاهدتي لك في المقهى ومديح الناس فيك مُضافاً لقلمك الذي لا أتمنى أن ينكسر هو ما جعلني أخشى عليك فأستدعيك للحضور .. دبّر أمرك بأسرع ما تستطيع . لا تأتني لبيتي ولا تستوقفني في الطريق أو تكلّمني في المقهى .

مدهوشاً ، مشدوهاً رددّت :

_ لماذا ؟.. ماذا فعلت ؟!

_ برأيهم فعلتَ الكثير وآنَ الأوان لمعاقبتك بصرامة .. قصائدك وكتاباتك كانت محل متابعة وتأويل .. لقد عملوا الكثير من المطبّات للإضرار بك دون عِلمك .

" آه ، أيها الرجل الصادق !! أي قوّة خفيّة بعثتك إلي ؛ وأي لُغز قدّمتَ حلّهُ يسيراً بيدي .. نعم صحيح ؛ لقد حدثت أمورٌ عديدة من الضغط والحرب المُعلَنة أدخلت أسرتنا في حومة العذاب اليومي . " .. تدفّق شريط المنغصات التي مورِست . ملابسي التي كانت تغسلها أمّي وتعلّقها في فسحة البيت الأمامية لتجف يُسرق بعضها وتظلُّ أمّي حائرة تؤكّد بإصرار أنها علّقتها ولم ترفعها . التلفون يرن ويتقطّع فجأةً لعشرات المرات يومياً وحين يرفعه أحدنا لا يسمع ردّاً . أنبوب الماء الخارجي الذي يغذّي بيتنا نجده كلّما استيقظنا صباحاً مكسوراً وقد غمرت المياه درب المارّة ؛ نعزو السبب لفعل أطفال لا يدركون مسؤولية فعلتهم . أختي المُعلّمة زارها المشرف لثلاث مرّات في أسبوع واحد ، وغب كل زيارة كان يدوِّن إرشادات قاسية ويضمِّن سجل الزيارة تعنيفاً لا ضرورة له ،، هوَ مَن كانت زياراته لها في العام الماضي كلّها إشادات وتبجيل مع أنَّ مادة الدرس هي نفسها لم تتغير !

أخذتُ كلامه مأخذ الجد .. صافحته وخرجتُ شاكراً . كلماته الأخيرة " ثق بكلامي واختزل الوقت " ستظل لأيامٍ تتردّد في مسمعي .

عندما التفتُّ عند الباب الخارجي لمحتُ نجاة من وراء زجاج نافذة الصالة تطالعني بنظرةٍ خمّنتها مزيجاً من هناءة اللقاء وانكسار لما قد يأتي به القَدر من أضرار .... وعلى نحوٍ من البغتة ؛ وأنا في خضم تلاطم الأفكار على الطريق الذي تلبّدت سماؤه بغيوم التهجّس تفككّت مفارق لغز وسؤال أينَ رأيتها عندما أعادت لي اللحظة ذلك الوجه المُتكرر في أماسي إلقاء الشعر وسجالات النقد التحاوري . نعم أنها هي مَن كانت توجّه أسئلةً بملامحٍ خجولة وتستقبل إجابات بانشدادٍ ظاهر .

كانت أمّي أشد قلقاً عليَّ منّي . قضت ذلك النهار مرتابة ، ملولة . لم تكن تعلم بأني سأذهب للّقاء ؛ ولم تعرف أنني ذهبت ؛ لكنَّ هاتف الأمومة أقوى من أن يُخفى . تلمَّست مزاجي الذي تبدّل ، وحركتي التي بدت تختلف عمّا كانت قبل حضور نجاة . ترجمَت خشيةً من خروجي ظهر ذلك اليوم وأظهرت خيفةً وهي تلمحني أتناول درجات السلّم صعوداً نحو غرفتي إذ القدمان تبوحان بثقل الخطو . لذلك ما أن خلعت ملابسي وهممتُ بالنزول حتى واجهتني عند الباب تطالعني باهتمام .

_ الساعة دنت من الثالثة ، لا بدَّ أنك جائع .

دقائق الغداء كانت كلعبة القط والفأر تلعبها نظرات الأم ، وملامح وجهه .. ( هي ) تحدّق بعيني البحث ، ( هو ) يتظاهر باعتيادية الأمر .. ( هي ) تتساءل بحدس الأمومة ، ( هو ) يرد بلامبالاة البنوّة . عيناها تقولان أنَّ ثمة أمراً جللاً ، وسحنته تردُّ بأنَّ كل ما يجري لا يستحق الانشغال به ..... ثم أنّه بعد تلك الزيارة صار يتحسّب لكلِّ خطوة يخطوها ؛ ويلاحق أيةَ نظرة تتوجّه إليه حتّى وإن كانت من عِداد النظرات البريئة من قِبل الآخرين .. ها هو الفخ يُنصب له بعدما سقط فيه عبد الرحمن وكمال من قبل . إنّهم يبغون استكمال التدمير الذي أرادوه للثلاثة . ها هُم يتذكّرون ، أو أنهم أعادوا تقليب الأوراق فوجدوا أنّ لهم ثأراً معه .

أصرف ما تبقّى من ذلك اليوم أُقلِّب أوراق تفكّري . أبحث عن وسيلةٍ تقيني غدرهم ، فلم أجد ما يساعدني سوى " أنور حازم " . لا أدري كيف توهَّج اسمُهُ مثلما أشرق وجهه في ذاكرتي . جاءني من بين ثنايا الغيب كما لو كنت أتلقّى هاتفاً ملائكيّاً . وكنتُ موقناً بمساعدته ؛ فقد ظلَّ هذا الرجل وفيّاً لعائلتنا منذ العام 1963 رغم تهافت السنين وابتعاد ذكرى عمّي عباس . كانت عمّتي ترجوه الحضور لبيتنا ذلك أنها ترى صورة أخيها فيه . يحكي لها عن أيام الرفقة والحميمية بينهما وبمّا لا تعرفه عن أخيها من شجاعة مثيرة للإعجاب ، وثبات رأي لا يعرف التراجع . فتُسهم زيارته في إشباع مشاعرها بغيوم الزهو وأرائج الفخار . 

الغرفة كامدةٌ كما لو أنها مكان غريب وموحش ..

ورودُ رجل جاك بريفير ساقطة أرضاً ، والرجلُ ممددٌّ . لكنَّ الحيرة لمّا تزل مُلتصقة بوجه البائعة الشابّة . لا قدرة لها على الكلام ، وليس في يدها غير هواء البَهَت . تريد أن تقول شيئاً ؛ أنْ تسأل الرجل ؛ أن تنادي على مَن يسعفه . تريد رفع الورود ووضع يدها تحت رأسه لتهمس في أذنه أنّه ما يزال في فيض الحياة ، والشيخوخة بعيدة عن ملامحه . لكن الأمر الحاسم الشائعة رائحته الدهائية يمسك بزمام اللحظة . لذلك بقيتُ مُتعكِّراً أتقلّب في الفراش متطلعاً إلى السقف الخالي من التعابير ؛ حتى إذا قدمت لحظات الغروب وضاقت الغرفة بوحشتها ، وأطبقت على رقبة تحمّلي نهضتُ منتفِضاً . أرتدي ملابسي وأخرج على صدى أقدام الغروب تضرب الخُطى نحو سوق المدينة .

 

***********

 

حركة الناس تتسارع . غمامات بعيدة تصطدم مُحدثة برقاً ؛ وأنسام هاربة ليس لها قدرة خلق الرومانس .هرب الصفاء؛ وقدرة بقاءِ الألَق على القَسَمات نضُبت .. الألسن تتناقل أخبار متواترة عن سحب داكنة تتحنّط عند أفق الوطن بانتظار نفثةٍ يُطلقها فمُ الغيب . السفينة عائمة في يباب المحيط ، والربابنة غرباء جلبتهم أكف الدهاء ووضعتهم على صدر السفينة ؛ ملامحهم كملامح القراصنة الضائعين ؛ وسحناتهم كسحنات سيّافي العصور الوسطى . آثرتُ الولوج في السوق الرئيس فلم أتخذ الدرب الذي يأخذني كالعادة إلى مقهى السيد جاسر مع علمي أنَّ كمال ينتظرني هناك . أتملّى الوجوه وأحدق في أماكنٍ لم يكن لها اهتمام لدي قبلاً . مّن يدري ! فقد يأتي القدر بالمحذور في أية لحظة فيحرمني من رؤيتها ! وقد تصبح نظراتي هذه آخر النظرات .. أظنّ أنَّ أحداً ما يتعقّبني ؛ يلاحقني بدهائه ، يتحسّب لخطاي ويحصي عليَّ نظراتي .

أنفاس تعابثني خليطة من أنسام باردة وزفير مرطوب أطلقته رئة الفرات . أدخل شارع الكورنيش فأُلفيه يضم أفراداً معدودين ، متناثرين خرجوا من محلات متفرقة ، من بينهم لمحتُ كمال يحمل فِرَشاً وعلبَ ألوانً زيتية ابتاعها للتو . انشرح للّقاء غير المحسوب فتلقّفنا السوق الكبير المسقَّف بصفائح معدنية ؛ سوق مدينتنا الأول . ركضنا على أديمه منذ تفتّحت عيوننا وتحرّت نظراتنا على واجهات ودواخل دكاكينه تعرض ما كان يثير فينا الفضول للحيازة والاقتناء ؛ وعلى وجوه أصحابها نتابعهم يعلنون استقبالهم لمن يقترب بعبارات ترحيب مغرية . وجوه ما زالت تستقبل ، ووجوه غابت , قضمتها أشداق الزمن بعدما داهمها المشيب والوهن ثمَ غيّبها عن الحركة والوجود .

_ حسبتكَ الآن في المقهى . لم أتوقع ملاقاتك هنا ّ

_ هذا ما راودني أنا أيضاً ّ ... قلت .

وللحق أقول خفت على كمال ، هذا المتشرّب بالوداعة والمخضّب برحيق النقاء لأنَّ الذي يتعقّبني الآن مؤكَّداً رصد لقاءنا العفوي وحددَّ المكان والوقت باللحظات .

يُفتَرض إخبار كمال بما حدث . يُفترض أخذ رأيه والتداول معه في هكذا موضوع قد يجد حلاًّ له أو نصيحة تُقلل من أُحادية التصميم فتدفع به للسير في دربٍ أيسر من درب أنور حازم الذي قد لا يؤدي لنهاية النفق بالنجاح . يُفترّض إطلاعه على فحوى الأمر ولو من باب الصداقة التي تقتضي البوح .

أخرجني من افتراضاتي عندما توقَّف يترجم أبجديات صمتي ، ويتساءل :

_ ها ؛ أهيّ رياح عاتية لنص جديد تلاطم الأفكار؟ .. أنت غير طبيعي اليوم !

_ لا .. لاشيء .

_ إذاً دعني أخبرك عمّا حدث لجارنا بالأمس .استُدعي هذا المسكين إلى العاصمة من قبل وزارة الصحة بعد برقيتين مستعجلتين وصلتا لمكان عمله بضرورة الحضور . كان قلقاً ؛ لا يعرف سبب الاستدعاء . في بداية الأمر ظنَّ اشتباها حصل في الاسم ؛ لكن برقية ثالثة ألحّت على حضوره اضطرته للسفر ومراجعة الوزارة .. هناك أظهروا له ورقةً تطلّع في كلماتها فأخبرهم أنها بخط يده ، وأنها رسالة إلى صحيفة " الجمهورية " تتضمن شكوى على طبيب شاهده يعامل مرضاه بقسوة خلوّاً من التعامل الإنساني المُفترض . فكيف وصلتهم ؟ .. أخبروه أن الرسائل الموجّهة للصحف لن تنشر بعد الآن ، ستُبعث إلى ذوي العلاقة للتحققّ لأنَّ الشكاوي الكثيرة المنشورة تعطي انطباعاً سيئاً عن السلطة وتشي برداءتها . . هذا الإجراء تم بعد تسلّم " عريان " مقاليد الحكم .. ألا ترى معي إنّها أولى خطوات خنق الكلمة وتحجيم مهمّة الصحافة . أظن هذا سينسحب على الثقافة وسيتوجّه لتقييد حرية النشر .

تذكّرت كلام شهاب فأدركتُ بواعث ملاحقتهم وسعيّهم للإضرار بي ، ولم أستثنِ كمال لهذا فضّلت تقديم التحذير دون إخباره بأمري :

_ ينبغي إذاً عدم إعطائهم ذريعة لتدميرنا . سيلاحقون نصوصنا ويعملون على تأويل ما يُنشر . وأنت ؛ لا تترك اللامبالاة تدفع بك إلى السجن ثانية ، فقد لا يشفع لك أحدٌ هذه المرّة .

_ هذا يعني أن نحكم على إبداعنا بالجمود والتحنّط . وتُترك لهم الساحة يعبثون بها .

كيف يُفهمه ويُقنعه بأن كلماته إنّما هي رسالة صريحة للتهديد . كيف يجعله يوافقه الرأي ؟

هرعا يشمّان أنسام ابتداءات الليل لعلّها تخفف من غبار كمد شرع يهاجم روحيهما ؛ مستثنين الذهاب إلى المقهى . رأى كمال في كلمات الصديق باباً تشرع على فضاء واسع من تحذير يقود إلى خشية كبرى ، بينما رأى في كمال مُخففِّاً لوقتٍ يضيق فيثقل بوزنه الجلمودي على أنفاسه . تأكد أهمية عدم مصارحته بما جرى مع شهاب : " سيتطيّر من كل ما حوله لو أفضيت ! " وسيرى كل العيون عسساً ." .. تذكّر كيف أنَّ لوحات كمال التي أنجزها بعد إطلاق سراحه صارت أكثر سوداوية ؛ القتامة والدكنة تتسللان إلى مسارب الضوء ، وصار المتلقّي يرى ما وراء اللطخات الرمادية في زوايا اللوحة وجوهاً شبحية تتماهى وشيطنة خفية .... ولم يكن لهما من منفذ يلجّانه ليخرجا من باحة التشاؤم غير بار" السعفة الذهبية " .. يا للزمن المُدّهش ؛ زمن الحيازة المُبتغاة التي لا تحصل إلاّ بغياب الوعي واقتناء البلادة . رددّ مثلاً انكليزياً " Ignorance is bless “ يا للزمن البليد ! يؤتى به ليحقّق سعادة بليدة . فكان إن اقترب عامل البار يسألهما الطلبات .

توالي الأقداح حلّقت بهما على كف الهروب ؛ بعيداً صوب جزر لا تأويها العيون . لم يبصرا مَن يلاحقهما مِن بين سيقان الأشجار ولا خلل الأوراق . السحر يضفي جمالاً على شواطىء الحلم ، فلا يسمعان صرخة لطائرٍ ناعب يبعث الحذر ولا عواء ذئاب آلمها البغض فطفقت تبحث عن فريسة . دفء المكان وعتمته المحببّة تمتص حمرة مصابيح خافتة تدفع الرواد للإنشغال بأحاديث خفيضة ( هل هي تمازجات هموم يتداولها الجُلاّس هروباً ؟ أم آمالٌ يرسمون ابتداءاتها لمستقبل ينتظرون منه جلب لوامس الهناء ؟ أم أحلامٌ كاذبة يعلنون اكتمالها وكل واحدٍ يدرك كذب الآخر بتحقيقها ؟ ) . الكل في حومة الانسلاخ من واقع رموا أثقاله عند باب البار وجلسوا خفيفي الرؤوس إلاّ من ثقل لذّة الثّمَل . الكل في حومة الرحيل عندما دخل رجلانَ ، يتفرسان في الوجوه وبتصرّفٍ مثير توقفا عند طاولةٍ أمام شاب ؛ أمراه بالنهوض . وإذْ همَّ مُستفسراً دخل ثالث يحمل بندقية كلاشنكوف لفت دخوله العيون فنفرت تتابع المشهد . وبحركة غير آبهة للناس سحبوا الشاب قبل أن يفوه بكلمة ؛ قادوه خارجاً نحو سيارة صالون حمراء . هناك رفع أحدهم غطاءها الخلفي ثم تعاونوا على حمل الشاب الصاغر، ألقوه في حوض الحقائب وبقوةٍ أغلقوا عليه . دخلوا السيارة وبحركة سينمائية لافتة انطلقوا .. ذُهِلَ الجُلاّس مثلما دُهِشَ المارّة في الخارج وهم يتطلّعون بغرابة لم يعهدونها . لم يكونوا يستغربون رؤية رجال أمن السلطة يقودون أُناساً ، لكنَّ الغرابة أن يتم الحدث وبهذه الاثارة الغامضة .. طارت فقاعات الخدر لدى رواد البار وانتصبت قلاع القلق منبثقة من مسارب الهروب المؤقت .. ولا يدري كمال ومبدر من أين انطلقت كلمات تقول :" سيناريو فاشل ؛ لقد طبّقوه مع نفس الشخص في بارٍ آخر . "

 

***********

 

عودتي إلى البيت تمّت على سحابة نسيان ما حصل ، وما سيحصل .. وجدت أمّي ما زالت تجمع أشواك التهجّسات وتراكمها أكواماً على أديم روحها الوجل . ما زال الارتباك جليّاً في عينيها الضيّقتين ، وعلى كفّيها الضامرين وهما يُظهران إرتعاشاً لم أبصره قبل أن تسلّمني الورقة التي أتت بها نجاة . لقد تشممّت ما يُكدِّرُها . تشممّت صمتي المشوَّش وترجمت تبدّل أفعالي منذ الأمس . عهِدَتني أدخل غرفتي فأروح أحرث في ثرى صفحات الكتب وأعدو لهاثاً في مضمار مطالعة الصحف . شهدتني أميل لثبوتية الحركة داخل الغرفة وهدوئها وأنا أهبط نازلاً لأعدَّ شاياً بنفسي أو لأبحث عن كتابٍ من رفوف الكتب التي تحتويها غرفة الضيوف .

توجّهتُ مباشرةً إلى غرفتي ، مرتقياً السلّم . لا أدري إن كانت أمّي قد لاحظت ثقل قدميَّ وهما يحملان جسداً مثقلاً بخدر سائل ذهبي نده بنا ونحن نقف على دكّة الخمّار فعرَّت مفاتنها الاغوائية وأطلقت همسها الدفين لندخل مخدعها الأثير بعيداً عن منغصات واقع مليء بآثام إرهاق الروح ... وقبل أن ألتقط آخر درجة وأستدير يساراً نحو غرفتي نمَت لسمعي خطواتها الوئيدة تلاحقني . ومن ورائي جاء صوتها الخائف الخفيض :

_ هل أعد لك العشاء ؛ أم تنزل تُعدّه بنفسك ؟

_ لا هذا ولا ذاك ، يا أمي . أدخلني كمال مطعماً ملأنا فيه المعدة .

وفي داخلي تمتمتُ :" وأشبعنا فيه الرأس الذي لم يعُد يحتمل . " .. توقّفتُ أتطلّع إليها عندما تيقّنتُ أنها لمّا تزل واقفة لم تستدر .

أغلقت الباب خلفك ورحت تخلع ملابسك . ترمي القميص أرضاً وتقذف بالبنطلون نحو السقف فيتهاوى ساقين متلعثمين . تبحث عن البيجاما فلا تجدها أو هكذا بدا لك . على السرير ترتمي ناسياً تحذيرات شهاب وخشية أمّك وتذمّر كمال ؛ إلاّ نجاة . انبثقت من بين طوايا الخدر لتعيد تلك الأصابع التي ارتفعت مودِّعة ، وترسم ذلك الاستقبال المُعطّر برغبة اللقاء . " لا تنبني المُحددِّات بالمُعيقات .. الإلفة نصنعها بأرواحنا السابحة في هُلام المجهول ." تأتي راقصة على تخوم شفتيها ، راهصة عند مرفأي عينيها . كيف التقطتْ تلك المفردات فانبنت داخل ذاكرتها واستحالت قولاً ترددّه ؟! .. هذه كلمات عبد الرحمن ؛ وهذا بيان الحكمة الذي اعتمده ، ومن هديه أو أيمانه به ترك الوطن ورحل . كيف وصل عطر هذه المفردات لفضاء روح نجاة ؟ ولماذا تتلفّظها أمامه بنبرةِ ولهٍ وانبعاث اشتياق كما لو كانت تبغي المكايدة ؟ هل كان استقبالها الودود له وفاءاً لعبد الرحمن ؟ أتراها تتلمَّس من خلال مشاهدتها له صورة الغائب البعيد ؟ ... التساؤلات أوردتها بواعث الخمرة وزبَد القلق المتداخل عند حافة وعيه الهارب ؛؛؛ لكننّي لم أسمع عبد الرحمن يوماً يردد اسم نجاة ، ولم يتطرّق إلى ما يحيط بها وحسبي أنّني وكمال قريناه لا يكتم سرّاً عنّا . كانت إمرأةُ الحُلم لديه إمرأةً كونيّة . يجاهر بها ويعدها المرأة الأمثل للحياة ؛؛ يصفها مخلوقةً مزيجةً من العسل الغربي الأشقر ، والحليب الشرقي الدافق ، ممزوجين بالفلفل الحار/ الحارق .

لعنتُ رشح الخمرة الذي ينساب مُتسلّلاً لمخدع الروح ،؛ليُطلق سراح التشككّات متنقّلة تأتي بعربات التحسسّ الرمادي . وقلتُ هذا يكفي لئلاّ تستحيل نجاة فتاةً فاجرة وأمّي امرأة عاهرة ، ويغدو البيتُ منفى والمدينةُ قبرا .

أرفع الوسادة من تحت رأسي فأضعها عليه دافناً وجهي وغالقاً أذني ؛ نادِهاً بالكرى أنْ تعال .

( 4 )

 

بدا استقبال أنور حازم لي ودّيّاً . أثنى على نشاطي الكتابي ، واستحضر بي روح عمّي عبّاس .

_ كان شابّاً متفتّحاً كزهرة عندما مزّقوه . أثرى أدبيات حزبنا الأممي بكتابات وقفوا عندها كثيراً . كان حالماً ومندفعاً . أراده عالماً تُطرد من فضائه الآلام وتُزال من قاموسه آهات الموجوعين المعدمين . فيه نزعات من " بوشكين " شاعر روسيا الذي حفظ شعره وطفق يردده بجموع الواثقين . كان يقول : " أنا بوشكين ! " فنشاكسه بالقول : " ومن أين لك ناتاليا كونتشاروفا ؟ " فيجيب :" سأخلقها من آجرات الخيال وأزرعها نخلة سامقة في حقل إنتاجي التدويني ." .. آه ؛ لم يدَعوه يُكمل حلمه .. قتلوه كما قتلوا " لوركا " . هل تُحب لوركا ؟ .

تمتمتُ من بين ركام الحزن الذي رأيته يهجم على سحنته الخمسينية :

_ نعم . كُلّنا نتلبّس بروحه الغجرية .

_ بوشكين ولوركا قضيا من أجل الحب والأرض ؛ ومعهما عمّك عباس وطوابير لا تُعد من المفكرين والمثقفين حاملي مشاعل النور .

" بوشكين " شاعر الكبرياء المنتفِّض / الواقعي الحالم ، ذو الأصول الشرقية .أحقّاً كان عمّي يعشقه ، مُندهشاً بأشعارٍ يجدها خلاصة روحه وفيض بوحه ؟! . تذكّرت أني قرأت عنه / له فأعجبني . حفظتُ أشعاراً اشراقية له ، وأخرى تحمل جذوة التحدّي : " أقمتُ لنفسي تمثالاً ليس من صنعِ يدٍ . سوف لا ينمو العشب على الدرب الصاعد إليه . " ؛ وأخرى تستحم بالرومانس وكثيراً ما رددّتُ نداءه الخالد : " يا مركبي حلِّق بي إلى التخوم القصيّة ." .. وحلّقتُ مع :" ولتعُد مرّةً أخرى ، يا ربيع فتوَّتي . " ... يبدو أن كلام عمّتي يتعطّر بالنبوءة عندما قالت أنَّ مبدّر يشبه عباس . لا أدري كيف نالني هذا الـ " بوشكين " وأثار في أعماقي هياج الرغبة في القلق يوم تعرّفتُ على شعره واقتفيت تفاصيل حياته القصيرة مثلما تعلَّق عمّي . لا غرابة ! فالرجل وإنْ كان شابّاً يافعاً فهو شاعر . والشاعر يمتلك صولجان الاستحواذ على الذائقات . ولا ضير أن تكون ذائقتي مطابقة لذائقة عمّي ، فالعلم يُقر بإثبات لا يقبل التردد أن للوراثة والعوامل البايلوجيّة القاسم الأوفر في النمو الانفعالي والعاطفي توازياً مع النهوض الجسدي والحركي ..

رأيتُ أثقال السنين تتكدّس على كاهل ذاكرته فتُتعبهُ . بدا ضعيفاً ، منهكاً ومنهزماً :

_تحطّمت أحلامنا على صخرة العسف البشري ؛ وآمالنا أجهزت عليها أكفُّ التجنّي بعدما كانت تطلعاتنا تنحو صوب وطن وعالم يعمّه الرخاء وينعم بالسلام بعيداً عن مضارب القهر والحرمان ... آه ؛ جئت لتذكّرني .

_ لا بل جئت لأمرٍ هام وخطير أبحث من خلاله عن خلاص لئّلا يُعاد التاريخ فأسحق كما سُحِقَ عمّي عبّاس .

طردَ الحزن من على وجهه واستبدل قسمات التقهقر بالصرامة .. تراجعت سنواته الخمسون ؛ استبدلها باندفاعة الشباب . عاد يستجمع جيوش التحدّي المتبقية وراء دفاعاته المُحطّمة ؛ كأني به يردّد مقولة همنغواي " قد يتحطّم الإنسان لكنه لا يُهزَم .

_ ما عاش من يسحقك !

_ لا ، بل هو عائش ؛ وكما كان بالأمس يملك قفّازاً يمسك منجل حصاد التطلُّعات عاد الآن بقفّاز آخر يمسك بأداة تدميرية أكثر فتكاً .

رأيته متأهِّباً كما لو كان ينظر لهوّة غائرة في العَدم :

_ لا تتخفّى وراء الكلمات. قُل ما عندك !

حكيت له ما حصل ؛ وتنبأتُ بما سيحصل ..

_ هذا يعني أن خروجك هو الضرورة ، والبقاء لا ينبغي أن يكون خياراً راجحاً .

صمت قليلاً . بدا كأنّه يُقلّب صفحات الخيارات إدراكاً للحل . تقلّصت جبهته وتقطَّب الحاجبان . شفتاه تاهتا في الزم والانفراج ، وأصابع كفّه اليمنى راحت تنقر على لوح فخذه .

_ سيأتيك الرد خلال يومين ؛ أرجو أن نوفّق في النتيجة . ولكن مثلما احتفظت بسريّة الأمر مع شهاب احتفظ بالسريّة كذلك معي .

خرجتُ ورذاذ مطر رطيب وبارد يهبط بهطول على مفازة الاحتراقات داخلي مُحجِّماً سعة اللظى . لقد تكلّم أنور حازم بلغة الواثق مُظهراً سلوكاً يعكس بساطة الأمر كي يمنحني الثقة بنفسي ويدفعني إلى عدم تهويل الموقف . هل كان يرى ألمر بقدر وافرٍ من اليُسر ؟ وهل سيفتح إزائي أبواب النور لينده بي : هيّا ؛ طُر في العوالم الحرّة ، وحلِّق في فضاءات الكون القصيّة . عُب من أنسام الحياة الطليقة ، وانهل من فيافي الوجد المتَّسع . لا تأبه للمقدِّرات المبنية على النوايا السوداء لخفافيش الظلام .

تلك الليلة اختليتُ بنفسي ؛ ولم أخرج من البيت .. شهدت أمّي بعض انشراح الأعماق يطفو على طراوة كلماتي معها فتهلل وجهها ولو بقدر ضئيل . إنها تعيش ضيقي وتتنبأ بكربي . أدركت أنَّ فَرَجاً لا بدَّ من مجيئه كأنوار الملكوت ليضيء عتمات دروب المرصودين بالجور والقهر . . لم تكن تريد لي أن أكونَ شاعراً بل تمنّت الحظوة لدى الآخرين ورضاهم ، وابقاء الله بؤرة نورانية دائم التطلع إليها . لهذا ومنذ صغري اعتادت وضع تلك التميمة المغلّفة بقماشة خضراء والمُكدّسة بآيات الله وكلامه الحكيم تحت وسادتي . تقول : لن تأتيك الأشباح ولا يمسسك الضرر طالما ملائكته تحرسك وأنت بين يديه الحانيتين . كان أبوك تقيّاً لا يغفل لسانه عن ترديد الآيات ومع كل عمل يردف قولاً أمّا من القرآن أو من أحاديث الرسول ؛ وفكّر كثيراً في صغرك أن يرسلك للالتحاق بإحدى المدارس الدينية ليجعل منك رجل دين فقيه لكنه مات قبل تحقيق رغبته ، وأنت كبرت ولم أجد فيك الرغبة لذلك . أخذتك الأشعار وسيطرت عليك هذه الكتب المكدَّسة التي يقيناً لا تحوي تعاليم الدين وفحوى التقوى .

تنبهتُ على صوتها يناديني من الأسفل . نهضت ؛ وإليها هبطت . على هدي كلمات أنور حازم الواعدة وشوقي للحديث معها خطوت .

تناولت ما كان عشاءً بشهية باذخة ، تتأملني بمزيج من انشراح وتهجّس . وأطالعها بارتياح وأمل . أهمُّ بإلقاء أسئلة من نافلة الرغبة في قتل الصمت عندما بادرتني هي بالكلام :

_ جاءتني نجاة قبل حضورك بنصف ساعة . حمّلتني سلام أبيها لك و...

تراجعت سحابة الهدوء داخلي ، وانقبضت أسارير النفس .

_ قالت سأحضر غداً عصراً . لديها بعض الأشعار تطلعك عليها .

إذاً ما زال شهاب مشغولاً بأمري ؛ ومسألة رحيلي مازالت محط اهتمامه . هذا يعني جدّية وقصدية الإضرار بي .. طردتُ القلق الذي يريد لنفسه الهجوم لتدمير متاريسي الدفاعية ؛ أوقفته بأسلحة وعود أنور حازم الواثقة . قلت لن أضع طمأنينتي في موقع التقهقر ، بل سأتدرع بالصمود . نهضت أمّي لتجلب شاياً نشربه ؛ نهضت بقوة ٍ تكلّفتها وحركة خطى فشلت في إظهار لمحة من لمحات ذلك العمر المليء بالطاقة المفعمة بالمقدرة . تحركت داخلةً المطبخ بينما تحركت مجسّات ذاكرتي تستعيد وجه نجاة وابتسامتها وابتسامة طيّرتها من خلف النافذة . هذه البنت تسعى لملاقاتي ، تروم البوح بما في طوايا النفس . لقد سلّمتني صك الوله من أول استقبال ، وكلّمتني بما يتواصل موهبتي . أنا شاعر ، وواجهتني بما يشبه الشعر . حالم بآفاق بعيدة وبعثت هي بما قد ينقلني إلى تلك الآفاق .

( 5 )

 

_ أهلاً نجاة .. تفضّلي .

دار الزمان فصرتُ أنا الذي أستقبل وصارت هي الضيفة . أدخلتها غرفة الاستقبال وتقدّمت أمّي تُمطرها بورود الترحاب والسلام والسؤال عن حالها وحال أمّها وأخوتها ، ووجدتني بعد انسحابها إزاء نجاة بكاملها : لحماً وشحماً وانفعالات .

_ ماذا فعلتَ ؟ ؛ قالت : سمعتُ أبي يكلّم أمي بشيء من الخشية عليك .

_ على وشك أن أمسك دفة الحل . وِعدتُ بما يُريحُني .

_ أرجو أن لا تتوانى . إعمل المستحيل .

بين تفاوت التيار وعلو الموج وتواري المفاجأة أجدُ نفسي . فهذه نجاة وذاك أبوها ؛ وهناك الشعر ، وهذه أمّي ، وذلك أنور حازم أقطاب تشدّني ، وأنا وزرق تائه بأيهم ألوذ ؟ ومن ذا الذي له الإصبع الساحر يرفعني به من دائرة النار إلى وادي الأمان ؟

_ هل أنتِ شاعرة ؟

_ بل أنا عاشقة . قالت عيناها المخضّبتان بخجل راشح على لسان فمها اللميم الهامس .

_ الشعر يبدأ من حيث يتأجج العشق .

_ إذاً أنا أحوي الاثنين ؛ والاثنان يحتوياني .

_ هذه فاتحة جميلة للرومانس ؛ لكنها جاءت في الوقت الضائع .

_ لا.. لا . ما زال للأمل مُتّسع .

وبشيء من رغبة رمي التوتّر خلفها ؛ وقليلاً من روح الدعابة :

_ لدي ما يُسمّى بالقصائد . أتيت بها كعذرٍ لحضوري حتى لا ترتاب أمّك مني فهي لا تعرفني ولم تكن رأتني قبلاً .. لي محاولات بسيطة في كتابة الشعر. مطالعتي له وما يُنشر في الصحف ، وحضور بعض ما يُقام من أماسي جعلتني أعرف الأسماء وأميّز من هم جيدون ومتميّزون ؛ ولي صديقات مثلي يستهويهن الأدب فنتداول في شؤونه .

توقّفت لترسم ابتسامة تبغي من ورائها القول :

_ وكان اسمك من الأسماء التي أركض إليها حالما ألمحها فأعدو لاهثة على رمال صورها وتشبيهاتها واستعاراتها الجميلة .

ولكي أصل إلى ما راودني من أسئلةٍ تتعلّق بقول عبد الرحمن وكيف توصّلت إليها .

_ هذا يعني أنكِ حفظتِ " لا تنبني المحددِّات بالمعيقات ؛ والإلفة نصنعها بأرواحنا السابحة في هُلام المجهول ." من قراءتك للصحف ؟

_ وكنتُ أتابع قائلها عبد الرحمن محمود . كان شاعراً مثيراً . في شعره تمرِّدٌ نحبه نحن المُتطلّعات لكتابةٍ نقرأُ فيها أنفسنا . لقد شاهدته وعرفته يوم جاء لزيارتنا .

_ عبد الرحمن زاركم في بيتكم ؟ .. متى؟

في عينيها ترجرجت غمامة حزن وانكمشت جبهتها . رأيت إلى كفّها ترتفع وأصابعها تُقرِّب ياقة قميصها بحركة تخلو من السيطرة .

_ كان ذلك قبل أن يُعتقل . لقد استدعاه أبي سرّاً مثلما استدعاك بالأمس . حذّره ؛ طالبه بالهرب والاختفاء ، واقترح عليه السفر خارج البلاد إنْ استطاع ؛ ولكنّه ...

الوميض المتبقّي عند أطراف الحدقتين فرَّ هارباً مذعوراً . والشفتان المضمّختان برضاب الحديث المسترسل تقلّصتا .

_ أظهر تهكّماً ولم يأخذ كلام أبي على محمل الصدق . وربّما أعتبره من باب محاولة الترهيب وظنّه مدفوعاً من جهة الدولة . لقد حزنَ عليه حزناً قاهراً . لا يرتضي أبي الضرر لمن يدهم مصابيح البلاد ؛ ولا يتقبّل عنفاً يرتكب بحقّهم .

_ تلقّى عبد الرحمن التحذير ولم يستجب له ؟!

_ يومها لم يُحذر أبي كمالاً أو يحذّرك لأنّه استشعر العقاب موجّهٌ له بالدرجة الأولى . كانوا يحسبونه خطيراً مع أنكما لا تختلفان عنه .

_ لكنَّ عبد الرحمن لم يخبرنا ولم نر على ملامحه ما يوحي بأنه في خطر !

_ لهذا سقط في حبائل مخططّاتهم ونال ما نال . ربّما شعر بعد حين بالندم لعدم تقبّله نصيحة أبي . لذلك رحل إلى أوربا ؛ قيل أنّه في إنكلترا له قريبٌ هناك .

هكذا إذاً ..

فتاة تحكي بألم الذكرى . يجاورها رجل يستمع بحاسة التشويش . كانا قبل لحظات التقيا بخيارات الرغبة ، ينويان العدو على ثراء الروح وخمائل الوقت المُكرَّس للود .. وها هيَ اللحظات التالية تقلبُ المشهد المُبهج إلى دنيا كوارث وكوابيس . تُعيد له عبد الرحمن وتذكِّره بليلة الهرب من فوق الحيطان ، تنقله إلى كلمات الأب شهاب وهي تعتصر ألماً وتحذيراً ، ثم تعيده إلى هذا الوجه الباث وداعة أنثى تستحم بالبراءة وتضجُّ بالوله . أنثى تنظر إلى الأمام فتلمسه حقول أشواك ؛ وإلى الداخل فيتمثّل إزاءها روح تروم النهل من مسارب الخصب الدنيوي على أرض رخاء تنده بالحالمين ليجسّدوا أحلاماً بهيئة وقائع ناجزة .

تركتُ أصابعي تتسلل فتماسّت مع أصابع الشمس . جَفلتْ أولاً ثم عادت تسترخي فيتم الاشتباك الحميم :

_الشعر علّمنا أن الكون يعوم في المطلق ، وينده بالمخلوقات أن تنطلق سابحة .

تحسّرتْ ..

_ لكن البشر ينصبون جبال المكائد فيسرقون النداءات ويخنقون فيوض البهاء .

_ تلك لعنة على قابيل وأنساله .

_ووصلتنا اللعنة بالتأكيد . لم يأخذ أسلاف هابيل حق اغتيال أبيهم ولم ينادوا بالثأر ، بل تركوا لأسلاف قابيل الاستحواذ كما لو أنهم يُقرونَ الغَلَبة لمضطهد يهم .

_ ذلك لأنَّ قلوبهم أنسام باردة وأرواحهم مياه عذبة . لا يعرفون النار الضارية ولا يأنسون للأعاصير الهوجاء .

رفعتُ كفّها فطبعتُ قبلةً مرتعشة على ظاهرها .. تندّت عيناها وتلألأ على رقراقها مشهد وجهي وما احتوى من أشياءٍ خلفي .. دنوت من وجهها ففاه عطر نحرها ووجدتني أقترب فأطبع قبلً أردتها سريعةً فاستقرّت على شفتيها . لم تستجب لنداءات التحذير فاسترخت جفونها وتشابكت الرموش بزمنٍ لم نفقهه سوى أنَّ الأصابع انفرطت ؛ وانسحبت الكفّان كلٌّ إلى جبهته . عندها انتفضت ونهضت :

_ سأذهب .. أبي يريد الجواب فماذا أقول له .

آه نجاة . أبوكِ يدفعني إلى الرحيل دفعاً لسلامتي ، وأنتِ ترمين لي طعم البقاء والانشداد إليك .. ماذا تقولين له وقد واربتِ أبواب الارتماء في سهوبك الرخية ؛ وندهتني بصوتك الرخيم أنْ أدخل بكل جوارحي وجنوني وأشيائي وحلمي وارتعاشاتي وشعري ومفرداتي وهبائي وظنوني ولامبالاتي واحتراقي ولذّتي وتعثّري وتبعثري وتطلّعاتي وخيبتي وخشيتي ، وكنوزي المنهوبة وحياتي المسلوبة وهمسي الخفيض وبوحي الدفين وقلبي الرهيف ورجاءاتي اللاهثة وآمالي الراعفة وخطوي الهيّاب وبهائي الفيّاض ، وحزني الذي كالجبل ومشاعري التي كاللظى ؛ قرّائي الذين أحبّوني وقارئاتي اللائى لا أنكرهنَّ . بعد كل هذا تسألينني يا نجاة ماذا فعلت . ها أنا أنجرُّ إليك وأجري وراءكِ عاشقاً / هائماً / مهووساً كنورسٍ تائه لوّحت له جزيرة الحلم بشاطئ الآمان ولم يتحسَّب لفخاخ الغواية المزروعة تحت كتوف رمال التيه .

_ أخبريه بأني ساعٍ للخروج . اليومان القادمان سيأتيان بالرد .

دخلت أمّي تُظهر اندهاشا لنهوض نجاة ؛ مظهرةً عتباً لقصر وقت الزيارة ، لكنَّ الحياء الذي هجمَ على وجهها فصبغَهُ بحمرةٍ وردية ، والصوت الذي شابته تمتمات كتعبير عن خجل صارخ شفعا لها برضا أمي وقناعتها ؛ ثم الخروج مودَّعة بكلمات ترحاب متوالية مليئة بالمحبّة كما هو المعتاد من أفواه النساء الأمهات والجدّات العجوزات حين يُظهرنَ ودّاً يبعد التأويل السلبي ضدّهن .

عندما استدرتُ لفتت نظري حزمة أوراق في مكان جلوس نجاة . كانت نصوصاً شعرية جاءت بها لكنَّ حمّى الارتباك أو جدّة الموقف أو لهاث الدقائق أنساها العرض .

لقاؤها أعاد لي عبد الرحمن ..

كان أكثرنا اندفاعاً في التشخيص ، وأبلغنا تحليلاً للإحداث ، وأبرعنا تصويراً للوقائع . وكثيراً ما أعطينا قراءاتنا السلبية لنصوصه ووضعنا أيدينا على شيفرات تقود إلى مدلولات تفضي إلى احتساب إظهار عداءً للنظام وإنْ بدا دفيناً .

. كان يجابه الإشاعات الطائرة على تخوم الألسن عن اكتشاف السلطة لتنظيمات سريّة مُصرِّحاً إنَّ قولاً كهذا إنّما تبثّه الأفواه المُجنَّدة بغية تبرير تصفية شرفاء الوطن ومخلصيه . ومراراً كان يرددّ : أنَّ التنظيم الأخطر على الوطن هو هذا الذي يقود البلد نحو الهاوية ؛ وأنَّ كفّاً خفية لملمتهم كجرادٍ ورمت بهم على يناعة عراقنا الجميل . ستشهد الأعوام أفاعيلهم وستجدون المُخطط التدميري الذي ينفّذونه . هذه أمّة لا تتفتتّ إلاّ بأهلها .

هكذا إذاً .. دمّروا عبد الحمن ؛ وأعاقوا كمال . ولم يبق إلاّ أنا سيأتي العقاب وفق الجدول المرسوم .

أُقرر البقاء في البيت لحين ذهابي لملاقاة أنور حازم لأُطفىء العين الملاحقة لتحركي وأجعلها رمداء حاسرة لا تُشفى بتراب خطاي. أُصمّم على صرف الوقت بمطالعة ما تجمّعَ لدي من مجلات وكتب لم يطاوعني الزمن لقراءتها . سأُراجع نصوصاً لم تكتمل أو مسودات لم يتم نقلها .

سنين لاهثة تعدو . تفرُّ هاربة إلى تخومها القصيّة . سنين البراءة الطفولية ،، الصبي الراكض على ماء الرمل ولفح الشمس وسطوع الموج القادم من جبهة الفرات . الصبي الباعث شوقه لأفياء أشجار الغّرّب والأثل والكالبتوس المتاخمة للضفة المُشرعة _ يوم فتح أول أبواب تطلّعه للنهر _ وظلّت تغدق الأفياء والظلال وتنده بالصيّادين المُتعبين للاسترخاء في خثرة هوائها الرطيب . يعدو مع أقرانٍ لهم يتذكّر منهم كمال وعبد الرحمن ويوسف ومنير وآخرين ، وجدوا في الطبيعة مراحاً يقيهم حسرات الآباء وأنين الأمهات من زمن المعادلات البشرية المنقلبة / الخرقاء وظلم الإنسان للإنسان . يرمون بأجسادهم الصغيرة إلى قلب الماء ؛ يعومون فيغوصون غوراً ليشهدوا هناك أسراب الأسماك والسلاحف وقواقع الأعماق . يأخذهم الجذل فيتمنون لو يدوم التحليق المائي في اليم الرائق لولا الرئات الصغيرة تضجُّ بالاختناق فتدعوها للصعود . كان عبد الرحمن يرى في الضفاف حقلاً من الكلمات ، والماء فيضاً للرؤى ، وسعيّاً للرحيل التخيّلي بينما يتأمل جمال فيقول : هذه أجمل لوحة ترسمها الطبيعة : نهر وسماء وضفاف تتكدّس بالزروع وصيّادون يتفرسون في شباك تخرج للتو .. وأنا هنا !! آه أيتها السنين ! يا أعوام الصبا .. أنده بها فلا تُجيب . أصرخ فلا تتأنى للاستماع والرد . فقط غرفتي تحاورني بالصمت ؛ وبائعة الورد تُطلق حسرات القلق على الرجل الطريح أو على الحائر الماثل إزائها . تتراجع توهّجات مصابيح النهار فيعج في فضاء الغرفة كمدُ التطيُّرات وتنتفض من بين ثنايا الأعماق رغبة الخروج إلى السطح للتوحُّد مع لحظات بدء المساء .

استدرتُ لأرفع كرسياً وأخرج عندما رنَّ جرس البيت وسمعتُ أمّي تتمتم وتغيب .. قليلاً ودربكة أقدام تضرب السلّم وصوت كمال يدمدم بحثاً عني في الغرفة .

_ ارفع كرسياً وتعال .

_ بل اتركْ كُرسيّك وانزل اغتسل لنخرج . عندي لك مفاجأة .

_ ما هذا ؟

_ مظروف ؛ ألا تراه . خُذْ وأقرأ .

طابعٌ عريض يحتل الزاوية اليمنى . الكلمات عربية تشير إلى ليبيا ؛ والرسالة مرسلة إلى جمال على عنوان دائرته . وعلى الغلاف الخلفي ؛ المرسل : عبد الوهاب .

_ لا أعرف شخصاً بهذا الاسم ؟

_ هو عبد الرحمن ؛ تنكّر بهذا الاسم . ألا تُميّز صوته ؟

 

أصدقاء الروح :

كانت الوجهةُ - بلداً - إنكلترا . لم يأتني الرد من خالي ؛ بل من جيرانه الإنكليز كتبوا على رسالتي المُسترجعة أنَّ خالي غادر إلى ألمانيا للعمل . صادف إن التقيت شابّاً في دمشق نصحني بمصاحبته إلى طرابلس الغرب . أنا الآن أعمل في دائرة السياحة . الأنشطة الثقافية هنا واسعة ومنفتحة . انتظروا رسالةً أخرى . هاكم عنواني .....

عبد الرحمن

كانت مفاجأة حقّاً . بل خيطاً سيشتبك وخيط أنور حازم لينسجا بساط ريح هروبي ؟

_ هذه فاتحة خير لرحيلنا . لم أعد أطيق البقاء ، يا مبدر . الفضاءات تضيق والنفس تساورها وساوس الموت انتحاراً وسيلة نهائية لهذه الدوّامة ، أسمعها تطلق صفيراً ابتدائيّاً يتعالى سيمزق صحائف آمالنا دون مقدرة إعلان الرفض والاحتجاج . لعلَّ عبد الرحمن الفنار المتوّهج الذي سيومئ إلينا للقدوم إلى جزيرة الخلاص .

يحمّر وجهه وهو ينطق كل هذا الكلام / تجحظ عيناه / يكبر حجم انفعاله . هذه الكتلة الروحية المحتشدة بالإبداع والخلق ،، الموهبة المُحاطة انحصاراً بجدران الفولاذ المقتربة رويداً ، رويداً لضغطه وطحنه . هذا المتطلّع أبداً ، أبداً لشمس الانطلاق تأخذ به إلى الاشتغال الجميل لينتج لوحات يبغي لها التراصف مع نماذج المبدين العالميين . كتب عنه ناقدٌ أجنبي زار معرضاً له في العاصمة مرَّةً أنّه فنان يستبق مجايليه ويعدو صوب إبداع يميّزه كخالقٍ عتيد له بصمات خاصة ستصبح يوما ما مدرسة تُحتذى ، وسيغدو له أتباع ومريدون متأثرون . كذلك تناولت مجلة سويدية تعنى بالفن التشكيلي الشرقي معروضاته مشيرةً بما يشبه التنبؤ على أنّه فنان يرتقي إلى العالمية حيث استخدامه للون يُضاهي استخدام " ماتيس " رائد الوحشية ، بل قد يتجاوزه ؛ ولوحاته المعروضة تُشكِّل نصوصاً تحتشد بالشيفرات ؛ وأنَّ قراءة أو قراءتين لنصوصه _ كما ورد في المجلة _ لا تنصفه لأنّها نصوص تقود لنصوص أخرى ثم أخرى ؛ وهكذا .

ترتعش أصابعُه .. تتكدّر سحنته .

_ رسالة عبد الرحمن فتحت جُرحاُ آليت أن أُظهره ملتئماً ، يا مبدر . وبقدر ما فرحت لورودها تأسّيت . رسالة أحسبها ناقوس يدقَّ هتافاً للخروج . أخشى أن نتقبّل الوضع كما هو فتفضي طموحاتنا الكبيرة إلى الانزواء في هكذا محيط ملغّم بالمكائد والكره .

جاء كمال ليضيف على كدري كدراً آخر طامراً فرحة ورود رسالة عبد الرحمن . حضر ليزيد أكداس حقدي على صانعي الظلام ويرفع مؤشر الضغينة باتجاههم لأعلى مستوى .. خشيت عليه ، فنهضت :

_ انتظرني . سأغيّر ملابسي ونخرج .

مزّقتُ أشرعة الصبر وأمسكتُ بقارب التحدّي . سأخرج ، ولتبقى العين الراصدة المُعطاة مهمّة المتابعة تلاحقني .. لن أريحهم .

( 6 )

السـوق ...

حركة ما قبل الغروب كالعادة ضجيج وازدحام . الرجال يُلاحِقون ما معروض من خِضار وفواكه في المحلات أو المعروضة في عربات الباعة المتّخذين أماكن تصطاد القادمين لرغبة الشراء . النساء بعباءاتهن السود فيهن الفتيات الناهضات توّاً . تهفو

أنظارُهنَّ إلى المعارض الباثّة اشعاعاتها الاغوائية لكسب مشروع في شراء فساتين تحمل طابع الحداثة واكسسوارات هي آخر ما وصلت ؛؛ والرجل المدني يلاحقني من بين التكاثف البشري . ألتفت فينكمش ذائباً ، ويلتفت متظاهراً بأنّه يُقلّب بضاعة من المكان الذي توقّف عنده . يظننّي لم أكتشف مبتغاه . يقفز لذهني شهاب ومصباحه التحذيري الذي سلّمني إيّاه لأستنير من الظلام المقذوف في طريقي . تقفز نجاة فأروح أنظر في وجوه الشابّات يخطرنَ باندفاع عمري راهص وتطلّع ربيعي ناهض لعلّي أراها بينهن . تتجلّى ملامح أنور حازم الحازمة تفي بالوعد . تنبثق كلمات عبد الرحمن تبث نغماً يشي بأمل اللقاء . وهذا كمال لا يدري ما يدور . سيتطيّر إن أخبرته . لا بل سيرتعب ..؟

نخرج من الزحام لنترك خطانا تعبر شارع الكورنيش صوب الرصيف العريض حيث الفرات يجري ؛ نطلُّ على انسيابه ؛ نتكئ على السور الحديدي ؛ نطالع شموعاً تتحاذى على لوحٍ خشبي مربع دفعت به نسوة يتكوّمنَ في الضفة الأخرى المقابلة لوقوفنا ، يطلبنَ مُراداً من الخضر الذي دخل الماء فغاب . دخل هارباً من الجور البشري باحثاً عن فيوض الهناء / مرابع الود / ممالك الوفاء / منابع اليقين / مناهل وصولاً لحيازة لؤلؤة العدالة التي سينشر ضوءها في مناحي الجحود /الاستحواذ / القتل الجماعي / متاهات العذاب البشري لينهي كلح الظلمة مزيلاً إيّاها من قاموس الأرواح الدفينة المغروسة في أجساد الشرّيرين الجاحدين المولودين من أرحام العهر والفساد والضغائن المستشرية كطاعون كل مآله : الفتك والتدمير .

تتهادى الشموع فيما أستدير فألمح جريدةً ترتفع عند عمودٍ كونكريتي عند الرصيف الثاني تخفي وجهاً ذئبياً يترصّدنا ... هذا وجه من وجوهٍ سيحكي لي عنها كمال بعد خمسة عشر عاماً من الفراق كتوليفة لزمن داعر أعطى استنتاجاً واقعيّاً لتنبؤات عبد الرحمن الأولى . صمتٌ يعمُّ الفضاء لكنَّ الخطى وفيرة . خطى تلامذة مدارس وموظفي دوائر حكومية ؛ كذلك أناس سيقوا تحت أوامر التهديد والعسَف من الاسواق والمحلاّت والشوارع تحتشد بهم ساحة كانت قبل يوم مراحاً لصبية يلعبون على هدي البراءة واللعب الطفولي . نخلاتٌ خمس ينتصبن بصفٍّ واحد هي التي أختيرت لتكون وسط ميدان توقّفت عندها عربة حزبية هبط منها بهدوء يوازي صمت الحشود المُبحلقة ببهتٍ وانشداهٍ ورعب حزبي يرتدي بدلةً كاكيّة يحمل سجلاً انشغل في تصفحه في الوقتٍ هبط من العربة بعض أزلام السلطة يشدّون أشرطة حمراء على سواعدهم يُنزلون من صندوق السيارّة الخلفي خمسة شباب يافعين معصوبي الأعين ومكممّي الأفواه ومربوطي الأيدي إلى الوراء ... شهقت إمرأة أربعينية وتراجعت تحاول الانسحاب من الحشد الُساق إجباراً مُحاولة الهرب ؛ لكنَّ صيحات التهديد وأصوات أقسام البنادق فاجأها من الخلف فتجمّدت .. تلميذ تفوّه حائراً :" ماذا يفعلون ؟! " . لا يفقه مثل الغالبية من الحضور سرَّ سوقهم من المدارس .. شُدَّ الشباب المعصوبون على جذوع النخلات ؛ ثم قرأ حامل السجل ذو البدلة الكاكيّة كلماتٍ توصمهم بالخيانة فانهالت من حزبيين خمس صوّبوا بنادقهم بسرعة مطلقين زخّاً هادراً من الرصاص . وفي تلك الليلة ؛ بعد منتصف الليل تحديداً كانت سيارة "لاندروفر" بيضاء تتحرك في الدروب ثم تتوقف يهبط منها أناس مدنيون يطرقون أبواباً تتكدس الآهات في صدور ساكنيها يتم تسليم الجثث المثقّبة بصمت ويُطلب بتهديد مبطن أن يُدفع ثمن الرصاص الذي أختلس الأرواح ، مع أمرٍ بأن لا تُسمع نأمةَ حُزن ولا تُنثر غيمة ألم .

تركنا النهر .. واقتفينا خطى الرصيف يقاطعنا صبية يعلو أصوات لعبهم وهم يتقاذفون كرة رما بها أحدهم فمرّت من بيننا خاطفة أثارت غضب كمال واستدار ليطالع إن كانت ارتطمت بأحدٍ . التفتُّ فإذا بها عند قدمي مُلاحقنا .. ومثلما تظاهر في المرّة الأولى بانشغاله بما يعرضه بائع جوّال انشغل هذه المرّة بالكرة فتحرّك يركلها بقدمه ويتصنّع ضحكة للصبي الذي انحنى لالتقاطها .

سيظل هذا الذئب يتعقّبنا وسيستمر يتشمّم رائحتنا . اقترح كمال الذهاب للمقهى فأعلنت رفضي متذرّعاً بضرورة العودة للبيت متعلّللاً بحاجةٍ ينبغي أداؤها .. لم يرد كمال ولم يُظهر اعتراضاً . رضخ صاغراً . عبرنا الشارع والجين شارع العيادة الشعبية . كفُّ كمال تتلمّس بين حين وآخر رسالة عبد الرحمن في جيب قميصه . سيصرف إيقاع ساعات هذه الليلة على إيقاع القراءة المستمرة لها ، وبناء المشروع الأمثل من مشاريع الحلم .( كثيرة هي أحلامه ، ووفيرة هي المخططّات لكنَّ التأزم لديه يكمن في انشداد الوالدين له وخوفهما عليه ؛ هما اللذان لا يشجّعانه تلمّس أي مشروع فيه مفردات الفراق أو الرحيل بعيداً . كذلك أخوه الأكبر فؤاد لا يريد له الخروج ما وراء حدود الوطن لأنَّ ذلك سيطيح بمركزه التنظيمي وسيُحسَب من الذين لا يثق بهم الحزب . فالذي يبرح الوطن عدو؛ ومن كان لعضو الحزب قريب مهاجر يُعد عدوٌّ هو الآخر يستحق الاستئصال .) .. واستمر يتعقّبك حتى وأنت تفترق عن كمال . يملأك الغضب وتحتدم في داخلك كل رعونة الأجداد وهوسهم . تتهاوى صروح صبرك بينما تتعالى مناسيب التحسّب وتتقافز نوابض التخيّلات والتهويمات .. تتخيّله يقترب منك حتى ليلتصق بقَفاك ويهمس همسات الرعب الواعدة بالدمار . تلتفت فتلمحه على بعد عشرة أمتار أو عشرين . يتظاهر بأنّه عابر سبيل يخطو غير آبهٍ لما قد يبدر منك . إنّه يستند على جدار صلب من سلطة تمنحه القوّة والمواجهة . توحي له ؛ بل وتُظهر عدم تكافؤ المعادلة ؛ فالقبضة الأقوى والأمتن بيده ، والأرض الرخوة الهشّة هي التي تقف عليها .. تدخل مقهى في الطريق لتبلل فماً تخشّب فيه اللسان وجفّت مباعث ترطيبه . تلقي نظرة على الجلاس فتكتشف وجوهاً سارحة في تتبع أحجار الدومينو ، فيما عيون تصطف في أحد التخوت تلاحق زاري طاولة يتقابل فيها رجلان عجوزان تعد النقاط السوداء في المستطيل الخشبي لتتحرك الأصابع لعدها تنقل أقراصاً من حيّزٍ لآخر .. تخرج لتبصره يتّخذ موقفاً يسهل من خلاله رصد فم المقهى . تقفز لمسمعك كلمات شهاب وتنسكب تلك النظرات المخضّبة بالرجاء والخوف والأمل بالمبارحة .

ما كنتَ خائفاً بقدر ما كنت محتشداً بإحساس أن الدنيا تضيق وأنَّ السعة الفضائية والمد الأرضي المُجسَّد بالطرق والأبنية والحركة الدائبة ما هي إلاّ أكذوبة تتراءى كأنها مُعاشة بحيادية تخلو من القسر ، بينما يترك شعور العظمة واحساس السيطرة على الذمم والمقدّرات لأولئك القادمين من غياهب المجهول . من على شاشات التلفاز وفي الصور الملونة ؛ في المجلات يرسمون ابتسامات العار ، ويطلقون متبجّحين ضحكات الوسامة المشوّهة ؛ يومئون للتاريخ المتناسل بالغدر والطعن والانكفاء على أنّه حقب إشراق وتباهي فتوحات .

تعبر الشارع وتمر من جنب البناء المتعالي الذي كان يوما ما مبنى محطة القطارات القادمة من بغداد باتجاه البصرة وبالعكس فأحالوه بمجيئهم باراً كبيراً ومبغى يؤمه مسيّرو مقدّرات المدينة المنكوبة بمخابراتيين وحزبيين تربّوا على سلوكيات القتل المنظّم ، شأنها شأن المدن الأخرى الصابرة الصاغرة .. تخطو وليس لكَ غير البيت ملاذاً . هو الوكر العاطر بأرائج الأمان .. ولكن هل يأمن الطير في عشٍّ تترصّده أحقاد الكواسر ؟

( 7 )

 

ما كان ذلك الصباح الخريفي عاديّاً ؛ ما كان الاستيقاظ من عداد الخروج عن رحم الكوابيس . كانت الشمس تتولّى ذاتها الحرّة في صفاءٍ سماوي أزرق .. نهضتُ على أمل عدّ الدقائق وصولاً للزيارة التي حددّ ميعادها أنور حازم ظهراً .

أبرح الغرفة وأنزل هابطاً لأغتسل وأتناول فطوراً صباحياً وسط مفردات دعاءات أمّي بحياة هانئة لي ومستقرّة مبنية على ابتهالات ترتفع بها إلى الله ليتولّى ذلك .... أعود صاعداً متذكّراً تدوينات نجاة . أفتح الجارور واسحب حزمة الأوراق . أخرج إلى السطح اسحب كرسياً يضمني في شريط الفيء العريض ، تداعبني أنسام ما بعد الثامنة ؛ وأروح أقرأ .. تأخذ بي اعتلاجات روح وبوح قلب صوب أفكار وصور من عداد الخاطرة والإفضاء ، ترتقي تارةً إلى الشعر وتتقهقر أخرى صوب النثر مسحوبة بالمباشرة المعهودة لدى التجارب الأولى في الكتابة . نصوص تحاول لملمة رؤى تشوبها العاطفة لفتاة لم تتجاوز الثامنة عشرة ، وأمنيات ترتجي التحقق في غير أرضها وزمنها :

 

مثل لآلىء تفيض بالنور

أريد لقلبي أن يتفصَّد .

مثل أفقٍ رائقِ

أسعى لأحلامي أن تفيق .

قُل لي أيها القابع في يون الفنارات

متى تأتي سفني الراحلة ؟ ..

عندما ودّعني القبطان قال :

انتظريني سآتيك مع الفجر .

وها أنا أرهف النظر

وأحث السمع ،، لكن البحر

مدىً يعجُّ بالخلاء ...

وأنا أنتظر ....

هي إذاً مشروع كاتبة موهوبة بحاجةٍ إلى احتضان .. تتبنى المفارقة وتعتمد السرد . أمسكت القلم وكتبت خلاصة دهشتي المحنّاة بالنصح : " قراءاتك ينبغي أن تستمر وتأخذ منحاً تصاعدياً في اختيار الأفضل والأجمل وغير المألوف .. أنتِ مصباح يحتشد بالنور ؛ لا تدعي الخمول والتقاعس يصمّغكِ في محطة واحدة . تحرّكي دائماً باتجاه محطّات الثقافة التي لا تنتهي . ستصبحين نجماً يُشار إليه وأعتزُّ بك ؛بل أفخر . " .. لكأن كلماتي هذه استحالت استهلالاً للبوح . لكأنها عصارة الروح سُكبت على الورق .. أستعيد ارتعاشة كفّها عندما تسللت أصابعي بلحظة جنون أو بلادة تتحسسّها ؛ وأتملّى ذلك الخجل واللاحمرار اللين غزيا وجنتيها .. أتلذذ بطعم القبلة المسروقة برهافة روحينا ، واسمع نداءً يتناهى من بعيد : خذني إليك ! .. فأنده به : بل خذيني ..اعتقيني من هذا الوجود العاثر المحيط الملغّم .. ابعديني أيتها الصبية المائية من الحلبة المحاطة بالنار ، المزروعة بالسكاكين . المجهول يترصد لخطى الآمال وأنت تعرفين ! .. هبيني الشوق الصادح والعزم الأكيد . أخرجيني يا " إينانا " بانسام خصبك من هذه الصحراء الدفينة ؛ من نطاق البرابرة ، من أقفاص الجريمة المدروسة لتدمير نهوضنا وشغفنا لاغتراف دفء الشمش وتشرب أنفاسها الضاحكة . خذي بيدي نحو جنان الطمأنة والنجاة المستديمة .. ومن بعيد ألمحها تجمع سيول الدمع في قارورة المودَّة لتقدِّمها عربون حب أبدي ؛ فيه أحلام السومريين واشراقات البابليين وفحوى طقوس الآشوريين ... أخاطبها حزيناً موتوراً مقموعاً :

_ إلى متى تبقى هذه الربوع مرتعاً لغدر ؟!

_ طالما ثمة يهوذا الاسخريوطي ، وابن ملجم ، وبروتس .

أتخيلها تنكس النظرات في جلسةٍ طقسية مؤثّرة ، فتنشج .. يتقاطر دمع مطري على ظاهر كفيها المتعانقين . وأوشك على ارتشاف الدمع المتكاثف عندما يزعق في الفضاء طائر أبيض ناصع يستجدي لمحة حظٍّ تنقذه من نسرٍ كاسر يلاحقه سعياً للانقضاض فيخطأ ، ويروح يعاود التحديق لاعادة الكرّة . كانت الأمنية أن أمسك بندقيةً أمزٌّق رأس العدوان ،، ولكن الحنق المتفاقم أعادني بكف الحظ لكلمات نجاة تسائل الفنار عن حبيب غادر مع أول وعدٍ بالعودة .

نفسها الابتسامة الحييّة ؛ ذاته الوجه البشوش الذي استقبلني قبل ثلاثة أيام يعيد مفردات الترحاب ويأخذني بسعة القلب . لكأن الأعوام الخمسين منحته أعمدة الحكمة وسلّمته مراسيم الثقة الراسخة في الأعماق .. قادني إلى حيث المكان الذي ضمنا في لقائنا الأول .. كرسيان يتقابلان وفضاء حميمي ينث ذرّاته ليصنع إلفة جديدة . جلستُ أدنى الرفوف الثلاثة التي حوى رفّيها العلوي والوسطي كتباً لم تُمس منذ زمن كما هو الظاهر فيما فرغ الرف السفلي إلاّ من هواء .

لمح في النظرات قلق الانتظار وشغف وحيازة اللحظة الحاملة للنتائج فيما لمحتُ في بحري عينيه أمواج التفاؤل تتهادى وزوارق النجاة تنطلق ... سألني بكلمات دُهشت لشاعريتها :

_ هل عوَّقت غيوم الكدر خيول كتاباتك الصاهلة ؟

جذبتني صورته المُعلّقة على الجدار خلفه وأمامي ؛ متكِئاً على جذعِ نخلة سامقة تنحني باتجاه الفرات كأنها تهمُّ بنداء الرواء ؛ أو أنها تروم إلقاء كلمة هامسة للنهر تبثّه لهفة سرمدية . ممتلِئاً بحيوية شباب أراد لأيامه أن تستحيك مشاريع كبرى يخدم من خلالها أهدافاً لا منتهية ... يبتسم بكل مسارات الأمل ، ويتفرّس في عين الكاميرا كأنّه يخاطبها : " سجّلي يا عين الزمان عظم الشوق الهاجع فينا ، وأرِّخي فتوتنا المتماهية مع هذا النخل المتعالي والنهر الراكض باتجاه فيض النقاء ." .. هل تنبأ بهذا الهول الذي هدَّ الطموحات وأقضَّ مضاجع النور ؟ . هل حسب هو والتيار الذي مرَّ في هيجانه أن ستكون النهاية بهذا القدر من المأساويّة والانطفاء ؟

_ هيئ نفسَكَ ؛ ورتّب أمورك .

جاءت بارقةُ البهجةٍ بمفرداتٍ مقتضبة ؛ ونطق الفمُ بآيات الشمس طامرةً الظلام / والجةُ مدارات الانعتاق ... هل لو كان عمّي عباس حيّاً لأصبح كما هو أنور حازم الآن ؟.. أكان سيتصرّف بهذه الشفّافية واللغة الماطرة ودّاً حييّاً وثقةً وحكمةً وورداً وعسلاً ، ونغماً يترك فيك إرثاً من التخيّلات الطرية المحلِّقة ، متناسلةً انشراحاً ليصرِّح في الخاتمة : كُنْ متفائلاً وأنتَ تمشي على لظى الجمر ؛ وإيّاك إيّاك أن تعرّي جرحك أمام فيروسات الأعداء المتربّصة لك بالشماتة والتشفّي السادي ..

_ سيأتيك الجواز غداً . ستسافر حال استلامك إيـّاه إلى بغداد . ومن هناك مباشرةً تحجز مقعداً في الحافلة المتوجّهة إلى استنبول ؛ ستتحرك الخامسة عصراً وفي الثالثة صباحاً ستجد نفسك في الأراضي التركية .. كان المفروض أن يكون اتجاهُك نحو دمشق كأقصر طريق لكن كما هو واضح لديك توترت العلاقات وعاد الرفاق الأعداء إلى عدائهم من جديد بعدما جهدوا في إذابة صقيع التناحرات فانبرت جهود عريان تطيح بكل آمال رفاق العقيدة ... لا عليك ستكون الأراضي التركية أكثر أماناًَ لك . ستصل مرافيء الانفتاح على الحياة . ستعد المحطّات وتقتفي خطو المدن . ولكن لا ينبغي ترك الشعر فأنتَ موهوب ومؤثر . أسمع أشعارك على ألسنة الكثيرين .

تنسكب من العينين غيوم الزهو بي مثلما تتفاقم حشود الكدر :

_ الرحمة لعمّك عباس . كان يرى في الشعر منشوراً مؤثراً يفوق المنشور المُحمَّل بالمصطلحات الأيدلوجية المُدوّية .... كنّا بعمرٍ واحد . نشأنا على ارهاصات عهد ملكي أخذ صكَّ وجوده من مستعمرٍ ناهضته جموعُ الناس ورفعت السلاح بوجههِ فاستعان بوجوه عربية نالت مرضاة الثائرين الذين كانوا بسطاءَ بتطلّعاتهم ؛ وترك لمساته السلطوية وهيكلية نظامه فانبثق آنذاك ما يسمى بالبرلمان وممثلي الشعب وأُختير ملكاً نال القبول ؛ غير أنَّ سفينة البلاد ظلّت تُسيَّر بكفٍّ عربية وعقل أجنبي اكتشف المثقفون ما وراء القناع الوطني فثارت ثائرة الأحزاب ، سبقتها زمر ضباط أداروا بلا قواعد شعبية انقلابات التغيير . كنّا نحنُ الناهضين توّاً في الحياة نرى التظاهرات فنتساءل ،، ومن ثم ندرك أنَّ الهياج الشعبي مردّه سلبية السلطات تجاه قضايا الوطن .

طارت نظراته إلى السقف . لمحتُ ملامح إشراق تنبثق على بشرة الوجه المنكمشة واسترخت التجاعيد والتكسّرات على جبهته العريضة التي تخلّى عنها الشعر الهاطل في الصورة المؤطّرة أمامي وهو يتكئ على نخلة الشباب ... قليلاً وعاد :

_ تلك الأيام كنّا نلتقي أنا من الحي الشرقي وبيتنا هذا كان بمحاذاة بساتين تراجعت الآن كما ترى وحلّت محلها الأحياء جراء التوسّع . وكان بيت عمّك عباس في الحي الغربي قريباً من السوق الكبير . ولأنَّ المدرسة المتوسطة كانت واحدة في المدينة فقد جمعتنا ، وجمعنا أيضاً صفٌ ضمَّ مرحلتنا .... آنذاك جاءنا مدرسٌ مسيحي يدرسنا التاريخ . يحب العربية والأدب مثلما هو مولعٌ في مجال الاختصاص . يكتب المقالات السياسية وينشرها ؛ وكثيراً ما شاهدنا صورته في الصحف اليومية . أُعجبنا به واقتربنا إليه . صرنا نستعير منه ما ينشر ونروح نقرأ ونتباهى مباهاة طالب باستاذٍ له هذه السمعة العابرة حدود مدينتنا الفراتية الصغيرة .

صمت .. ثم نهض . سحب علبةَ سجائرٍ من خزانةٍ صغيرة تجاور رف الكتب المحنّطة . استل منها سيجارةً واستعان بعود ثقابٍ يحرق لُبابة الروح ويدفع الدخان إلى استنهاض الذكرى الراكدة .

_ لم يدم زهونا وانبهارنا وحفاوتنا به . فقد جاء من يحذّرنا بأنَّ مدرسنا الذي اخترناه مثالاً إنّما هو شخصٌ منبوذ طُرد منقولاً من بعقوبة إلى مدينتنا بسبب ميوله الشيوعية ومناهضته الدين والدولة ، وما كتاباته هذه إلاّ تحريض على الفوضى وسعي لإبعاد الناس عن التشبّث بالوطن ... ذلك ما أوقعنا في البلبلة والتردد ؛ فالذي نراه منه عكس ما قيل عنه . كان يدلّنا على ما نريد أن نقرأ ويوجّهنا صوب الدراسات ذات الفائدة المتوافقة وأعمارنا . هو الذي دلّنا على " بوشكين " ودعانا بشدة لقراءته بعدما أعارنا مجلةً عربية حملت بعض صفحاتها ترجمةً لحياته وأشعاره . أشاد بـ" والت ويتمان " الشاعر الأمريكي الأممّي ؛ ثم انطلقنا نبحث عن رواية " كيف سقينا الفولاذ " بناءً على نصيحته ، تابعنا بطلها " بافل " الصغير ونهوضه في مسيرة العمال النضالية . قرأنا " سلامة موسى " بإشارة منه متفاعلين مع كتاباته الداعية إلى تمزيق شرنقة التكلّس في قوقعة الذات والأعراف الزائفة ... وشيئاً فشيئاً بتنا نرى الحياة لا يقتصر حدودها على المدينة والوطن ، بل تعدّتها إلى آفاق العالم الرحيب . منذئذٍ تنامت لدينا روح النقد تجاه ما هو محيط ، اكتشفنا في الأفكار الأممية المنتشرة بسرّيةٍ تتجنّب العيون العدائية ما يتوافق وتطلعاتنا والقراءات ؛ فألفينا أنفسنا ننتمي لتنظيمٍ يسعى لتوحيد العالم تحت راية العدالة والحرية وتكافؤ الفرص للجميع .

سمع ضربات خطى خفيفة فتوقّف . دخل علينا فتى يحمل صينية تحوي قدحي شاي : " هذا آخر العنقود ؛ اسمه خالد جاء بعد ثلاث بنات وآخر قرار توقّف نشاطي التنظيمي مع الحزب . " .. قال .

ارتشفنا السائل الساخن وعدنا إلى هدير الذاكرة .. أشعل سيجارةً ثانية . بدا كأنّه يستعذب الحديث معي . أراد أن يزيدني إعجاباً بعمّي عبّاس :

_ تلك الأيام كانت الأرض تغلي ، فتمخض الغليان عن ثورة الرابع عشر من تموز . دخل الشعب في حمّى الشعارات وبين سياسيين غلبت على أفكارهم إقليمية وطائفية حاقدة ، غذّى بعضها بواقي الاستعمار وتابعيه ؛ وجه الشوفينية القبيح يطل على صباحات وطننا الناهض فمرض الوطن واستحال عليلاً ، ويوم نهض صباحاً على أمل أن ينعم باسترخاء العطلة الأسبوعية من ذلك اليوم الرمضاني البارد فوجئ بلقطاء الاستعمار يعودون بأقنعة قومية مُرائية فانطفأ الحلم ؛ سقطت الثورة مضرجة بدماء القتل البارد . عمّت الغوغاء ، وظهر للعيان يقين أنَّ التجارب تُقر أنَّ الأمنيات ليست عجينة نهيكلها كيفما نشاء ، وإنَّ الشر يبقى أكثر دهاءً من الخير ، فتكسّرت شموس الأماني واستحالت الشوارع لافتات للدم والآهات وتصفية الحسابات . جاءت وجوهً غريبة تطعنُ قلبَ الرغبات مدعومة بغيضِ المستعمر الذي خرج وتشفيه السادي .. في تلك الحقبة السخامية التي دامت تسعة أشهر سيقَ المتطلّعون للغد الأجمل نحو دهاليز التعذيب والاعدامات . اعتُقِلنا أنا وعمّك عباس في واحدة من غوغائية أفعالهم . وفي الوقت الذي ساعدني جسدي على الصمود والتحمّل ضعف جسد عمّكَ ؛ لكن إرادته لم تلُن ، فقد أبقى على أسرار ما يحتفظ به ولم يُريحهم، فلفظ الأنفاس مشنوقاً .

سحبَ آخر ما تبقّى من دخان سيجارته وطفقَ يدعكها في حوض المنفضة كأنّه يبغي سحق قاتليه ولو بنفثةِ غيضٍ أو شتيمةٍ دفينة :

_ آه .. يا لخيانة القدر ؛ مُسخوا بعد تسعة أشهر ليعودوا بعد خمس سنين ... ومن جديد نثروا وباء الرعب وتصرفوا بسلوك المافيات . وها هُم بعد عشرة أعوام يجثمون على صدر الوطن .. والأدهى قفز عريان من خِضم القُمامة ليستحوذ على المقدَّرات وليلاحقكم أنتم شرف الوطن وفخاره .

كان ينتظر مني التعليق وإبداء الرأي . كان راغباً في الدخول إلى نواصي الحديث الذي لا ينتهي . كان يبغي الإفضاء تحت شعور أنّي أفهمه وأُجاريه الرأي .. وكنت من صوبي منشدّاً للكلمات المتماسكة الخالية من الإنشائية / البعيدة عن رسم البطولات الفارغة . كنت أرى فيه كياناً صدوقاً كنبي / نقياً كماء / شجاعاً كفارس .. لهذا توقفت مفرداتي عاجزة عن التعري والبوح ... وحين قاس صمتي بأمتار انتظاره وانتهى أعاد الكلام :

_ كما قلت لك ، سيأتيك الجواز غداً .

خرجتُ متأرجحاً بين انشراح سيؤول إلى انعتاق ، وتداعٍ صوّر لي عُظم أهوالٍ أقضّت مضاجع البلد وضخامة معاناة عاشتها الأجيال في عمر أيامنا .. تذكّرتُ بؤساً جسّده " فيكتور هيجو" لفقراء فرنسا بروايته " البؤساء " ، واستعدتُ مظاهر قهرٍ عرضتها روايات " ديكنز " للمجتمع البريطاني . تتبّعتُ سيوف مجاعةٍ تطيح بشعوب افريقيا رامية بهم هياكل عظمية تثير الرثاء ، مثلما استحضرتُ مشهد العربات الحكومية الهندية تجوب الطرقات صباح كل يوم لتجمع الموتى لافظي الأنفاس على الأرصفة جوعى ، بلا مأوى ، بلا ضمان ، بلا أحلام تنتشلهم من واقعٍ كالصلصال .

( 9 )

 

لم يأتِ ذلك اليوم ببشرى أنور حازم فقط ، بل وأفشى فنجانَ سّره بحضور نجاة على غير موعدٍ ... جاءت نجاة لتتأكَّد إنْ كانت نسيت في زيارتها السابقة مجموعة النصوص أم سقطت دون دراية منها في الطريق .. لكأنّهُ الحضورُ الذي كنت أتمناه .. الأغنية التي انبثقت ساعةَ فرحٍ من ثنايا الذاكرة فقفزت على طرف اللسان تتراقص بحبورٍ هاطل ... تأتي نجاة على كف الدهشة المُترعة بالشوق إلى الرجل العائم في هُلام الحيرة . غاطساً يُلفي نفسه في غمار الشَّدَه . يتساءل من أينَ هجمت عليه كل هذه الأحداث غير المحسوبة ؟ وكيف تكدَّست حيال وقتٍ لم يُعره انتباهاً : متابعة الكتابات ؛ وملاحقة التحركات .. قلق رجلٍ ما خطرت بباله أن يلتقيه يوماً لقاء الزيارة البيتية وحديث الأمر الهام .. لقاء الترجّي في تجاوز خلل عبر طلب مساعدة أشبه بالمستحيل .. فتاة ما خطفت بوميض الرغبة حتّى في سيل الأحلام المارقة ساعات اليقظة . فتاة تأتي الآن رافلة على خميلة مشاعره لتقول الشعر وتفضي بطوايا القلب . تعرض فتنة العشرين عاماً لتقول له أنا أصغرك بعديد الأعوام لكنّي أكبر من تقديراتك لمشاعري ، وأوسع من نظرتكَ لحبّي لربوع الأدب .

يدعوها صعوداً إلى غرفته ؛ فالأمَّ خارج البيت ، في زيارةٍ لابنتها المتزوجة في الصوب الثاني من المدينة . اتصلَت بها يوم أمس معربةً عن اشتياقها وعارضةً حاجتها للزيارة . والأم لا تقول " لا " عندما يتعلّق الأمر بابنةٍ تطلب بلسانها الحضور ، فلا بدَّ من أمر يستدعي ذلك ؛؛ وحتى لو لم يكن الأمر مُلحّاً فالاشتياق واجب والتواصل سمة العائلة الموشومة بالحنين والسؤال الدائم عن الحال . كذلك ما تريد أن تبوحه الأم عمّا يحدث من سرقات وأعمال مثيرة للشك وغير معهودة تكتشفها يومياً .

تدخل غرفته فتروح العينان تجوسان المحتوى .. ترحب بها المنضدة ( حومة التدوين ) ؛ يستقبلها ِمن عليها كدسُ كتبٍ ( مؤجَّلة القراءة ) ترتكن جانباً فيما تتوسط سطحها أوراقٌ بيض لم يدوَّن عليها حِبر القلب . يُلفت اهتمامها أوراقٌ زرق ؛ حين دنت عرفت خطّها فأدركت أنها أوراق القلق الذي استدعاها للحضور . رأت ثمّة خطوطاً حمراً واشاراتٍ دائريةً خُطَّت ورُسِمت تحت أسطرها . هذا يعني أنّه قرأها وأبدى ما يرتأيه فيها .

خزانة الملابس واجهتها عندما رفعت الأنظار ؛ وعندما استدارت شاهدت قوامها مختوماً على المرآة البيضوية المؤطرة بصاج فحمي محفور ، على يمينه يحتل سرير عريض وواسع انتصب على الجزء المتمم له مصباح منضدي يحني قامته وينحاز بوجهه الضوئي إلى الوسادة النائمة عرفت أنه يستعين به للمطالعة متمددّاً على السرير .

_ كيف رأيت نصوصي ؟

_ أحلاماً ورؤى تتجسّد على الورق .. لغة رائقة بأسلوب يتوخّى شفافية الانثى ، وتطلُّع يتوجه لخوارق القوى يناشدها أن تحمله إلى جزر تحقيق الرغبات .

تفتحت ملامحها اندهاشاً .. طارت حمائم الزهو من بين رموش عينيها :

_ هذا رؤية نقدية أم شعر ؟

_ بل الذي كتبته لكِ بعد المطالعة .. خذي النصوص واقرأي فقد عرضت انطباعاتي ، ولكِ أن تتقبَّلي أو ترفضي .

ترفع الأوراق بأصابع ريشية متهجّسة فيتملاّها بنظرات اختباريّة متفحصة : رشاقة فتية ناهضة وبشرة تعدو فوقها أجنحة الرهافة . لدانة تختزن مكوّنات اللذّة وقسمات تجمع هندسة التوازن المُثير . يتهدّل شعرُها الحنّي مُسترسِلاً يقاوم التموّج بلا اقتدار فيهطل على الكتفين بمشاكسةٍ ظاهرة يمنح انطباعاً يقول : هذه فتاة تستحم بالنزق في بحيرةِ الشبق المجنون . وجهُها المتجاوز الاستدارة / الرافض الاستطالة تتساوق على جغرافيته جبهةٌ عريضة أخفى علوّها خطُ الشعر الهابط مُشكِّلاً استواءاً عرضياً خطّته مِسطرة الجمال . وللعينان وجودُهما المتَّسع يضمّان قرصين شمسيين أصفرين يتناغَى رمشاهما الأسفلين مع حُمرة الوجنتين البارزتين وهما يجاوران فَماً اختلجت شفتاه الآن تُتمتِمان بما دوِّن على الورق .

_ أنا لا أقرأ انطباعات ؛ أنا أقرأ نصوصاً .

_ هذا ما تقوله المدارسُ الحديثة . فكلُّ نصِّ يُقرأ يولِّد نصّاً جديداً .

_ ولكنك بانطباعاتك هُنا تتنبأ لي بالقص أكثرَ من الشعر ؟

_ هذا ما أراه . فلديكِ روحٌ سارد أكثر سعةً من فضاءِ الشعر .

انتفض الصدرُ بعد شهيقٍ الانشراح فاندفعت قِمّتا النهدين يزاحمان رخاوةَ القميص كما لو كانتا تبغيان الانتفاض وتقصّفت الأغصانُ من تزاحمِ ورود القميص المتجيّشة بالألوان الفاقعة ، لكنَّ " التنورة " ظلّت تتشبث بالبطن الضامر ؛ استمرت تخفي الركبتين تاركةً الساقين يعجّان بامتلائهما .

أرى قلقاً يملأ عينيها بغتةً مُزيحاً أكداسَ الحبور الذي توالد جرّاء اللقاء والرأي الذي يهب مفتاحاً لولوج عالم الكتابة الأرحب .. عالم البوح بلا مواربة ، والإفشاء بلا كبت .. هذه فتاة تخشى الفرح وتتطيَّر من سحب البهجة .. عاطفية تتنبأ أنَّ بعدَ كلِّ ضحكةٍ ستتقدّم عواطف كمد . وغب كل قهقهة تندلع أعاصير كدر .. هكذا هم حاملو الوعي ، قارئون للخاتمات / متنبئون للكوارث . يدركون أنَّ الحياةَ دهاءٌ ، وأنَّ وجودَهم على أديمها عبث .

أرسم ابتسامة مصطنعة لتبديد التوتر ، فتكتشفها :

_ خائفة عليك .. شاعر أنت بحق ، وكبير . يُفترض أن تُعلى علماً يُحتفى بك .

_ لا علمَ في تضاريس البغض ؛ ولا سارية في سهوب الساديّة .. هنا لا قامة تعلو فوق قامة عريان . هذا شعارهم الظاهر والدفين .

_ أمس سمعت أبي يفشي قلقاً عليك ؛ وأسمع أمي تتأسّى وتتّمتم لئلاّ يسمعها : ما هذه المصيبة الواقعة على الناس . لعنَ الله السياسة وأبادَ الإنكليز ؛ يخرجون من الباب ليعودوا من الشباّك .

على وشك أن تقفز الدموع من عينيها ؛ على وشك أن تنفجر .. تقرأ الاحتدام في وجهها الذي احتقن بانفعال أقرب إلى الهستيريا ، فتدنو منها تضمّها إلى صدرك . تقيس رجفةً سرت في أوصالها ،وتخفّف من الارتعاش تقيس رجفةً سرت في أوصالها وتخفّف من الارتعاش .  هكذا عندما تغيبُ أو تُغيَّب النفوس الطاهرة عمداً ينهض التجنّي من تلافيف العَسَف . كم من مصابيحٍ للنور أُطفِئت قَسراً في مسار البشرية ؟!.. وكم من أعلام للبراءة دُكَّت بمجانيق الفُحش .. وتروح تجهش .. لا ، يا نجاة . لا يجب أن تكوني بهذا القدر من الحساسيّة . لا ينبغي استدعاء هذا القدر المدمِّر من التشاؤم .

وتسمع من بين ثنايا نشيجها :

_ يضمرون لك شرّاً ؛ وقد يقتلوك .

تجمع مفردات الطمأنة ؛ تنثرها على مسمعها :

_ لا تذهبي بعيداً . فأنا ليس جنرالاً يتوجسون تخطيطه لاجتثاثهم ، ولا حشداً عسكرياً يتربص بهم . أنا كاتب ليس لي سوى الكلمات .

ترفع رأسها محاولةً الرد على رأي فيه بلادةٌ وبرود لا تريدهما صفتان لي .

_ هؤلاء لا يفرّقون . الكل حيالهم أعداء لا يأمنون بغير قتلهم . لا ، بل أنتم الأدباء والمثقفون أخطر عليهم من الجيوش . يرون في الجيش معركة بإمكانهم الانتصار أو الهزيمة لمرة أو مرتين ؛ لكنهم يرون فيكم صوت التاريخ الذي يدينهم على مرِّ العصور .

جملتها المشحونة بالرؤيا والصدق حفّزت الكاتب على ضرورة التضئيل من إحساسها الثائر .. هو يدرك كل ما قالته وقد تقارب في هذه الأمور كثيراً مع كمال وخلصا إلى هذه النتيجة .. وبغية إبعاد غمامات الكدر عن روحها ابتسم ؛؛ ومن جديد ضمّها إلى صدره ، ودفع برأسها ليسترخي على كتفه .. وشرع بهدوء الواثق يبوح :

_ غداً مساءاً إذا سار الأمر حسب المخطط سأستلم الجواز وبعد غد ظهراً سأكون خارج المدينة باتجاه بغداد ، وصباح بعد غد سأتصل بك في البيت أعلمكِ أنني خارج العراق وقد انتهى فصل الكابوس الذي ترجرجت في ضبابيّته وماجت جميع النفوس الوجلة ، الحائرة .. سينتهي ، يا نجاة .

بين ملامح التصديق وعلامات عدمه .. بين جموع الدهشة وتوالدات الأسئلة قطبت حاجبيها في مسعى لمعرفة ما قلت .

في لحظات الضيق ، وساعات الضَّنَك ، وأيام الضياع البشري والبحث عن النجاة ترتفع الأكف : ترجو وتستغيث / تتضرّع وتجثو / تخشع وتتأمَّل ؛ تلهثُ صارخةً أنْ تعالَ يا مُخلّص . فتنتظر .. تنتظر .. تنتظر . وها هي نجاة تنتظر تأكيد ما قلُتُ . ما كانت موقنة بكلامي ؛ ولا هي مُصدّقة نفسها . وعندما أكّدتُ لها اعتماداً على القَسَم والكلمة الصادقة التي جمعتنا . رفعت رأسها من على كتفي فجاءتها أفراح الأعياد ؛ ودنت منها زغاريد الأعراس .. طبول نقَرت ودفوف ضرَبَت ، وصنوج توالت إيقاعاتها الصادرة من برونز لمّاع . وعلى صدى التوافقات علا هدير أصوات رخيمة .. تقول لي : أسمعُ وأرى ، فهل ترى أنتَ وتسمع ؟! .. أقول : أسمعُ ماذا ؛ وأرى ماذا ؟! ... تفرد ذراعيها ؛ ولأول مرّة أجدها تضّمني مرددّةً : سآخذك إلى مرافيء القلب . سأجعلكَ تعيش هناك حتّى لو لم تشأ .

_ هل تعرف إينانا ؟ ... سألتني .

_ آلهة الخصب لدى السومريين .

_ سأكون أنا ..

سحبت حزمت الأوراق واستدارت .. وكما لو أنها تذكّرت شيئاً . فتحت حقيبتها الصغيرة . أخرجت أوراقاً :

_ فيها بعض ما كتبت بحقِّك .

تطلّعت بوجهي تروم حصاد ردّة فعلي ؛ ثم طبعت قبلة خاطفة على خدّي :

_ هيّا ؛ انصرف الوقت سريعاً . عليَّ أن أعود . لا تدري كم سيكون عظم ارتياح أبي لو أنك خرجتَ .

_ إلى أين ؟!

_ سآتيك غداً قبل مغيب الشمس . ستتكرّس بهجتي وأقبض على حزمة ثلج تبدد الحرائق هنا _ وأشارت إلى قلبها _ لو أنك عرضت الجواز أمامي .

تركتني / نزلت السلّم خارجة . لم تدعني ألحق بها للوداع ، بل سمعت الباب الخارجي يُغلق وتصل إلى قرارات فحوى الجملة التي قالتها . فإينانا آلهة الخصب والنماء . هي إذاً مقبلة على فعلٍ ستؤدّيه أو عهدٍ ستبصمه بحبر القلب . لكأنَّ هذه الفتاة منذورة من قوّة كونية خارقة دفعتها لحلبة الروح لتستحيل قصيدة طويلة لها امتداد أعوام لا تنتهي .

ما كنتُ مدركاً أول الأمر أنَّ مخلوقةً بهذا الامتزاج والاختلاط من اللظى والصقيع / الهدوء والعنف / القلق والطمأنينة / العاطفة المرهفة والغضب العنيف ستقتحم حياتي بهذه الرغبة .. ما كنتُ موعوداً بفرضية التصاقها بي كما حتميّة انشدادي إليها .. هذه الكتلة الروحية الآتية من ما وراء فيوض الحلم تستحيل حقيقةً على الضوء المتسلل من جنب الستارة المسحوبة للنافذة يتأمل وجهها فيقيس الصفاء ويحسب مقدار البراءة . يدخل في عملية حساب الأخماس والأسداس فيخرج بنتيجة أنها قدرهُ ، وأنها التي لا ينبغي التفريط بها . عروس البحر خرجت لصيّادٍ ألفى وجوده وسط هياج البحر وعنفه / في جنون التحسب للمجهول وفوضى القلق الأرعن . صحيح أنها لا تمد يد العون لتنتشله إلى شاطئ السلامة الناجزة لكنها ستنتصب المساعد المحرّض على الصمود / صورة الأمل الطارد لشبح اليأس / الأنيس المبدد لوحشة المجهول / النجمة المضيئة حيّزاً من ظلام الجزع .

هبطتُ نازلاً .. أدخل الحمام لأحلق لحيةً تكاثفت بعدما نالت إهمالاً وأُبدد تراكماتٍ رغاوى ساخنة : تكاثفت بحجم ثقل الأيام القليلة الماضية / ساحت في حواري الجسد وطرقاته .. أرجاء البيت يعمّه صمتٌ متناسل إلاّ من رذاذ هذا " الدوش " يعلو مجسداً احتفالية ساعة ممطرة تغسل يباب أرض أنهكها العطش .

( 10 )

" إيقاعات الرماد " 

كان هذا آخر نصٍّ يُنشر لي قبل مبارحتي الوطن . لفت انتباهي حشره في زاوية مهملة مع أنّه من النصوص نائلة الاعتداد ؛ كانت ذائقة من اطلعوا عليه منبهرة ، تلقّفوه قبل نشره وحفظ عن ظهرِ قلب لما فيه من حداثة وجرأة لغوية تتجاوز المألوف .

عرض كمال استغرابه وهو ينشر أمامي الصفحة الثقافية ، متحاملاً على غباء مسؤول الصفحة وعد فهمه للنص .

_ لا .. لا يمكن حدوث هذا . مسؤول الصفحة شاعرٌ يقدّر باعتزاز نتاجاتي ؛ لكن ثمة قصدية واضحة هنا . رسالة مبطنة للإيذاء .

_ أي إيذاءٍ تقصد ؟!

_ مثلما حطّموا عبد الرحمن ودفعوه للهرب ؛ وكما هدّموا فيك جموحك الفني وإبداعك الفائر يعملون الآن على تحطيمي .

سُحبُ الإبهام تراكمت في عينيه . ومن الأفق البعيد قدمت طيور الحيرة تنثر الاستفهامات على السحنة التي تكدّرت :

_ كنت البعيد عنهم في نظري . فهل بدأ زحوفهم الشيطاني لالتهامك ؟!

" يا زورقي طر بي ! " . قفزت روح بوشكين تنطق بوحها على لساني مفصحةً ألماً وتقاسيم دواخل تتلظّى على نار تحتدم بالغيض وفخاخ مبثوثة للترصّد .

******

 

اقلب الصفحة باستخدام الاسهم لطفاً