Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

مقالات في الفن التشكيلي

عنف الفرشاة

ياسين النصير

فن الكوبرا

 

                 في كتيب وزع في المعرض الدولي الأخير للفنون التشكيلية لـ" راي أمستردام" عن فن الكوبرا 52 صفحة، نشاهد 29 لوحة لفناني الكوبرا، ونبذة مختصرة عن حياة هذا الفن في هولندا، وكان كاليري اليزابث  في امستردام. أول كاليري  هولندي يجمع هذا العدد من مؤسسي فن الكوبرا في كتيب ، مما يدلل هنا على أن الفن التشكيلي لا يخضع هنا إلا لمواصفات السوق والإعلان والدعاية، وهو وحده الذي يثبت له تاريخا وشيوعا وانتشاراً. ففي الوقت الحاضر نجد أن  أهم فناني الكوبرا وهما: كونييه وكارل آبل،  من أكثر الفنانين انتشارا في العالم مبيعا وحضورا، ومنذ سنوات وكارل آبل يعيش في أميركا، نتيجة لحاجة السوق الأمريكية لفنه، بينما يتنقل كونييه بين عواصم عدة متتبعا معارضه والطلبات الكثيرة على لوحاته، حتى بدأنا نشاهد في المعارض الفرعية الكثيرة التي تقام في امستردام ولاهاي وأوترخت ومدن هولندية أخرى صور للوحات كونييه وىبل، وبعضها مستنسخ من قبل فنانين هواة ، وبأسعار كبيرة. وفي معرض "راي أمسترادام" لعام 1998 التقيت كونيية شخصياً الذي حضر افتتاح المعرض وكان يوقع على ألبومه الجديد وسط حشد من المشاهدين والمعجبين ومما لفت نظري أن إهداءه لمن يشتري ألبومه، كان رسما على صفحة الألبوم الأولى بما يشبه التوقيع.. وفي اليوم الثاني للمعرض لم يبق من لوحات كونييه واحدة لم تبع.

           في الكتاب عن فن الكوبرا نلمح ذلك التاريخ العريق لهذا التيار الفني المتجدد، الذي بدا اليوم واحدا من معالم الفن الحديث في العالم، ليس في هولندا وحدها، بل في عموم أوربا والعالم. والاسم الذي أطلق على مجموعة من الفنانين  اسم نقدي مؤلف من خمسة حروف هي  " COBRA" وكل حرف  منها يشير إلى مفردة من خمس مفردات  تشكل فن الكوبرا. إلا إن هذا الفن الذي بدأ في أول الأمر لوحات زيت وتخطيطات وكتل تشكل فضاءات للوحة يغلب عليها القتامة ، حيث عكس في بداية أمره ثورة للرفض على الأساليب القديمة التي توارثها الفن التشكيلي من موندريان ورمبرانت وفان كوخ ورفضا لأساليب الفن الطبيعية التي تشبعت بها رسوم مونييه وغيره، لتأتي هذه المدرسة بطريقة جديدة هي حرية اللون والتعامل مع التايب بأسلوب مباشر وكأنها بذلك تهيئ نفسها لفترة ما بعد الحداثة التي تتسيد اليوم الفن العالمي الحديث رغم نزوع مبرر للعودة إلى إطار اللوحة الفنية القديمة.

     ضم هذا الكتيب تعريفا 29 لوحة لعدد من فناني الكوبرا من بينهم:

كارل آبل  5 لوحات هي:   الشبيه، والمرأة والطير، والعربة، ولعبتان، والسماء المثلجة.  وكورنييه 8 لوحات منها: القبلة، ولوسي ،1947و النمر والفتاة ،1988 .وإيغوني براندس لوحتان ، وروسكين 3 لوحات منها الطفل والطير 1973، والشبيه 1971 و وولف كمب لوحتان. وقد استضاف كاليري  اليزابث في امستردام في الكتيب الفنانين: شاجال 7 لوحات  وخوان ميرو 3 لوحات اللذين يعتبر فنهما حسب تعريف الكتيب بالمعرض ضمن توجهات فن الكوبرا.

                 عرف تجمع الكوبرا في هولندا والعالم الأوربي في أوائل الخمسينات، رغم أن محاولات الشكل الفني الجديد تمتد إلى فترة أسبق من ذلك . فأصبح بعد سنوات من أبرز المدارس الفنية في أوربا لما يتمتع به هذا التجمع من ميزات تقنية تميزه عن جيل رمبرانت وفان كوخ وموندريان ومونييه  وغيرهم، كما لم يقتربوا من الفن التجريدي أوالسريالي، ولا من فن بيكاسو. الأمر الذي جعل النقد الفني يفرز لهذه المدرسة حيزا من الخصوصية. فالكتيب رغم صغره يدلل باختيارات اللوحات الفنية على تتبع دقيق للتطور الذي أصاب الفن التشكيلي في أوربا بتأثير هذه المدرسة. خاصة في مجالي توزيع الكتلة الذي يبدو عشوائيا في أول الأمر لكنه دلل على براعة في تغريب الشكل عن النظر العادي، فهو يوزع كتلة الجسد على سطح اللوحة توزيعا هارمونيا ومن ثم يشكل من هذه الأجزاء وحدة كلية لا تشبه أي شكل خارجي أو مستعار، فالتجريد لديهم لا يعني اختزالا للشكل بخطوط أفقية وعمودية كما كان موندريان ينفذها، ، كمالا يعني تغريبا وتكثيفا لفكرة مبهمة بحيث تتوزع هي الأخرى على مستطيلات ومربعات،ولا يعني إلقاء اللون على القماشة بطريقة فطرية، إنما هو البحث عن تكوينات روحية للشكل الحي في لحظة اندماجه بالكون، هناك ثمت حلميه وروحية صوفية تستبطن روح اللوحة المنفذة بتقنية غربية: ألوان حارة ، و كتل حرة ، ومساحة وغير مشغولة مسبقا بفكرة،  وهذه الألوان والكتل والمساحة تقدم لنا الحياة كما هي ضمن مناخ ورؤية غربية تتلاءم وطبيعة الثورة التقنية في مجالات عدة. وغالبا ما تكون هذه الرؤية الفنية الجديدة  ضمن رؤية ذاتية للفنان ، التي تتلاءم والقدرة  البصرية  للمشاهد التي يكونها عن الشكل التقليدي وهو في تحولاته. وهذا لا يعني أن اللوحة تخضع للعب فني هو أشبه ما يكون بالتجريد غير المدروس، إنما هناك دراسة لكل جزء من اللوحة يتمكن المشاهد لها أن يؤلف صورة غير جديدة وغير معروفة عن تكوينات وأحياء مبهمة وحقيقية، وهذه صورة متغيرة من مشاهد لأخر تبعا لثقافته وقدرته على التجريد والتحرر من الأفكار المسبقة عن الألوان والأشكال. الأمر الذي يجعل من اللون حرا وغير مدرسي، لكنه أي اللون، يصبح هو الثيمه الأساسية في التكوينات التي نراها. وفي مرحلة لاحقة برزت الخطوط الكبيرة والحرة في تكوين الشكل إلى الحد أن هذه الخطوط تغطي مساحة أكبر من فضاء اللوحة، لتبدو وكأنها هي الموضوع. وما عدا كونييه، الذي يتعامل مع الشكل الحي : أحياؤه من قطط وطيور، لا نجد ثمت تغريب كبير في لوحات الآخرين إلا أنهم جميعا يشتركون في ثيمة العودة إلى أحياء الطبيعة المجهرية والقديمة، ففي الوقت الذي يميل فيه خوان ميرو إلى رسم الأحياء المجهرية وخاصة المائية مدللا بها على أصل الحياة، نجد كورنييه يبحث عن التشكيل الفطري الذي تجسده القطط والطيور والمجهريات ، وهي في تكوين مستفز حياتيا وكأنها تمارس نوعا من رقابة على المصير، كل أشكاله في حال حركة ولكن ثمت عين مصوبة إلى المشاهد وثمت ترقب لما يمكنه أن تكون ردة الفعل، وفي حرارة عارمة للون تبدو لنا هذه الأحياء وكأنها خارجة من جحيم الخلق مرغمة. وفي السنوات الأخيرة بدا كونييه أكثر هدوء في تعامله مع الكائنات الحية حينما وطنها ثقافة المجتمعات الأوربية، ثمت نغمة هادئة يراها المشاهد في ألوانه وأشكاله،  عندما أضفى عليها ديكورا خارجيا يبدو أن ثقافة البيوت قد مارست على لوحته حضورا مرئيا فبدت كائناته أكثر استقرارا بعدما كانت متشككة بوجودها، مستوفزة قافزة وغير مرتاحة لما يحيطها، وثمت طائر لا يهدا وهو رمزه القار، يحلق دائما في سماء اللوحة أو في مستقر الأعين. وهناك من يسبح في فضاء اللوحة ولا مستقر له فيها. خطوط المشتبكة الملقاة بصريا أمامنا بدت أكثر تهذيبا من السابق فقد جرى عليها تعامل مرن بفرشاة أقل صرامة وأوضح انسيابية، بعد أن وجدت لوحاته استقرارا في تركيبة الثقافة وفي فهم النقاد لحركة ما بعد الحداثة تلك التي لا تتعامل إلا مع الأشياء وهي في فطريتها وبدائيتها وتقدمها لنا كما لو أن الجميل هو في أن تكون هكذا. كما نلاحظ ذلك في رسوم خوان ميرو التي تبدو خطوطه خيوطا لتكويناته المجهرية فالحركة في هذا الخط هي انسيابية شكليه قبل أن تكون انسيابية تعبيرية, وفي رسوم شاجال الذي يكثر من التعامل مع الخيل وخاصة رؤوسها أو أجزاء منها، لتبدو في تكوينات طائرة في فضاء سماوي أرضي. وثمة حرية يمارسها الفنان على مشاهد لوحاته من أن الأشكال يمكن اختزالها وتجزئتها بطريقة تجعل من أي شكل مقبولا عندما يجرد من تكوبناته المدرسية. هذه الثورة التي أحدثتها مدرسة الكوبرا والتي تتلخص بالتمرد على القوالب الكلاسيكية التي كان فن الرسم يعتمدها في نهاية القرن الماضي وبدايته، حولت  سطح اللوحة إلى أرضية مرنة يمكن ممارسة الفرشاة او التيب بحرية اليد، كما يمكن التعامل مع الألوان تعاملا حرا، والابتعاد كليا عن نقل الأشكال الطبيعية، وتغطيتها بشفافية لونية، أنهم يقدمون الحياة كما هي صارمة وقاسية ولكن مرنه وغير فنية.. بل إن الميل إلى تكسير أشكالها الطبيعية وتقديمها كما لو كانت تقذف للحياة كأجنة .هي واحدة من إنجازات هذا الاتجاه الفني. والميزة الأساسية لهذا التيار الفني الذي لا تشاهد اليوم لوحات لفنانين آخرين إلا وحملت منه تأثيراً، أنه يمتلك شيئا من فانتازيا الخيال المادي للأشياء، فتبدو الأحياء التي ترسم وكأنها في صلب احتفاليها بالوجود الظاهري لها، ليس ثمة تصنع، أو افتعال، بل هناك حرية شكلية تتلاءم ومنطق الحركة الفطرية على سطح اللوحة، هذه الحركة التي تبدو أنها عفوية هي من الدقة والحساب ما تجعل الرؤية لها منسجمة وتصورات الخلق الأولى للكائن قبل أن يمر بمحن الحياة وصعابها؛ الحرية والبدائية والصورة الأولى، والخطوط  السوداء- الملونة العريضة الصارمة، والمساحات البيضاء او الملونة بين هذه الخطوط، هي المفردات القارة التي يتعامل بها هؤلاء الفنانين.

 

 

الفن التشكيلي العربي اليوم

 1

 

في إطار البحث عن هوية للفن التشكيلي العربي اليوم، يكمن السؤال التالي: لماذا البحث عن هوية للفن التشكيلي العربي، بمعزل عن هوية للأدب العربي، وهوية للموسيقى العربية، وهويه  للشعر العربيالخ؟. وإذا كانت ثمة لوحة عراقية ولوحة سورية ولوحة مغربية ولوحة جزائرية ولوحة مصرية هل يمكننا أن نقول عنها أنها لوحة عربية؟ أم أننا سنجد أنفسنا في تقسيمات بلدان وأقاليم؟ وهل من الضروري وجود مثل هذه الهوية للفن التشكيلي  العربي كي يقال أن هذه اللوحة عربية، وتلك فرنسية، والأخرى إنكليزية أو هولندية أو صينية أو يابانية؟

وقبل البد في الموضوع، نقول أن لا هوية محلية لأي نتاج ثقافي عالمي، وإنما هناك خصائص فنية للوحة العربية تختلف بها عن خصائص اللوحة في مجتمع غربي أو أسيوي ، تنبع هذه الخصائص من  الصراع الاجتماعي والفكري ومن سجايا الشعوب ومن تراثها ومن الطبيعة والمناخ والأزياء والتقاليد وطريقة التعامل مع المادة الخام والألوان.في ضوء ذلك يمكن القول بوجود فواصل معرفية كبيرة بين اللوحة الصينية واليابانية من جهة، وبين اللوحة الأوربية من جهة أخرى، حيث الاستفادة من موروث الشعوب ومن التقنيات الحديثة يعد تمايزا فنيا. وهذا ما حدث في اللوحة اليابانية والصينية التي ما أن تراها في معرض حتى تميزها. إلا أن قيمتها الفنية لم تعد بتلك الدرجة التي عليها اللوحة الأوربية اليوم. كما يمكن القول بوجود مميزات فنية واضحة بين اللوحة الهولندية أيام فان كوخ وموندريان  وأوغسطين،  وبين اللوحة الهولندية في مرحلة ما بعد الحداثة اليوم، وبينها وبين الفرنسية واللوحة الإنكليزية ، مثلما نقول  أن اللوحة الواقعية والانطباعية مختلفة عن اللوحة التجريدية والسريالية..الخ ، كما نقول أن اللوحة المرسوم بالزيت تختلف من حيث التقنية عن اللوحة المرسوم بالاكرليك او الحبر أو الرصاص ..الخ.  إلا أن كل هذه التفاصيل لا تضع فواصل كبيرة بين فن وفن بقدر ما تجعل اللوحة الفنية تكتسب معارف وصفات ومميزات جديدة كي تضيفها إلى منجزها السابق.. من هنا أقول أن ليس شرطا أن تكون للفن التشكيلي العربي هوية مميزة له عن فنون العالم، وإن كنت ممن يميلون إلى تضمين اللوحة التشكيلية العربية تراث وفلكلور الأمة العربية وعمقها وفنونها السابقة، كي تمتلك خصائص تميز نفسها بها عن اللوحة الأخرى. فالفن التشكيلي مثل الموسيقى؛ عالمي اللغة، يستعير كل الحواس لفهمه، وينتسب لكل الأقوام مادمت هذه الأقوام تسمعه وتفهمه وتتذوقه. وعندما نوصل لغتنا الفنية إلى العالم بهذه المقاييس الجمالية، يعني أننا نمتلك هوية، وعكس ذلك يبقى الفن التشكيلي العربي ضمن إطاره القديم، حتى تتبع خطوات الفن العالمي، فالفن التشكيلي نتاج فردي بالضرورة، ويعتمد على استيعاب الفنان للتيارات الفنية الحديثة، وله قدرة على التمييز بين التقليد والنقل والأصالة، وأنه لوحده من يستطيع خلق تيار أو اتجاه يفرض لغته الفنية على الفن العالمي. وعندما حللنا في أوربا، وتابعنا بعض معارضها الكبيرة والصغيرة ،رحنا نستعيد بعض رسوم وتصورات فنانينا العراقيين والعرب، فوجدنا إن حجم التأثير بالفن الغربي كان كبيرا إلى حد التأثر والنقل والتقليد. ومع ذلك تعد ذلك إنجازا وعليهم أن يخرجوا من جلد الفن الغربي ليعيشوا في مناخ الأصالة والانفتاح بالدرجة نفسها التي يؤكدون فيها وجودهم . ولكن قلة الصلة والمعرفة بتيارات الفن العالمي جعلت مساهمات فنانينا العرب ليست بالقوة التي عليها فنون شعوب أخرى. وهذا يعود لضعف الثقافة الفنية، ولقلة المتابعة  في نقدنا التشكيلي العربي. ومع ذلك لا أعتبر التماثل والتأثير بين اللوحة العربية والعالمية خاصة الأوربية عيبا فنيا ، إنما هو جزء من البحث عن خصوصية، فأنا أعد هذه اللوحات تمارين كبيرة في طريق الوصول إلى تضمين لوحة الفن التشكيلي العربي خصائص تميزها عن غيرها.

 

2

في ضوء هذه الحال لا بد من وضع تصور يسهم  في فهم الواقع الفني العربي، كي نقف على المعوقات التي جعلت الفن التشكيلي في وضع مرتبك.

أولى هذه التصورات  تتعلق بالقطيعة المعرفية التي حدثت بين  فن الرسم والتعليم في المدارس. فقد كان درس الفن  من الدروس التي لا يهتم بها، وغالبا ما تعطى هذه الدروس لغير الفنانين، الأمر الذي يجعل هذا الفن في مرتبة دنيا من اهتمام الطلبة على العكس مما هو في التعليم الغربي. أما الطلبة فيتعاملون معه كما لو كان من الدروس العادية. ضمن هذا البعد الدراسي لم تنشأ للفن التشكيلي في منهاج التعليم أي منهجية تربوية أو ثقافية توضح  تطوره وتاريخه ومدارسه وفنانيه. ربما ما يزال البعد الديني يمارس تأثيره على مناهج التعليم العربية. ولكن إذا كان ذلك في المدارس الابتدائية والثانوية فما باله في الجامعات، وحتى بعد أن فتح قسم الرسم في معهد الفنون الجميلة وفي الأكاديمية اقتصر هذا القسم على القلة من الطلاب، إلى أن وجد الكثير مساحة لهم فيه وذلك بعد 1958 حينما أصبح القسم أكثر سعة خاصة وأن عددا من مدرسي الرسم قد عادوا من بعثاتهم في الخارج ليدرسوا الفن في المعاهد والكليات. عموما لم يكن إلى وقت قريب للدرس الفني التشكيلي تاريخ واضح في مناهجنا .

ثاني هذه التصورات أن الثقافة العربية في إطارها النقدي وخاصة النقد التشكيلي لم تتطور بما يوازي تطور اللوحة الفنية، وقد يكون مثل هذا القول سابقا لما نريد الوصول إليه، إلا إنه يؤسس لنا أرضية نقدية وهي أن معالجاتنا النقدية للفن التشكيلي لا تتم إلا من خلال رؤية الآخر للوحة، وبالضرورة سنسحب تصوراتنا النقدية من مجالات غربية لنصبها على بنى معرفية شرقية. أقول ذلك وجزء من السبب يعود إلى القطيعة المعرفية بين الفنون القولية والفنون البصرية في ثقافتنا العربية، ونتيجة للموقف الإسلامي من التصوير والتماثيل، لم يقتصر على فكرة العبادة المحرمة، بل تجاوزت نتيجة التفسيرات المخطوءة إلى عملها وبالتالي إلى من يمارس الفن والنقد فيها. إلا هذه النظرة تجاوزتها الأيام والعقول وعدت من مخلفات الفكر السلفي. وعندي أن التشكيلي العربي فرض تصوراته بالقوة على الثقافة العربية، ليس من خلال اللوحة فقط، إنما من خلال الشعر والقصة والموسيقى والمسرح والصحافة فأنت تجد في كل هذه الفروع ثمت فنون تشكيلية عالية النبرة، وفيها من لغات بصرية وقولية ما يوازي حضورها في الذائقة النقدية المعاصرة. ومع ذلك كله لم يواكب النقد التشكيلي الفن التشكيلي.

ثالث هذه التصورات أن الفن التشكيلي برغم من وجود مدارس فنية عربية كمدرسة الواسطي وغيرها، لم يؤسس له رؤية على أرضية اجتماعية إلا في أوائل هذا القرن وعلى يد فنانين رواد الذين توزعت لوحاتهم على الطبيعية، إلا أن هذه اللوحات لم تتطور إلى اتجاه فني يمكنه أن يؤسس تيارا أو اتجاها عربيا للفن التشكيلي إلا بحدود نقل الواقع فنيا وعرضه أمام الناس. ولم يحدث تطور للفن إلا بعد عودة الفنانين من بعثاتهم في إيطاليا وفرنسا وانكلترا، وذلك في الأربعينات والخمسينات ومن ثم تأسيس جماعات فنية أبرزها جماعة بغداد للفن الحديث وجماعة الانطباعيين  وغيرها. وفي السبعينات أعيد اكتشاف الواسطي مجددا على يد الفنان شاكر حسن أل سعيد، ودرست أبعاد لوحاته التي كانت ضمن تصور فن البعد الواحد، الأمر الذي جعل تاريخا جديدا للفن التشكيلي معتمدا على المقامات والحكايات الشعبية كي بنقل لنا ثقافة شعبية بإطارها البسيط وبألوانها الشعبية الحارة التي دلل الفنان بها على قيم جمالية مثل استخدام الخطوط والحروف والأزياء الملونة والسفن والحياة الغرائبية.  ومع  أن رسوم الواسطي  يمكن تفسيرها أدبيا، إلا أنها مهدت للفن التشكيلي أن يصبح شعبيا بإطار تقنيات حديثة. لعل الفنان جواد سليم ابرز من استفاد من هذه التقنيات رغم أنه لم يطلع على رسوم الواسطي.  الأمر الذي يدفعنا للقول أن الفن التشكيلي العربي كان يستمد بعض تصوراته من الحياة الشعبية قبل أن ينطلق إلى التجريد والحداثة، وأن هذه الحياة كانت وراء نقلة الفن التشكيلي من رسم الطبيعة إلى رسم الناس والأماكن الشعبية وهي تتضمن صورة للإنسان الشعبي وموقف له ضمن إطار تصورات الفنان عن هذه الحياة.

رابع هذه التصورات أن الفن ، أي فن لا يمكنه أن يكون عالميا ويعتمد على إمكانات الفنان لوحده، أن الفن الياباني والصيني والأوربي تعتمده مؤسسات فنية ومصارف وجهات ثقافية وكنائس وبنوك ومؤسسات وكاليرهات ومعارض دولية وشركات الفن والتسويق ورجال أعمال و..و.الخ، كي ينتشر ويذاع ومن ثم يتحول الإنتاج الفني إلى بضاعة تدخل ميادين الأسواق كما لو أنها صناعة حديثة تتلاءم ومتطلبات السوق دون أن يفقد الفنان تمايزه وخصوصيته ، بل العكس مما شاهدناه هنا وكيف أن الفنان مثل "آبل" و"كونييه" وغيرهم يكونون في محل تقدير وسباق من قبل المعارض والدول كي ينتج لهم لوحات. هذه المساهمة هي التي دفعت بفنانين من درجات عادية في الفن إلى مصاف فنانين كبار لأنهم دخلوا ميادين الإنتاج والتسويق والعروض المستمرة فكان عليهم أن يثبتوا لزبائنهم وللمسؤولين عن قدراتهم الفنية شأنهم شأن أي منتج ثقافي عالمي يخضع للعرض والطلب. وبالتالي فأن هذه المؤسسات التي فتحت لها أسواق فنية في مختلف العالم لم تعر انتباها لجنسية الفنان، ولا للونه أو لغته، بل لما ينتجه، وقد وجد عدد من فنانين اليابان والصين مجالاتهم في خارطة الفن الأوربي ، وثمة عدد من الفنانين العرب دخلوا هذه الميادين فحققوا حضوراً ولذلك لا يمكن الحديث عن هوية للفن تبعا لجنسية الفنان، بقدر ما يمكن الحديث عن هوية للفن تبعا لتأثر الفنان بتيارات ذات بعد تراثي أو ميثولوجي .فأين مؤسسات الفن العربي وجهاته الثقافية والمسؤولين من السادة الحكام ووزرائهم من هذا الذي يحدث في عالم اليوم؟

وخامس هذه التصورات هو الفقر الإعلامي لما يقدم من عروض ومهرجانات للفن التشكيلي العربي، أنك لا تجد هذه المعرض والمهرجانات إلا في حدود الدولة العربية الواحدة، فكيف بها أن توصل إلى العالم؟ إن ما يحدث هنا في أوربا شيء مغاير تماما، تشاهد راي أمستردام في الشهر الثالث مثلاً، ثم تشاهد معرضا في برلين في الشهر الخامس وأخر في كوبنهاكن في الشهر السابع وفي فرنسا في الشهر العاشر وفي إنكلترا في الحادي عشر، وإذا كنت ممن يستطيع المتابعة ستجد صورة فنية واسعة لحركة الفن والفنانين واللوحة في هذه المعارض بحيث أن منتج السنة الفني يجاور منتج السنوات السابقة في حركة تصاعدية وفي تطور فني للفنان نفسه وللمعارض، أن هذه الشبكة من المعارض تجعلك على صلة دائمة بمنجزات الفن عالميا ومحليا وبطريقة تقدم لك بها اللوحة وهي علاقة مع مجاوراتها من مدارس وفنون أخرى.

في محيطنا العربي لم نجد لأي مهرجان فني صدى في صحافة وثقافة العالم، ما يحتاجه القائمون على المعارض هو الإعلام في ميادين الفن ومهرجاناته كي يقف المعنيون هنا على منجز الثقافة العربية في مجال الفن التشكيلي. إلا هذه الحاسة لا توجد عند المنتجين العرب، بل يتأملون من منافذ غربية وجهات رحمة أن تمد يدها للفنان العربي كي يحضر ويقدم ما عنده وعندئذ نجد صدى انجازاتهم وقد احتلت مكانه متميزة. إن الفن العربي الذي يقدم في نماذج منه قد احتل مكانة متميزة هذا ما سمعناه عن لوحات محمد مهر الدين، وسلمان البصري وعلى طالب وضياء العزاوي وسعد على وقاسم الساعدي وجبر علوان ورسمي كاظم وفيصل لعيبي ونعمان هادي وصلاح جياد وغيرهم كثير، ولكن جل جهود هؤلاء الفنان فردي.

 

سادس هذه التصورات تتعلق بالعلاقة بين مؤسسات الثقافة في الدول العربية، ومقارنة بأوربا هنا نجد أنفسنا في كل شهر لنا لقاء مع لوحات مستعارة من أميركا وأخرى من الأرميتاج في روسيا وثالثة من المتحف الياباني في طوكيو وأخرى من المتحف الصيني أو من المتحف البريطاني وهكذا يشعروك بالإضافة إلى البعد التجاري والفني أنهم مسؤولون أمام شعوبهم الذين لا يستطيعون السفر الدائم لمتابعة المعرض الدواية أن يقدموا لهم مختارات من منقيات المتاحف، وذلك ضمن تصور نقدي، خاص بالمتحف أو بحاجة الجمهور، وهكذا تجد العواصم في تزاور وتلاقح مستمر يغذي ليس ذائقة الجمهور بل الفنانين والصحافة والنقد، فأين وزارات ثقافتنا العربية من مسؤوليتها إزاء فنانيها أولا وجمهور الثقافة العربية ثانياً؟.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

معارض ومشاهدات

 

500     لوحة فنية في لاهاي

 

 

               عرض متحف بلدية مدينة لاهاي العاصمة الهولندية أكثر من 500 لوحة فنية لكبار الرسامين في العالم وتعتبر هذه المساهمة السنوية من الكاليرهات الهولندية بمثابة العرض الاستعبادي لأمهات اللوحات الفنية التي يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر، مثل لوحات فردنا لد هودللر الذي تصدرت لوحته بوسترات المعرض ووزعت في الشوارع المحيطة بسنتر المدينة، والمعرض أفتتح  لمدة أربعة أيام من 2-6/4/99 بينما المتحف بقاعاته العديدة يبقى منفتحا بعرضه للوحات لفنانين آخرين إلى 2/5/99 وذلك لأن المتحف يقدم المعرض المستعاد ضمن معرضه الفني الكبير ، وعلى الزائر للمعرض أن ينتبه إلى قاعات العرض التي توزعت الطابقين الأرضي والأول فقط، وحدد بخار طه القاعات واتجاهاتها،  كي يفرز بين اللوحات التي يشملها المعرض ألا ستعادي وبين مقتنيات المتحف الفنية.

أهم ما يبرز في هذا المعرض هي لوحات هودللر الفنية 1854-1918  تلك التي تميزت بطابعها الريفي والاجتماعي فالفتاة العارية التي حمل البوستر الرئيسي صورتها هي بمثابة التداخل بين الريفي والمديني ، وعلى أرضية خضراء جسدت الفتاة برؤيتها إلى الخلف الطابع الفني للجمع بين الجسدي والأرضي أنك لا تجد في هذه اللوحة إلا فضاء مشغولا بلونين الوردي الذي تمثل جسد الفتاة والأخضر حيث الجسد الطبيعي.  وفوق الأرض ثمة بساط هو من تكوينات البحر والبيئة، كان الفن الهولندي في القرن التاسع عشر يجمع بين تقنيتين، البحث عن الحداثة في الأشياء الشعبية،مضمنة بعدا أيديولوجيا، والرسم على المرايا الذي ما زال معمولا به في بعض صالونات العرض، ولذلك يعد الفنان الهولندي من أكثر الفنانين تجريبا وتقليديا في آن واحد، فلوحات رمبرانت ما قبل المرحلة التجريدية له، كانت هي الأخرى مزج بين هذين التقنيتين.

         إلى جانب هودللر كانت عشرات اللوحات القديمة – الجديدة لكبار الفنانين : بيكاسو وموندريان وجاكوب وكاندنسكي وليجيه أرنست لدفيدخ وأسكار كوران ودروك وماشاك وكونستانت وكارل لنك وغيرهم.

يفصح الاهتمام بالفنون لدى الهولندي العادي عن رغبة في المقارنة بين الفن الهولندي المعاصر الذي تشعبت تياراته في الأعوام الأخيرة  ، وبين الفن الهولندي القديم الذي أسس نهضته الفنية المعروفة على يد فان كوخ موندريان وسواهم، فيجد أن تيارات التحديث الآن تسير مواكبة مع الموضة وليس هناك فعل تأسيسي كبير برغم ما يشتهر به كونيه وأبل وغيرهم، حيث البناء الفني يلامس الأفكار المنشرة، فقد شاع في المعارض الأخيرة  التعامل مع المتروك الحياتي : النفايات وعمال المجاري والحديد الصدئ والبقايا من الأشياء ، فتجري عملية توليف لها لتظهر بإطار فني أطلق عليه ما بعد الحداثة، أو تلك اللوحات التي تمتلئ بالبياض عدا نقطة هنا وخط هناك، أو اللوحات التي تهتم بجمع إطارات السيارات ووضعها بتشكيله جمالية – بصرية، كما شاع في كاليرهات امستردام الحالية رسم الخنازير، بعد أن اشبع الرسم بالخيول والفيلة والثيران، فالثقافة في نظر هؤلاء هي التعامل مع المعيش، وبالرغم من جمالية الشكل واعتماد الكتل اللونية ، نجد مثل هذه اللوحات قليلة الحضور في الكاليرهات المهمة التي تعاملت مع فنانين كبار، كما لم نجد لها حضورا في المتاحف المهمة.

 

 

 

راي أمستردام لعام  1999

المعرض التشكيلي العالمي في أمستردام

 

 

                   ما أن تدخل القاعة الكبيرة التي أقيم فيها المعرض الدولي للفنون التشكيلية في " راي  أمستردام"، والمبنية على شكل مقوس، بفضاء يتسع لأكثر من 300 غاليري والأف اللوحات ، ويقدر حضور اليوم الأول بأكثر من 50000 مشاهد، حتى تفاجأ بأن ما يحدث في الشارع الفني الهولندي كله تجده هنا أيضاً، فقد طبعت الحياة الفنية الهولندية بخصائصها  التجريبية والتقليدية معاً على كل الأعمال المعروضة هنا فتجدها ممثلة بـ: هيمنة الحس التجاري على المعروض،- حضور أمريكي  واضح في ميدان الزجاجيات -،و أسعار اللوحات المتباينة تفصح عن مستويات الفنانين الذين اختارتهم الكاليرهات لتقدم لوحاتهم إلى الزوار، والسيطرة الفينة لمبدأ السوق الفني كجزء من أن تصبح أمستردام،  إحدى عواصم تسويق الفن عالمياً، والاقتراب من حقيقة أن الإعلان هو المدخل الأكثر رواجا إلى الفن، ثم هذه التجريبية المفرطة في الأشكال الفنية بحيث لم تعد مخيلتك قادرة على تصور ما يحدث ، حيث البساطة إلى جوار التعقيد، والغرابة إلى جوار المألوفية ، إطلاق المخيلة إلى جوار البقاء ضمن منهجيات تصويرية سابقة،  البحث عن أشكال فنية غير مألوفة بصريا، إلى جوار الدقة والتنظيم في تصميم  الديكورات المتميزة ، الشمول في التجارب الفنية: تجاور المدرسي وغير المدرسي معا، الاعتماد على القفشات الفنية غير المستقرة بعد على اتجاه فني واضح، السيطرة واضحة لفن ما بعد الحداثة، ،، ..الخ. كل ذلك تجده أمامك ولكنك لا تستوعبه .فالمعرض من الضخامة بحيث لا يمكنك أن تلمَّ بأجزائه المهمة في جولة يوم واحد ولذلك حاولت أن أكون في معظم أيامه الستة، مستطلعا ذاتي وسط هذا الحشد من التجارب الفنية القديمة والجديدة معا، ومعيدا تصوري البسيط ومعلوماتي عن الفن التشكيلي العراقي الذي واكبت بعض تطوراته الفنية في العقدين الأخيرين، كل ذلك إمعانا في فهم اللعبة في مكانها ومصدرها بعد أن أشبعتنا الكتب النقدية عنها قولا قد لا نجده عندما نرى الفن عيانياً.

      وابتداء من البوستر الذي يمثل" الراي" لهذا العام،  وحتى مقاعد البوفيه التي توسطت المعرض، تجد إن الإنسان هو المحور الفاعل في معرض هذا العام، فقد عكس البوستر،   شأنه شأن البوسترات الخمسة السابقة، والمصممة كلها على هيئة رأس رجل. أزمة الإنسان في عالم اليوم، فقد غطي الرأس " العقل" في بوستر هذا العام بقناع من  الكارتون الأحمر عملت فيه فتحات للعينين - إحداهما بنظارة- والأنف والفم، بينما حجبت إحدى الأذنين وظهرت الأخرى تطل من خلف القناع علينا، وكأن إنسان اليوم لا يطل إلا من وراء القناع المخترق بالحواس، على العكس من تصميم معرض 97 الذي غطي الرأس كله بسلسلة من الحبال دالا على حجب الحواس وتكبيل العقل -، ليأتي تصميم هذا العالم دالا على انفتاح  جزئي في الرؤية ، ربما ليؤكد النزعة الغربية في الأطلال على عالم المتناقضات الذي تجري أحداثه على الساحة الدولية بآلية حربية، مفصحاً عن  العلاقة الكلية  بين الفن والإنسان عبر أزمات نهاية القرن العشرين

 

        ما يلفت النظر في" راي أمستردام" لهذا العام، هو زيادة عدد الفنانين المشاركين فيه، عن راي عام 97. فقد أدرجت إحصائية صدرت في كتاب خاص بالمعرض أن عدد الفنانين المشاركين بلغ 815 فناناً ، ومن مختلف أنحاء العالم. من أميركا وألمانيا وفرنسا وايطاليا وأسبانيا وبلجيكا وانجلترا وكندا ولكسمبورغ والسويد والنروج والدنمارك  وغيرها ، كما استحضرت لوحات من مدن أوربية مختلفة لبيكاسو وموندريان وكونستانت ومونيه وشاغال وليجيه وماتيس وغيرهم.  وثمة لوحات أعيد بيعها لمرات عدة، ولوحات لم يعلن مقتنوها عن رغبتهم ببيعها، إضافة إلى كاليرهات هولندا بمدنها الرئيسية : امستردام ، لاهاي، اوترخت، ايندهوفن، خودة، روتردام، ليواردن، ليدن وغيرها. مما يعني زيادة بلغت أكثر من مائتي فنان، ومئات اللوحات. فقد قدمت مثلاً سبع كاليرهات هولندية أعمالا للفنان "كارل أبل" الذي يعيش في أميركا بعد النجاح المذهل الذي حققه هنا.

  

           من يستقرئ اللوحات  الكثيرة التي قدمت في هذا "الراي" يستطيع أن يكون نظرة أولية عن اتجاهات الفن الحديث في أوربا اليوم. فيجدها تقع في ثلاثة اتجاهات رئيسية. فعلى مستوى المعروض، يلمس المشاهد الحفاظ من قبل الكاليرهات العريقة على مستوى من التعامل مع أذواق المشاهدين المختلفة، فقد قدمت لوحات من القرن التاسع عشر ومن سنوات القرن العشرين الأولى دون أن تعلن عن بيعها، مفصحة في تصورها عن تقليد عريق دأبت عليه متاحف هولندا منذ زمن طويل ينصب في هدفها لتغذية المشاهد المعاصر بأهم إنجازات الفن التشكيلي القديم وهو جزء من سعيها لرصد التطور الحاصل في ميدان الفن التشكيلي عامة، وكأنها في تقديمها هذا تقول للمشاهد عليه أن يقارن بين إنجازات مهمة سابقة ما تزال حية في ذاكرة النقد والصحافة،  وبين إنجازات الوقت الحاضر. وهذا ما نلاحظه في المعروضات التي يقدمها المتحف الرئيسي في لاهاي بين فترة وأخرى. أخرها المعرض المستعاد لمشاهير الفنانين قبل شهرين، وقد أعلن عن معرض جديد لرينوار سيفتتح في السادس من هذا الشهر، أي في اليوم الذي ينتهي به معرض "راي أمستردام". ومن جانب آخر لم يعد" معنى " الفن التشكيلي مقتصراً على اللوحة المنفذة بالزيت أو الاكرليك، أو المائيات، أو الورقيات،  فهناك تصور أوسع ربما أتى إلى الفن التشكيلي من الأدب، وهو أن اللوحة لم تعد بهوية واحدة، فهي نص مفتوح على التداخل بين فنون عدة، ففي المعرض وجدنا فن للخشب وقد تمثل بتقديم موديلات لسيارة فوكس ولكن،   وتصاميم لأزياء وملابس نسائية و رجالية . وهناك جمع كبير من ألة الكمان الموسيقية وقد عمل منها نصب جميل، وهناك معروضات تمزج بين الكومبيوتر والرسم، أو بين المواد الكيماوية والمياه، أو بين اللوحة الزيتية وقطع الحديد، أو بين فن الفتوغراف والكتابات ، أو بين التمثال البرونزي والزجاج، ..الخ ، هذا النمط من توسيع دائرة مفهوم الفن التشكيلي تعطينا تصورا على التداخل المتشعب بين الفنون البصرية والفنون التجسيدية،   و قد أعطت تصورات ما بعد الحداثة للفن من أن اللوحة لم تعد بمقاييس فنية أوقواعد ثابتة، وإنما هي تدفق بصري على حياة تجمع في لحظة واحدة مئات المتناقضات، ولذلك نجد الفن الحديث لم يجر كسر الأطر الخارجية للوحة فقط، بل جرى كسر المعرفة القديمة لمفهوم الفن التشكيلي نفسه.

 

             الاتجاه الثاني الذي يلمسه المشاهد لراي امستردام 99 هو العودة إلى الطبيعة ولكن بغير الانطباعية،  هناك ميل جارف لدى عدد كبير من الفنانين إلى رسم أشياء الطبيعة المهملة، أو ما نسميه بثقافة الأشياء الصغيرة، الورق المتساقط من الأشجار الأبصال بمختلف أنواعها، الفواكه ، الثمار الملابس المهملة، قطع الحديد، الحشائش اليابسة، والأحذية. ويكاد رأس الثوم  أن يكون مشتركا بين عدد كبير من الفنانين. وتمتاز رسوم هؤلاء بالدقة المتناهية والشفافية ، وكأنهم يقتربون من أعمال فان كوخ ولكن من غير قضية فكرية، فما زال حذاء فان كوخ مؤشرا على فن ما بعد الحداثة رغم أنه رسم في مرحلة سابقة على الحداثة نفسها. وهذه النزعة في تجسيد الأشياء الصغيرة جاءت هي الأخرى من الأدب الحديث الذي يميل في التعامل مع الثانوي والمهمل والنادر، بعد أن فقدت الموضوعات الكبيرة قيمتها في زمن هيمنة السياسة على بنى المجتمع كله . فلم تعد هناك موضوعات كبيرة كالصراع الطبقي أو الحب أو الكره أو الطبيعة الريفية أو  القصور الأرستقراطية..الخ بل هبط الفن باحثا عن قيمته التعبيرية في الجزئيات الحياتية ، وكأنه هو الآخر يتعامل مع الأشياء الفردية المعزولة  والمنقطعة عن الأخرى، فهي تشبه أي تكوين اقتصادي – إحتماعي معاصر يتلاءم وحاجات السوق اليومية. لعلنا ندرك أن فن ما بعد الحداثة يجد في بنية الانعزال والفردية مجاله التنفيذي.  وهذا ما نلاحظه بوضوح إن مثل هذه اللوحات لا تتعامل لا مع الزمن ولا مع التاريخ ولا مع الجغرافية، إلا بحدود موقع الشكل من قراءة المشاهد له، وهذه برهة زمنية لا تستقر على تاريخ معين أو جغرافية معينة. فالزمن الخيالي الذي تفصح عنه لوحة ما بعد الحداثة هو الزمن الحقيقي ، أي الزمن الذي يقود المشاهد إلى التأمل والفوضى معاً، وبذلك ترفض كل المقاييس السابقة التي كانت تعلب الزمن في مفهومات. فالحاضر هو الأساس في فهمنا لأي إنتاج ثقافي. النقطة الجوهرية في هذا الفن الذي نشاهده منتشرا في هذا المعرض، أن الشكل الفني لا يعبر عن أشياء خارج اللوحة، ليس ثمة إحالة ما على موضوع خارجي إذ ليس هناك مجتمع أو شعب أو طبقة أو فكرة سياسية أو جماعة معينة يعبر عنهم هذا الفن، وهذه الثيمة الجوهرية جعلت اللوحة الفنية تعيش في إطار التشاكل مع المشاهدة الآنية ، وقد لا تثير أحدا ، فقوتها ليست في عقد مقارنات، بينها وبين موضوعات،  بل في الفرادة واللاتشابه واللا قياس.

           الاتجاه الثالث الذي يلمسه مشاهد لوحات هذا العام ، هو الفوضوية والعفوية والدمج بين تكوينات مفترقة، واعتماد التايب في التنفيذ بدلا من الفرشاة، والاقتراب من عفوية الأطفال ، والتعامل مع الألوان الحارة، وكأن روحا شرقية تلامس الذائقة التجارية للعروض.وتكاد تشترك مئات اللوحات في هذا الاتجاه الذي يجمع بين الحداثة وما بعد الحداثة بطريقة التعامل الفوضوي مع اللون والمساحة والفكرة، وحتى الأشياء المكروهة كفضلات الإنسان ، قد وجدت طريقها بشكل غير فني، فليس ثمة إيروتيكا مقبولة بل إيروتيكا مبتذلة وعادية، والفكرة العامة التي يقوم عليها مثل هذا الفن هي خلق علاقات بين مفترقات داخل بنية اللوحة نفسها وليس داخل المجتمع أو أي تنظيم قار، فالفوضوية الجمالية لا تقوم في هذا الإطار إلا على هدم الشكل القديم للوحة. وهو هدم من أجل بناء معرفة قد لا تقرها المدرسية أو الأكاديمية المعروفة، ومثل هذا الفن لا يلقى قبولا إلا ما ندر من العقلية المتاحفية في أوربا، إذ يحتاج  مثل هذه الفنون للدخول إلى المتاحف، أي كي يصبح الفن مقبولا بالقوة المعرفية والحياتية. لكنك تلمح في بعض اللوحات ثمة تصميم مسبق يقبع خلف الأشكال المباشرة التي تحتل مقدمة اللوحة، ثمة إنسان ما قابع هناك في ظلام الشكل لكنه إنسان معزول ووحيد.

 

 

راي أمستردام لعام 2000 ، تجديد في الرؤية وغنى في الممارسة

 

1

            هكذا تبدأ الكرنفالات الفنية في تشكيل نفسها: ملاحظة أولا عن الحاجة الاجتماعية  -بما فيها حاجة السوق ، ثم مراقبة ومعاينة للواقع المتشكل في ضوئها، ومن ثم تكوين الأسئلة عنه، ثم البحث عن وضع الحلول لها. هذه المعادلة التي لا يبدو أننا نتحرك خارجها هي ما تفرضه على الفن في معرض   " راي" أمستردام  السنوي للفنون التشكيلية ،حينما تحول إلى كرنفال سنوي لا توزع فيه الأغذية المتراكمة ولا تلبس فيه الأردية التراثية كما هو الحال في الكرنفالات الأوربية ومنها كرنفال مدينة " البانش" في بلجيكا، إنما تنمو في هذا " الراي" سنويا حاسة البحث عن الجديد في الفنون التشكيلية على مستوى العالم كله. وبالفعل كان قبل سنوات مجرد اقتراح لإقامة كرنفال سنوي للفنون التشكيلية في أمستردام ولكن توسع حاجة السوق الفنية لمستهلكين ومنتجين  في هولندا بعد أن وجدت مقتنيات متاحفها صدى عالميا، تحول الاقتراح إلى واقع ، بدأنا نتحسسه ونراه ونعيش أيامه الكرنفالية السنوي فجعلت من المعرض السنوي فرصة لأن يكون مقدمة لتقليد شعبي وقد رافق هذا العام حدث دورة القدم للدول  الأوربية في هولندا وبلجيكا فاصطفت الشاحنات الممتلئة بالسواح والزوار لرؤية المعرض بأيامه السبعة من 7/6  - 12/6 2000 .

في هذا العام كما في الأعوام السابقة يكون شعار المعرض " رأس إنسان"، مغمض العينين متأملاً  ولكن مغطى بالزهور. كان شعار عام 1998 راس إنسان ملفوف بالقماش لا تبدو فيه أي نافذة كي يطل على عالمنا اليوم.في حين أن شعار عام 1999 كان رأس إنسان أيضا ولكنه مغطى بورق فتحت فيه نوافذ للرؤية وللسماع وللحس. في حين أن شعار عام 2000 راس مغطى بالزهور في لحظة طقسية متأملة. خطوات باتجاه أن يكون الشعار القادم راس إنسان مبتسم.هذه الاغماضة تحت الزهور المتدلية تنبئ عن مزواجة بين الطبيعة الهولندية الخضراء والفن في محور مشترك بينهما هو الإنسان. إنسان هذا العام يطل على القرن الحادي والعشرين بروح سمحة وبغماضة مستفيضة إلى الداخل.

 في تجوالنا الذي يشبه الطقس السنوي ، كنا نتطلع إلى أفق الفن الحديث بتجاربه الكثيرة والمثيرة الآتية من الصين ونيوزلندا ولنن وأمريكا والبرتغال وألمانيا واستراليا ودول أوربية وأسيوية عدة. هذه التجارب التي تفترق عن معرض العامين الطفولة محورا فنيا مشتركا. اليوم لا نرى اثرا لتلك النغمة الفنية التي سادت لأعوام مضت: وهي المزاوجة بين الموروث الإنساني بتجاربه الشرقية والغربية ، الصينية واليابانية والأوربية، ميثولوجيا أمريكا اللاتينية والغرب الأفكار الدينية القديمة في رؤية مسيحية معاصرة..الخ بل نرى لوحة فنية فيها من الرسو والتجريب الشيء الكثير.

2

           معرض هذا العام  على العكس من معارض  السنوات السابقة فهو أكثر فناً وأركز تجارب  وأقل صخباً. فقد قلت إلى حد كبير معروضات ما بعد الحداثة تلك التي كانت تملأ ساحاته بأشكال الواقع اليومي : نفايات عمال التنظيف، الأموات الخارجون من المقابر اشياء واسلاك وقطع حديد مشلة تركيبة بصرية جمالية، أعضاء الإنسان ومخلفات الجسد من بول وفضلات، قطع الملابس المتبقية للسجناء الأقدمين، أثار النازية على جدران سجونهاالخ ثم ذلك الهوس في تركيبة المشاعر المتناقضة لخلق تكوين بلا هوية أو تاريخ،  وفي إطار الإنسان يغلب الجنس الثالث " الخنثى" على اللوحة بوصفه جدلا للكائن الحي.  وبدت لنا اللوحة الحديثة وهي تمزج بين تيارين : التيار الواقعي الرمزي والتيار التجريدي الحديث، أكثر حضورا وهدوءا وكانهما عاد الفنان الغربي إلى أرضية الواقع واللوحة المعمولة بدراية يد الفنان وخبرته إلى العرض ثانية، هل هي حاجة السوق الجديدة والمستثمرين الذي لم يجدوا في تيار ما بعد الحداثة سوقا؟ اعتقد ذلك فالسوق الأوربية لم تخل من الحاسة الفنية والخبرة الكبيرة ، وفي الوقت نفسه السوق المبنية على المزاوجة بين التطور والثبات. وهذا الذي نؤكده شاهدناه في أكثر من عرض في كاليرهات أمستردام وأترخت ولاهاي ومدن أخرى. وهي سمه هولندية في الأساس مفادها أن اللوحة الحديثة قد خرجت عن أطر الكلاسيكية التي كانت لوحة موندريان التجريدية ولوحة فان كوخ الطبيعية - الرمزية  تهيمن عليها، لتصبح لوحة الحياة السريعة ذات الخطوط المتشابكة والمتداخلة معلنة عن تعدد زوايا الرؤية وجعل المشاهد ناقدا ومشاركا فاقتربت الكثير من اللوحات إلى فن اللعب وفن التسطيح معا، ويبدو أن العديد من اللوحات لا تمتلك فنا خاصة تلك التي لا تتعامل مع اللون بل مع المساحات الفارغة غلا من نقطة أو كتلة صغيرة مدعية الهيمنة على فضاء يمكن للمشاهد أن يضيف عليه وان يجعل منه طاقة تعبيرية منطلقة نحو التجريب ولكن على أسس قديمة وليس على قفشات ما بعد الحداثة .

إضافة إلى ذلك لم يكن معرض هذا العام معتمدا على أسماء كبيرة مثل بيكاسو ومونيه وموندريان من الفنانين القدامى، كما لم يكن حضور الفنانين كونييه وكارل أبل وغيرهم متميزا، بل أن عدد لوحات هذين الفنانين لا تتجاوز عشرة أعمال موزعة على أربعة كاليرهات وهذا يعني أن تطورا في حاسة السوق قد جرى تغييرها بدافع أن المشاهد قد استوعب فن المتميزين وعليه البحث عن تجارب جديدة ، هذا ما قاله لي أحد المشرفين على  أحد الكاليريهات عندما تحدثنا عن التجارب الجديدة المنتشرة في  معرض هذا العام. ولم يكن حضور خوان ميرو إلا في أربع لوحات ولم تبع. كما غاب أيضا الفنانين العرب، - أربعة فنانين في عام 1998، ثلاثة في عام 1999 بينما اقتصر هذا العام على الفنان  سعد علي الذي تلقى أعماله إقبالا من قبل الزوار والسوق الهولندية-. مما يعني أن حركة ما باتجاه تمركز الفنون في المنتجين الغربيين بدا واضحا رغم أن حركة السوق قد تجري عكس هذه النزعة. وهذا ما نشاهده في معارض للفنانين العراقيين والعرب في كاليرهات المدن الهولندية من إقبال .

 احتوى معرض راي امستردام 2000 على ما قدمه 627 كاليري في أوربا من فنانين قاربوا المئات، وبلوحات قاربت الآلاف، مما يعني أن المعرض سوق قبل كل شيء، وفن بعد أن يجد المستثمرون قدرات جديدة.

 

3

 في هذا العام ساد فن الصورة، وأعني به : الفوتوغراف الذي يدخل اللوحة هذه المرة ، ليس كصورة فوتوغرافية مجردة تعكس واقعا ، حياديا ، أو موضوعا ضمن تصور فني خاص، بل تعكس الرؤية الفنية لحركة الأشياء وهي في لحظة زمنية متوهجة. كما في لوحة فوت بيرجر طبيعة وأشياؤها. لدا جاءت بعض اللوحات فوتوغرافية بحت للأشجار والناس والطبيعة وقد وضعت في سياق حكائي ما لوحة الفنان بيتر هارتمان " أجزاء من جسد طفل وألعابه"ولوحة ميشيك كابا من جمهورية بنين " رجل باقراط"ولوحة الفنان مارك بورسو \" رجلان " من هولندا ولوحة جويس إليك هوت من هولندا" أطفال في الحمام" ، وجاءت الأخرى وقد أصبحت أرضية تحتوي رؤية فنان لا تقف نظرته عند حدود الصورة فعمل بها ما يمكن أن يحولها إلى أزمنة مختلفة فاقتربت في بعض الأحيان من بنية كولاجية وأخرى من بنية تصويرية متداخلة وممتزجة الألوان. كما في لوحة فوتر فان ريسين من هولندا فالصورة التي نتعامل معها بصريا معمولة كلوحة بعد أن أدخل الفنان عليها فرشاته، فغير من نسب المنظور و الضياء و الأبعاد. وقد لا تبدو هذه الطريقة مشابهة للرسم على الورق والجرائد والمتروكات الأخرى، تلك الطريقة التي يعتمدها عدد من الفنانين العرب ، إنما هي محاولة لكسر أطر التعامل مع المنظور من زاوية أن يكون هناك على قماشة اللوحة تنوع أسلوبيوبدت لنا اللوحة الفوتو- لونية طريقة ممهدة للدخول إلى عالم ما بعد الحداثة من نافذة الرؤية واليد ضربات من الزيت والاكرليك علة ورق ما زجا بين عفوية اليد والكاميرا.

كما حضر في معرض هذا العام الجنس بكل صنوفه الجسدي والرمزي، فأعد الفنان تشكيلوتداخل الجسد مع أشياء الطبيعة من ريح وشجر وطين وماء كما لو أن الجسد يعود إلينا نواة من نويات الطبيعة القديمة ، ثمت امحاء فني لتفاصيل الجسد الجنسية، وإبقاء الجسد بمعناه الفيزيقي مهيمنا على المنظور كقوة ميثولوجية قديمة تحضر في فنون القرن العشرين.وثمة نغمة انثروبولوجية تكمن في قيمة الأعضاء وهي تؤدي دورا طقسيا معاصراً  يجسد الرغبة في امحاء ذاكرتنا من الربط بين المحرم والمقدس ، بين الرغبة الجنسية والرغبة في رؤية ما في داخل هذا الجسد من قوى خفية تمارس فعلها علينا الميثيولوجي علينا. . وثمت تصور آخر حضر في راي أمستردام لهذا العام ، وهو العودة إلى براءة الكتلة البيضاء، تلك التي أسسها خوان ميرو وماتيس كما لو أنها فراغ يجري تكوينة في اللحظة، لكنه فراغ ممتلئ بالاحتمالات الفكرية وربما أن اليأس الذي اصاب الفن التشكيلي الأوربي في السنوات الأخيرة من أن اللوحة فيه ليست إلا مساحة ممتلئة في حين أن فراغا روحيا يتسع في داخل هذا الإنسان بعد أن هيمن السوق والتكنولوجيا على روح الكائن وجرده من طبيعته تلك التي وجد فيها غوغان شخوصه الأفريقية وفان كوخ مزارعه وأحذيته الفلاحية ومونيه زوارقه وجسوره الخشبية ومراعي الحديقة البيتية والبورتريهات الممتلئة حزنا ورغبة ، ليأتي فراغ العالم أبيض كما لو أنه فراغ آت من روح قلقة تريد أن تبحث فيه عن بؤرة واحدة مشعة لذلك ترك القماشة بيضاء بانتظار المشاهد.  كما جاورت اللوحة البيضاء خطوط حادة ومرنة تنساب بروحية اليد المتمكنة في تجسيد  رغبه تحديد المساحات والكائنات التي تفرضها مخيلة فنان غربي شحبت مخيلته في القرن العشرين وما عادت الأشياء تمثل له نهاية لمساحة أو بداية لها فترك خطوطه تسبح في فضاء رغبة لم تنته إلى نقطة ما.الخطوط في الفراغ، هذه الهيمنة اللونية على القماشة أو الورقة لم تعد بريئة لاختلاط كامن في البياض نفسه وعدم نقاوته مما يعني أننا نعيش في عالم غير نقي رغم بياضه المبهج. ووسط هذه الحال لا يجد الفنان نفسه إلا أن يعمل بؤرة مركزية صغيرة في فضاء لا متناه فيعطينا تصورا أن الحياة ليست إلا سديما لا يحد. لذلك كانت الكثير من اللوحات مبهمة وغائرة في الشفافية الواسعة متيحة للمشاهد أن يضع رؤيته هو الآخر إلى جوار الفنان على اللوحة نفسها.

 ولفت إنتباهي لوحات لفنان مبتدئ أعاد فيها أجزاء من لوحات لمشاهير الفنانين  حمامة بيكاسو  و ومخلوقات خوان ميرو و مربع موندريان وشاربا سلفادور دالي وحذاء فان كوخ ..الخ وكأنه يعيد تكوينات قارة في الثقافة من خلال منظور معاصر وتقنية ديكورية جديدة أبعدت اللوحة عن مصدرها القديم. 

 

 

المعرض التشكيلي الدولي في أمستردام

RAI  AMSTRDAM   2001

 

1

                  على مدى ستة أيام يقام المعرض الدولي للفنون التشكيلية سنويا في أمستردام وهو معرض تتبارى فيه الفنون والعقول ، التجارة والسوق. والكاليرهات التي بلغت هذا العام 627 كاليري قدمت آلاف اللوحات القديمة والحديثة. وكأنها في سباق لتقديم ما في جعبتها من أثار قديمة . فقد قدمت لوحات لأكثر من 750 فنانا من مختلف أنحاء العالم من كل دول أوربا الشرقية والغربية ، و من أفريقيا و أمريكا وكندا واستراليا وأسيا وأمريكا اللاتينية و"الراي"RAIA MSTRDAM كما يطلق عليه هو موقع شمال أمستردام ومدينة تحتضن سنويا أهم معرضين للفنون التشكيلية في العالم، ولن ينافسها إلا المعرض الدولي للفنون التشكيلية الذي يقام في ألمانيا. أحدهما في حزيران بين 7-6-00 إلى  12-6-00 وهو الراي، والثاني يدعى البان،  PAN AMSTRDAM  أمستردام ويكون في أيلول- أكتوبر من كل عام،  وهو أكثر دقة في الاختيار واقل عددا في المعروض، ويشمل فنون الرسم والنحت والصناعات الفنية من زجاج وخشب وغيره.

               تجوالنا في الراي لهذا العام هو نوع من الطقس الذي نمارسه سنويا في أيام المعرض ، فأنا مهووس بما فيه، أتأمل المعروضات ولا أقف عند مشاهدة واحدة  لها ولا عند كاليري واحد، وتكونت لدي صداقات هي ثمرة جهد ثقافي فني اسهم في تقريب وجهات نظر كانت مفترقة بين الفن الشرقي والغربي من خلال حضور ومناقشات وتقديم وكتابات، وفي المحصلة أن حضور مثل هذه المعارض الدولية نافذة على رؤية كانت تنمو يوم ذاك من خلال القراءة فقط، في حين أنها الآن تنمو من خلال مشاهدة اللوحات نفسها وهي تقدم نفسها لك برؤية حديثة وبطريقة قد لا تبدو اللغة التي كتبت عنها من قبل النقاد كافية للتدليل عليها، ها هو بيكاسو يقدمه لنا متحف روتردام قبل أشهر قليلة من هذا المعرض بتخطيطاته الكثيرة وفيه تفصيل تلفزيوني ألكتروني للوحته الشهيرة الجيرنيكا  تقرأها بالعين وتشاهد تفاصيلها وتتقدم إليك بكل ما فيها من مفاهيم حول العلاقة بين الفن والقضايا مكثفة  برؤية مباشرة لا تحتاج إلى من يقراها لك.واللوحة نفسها تشاهدها في الراي ولكن بطريقة مختزلة لفنان هولندي أخذ منها الحصان فقط وكأنه يشير بها إلى توقيع تاريخي يستدل به عليها ولفت انتباهي لوحات لفنان مبتدئ أعاد فيها أجزاء من لوحات لمشاهير الفنانين  حمامة بيكاسو  و ومخلوقات خوان ميرو و مربع موندريان وشاربا سلفادور دالي وحذاء فان كوخ ..الخ وكأنه يعيد تكوينات قارة في الثقافة من خلال منظور معاصر وتقنية ديكورية جديدة أبعدت اللوحة عن مصدرها القديم.

             راي هذا العام  كان مختلفا جدا عن الراي في السنوات الأربع الماضية يوم بدأت أعايش فنونه ولوحاته وجديده وقديمه، وجدت أنه في هذا العام من الاختلاف والتطوير ما يجعل المشاهد يعيد النظر في الكثير من المفاهيم التي كانت سائدة عن العلاقة بين الحداثة وما بعد الحداثة، أو بين فن الرسم وفن الفوتوغراف،   أو  بين  الكولاج والرسم من الطبيعة. ومحصلة المشاهدات كانت في صلب تطوير مفهومنا البسيط عن الفنون التشكيلية التي تعتمد المكان مادتها الأساس فتشكل إيقاعاتها وفنها على قماشة أو ستارة او حائط.  وأنت تشاهد ذلك كله وتشعر أن هذا الفن وهذه الأساليب في العمل ليست إلا لعب بشري غني بالدلالة على وجود الإنسان فاعلا في الواقع وفي المخيلة، ففنون الرسم ليست إلا شعرا باللون. والشعر بالألوان هو محصلة علاقة مركبة بين الإنسان والطبيعة.

 

2

         

             أختار معرض 2000 شعارا له هو فتاة بوجه موشوم مغطاة الرأس بإكليل من الزهور مغمضة العينين،  وفي لحظة تأمل وصلاة لقرن جديد . ويرمز الخضار لأرض هولندا، والفتاة لكائن مانح معطاء متأمل وأمل ما بأن يكون القرن القادم متفائلا. ويأتي اختيار الفتاة مواكبة مع شعارات السنوات السابقة التي اختارت راس إنسان- رجل-  مغطى كله بلفاف من البلاستك عام 1998 وبغطاء من الورق بثقوب للعينين والأنف والفم عام 1999، ثم بغطاء للرأس هذا العام مع وجه موشوم بالزهور.

         قدم معرض هذا العام تشكيلة من مدارس فنية مختلفة، وكأن المجاورة بينها هو تقديم صورة بانورامية واسعة لتيارات الفن في عالم اليوم. فهناك المدرسة الطبيعية تلك التي كانت واجهة الفن في  القرن التاسع عشر،  والكلاسيكية الجديدة التي أسسها بيكاسو في بداية هذا القرن وهناك المدرسة التكعيبية،ثم المدرسة الحديثة بفنونها وأساليبها ثم مدرسة ما بعد الحداثة التي غزت الفن التشكيلي والنحت في العالم ولكنها لم تصمد كثيرا فشهد هذا المعرض تراجعا كبيرا عنها. وهو ما يسجل لصالح الكاليرهات التي بدا ت تعيد ترتيب بيتها الفني على أسماء راسخة وتجارب مهمة مشتراة ومطلوبة.

 

وللوهلة الأولى تجد أن العودة إلى الطبيعة لم تعد بأساليب القرن التاسع عشر عندما كانت المناظر الطبيعية معتمدة على الضوء والهواء النقي والظلال والأرض، وفيها المنظور والعمق وكأنه من التأسيسات التي لا فكاك منها، هذه المدرسة لم تعد اليوم موجودة، إلا من لوحات قديمة، وقد عرضت بأسعار خيالية.  بل جرى تطوير لمفهوم الواقع عندما أدخلت المخيلة وتركيبة التقنية المعاصرة عناصرها العملية على اللوحة، فما عاد منظرا يرى بل منظر يعاش بالفكر ولوحة تدفع بك إلى تأملها ثقافيا ولونيا ونفسيا  من أمثال الفنان الأنكليزي  كونستابل جون، وهناك المدرسة التعبيرية خاصة في فنون فرنسا وألمانيا وهناك الانطباعية ولوحات رينوار ومانيه وغيره. وهناك مدارس الفن الحديث : السريالية ودالي ولوحاته، وبيكاسو وتخطيطاته وتكعيبيته . وهناك المدرسة الهولندية في المرايا وفي الطبيعة والتكعيبية واشهر فنانيها فان كوخ وموندريا ن وغيرهم. وفي المحصلة أنك في هذا المعرض تقف على اختيارات وتيارات تتجاور وتتحاور وكلها من أجل جلب رساميل ومشترين الذي كانوا ضمن توجه هولندا في استضافة مونديال أوربا لكرة القدم وقد تقاطرت على الراي مئات الوفود فكانت فرصة لأن تجد اللوحات لها زوارا ومشاهدين من نوع آخر.

           من فناني معرض هذا العام الهولندي براندس ولوحة من عام  1953والفنان الفرنسي فرانكليك ولوحة تجمع بين الفوتو والبورتريت والكولاج والفنان التشيلي تالريكو ولوحته الزيتية والفنان الروسي بافليونوف ولوحة من عام 1920 والفنان النيجيري ايكبو إيزا ولوحته تمثال من خشب و الفنان بامانا من مالي وقناعه المختزل لوجه إنسان إله ومنحوتات هيرمان من هولندا التي تحتل حدائق وصالونات مدن عدة. وغيرهم كثير إضافة إلى الفنانين الكبار كونييه وكارل أبل واغسطين وموندريان وما تيس وفان كوخ وغويا وبيكاسو ودالي ومونيه وعدد كبير من الفنانين الذي لا يمكن أن تكون عنهم صورة ما إلا إذا واكبت على رؤية أعمالهم التي تقدمها كاليرهات هولندا في مناسبات مختلفة.

 

3

 في معالجة سابقة لراي هذا العام أشرت إلى نقطة مهمة وإن لم تكن تفصيلة عن المزج بين أساليب عدة في اللوحة الواحدة. من قبيل الفتوغراف مع الطبيعي مع الجسدي، مع الغرائبي، بعضها  صورة والبعض الآخر زيت واكرليك وتخطيطات بالحبر الصيني. لوحة كاسكا بوغمان الجلوس على قمة العالم. المادة مرسومة بالزيت ومخططة على كانفاس . ولوحة جويس إكهوت من هولندا عبارة عن صور لأطفال في الحمام، لكنها جمع بين تصميم الأرضية بطابع شطرنجي  وبين الديكور المتمثل بطاولة الجلوس  وبين الفوتوغراف للأطفال وقد مر عليهم الزيت وبين لون الخلفية الرمادي واللوحة حوار طفولة عراة، في عالم اليوم. وثمة عودة كبيرة لفن البورتريت الذي نجده في هذا المعرض شاملا المشاهير والعاديين معا ، ويكاد الفن بعودة الإنسان لواجهاته المعرفية هو بحث في إمكانات البورتريت على تفجير الوضع النفسي لعام اليوم، بعد أن كان ذلك مقتصرا على المشاهير من الناس. فالعالم لا يرى من خلال وجوه مشاهيره فقط، بل ومن خلال  عامة الناس. وثمت عودة أخرى لفن البوتريت الفني، خطوط عريضة من تلك التي يتعامل معها كونيه وكارل أبل وخوان ميرو لوجه إنسان ما بعد الحداثة ذلك الذي لا تتبين ملامحه الذكورية من الأنثوية. لوحة الفنان الهولندي فوتر فان رايسين 1976خطوط بالكرليك.ولوحة لودميلا من كازبلانكا 1952 بالزيت والاكرليك لوجه امرأة. وهناك لوحة فوترغراف لشجرة أغرتني بشرائها بعد أن أطلت التفرج عليها مما دفع الفنان لأن يقدمها لي مقابل ثلاثة آلاف دولار، فركضت خارجا بعد أن وجدت أنها ليست إلا صورة فوتوغرافية لشجرة حقيقية لم يدخل عليها أي تطوير فني. فمثل هذا اللعب  أيضاً وهو كثير ويوهم المشاهد بالجديد ولكنه يدل على عجز في المخيلة. معرض هذا العام  على العكس من معارض  السنوات السابقة فهو أكثر فناً وأركز تجارب  وأقل صخباً. فقد قلت إلى حد كبير معروضات ما بعد الحداثة تلك التي كانت تملأ ساحاته بأشكال الواقع اليومي : نفايات عمال التنظيف، الأموات الخارجون من المقابر أشياء وأسلاك وقطع حديد مشكلة تركيبة بصرية جمالية، أعضاء الإنسان ومخلفات الجسد من بول وفضلات، قطع الملابس المتبقية للسجناء الأقدمين، أثار النازية على جدران سجونهاالخ ثم ذلك الهوس في تركيبة المشاعر المتناقضة لخلق تكوين بلا هوية أو تاريخ،  وفي إطار الإنسان يغلب الجنس الثالث " الخنثى" على اللوحة بوصفه جدلا للكائن الحي.  وبدت لنا اللوحة الحديثة وهي تمزج بين تيارين : التيار الواقعي الرمزي والتيار التجريدي الحديث، أكثر حضورا وهدوءا وكأن عودة الفنان الغربي إلى أرضية الواقع. واللوحة المعمولة بدراية يد الفنان وخبرته إلى العرض ثانية، هل هي حاجة السوق الجديدة والمستثمرين الذي لم يجدوا في تيار ما بعد الحداثة سوقا؟ اعتقد ذلك فالسوق الأوربية لم تخل من الحاسة الفنية والخبرة الكبيرة ، وفي الوقت نفسه السوق المبنية على المزاوجة بين التطور والثبات. وهذا الذي نؤكده شاهدناه في أكثر من عرض في كاليرهات أمستردام وأترخت ولاهاي ومدن أخرى. وهي سمه هولندية في الأساس مفادها أن اللوحة الحديثة قد خرجت عن أطر الكلاسيكية التي كانت لوحة موندريان التجريدية ولوحة فان كوخ الطبيعية الرمزية  تهيمن عليها، لتصبح لوحة الحياة السريعة ذات الخطوط المتشابكة والمتداخلة معلنة عن تعدد زوايا الرؤية وجعل المشاهد ناقدا ومشاركا فاقتربت الكثير من اللوحات إلى فن اللعب وفن التسطيح معا، ويبدو أن العديد من اللوحات لا تمتلك فنا خاصة تلك التي لا تتعامل مع اللون بل مع المساحات الفارغة إلا من نقطة أو كتلة صغيرة مدعية الهيمنة على فضاء يمكن للمشاهد أن يضيف عليه وان يجعل منه طاقة تعبيرية منطلقة نحو التجريب ولكن على أسس قديمة وليس على قفشات ما بعد الحداثة .

إضافة إلى ذلك لم يكن معرض هذا العام معتمدا على أسماء كبيرة مثل بيكاسو ومونيه وموندريان من الفنانين القدامى، إلا بلوحات قليلة، كما لم يكن حضور الفنانين كونييه وكارل أبل وغيرهم متميزا، بل أن عدد لوحات هذين الفنانين لا تتجاوز عشرة أعمال موزعة على أربعة كاليرهات وهذا يعني أن تطورا في حاسة السوق قد جرى تغييرها بدافع أن المشاهد قد استوعب فن المتميزين وعليه البحث عن تجارب جديدة ، هذا ما قاله لي أحد المشرفين على  كاليري سمايلك في لاهاي  عندما تحدثنا عن التجارب الجديدة المنتشرة في  معرض هذا العام. ولم يكن حضور خوان ميرو إلا في أربع لوحات ولم تبع. كما غاب أيضا الفنانين العرب، - أربعة فنانين في عام 1998، ثلاثة في عام 1999 بينما اقتصر هذا العام على الفنان  سعد علي الذي تلقى أعماله إقبالا من قبل الزوار والسوق الهولندية-. مما يعني أن حركة ما باتجاه تمركز الفنون في المنتجين الغربيين بدا واضحا رغم أن حركة السوق قد تجري عكس هذه النزعة. وهذا ما نشاهده في معارض للفنانين العراقيين والعرب في كاليرهات المدن الهولندية من إقبال .

 

4

 في هذا العام ساد فن الصورة، وأعني به : الفوتوغراف الذي يدخل اللوحة هذه المرة ، ليس كصورة فوتوغرافية مجردة تعكس واقعا ، حياديا ، أو موضوعا ضمن تصور فني خاص، بل تعكس الرؤية الفنية لحركة الأشياء وهي في لحظة زمنية متوهجة. كما في لوحة فوت بيرجر طبيعة وأشياؤها. لدا جاءت بعض اللوحات فوتوغرافية بحت للأشجار والناس والطبيعة وقد وضعت في سياق حكائي ما لوحة الفنان بيتر هارتمان " أجزاء من جسد طفل وألعابه"ولوحة ميشيك كابا من جمهورية بنين " رجل باقراط"ولوحة الفنان مارك بورسو " رجلان " من هولندا ، وجاءت الأخرى وقد أصبحت أرضية تحتوي رؤية فنان لا تقف نظرته عند حدود الصورة فعمل بها ما يمكن أن يحولها إلى أزمنة مختلفة فاقتربت في بعض الأحيان من بنية كولاجية وأخرى من بنية تصويرية متداخلة وممتزجة الألوان. كما في لوحة فوتر فان ريسين من هولندا فالصورة التي نتعامل معها بصريا معمولة كلوحة بعد أن أدخل الفنان عليها فرشاته، فغير من نسب المنظور و الضياء و الأبعاد. وقد لا تبدو هذه الطريقة مشابهة للرسم على الورق والجرائد والمتروكات الأخرى، تلك الطريقة التي يعتمدها عدد من الفنانين العرب ، إنما هي محاولة لكسر أطر التعامل مع المنظور من زاوية أن يكون هناك على قماشة اللوحة تنوع أسلوبي وبدت لنا اللوحة الفوتو- لونية طريقة ممهدة للدخول إلى عالم ما بعد الحداثة من نافذة الرؤية واليد ضربات من الزيت والاكرليك على ورق ما زجا بين عفوية اليد والكاميرا.

كما حضر في معرض هذا العام الجنس بكل صنوفه الجسدي والرمزي، فأعد الفنان تشكيل و تداخل الجسد مع أشياء الطبيعة من ريح وشجر وطين وماء كما لو أن الجسد يعود إلينا نواة من نويات الطبيعة القديمة ، ثمت إمحاء فني لتفاصيل الجسد الجنسية، وإبقاء الجسد بمعناه الفيزيقي مهيمنا على المنظور كقوة ميثولوجية قديمة تحضر في فنون القرن العشرين.وثمة نغمة انثروبولوجية تكمن في قيمة الأعضاء وهي تؤدي دورا طقسيا معاصراً  يجسد الرغبة في امحاء ذاكرتنا من الربط بين المحرم والمقدس ، بين الرغبة الجنسية والرغبة في رؤية ما في داخل هذا الجسد من قوى خفية تمارس فعلها علينا الميثيولوجي علينا. . وثمت تصور آخر حضر في راي أمستردام لهذا العام ، وهو العودة إلى براءة الكتلة البيضاء، تلك التي أسسها خوان ميرو وماتيس كما لو أنها فراغ يجري تكوينه في اللحظة، لكنه فراغ ممتلئ بالاحتمالات الفكرية وربما أن اليأس الذي أصاب الفن التشكيلي الأوربي في السنوات الأخيرة من أن اللوحة فيه ليست إلا مساحة ممتلئة في حين أن فراغا روحيا يتسع في داخل هذا الإنسان بعد أن هيمن السوق والتكنولوجيا على روح الكائن وجرده من طبيعته تلك التي وجد فيها غوغان شخوصه الأفريقية وفان كوخ مزارعه وأحذيته الفلاحية ومونيه زوارقه وجسوره الخشبية ومراعي الحديقة البيتية والبورتريهات الممتلئة حزنا ورغبة ، ليأتي فراغ العالم أبيض كما لو أنه فراغ آت من روح قلقة تريد أن تبحث فيه عن بؤرة واحدة مشعة لذلك ترك القماشة بيضاء بانتظار المشاهد.  كما جاورت اللوحة البيضاء خطوط حادة ومرنة تنساب بروحية اليد المتمكنة في تجسيد  رغبه تحديد المساحات والكائنات التي تفرضها مخيلة فنان غربي شحبت مخيلته في القرن العشرين وما عادت الأشياء تمثل له نهاية لمساحة أو بداية لها فترك خطوطه تسبح في فضاء رغبة لم تنته إلى نقطة ما.الخطوط في الفراغ، هذه الهيمنة اللونية على القماشة أو الورقة لم تعد بريئة لاختلاط كامن في البياض نفسه وعدم نقاوته مما يعني أننا نعيش في عالم غير نقي رغم بياضه المبهج. ووسط هذه الحال لا يجد الفنان نفسه إلا أن يعمل بؤرة مركزية صغيرة في فضاء لا متناه فيعطينا تصورا أن الحياة ليست إلا سديما لا يحد. لذلك كانت الكثير من اللوحات مبهمة وغائرة في الشفافية الواسعة متيحة للمشاهد أن يضع رؤيته هو الآخر إلى جوار الفنان على اللوحة نفسها.

 

                                                            5

إلا أن المعرض لا يحلو من افتعال لبض الرسامين، من تلك اللوحات التي تنتج بيوم واحد، لوحة الفوتغرافي الفنان فوت برجر من هولندا عن خيول واشجار خريفية ومياه. فلقد كانت هناك لوحات لم تجف بعد ألوانها، وهناك لوحات مجرد ألعاب ديكور قطع من المقوى المغلف ملونة بألوان عدة موضوعة بطريقة هارمونية بصرية.وهناك لوحات تجمع بين الأشياء البارزة مثل الأسلاك والزجاج  لوحة الفنان الكوري الجنوبي يونغ هافن جون 1964 والرسم على قماشة عادية   وقد جمعت في إناء أو إطار مجوف، ومثل هذا اللعب الفني كثير لكنه لا يغطي على مشاريع رسم كبيرة وعلى تعامل فني متقن مع اللوحة وعلى مسؤولية واحتراف. وعندما سألنا مسؤول في  كاليري عن مثل هذا اللعب الصبياني الفارغ، لم يقتنع، بل راح يشرح لنا الإمكانات التعبيرية التي تختزنها قماشة بيضاء مطلية بالأزرق وعليها نقطة حمراء.

وبالمقابل هناك الفن الروحي كما يسميه البعض، وهو ممتلئ بالشاعرية والخيال، ويعتمد الألوان الهادئة والسماوية تلك التي تعايش الأحلام والرؤى الخفية والمنطلقة في سماء التأمل والشعر، وهذا الفن الذي يعود ثانية بعد أن كان ملحقا باللوحة الانطباعية والطبيعية ، نجده في لوحات عدة وقد بدا لنا منسابا ورخيا وكأنه آت إلينا من عالم آخر محتويا على أشكال غربية وتكوينات منطلقة في فضاء اللوحة . فالفنان لا يهرب من الواقع ، ولكنه لا يجعل نفسه مقيدا بأطر قديمة. لوحة الفنانة البولونية  مارتا جيدروسكي 1959 زيت على قماش ولوحة الفنانة أنتوشا زيت على كانفاس

  وهناك أعمال الخشب التي ظهرت لنا هذا العام مغايرة للأعوام السبقة التي كانت عبارة عن ملابس وقطع أثاث وسيارات من الخشب  وكانت محط أنظار كثيرة، في هذا العام كانت الأقنعة والوجوه هي الغالبة ومعظمها لفنانين من أفريقيا. كما كانت لوحات الفنان العراقي سعد على واحدة من اللوحات التي تجد صداها في السوق، وثيمة سعد المعتمدة على الحكاية الشعبية وعلى تكوينات باب الفرج وألف ليلة والشيطان والمتلصص والحب والعلاقات الشرقية الجسدية والعاطفية مادة من مواد تكوين رؤية شرقية في عالم أوربا اليوم. وسعد علي من الفنانين الذين يجدون لهم سوقا متسعة في كاليرهات هولندا وبلجيكا .

 في المعرض كذلك الكثير من فن ما بعد الحداثة ولكنه غير مؤثر غزاء الكم والنوع من الفنون الأخرى، قطعة من الأيس كريم، واخرى من أسلاك الحديد وثالثة من خيوط الجنفاص ورابعة من القش، ولكها ترى من جهات عدة دون أن تثير أدنى حماس كما كان معرض عام 1998

في الرؤية الكلية للوحات الحداثة نجد تطويرا واحتذاء لفنون بيكاسو في خطوطه ووجوهه،  وبراك  في ي احتدامات الكتل،وماتيس  في مساحاته الملونة وموندريان في مربعاته التي بدت لنا ثيمة مجاورة مع كل تجديد.  وهناكاستعارة فضائية لبعض الرسوم، ثمت اشخاص من عالم آخر يحطون على الأرض وسط إنارة والوان وقد احتوتهم لوحات كثيرة، فبدو لنا كما للو أنهم أتون من أعماقنا، وشكلت هذه الثيمة حرية لونية غير مالوفة،مزج ألوان وكتل من التايب وخطوط بارزة وتعبيرات روحية معا، ووسط صلابه العالم الذي تحط به هذه الكائنات الفنية نجد ثمت حرية للتعامل مع فكرها، عندما جعلها الفنان خاضعة لقوانين الأرض، هل هو العلم الحديث بمواده الفضائية واتصالاته يدخل ميدان اللوحة في نهاية القن؟ لوحة الفان الألماني راينر فيتنج 1999" اوبيتون ترافك"وهناك مسعى كبير لأستخدام الحروفية ليست على طريقة براك ولا على طريقة بيكاسو وعلى طريقة فنانينا العرب، نجا المهداوي وضياء العزاوي وقاسم الساعدي وغيرهم، بل على طريقة الصف الألكتروني الطباعي في تشكيل يتناسب وحركة العين وبحروف بارزة غير معمولة أو مشغولة بحركة أو فرشاة، إنها من فن ما بعد الحداثة الذي يقدم لكل المألوف والعادي بطريقة بصرية محتوية لأبعاده. لوحة عبارة عن أسماء خمسة فنانين كبوستر لمعرض مشترك لهم. وهناك لوحة بحروف أنكليزية woman , where are you, now?.  وخلفها كظل كتب man,where are you,now? وغاب هذا العام فن الأشياء الصامتة، هذا الفن الذي عاد ثانية بروحية البحث عن الإتقان وقد رسمه معظم الفنانين الكبار ما تيس وغوغان وكوخ وبيكاسو، وقد شهدنا في معرض الأعوام الماضية هيمنة له، في حين لم يكن بالحضور نفسه في هذا العام بل أن أهم فنانة ترسمه وهي مونيكا التي كانت لوحاتها مثيرة للنقد والبحث.

 

6

 الجولة لم تنه بعد، فالمعرض وفر للزوار كتيبات كثيرة وصور ومجلات وصحف وفي المركز الإعلامي تجد الكثير مما تحتاجه لرؤية ما خفي عليك، الكتاب الرئيسي  500 صفحة ملونة الذي أعطي لنا كصحفيين نملك هوية عالمية،  كان كافيا لأن يدلك على تنوعات كثيرة لمعرض هذا العام فبالإضافة إلى ما يحتويه من معلومات وهي كثيرة، احتوى على مئات الصورة المنتقاة من لوحات الفنانين الحديثة، وحرص على أن يكون تقديمها شاملا لكل النيارات وبالضرورة إن لوحة واحدة لكل كاليري لا تدل على محتويات الكاليري الكثيرة مما يشير إلى أن هذه الدليل ليس إلا مرشدا لما تحتويه الكاليرهات من لوحات قيمة. والمعرض إن خلا من رفيق حقيقي يدلك على مسالك الروح الخفية معلنا لك عن نغمة في اللسان وأخرى في الفن، يجعلك وأنت تشاهد هذه اللوحات في بحبوحة من المرح الفكري، وهي وية لا تزر معرضا فنيا إلا بصحبة من تحب. وعليك عزيزي القارئ أن تفسر ذلك بما تشاء فهولندا الفن والكاليرهات المنشرة فيها مثل قنواتها، تصبح جدبا إذا كانت بلا ماء للروح.وبالفعل ثمت من يسقى الجسد والروح فنا وعذوبة حديث ولون عينين وسماء ممطرة ورياح ترخي سدولها عندما تمر. وتحية لمعرض قادم.

 

 

 

 

تجديد متحف فان كوخ

في أمستردام

 

                                              1

قد تكون فكرة تجديد بناية متحف فان كوخ في أمستردام مجرد حدث عادي يجري في أي مكان في العالم، لكنه في هولندا يصبح حدثا ذا دلالة.وكأنهم يعيدون لهذا الفنان العبقري بعض ما فاته في حياته من إهمال وتقصير إلى الحد أن ترك منتحرا في بيته في 29-7-1890. الآن يشكل الحضور الفانكوخي في حياة الهولنديين واحدا من العلامات الكبيرة أن زيارة متحفة تقترب من الطقوس، ورؤية لوحاته هي شيء من البحث عن ذلك الهولندي المتعجرف البائس في خبايا الروح الهولندية.

يعد الفنان الهولندي أرنست فان كوخ ( 1853-1890) واحدا من أشهر فناني القرن التاسع عشر، فقد أسس إلى جوار عدد من الفنانين الكبار تيار الحداثة في الفن  الحديث. بعد أن مهد لثورة الانطباعية الجديدة أن تشق طريقها مخلفة رسوم الحقول والطبيعة والوجوه والأسرة والكنائس وغيرها في إطار النقل الفني المتميز للعالم الخارجي. فقدمت الإنسان وقواه الاجتماعية وحياته المستمدة من بيئته ومحيطه  ومشكلاتها موضع اهتمامها. هذه الثورة التي نجد تأثيرها يشمل العالم كله لم تكن بمعزل عن نوى الحداثة في فرنسا وخاصة في الشعر وبودلير في بؤرتها. وعندما بوشر بتأسيس متحف باسمة لم تكن كل أعماله معروفة يوم ذاك، فقد جرى جمعها و بمرور الوقت بدأ المتحف يتسع بعد أن تلقى معونات مالية عدة مكنته من شراء لوحاته من مقتنيها، رغم أن عددا من اللوحات ما تزال في متاحف أوربية عدة. إضافة إلى أعمال فان كوخ فأن المتحف يضم أعمالا لعدد من الفنانين بين عامي 1840-1920 بما فيها بعض أعمال أخيه ثيو فان كوخ. الذي كان بالنسبة له أخا وصديقا وناقدا والشخص الذي يرسل له رسائله النقدية والشخصية موضحا فيها أراءه عن حركة الفن وتأثره بالفنانين .

 نشط فان كوخ في السنوات الأخيرة من عمره في تقديم تقنية هائلة فيما يخص لوحات الحقول والبورتريت. التي أختزل فيها تصوره عن الطبيعة والتداخل بين الخضرة والصفرة والوردي والأرجواني وهي تداخلات نسب من الصعب تميزها لولا وجود قدرة ذاتية على فهمهما وتوظيفها . والمتتبع لها يجده قد أعتمد ضربات الفرشاة الواضحة والقصيرة  والمتدرج اللون خاصة الأصفر والأخضر. وفي هذه الفترة بالذات كان يكثر من دخول المستشفيات وهو في وهج الفنية كان المرض يجعل منه طاقة لاقتناص اللحظات المشرقة في الطبيعة فكان يرى في الحقول والوجوه أمكنة تختزن الغائر والبعيد والغريب أيضا.  وجعل من الطاقة المختزنة في الشيء رؤية لما خلف الشيء نفسه  فوجد أن الحقول ليست إلا بشرا في حال انهيار وموت وأنها في اللون الأصفر المتدرج تعيد تكويناتها الخفية التي لا تبدو إلا بعد أن تجري عليها عملية قصر لوني من ألوانها الخارجية. ليست لوحاته  محاكاة للطبيعة بل اكتشاف لها. أن ما تحت ألوان الطبيعة المرئية عددا من الألوان الأخرى، وهذا ما ساعد على فهمه للطبيعة كما يعبر النقد عن ذلك. ولذا يعد فنه امتداد لزملاء القرن التاسع عشر رينوار وبول سيزان ومانية ومونيه  وغوغان وكاميل بيسارو ورنوار ودييغا وسورا وفرنسوا ميليه وجوزيف اسرائيل.  .ويعتبر الفنانين سينياك وبيرنار مثال فان كوخ الحقيقي  كما يقال.حيث وجد فيهما تماثلا مع طموحاته في رسوم لم تكن مألوفة بتنفيذها بقدر ما هي مفاجئة وخارجة عن التيار الانطباعي الذي كانت تموج به باريس في أواخر الثمانينات. ويقول عنه " ألن باونيس"  كان التكوين لديه هو البساطة ذاتها مع نزوع إلى التناسق. يغمر الضوء الصورة ،الألوان عالية النغمة وتمتزج بعضها ببعض لتدلل على أن فان كوخ قد فطن إلى الألوان المحلية ومكملاتها كما أدرك ضوء الشمس والظل فرسمهما." .

يعد كوهللر موللر أحد أهم المقتنين حيث أقتنى منها عددا كبيرا شكل نواة للمتحف هنا في هولندا، وفي عدد من بلدان العالم منها: ألمانيا وإنكلترا وفرنسا والنمسا وروسيا وغيرها. وعدت لواحات فان كوخ مؤخرا مدخلا لفن ما بعد الحداثة خاصة لوحته " الحذاء" في حين أن لوحاته كلها تعد من فنون ما بعد الانطباعية..

 توجد في متحف فان كوخ  200 لوحة زيتية و500 رسم تخطيطي جمعت من مختلف متاحف العالم  بمعونة مالية دولية لإعادة ترميمها وعرضها مجددا وفق جدول زمني ومواقيت محددة. وكانت  لوحاته تعرض سابقاً بطريقة تبدو أنها متجمعة لضيق المكان المخصص لها. أما بعد أن جرى توسيع المكان وترميم عدد من اللوحات أصبحت الحاجة ماسة للمشاهدين والزوار لأن يعيدوا ترتيب معارفهم بفن فان كوخ.. ، فالمتحف يقدم عروضا مغرية لشراء اللوحات الباقية أو التي يعتقد أنها لم تظهر لحد الآن. ومن يتصفح الكتاب المهم الذي أصدره هانس برونكورست عن فان كوخ يجد أن معظم نتاجه المتميز انحصر بين 1970- 1989 أي اقل من عشرين سنة . وفيها أختزل مئات السكيجات كي يخرج لنا هذه اللوحات المتميزة. وأبرزها بالطبع تلك التي أسست لاحقا لفن ما بعد الانطباعية الذي اعتمد على نقل الإنسان إلى بؤرة الحدث ولكن بألوانه الروحية والفكرية وليست بألوانه الطبيعية. ويعالج الكتاب جذورها فيجدها في الفنون الأدبية مثلما هي في فنون السينما والمسرح والفوتوغراف. لكنها على يد فان كوخ وجدت صداها المحلي لأنه أغناها بألوانه المحلية.

في مايو عام 1999 وبعد مرور مائة عام على وفاته جرت عملية جمع التبرعات لترميم لمتحف فان كوخ  مسندة بمعونة قدمتها جهات هولندية وعالمية، بعد أن وجد المعنيون في المتحف عيوبا فنية لا تمكن اللوحات من المحافظة على تكويناتها. كما أن عددا من اللوحات الفنية خاصة الستل لايف والبورتريهات ولوحات الحقول قد أصابها  التلف مما يتطلب ترميا لألوانها وقد استغرقت هذه العملية وقتا  قارب السنة والنصف إلى أن أعيد فتحة ثانية في أواخر عام 2000. فقبل اشهر قليلة من العام الماضي  جرت فيه  فعاليات نقدية قدمت في وقتها العديد من المحاضرات الخاصة بفن فان كوخ. و ولم يختص متحف فان كوخ بلوحات فان كوخ فقط، بل أن لوحاته تحتل طابقا واحدا من بناية بثلاثة طوابق. أما بقية الطوابق والمساحات فقد عرضت فيها لوحات لمختلف الفنانين العالميين...

                                               2

لا شك أن ترميم أو بناء متحف هنا في بلدان العالم يعني الكثير للفن وللفنانين، فالتعامل مع هذه المفردات الفنية يتم عبر سياقات اجتماعية. فقد تحولت متاحف الفن إلى أماكن تمارس فيها طقوسا . سألت زائرا إنكليزيا يقف في طابور الدخول لمتحف فان كوخ في هذا العام عن سبب زيارته للمتحف. قال بعد أن ضحك طويلا على سؤالي ، أنك لا تعرف معنى أن تزور متحفا لفان كوخ، قلت له أعرف لماذا أنا زائر، ولكني من باب الفضول سألتك؟ قال نزور المتاحف في كل مناسبة نقدم بها إلى هولندا. فمثل هذه الزيارات تؤكد فينا نوعا من العبادة الثقافية لموروث لم يسهم في سعادتنا فقط، بل في وجودنا. أعدت عليه كلمة " عبادة" قال آه نعم  فرؤيتنا للوحاته ولجموع الناس تسهم في تنمية قدراتنا الذاتية على فهم أنفسنا جيدا. فالفن ليس لوحة أو منحوتة أو عمل ما، بل هو طاقة مستمرة من المنح والعطاء. تجعلك مفكرا بما يحيط بك. وبالقدر الذي استطعت أن أفهم كلماته السريعة أو ما سمعته منها. فقد بدا لي أن هذه الزيات وهذه الحشود من الناس تعويض عن العبادات المبهمة للناس في دول ترى أن فنونها تمارس نوعا من الهيمنة الفكرية والجسدية عليها. ولن تستغرب إذا ما وجدت بعد سنوات أن لكل متحف مريدين ولهم طقوسهم وعاداتهم الخاصة. أشبه بمشجعي فرق كرة القدم. ألم ترتبط رسوم الكنائس بالدين؟ ألم يكن دافنشي أحد رواد المسيحية وهو يزين قبب الكنائس بالرسوم الدينية شارحا قضايا الوحي والنزول ؟ ألم تكن رسوم ديلاكروا مادة لفهم التاريخ وخاصة تاريخ الحروب؟ ألم تكن رسوم بيكاسو نوعا من الطقس الفكري التحرري لمشكلات الناس وهي تواجه الظلم ولوحته الجورنيكا شاهد على ذلك؟ ألم تكن العمارة القوطية بعثا لتراث الروح؟ إن ما يقوله السائح الإنكليزي لم نستطع استيعابه بعد نحن الذين ما نزال بعيدين عن التحسس بقيمة الفن للإنسان. فالإنسان الغربي لا يرى اللوحة وهي خارج تاريخه، بل يراها وهي جزء من مكونات هذا التاريخ. لذلك نجده يطيل الوقوف عندها ليتفحص تراثه وليفهم أنه أبن هذا الإرث العريق. ولم يكن له أدنى تصور في أن يعتقد أن تاريخه لوحة كان أم سجنا أم صك غفران أم وثيقة تحرر من العبودية أم رغبة في ركوب البحر كي يغزو بلدانا ويجلب نساء. أم بقايا شجرة أو مرفأ.  هو جزء من مكونات المعرفة البشرية. هكذا ينهض الغربي بتاريخه المعاصر من خلال عمل توازن فكري ثقافي بين ما كان وما هو عليه، لا يلغي التراث ولكنه يقف أمامه متسائلا ناقدا وباحثاً إذ ليس لديه ما هو مقدس إلا بالقدر الذي يجد فيه جديداً كل ما صنع تاريخه هو متحفه الدائم.

3

 

فضمن بناء يرتبط بالموسيقى المعمارية ارتباطا شعريا جذابا، وضعت لوحات فان كوخ مرة ثانية. فالبناء من خارجه لا يبدو مرتفعا كثيرا، ثلاثة طوابق كبيرة فقط، لكنه في فسحاته الداخلية يمتلك غنى المساحة الممتلئة بوظيفة الشعر. ترى كم منا يقرا الفراغ المشحون بنغمة التاريخ الغني عندما يستحضر في ممارسته تلك الفسحات التي عليها بهو الفنادق والقاعات الكبيرة حيث تشعرك بأبهة وتستحضر لك بجمالها ثقافة القرون والقصور والمزارع والبيوتات. أنها أشبه ما تكون بكائن خرافي مألوف يحط على أرضنا، ويلقننا الجمال الأرضي. فمن خلال التجول فيه يطعمنا الشعر. ومن خلال معايشة ما يحتويه تجد نفسك في طقوس دنيوية ممتلئة بالحياتي. هكذا تجد قاعات المتحف ولنا منها الطابق الخاص بفن فان كوخ وجعله في متناول القدرة على استيعاب اللوحات والقدرة على إضفاء جمالية العرض الحديث للفنون. وهو اتجاه تصرف عليه ملايين الدولارات من أجل أن تتوازن فيه فضاء اللوحات بموضوعها. فالعودة، -بالنسبة للمشاهد الغربي - إلى الجذور، تعني الاهتمام بالمعاصرة ، لأن الجذور لا يمكن أن تنمو في فراغ المكان، ولا في فراغ التاريخ. ومن يتابع الحركة الفنية التشكيلية الهولندية وهو أمر صعب جدا وشبه مستحيل لكثرة المعارض والتجارب والكاليرهات والندوات والمجلات والصحف المعنية، لا بد له من أن ينتقي القليل الذي يتلاءم ودخله الشهري  .. ففان كوخ يعد اليوم برأي النقاد الكبار أنه أحد مؤسسي فن " ما بعد الحداثة" بلوحته الشهيرة " الحذاء" حذاء الفلاح الهولندي الملقى في قارعة الطريق وقد ملأ المكان . هذا الحذاء الذي أهمل نقديا لفترة طويلة لم يكن من اللوحات التي تذكر في فن فان كوخ إلا مؤخرا. وبالرغم من أن زوار المتاحف الهولندية يقدرون سنويا بالملايين فأمستردام لا يبدو عليها البهجة إلا إذا أعادت لمؤسساتها الفنية الحياة  كلما شحب لونها وقل زائروها،.- كانت الأديبة العربية  ليلى العثمان هنا في هولندا في ضيافة " ثقافة 11" في نزهة في أمستردام كي نرى متاحفها ولما قدمنا إلى متحف فان كوخ ورأينا قاطرة الطابور الذي ينتظر الدخول إلى المتحف وقد امتدت إلى أكثر من نصف كيلومتر تحت المطر حتى صرخت  قائلة هذا مستحيل، وقفلنا عائدين إلى جوف أمسترداماليوم يعود متحف فان كوخ لحال جديدة والناس يقفون أيضا تحت المطر-- لا يمكن أن تعيش في هولندا بلا مطر يومي. فإذا صادفت يوما بلا مطر فذلك غريب جداً كل الفصول تتجمع في الـ 24 ساعة خاصة في أشهر الربيع. وإذا لم تمح السماء  يومها مطرا، أو كما يقول السياب " المطر أنغام السماء إلى الأرض" كأن سنة لم تمطر على هذه الأرض الخضراء. كل شيء فيك مهيأة للمطر. حتى الروح بحاجة إلى مطر العيون والأفواههؤلاء الذين  يقفون طوابير طويلة  أيضا ومنذ الصباح الباكر تحت المطر بمظلاتهم الملونة الكرنفالية  بحاجة إلى مطر الفنون كي يطيلوا رحلتهم في  الحياة على الأرض..

 من المثير للاهتمام أن تكون المتاحف في الوقت المعاصر، أماكن أساسية في حياة الفرد الأوربي، سائحا كان أم من مواطني البلد. حينما تتحول الزيارة إليها إلى حال من التقديس المثير للاهتمام. في حين أن أماكن العبادة من كنائس وغيرها لا تلقى مثل هذا الإقبال إلا في أوقات محددة من الأسبوع، يوم الأحد في أغلب الأحيان. ومن يأتي لهذه الكنائس من الزوار يستمتع بالإضافة إلى الصلاة فيها، بمرأى الكنيسة المعماري، وطرق تنفيذ تصميماتها الزجاجية والفنية ومسقط الضوء والمنصات وأماكن الاعتراف المنزوية، والأبواب العالية والفسحة الفضائية الداخلية والمقرنصات القوطية والتصميم الداخلي، وطريقة تصفيف الكراسي بين الأعمدة  والفسحة الجانبية والمذبح وغيرها من الزوايا التي تشكل معمار الكنيسة البصري،..الخ. ثم قبل أن تدخلها تهيمن على الرؤية مرتفعاتها الخارجية  بما تحتويه من زخرفة ومدببات بحيث تمنحك بعدا روحيا قبل أن تخطو في داخلها. وبالقدر الذي يهيمن علينا خارجها، نجد ما في داخلها   يهيمن هو الآخر على أبصارنا ورؤيتنا, وهو الروح المعلق بصدر الأم وما حولها من هالة.. ولن يكون مستغربا على إنسان مثلي أن يجد في مثل هذه الأماكن روحا عالمية، كما هي في الجوامع الكبيرة، تحوم في سماء الجامع والكنيسة الداخلي وهي محملة بإرث السنين والتاريخ والأديان. فنستلم منها روحا  طقسية معاصرة دون أن نكون مسيحيين أو مسلمين. ومن يتأمل هذه الروح المحوّمة دائما فوقه، يشعر كم هو في وضع نفسي يسمح له بالتأمل في أجزاء المكان الفنية، تلك التي ما أن تنتبه إليها حتى تثار فيك مجموعة من الأسئلة الكبيرة. وبغض النظر عن المحتوى الديني لهذه الأماكن، فإن هذه الكنائس المتاحف تبقى منفتحة على نفسها أمام الزوار والسواح، في حين تغلق قبورها على الكرادلة والقسس والرجال المهمين في حياتها. الأمر الذي يدفعنا للتأمل المثير ثانية في أهمية أن يتحول متحف مثل متحف فان كوخ بعد ترميمه إلى مكان للعبادة وهو غير كنيسي، وتتحول كنيسة إلى مكان متحفي وفني وهي غير مخصصة لأن تكون متحفا؟ هذه المزاوجة الفكرية بين مكانين مفترقان في الأهداف، متجهان معا نحو روح الإنسان، يجتمعان معا في نقطة مركزية وهي " الحاضرة المتحفية " سواء تلك التي أتت مفرداتها من الماضي العريق وحافظت عليها ومن ثم جندت نفسها لأن تبقيها شعلة في روح الإنسان دائمة، أو تلك التي بنيت من أجل أن تحتوي اللوحات والآثار الفنية التي أنتجها الإنسان المعاصر وهو يستمد قواه المعرفية من التجارب الحياتية المنفتحة. فتحولت إلى أماكن تحمل في داخلها روحا مقدسة ولكن من غير أن تكون دينا بتعاليم، أو طقسية بعبادة.                                         

                                                 5

في لوحة الحذاء نجد لفان كوخ نعيد تصورنا عن المواد الخام التي تلقى في الطبيعة وعن دور الثانوي عندما يتحول إلى رمز في صياغة موقف من الحياة عن طريق الفن. ويقول عن المواد الخام في لوحة فان كوخ الناقد فريدريك جيمسون أنها " مجمل عالم أشياء البؤس الزراعي، عالم الفقر الريفي المدقع، ومجمل العالم الإنساني المتخلف للكدح الفلاحي الذي يقصم الظهر، عالم مختزل إلى اشد حالاته فضاضة وتهديدات بدائية وهامشية"  وعلى خلفية هايدغر في تفسيره للفن من أنه جزء من "الفجوة"  بين السماء والأرض ويعني في الفجوة أن الإنسان يستطيع عن طريق القوة المعرفية بناء عالما مادي غير مألوف لا في السماء ولا في الأرض- من هنا يعطينا تصورا مقنعا عن أن مرحلة ما بعد الحداثة في الفن لم تبدأ بعد الحداثة ومراحلها العليا،كما يشير الناقد، بل بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر عندما رفض الرسم على يد فان كوخ الرأسمالية بكل وجوهها. أنه نوع من الطوباوية كما يشير هايدغر ويؤكده جيمسون هذا الذي يشير إليه البؤس الاجتماعي من خلال حذاء مختلف ومتناقض مع الطبيعة بحيث تبدو كل الأشياء المحيطة به قد أصابها التلف أيضا. أنه نوع نمن الاحتجاج على صمنية السلعة وبادرة شعرية في القول أن الفن التشكيلي وخاصة  في مرحلة ما بعد الانطباعية كانت في الموقف النضالي ضد الواقعية والانطباعية الريفية وأنها وجدت في المهمل في الحقول والأشياء البسيطة مادة جديدة للثورة على تقاليد الرسم وحرفيات الفن الهادئ والمخادع والذي يرسم بناء على الطلب. فالفردتان مختلفتا الاتجاه: واحدة منفتحة فوهتها على الفضاء، بينما الأخرى منكفئة ويظهر أسفلها. ولكل واحدة ميزات أسلوبية وتقنية محددة، فالفردة المنفتحة تبدو في حركة عنيفة محتجة على وجود ما فيها. أنها ترفض من خلال نعاس فوهتها ما كان فيها فهي أيضا تعاني من ظلم وقهر ، بينما الفردة الثانية تبدو وكأنها منكفئة نائمة من تعب السنين والإهمال وبانت مسامير الحذاء  المنكفئ لامعة في ضوء الرفض النيتشوي وتحاكي بروح مأساوية ناقدة  سماوية الكائنات الغربية في الفضاء. ولعل دكنة اللون الرمادي بجوار دكنة الحقول والطريق الخضراء ، تصنعان كابة داخلية تستدعي بتمردها على موجودات الضوء ،الراحة والرخاء. بينما يحاكي  الرباط المنفلت والطويل، الأرض بكب تعرجاتها.

الحذاء بجزأيه المتعارضين يسد طريقا ريفيا يسلكه الفلاحون  وملاك الأراضي في رواحهم ومجيئهم، وكأنه يذكرهم بوجوده شاهدا على البؤس في الأرض الخيرة.

لم نجد ثمة رغبة استهلاكية في رسم الحذاء، فالصور الأخرى التي ظهر فيها الحذاء لا تتجاوز أربع صور أبرزها صورة الفلاحين النائمين: أحدهما نائم بحذائه، وقد جرده من تفاصيله، والآخر نام بلا حذاء وظهر الحذاء إلى جواره دون تفاصيل كبيرة .و الصورة الثانية ظهر الحذاء  فيها بقدمي  فتاة وأيضا وبلا تفاصيل أو تركيز فني .  والكثير من الصور والرسوم لم يول فان كوخ الحذاء لأنه يرسم إما منظرا عاما بتفصيل النبات والشجر والمياه، بتجريد واضح لملامح الشخوص. أو أن يرسم بورتيرهات تتركز على الوجه فقط. لذلك يكون رسمه لهذا الحذاء الشهير على خلفية فكرية موقفة المتناقض من الرأسمالية الزراعية وملاك الأراضي، يجعله في بؤرة الفن المناقض لتوجه الرأسمالية كلها هذا ما يقوله أيضا النقد أيضاً.

 

6

وضعت لوحات فان كوخ أساسا للفن الحديث من خلال حسه الشعبي المفرط بالعزلة والمرض والنوبات العقلية التي كانت تشكل عنده جنونا من نوع خاص. ويعد هذا نقلة بالفن من القصور والشخصيات الدينية والكنسية إلى عامة الشعب، وتعد رحلته إلى باريس بين عامي 1878-1888 مهمة في تحولاته الأخيرة التي انقطع بها عن العالم ليرسم حقولا ومزارع وجسور وزوارق وقناطر بكثافة لونية متدرجة خاصة كما يقول فاولي الأصفر الذي عده اكتشافا للموت وللحرية وللمنح معاً. فقد رسم جارته والطفل الذي يراه ونفسه والفلاحين والرجل الكبيرة والمرأة الكبيرة والصبية . ورسم إلى جواره الحقل الذي يراه من كوخه والطريق وحذاء الفلاحين الممزق وقبعات تالفة وأقمشة رداء ممزقة  وعصا . وكان في كل الذي يرسمه ثمة قبول بصري له أنه يوظف الجميل من خلال طريقة التنفيذ. ويعد فنه ضمن تيار الفن المفاهيمي الذي يشحن بالموضوع ويتوجه رأسا إلى فكر المشاهد. فهو يعتمد مبدأ التعميم في رؤيته للأشياء ومن داخلها يبحث عما يميزه كرسام في اكتشاف الطريقة الفنية التي تتلاءم وسياق هذه المعرفة.فالكثير من الناس ترى الحقول والدور والشخصيات والعربات والأنهر ولكن لا أحد يتصور أن يرى ما رسمه فان كوخ لمثل هذه الموضوعات فهو وحده كان يرى ما في هذه الأشياء الخارجية من جمال داخلي أظهره بطريقة فنية مبتكرة هي ضربات الفرشات القصيرة المتدرجة الصعود والمتباينة الحساسية. فقد حقق سيطرة لونية على الأشياء وحقق حضور نغمة لونية مدركة لفاعلية التغيير. فالبنية الفنية المعتمدة على اللون والنغمة والنسيج والمكان والهيكلية العامة هي من مميزات فنان له القدرة على التعامل مع الحداثة كما يشير إلى ذلك آلان باونيس عن الفنان مانية وهو من مجاليلي فان كوخ.  ويعتمد فان كوخ مساقط ضوء غير طبيعية أن عالمه السماوي مغلق على إضاءته تنبع من الأرض. ويعني ذلك التصاقه بالأرض. وبذلك أفترق عن الانطباعيين الذين يرون الطبيعة مادتهم ومساقط ضوءهم. وهذه الطريقة لا ترسم بل تكتشف النسب اللونية التي تختزنها تلك الأشكال ومن يرى صورة التي رسمها لنفسه يجدها ليست بورتيرهات بل لوحات فيها تطور داخلة وهو يصارع عالما مليئا بالشكوك والغرائب. لذلك تجد البوريترهات له متغيرة ليست بحكم تقدم السن وسنه ليست كبيرة 47 سنة، بل بحكم حساسيته لداخله التي غالبا ما يشرك أخيه ثيو فان كوخ بتفاصيلها. وهي تمر في مراحل متباينة. وبعد عودته من فرنسا عاد إلى الريف، والريف بالنسبة له عالمه المختزن لكل الألوان المبهجة والداكنة والحزينة وألوان الموت التي يراها في الحاصد كما يشير برسالته إلى أخيه.. ويعد اللون الأصفر بدرجاته اللونية المتباينة،واحدة من حساسية فنان  تجاه عالم الريف الذي غيرت الرؤية الداخلية الحزينة له الكثير من الفهم اللاحق لمفهوم الريف.. فالأصفر لا يعني الذبول والموت، بل حياة ممتلئة بالخضرة الداكنة ولذلك تعددت نسبه وحساسيته في المعالجة..فهو الثمار والمنح والتأمل.  وقد شمل به كل مستويات الكتلة وموقعها من الرؤية البصرية لها، لا سيما وان الرؤية يوم ذاك فيها من تأمل الحديث في القديم وهو ما يشكل جوهر الثورة التي قادها فنانون كبار في نهاية القرن التاسع عشر على التقاليد المحددة لطاقة اللون والمنظر وما يحتويه من منظور وأشخاص...

 

 

معرض مستعاد لبيكاسو في روتردام

 

                 منذ شهرين والجمهور الهولندي والسواح يتابعون معرض بيكاسو في مرحلة الأربعينات والخمسينات الذي خصص متحف روتردام له كل أجنحته الأرضية ليستوعب أكثر من 300 لوحة فنية من مختلف المدارس والتجارب التي كان بيكاسو يتعامل بها في هذه المرحة.

          تهيمن اللوحة الأيروتيكية على معظم المعروضات التي أختارها المتحف ، مما يعني أن هذه الفترة كان  التعامل عند بيكاسو يتم من خلال الجسد وأوضاعه المختلفة، وهذا لا يعني أن بيكاسو كان قد تخلى عن قضاياه الفكرية، إنما كان الجسد بالنسبة له المساحة التي يجري عليها تجاربه الكبيرة،  فوجدنا أن الجسد في حال غيبوبة، لا تحيطه إلا خطوط شفافة تدل على التوحد ، والوجد الصوفي الذي ظهر في عدد لوحاته وهو يستخدم المثيولوجية الشرقية من ألف ليلة وليلة وحكايات فارسية أخرى، وقد وضع ذلك كله في مناخ القصور الشرقية وفي حماماتها وغرفها وحراسها، ولم يكن الجسد عنده إلا شكلا للتعبير عن الغرابة التي ظهرت عليها أشكاله وخطوطه، لأنه كان يستعمل المنظور المسرحي لتجسيد التباين بين عمق اللوحة ومقدمتها، فالبلاط أو المخدع لا يمكنه أن يكون إلا في حال توحد أخر مع الحال الأيروتيكية المعنية في اللوحة. ميزة هذه اللوحات أن بيكاسو كان يرسم بقلم الحبر الدقيق دون أن يرفع عن اللوحة فيكمل الشكل لمرة واحدة، وهذه الطريقة استطاع بها أن يستوعب كليه الجسد الإنساني بخط واحد. ولذلك غابت عن اللوحة تفاصيل الوجه .

 

            إلى جوار اللوحات التي مثلت فترة الأربعينات وخاصة بعد الحرب الأهلية في أسبانيا ، والتي مثلتها الجورنيكا التي خصص المتحف لها قاعة كبيرة لتقدم على شاشة مرئية متحركة تشرح التفاصيل الدقيقة للمشاهدين فتاة متخصصة ببيكاسو، نجد أعمالاً تحويلية أخرى في فكر بيكاسو، تمثلت بطريقة الكولاج الورقية التي أصبحت لاحقا طريقة فنية لعدد كبير من فناني العراق والشرق العربي وأبرزهم محمد مهر الدين وضياء العزاوي وسالم الدباغ، وشاكر حسن أل سعيد، ومعظم أرضيات لوحاته هذه سوداء ثم يلصق عليها الورق الذي بدوره سيرسم عليه أشكاله، اللوحة تجدها بمستويات بصرية عدة وكأنها أيضا تقع ضمن المنظور المسرحي ولكن بلا فضاء شرقي وأبهة مظهرية.

        صاحب المعرض الذي يستمر حتى الرابع من تموز عرضاً لأهم الصحف والمجلات التي كتبت عن بيكاسو في هذه المرحلة، وهي من الكثرة بحيث تجعل من فن التوثيق نفسه لوحة مقروءة، وهذا ما حدث بالفعل حيث كان الجمهور يتابع من خلال النقود المنشورة في الصحف أراء حول اللوحات المعروضة في المتحف الآن. وفي قاعة أخرى احتشدت منصات العرض بكل ما يجعل بيكاسو شعبياً، الكتب المؤلفة عنه وكانت بأسعار مناسبة للمواطن الهولندي، وهناك الكثير من المصنوعات و الأشياء التي تم صنعها ومن ثم ختمها بتوقيع بيكاسو.

   ما أردت قوله في مشاهدتي هذا المعرض ليومين متتابعين أن ثقافتنا الفنية كانت واقعة تحت تأثير الناقد الآخر، ذلك الذي يفهم اللوحة من خلال علاقاتها اللونية والفكرية، وهذا التأثير أجده مهما في مثل حالنا نحن الذين جئنا متأخرين لمعاينة فنون أسست لثقافة وفكر عالميين، ولكن المعاينة الواقعية لإنجازات الفانين الكبار تبقى غير القراءة عنها، فمهما منحتنا القراءة من معرفة للآخر ، لا تصل بمسوياتها المعرفية إلى فعل المشاهدة العيانية المباشرة، وهذه الحصيلة هي التي تستنطقني الآن.

 

رو برت زيلاسكو فنان التقنية المعاصرة

إنشاء اللوحة في العالم المعاصر

                 

                   

                                                  1

               لم تعد  خارطة الفن التشكيلي في هولندا هي خارطة فان كوخ وأوغسطين وكونييه وموندريان والجيل السابق من الفنانين الذي تركوا بصماتهم على الثقافة الغربية كلها. وما كان بروزهم الكبير بمعزل عن تيارات الحداثة الأوربية في بداية هذا القرن وهي تنهض على أرض مرحلة النهضة في روما، بل أن كل البناء الفني وعلى رأسه فن العمارة كان يجد في الفن التشكيلي مادة وتصورا على كسر المألوف السابق كي يقيم تصوراته الحديثة على أرضية فنية جديدة . لقد جرى تطور فن العمارة القوطيى الذي مهد لعمارة عصر النهضة، على كسر مألوف الأقواس والمساند والزوايا والزجاج والفناء الداخلي، ومن ثم توطين كل هذه التطورات في البناء توطينا روحيا أخاذا جعل التقرب إلى لله تطورا في الفنية التي كانت تجد في الأشكال المعمارية القديمة ثباتا وجمودا. وكان مربع موندريان واحدا من البنى الفنية والاتجاهات الفنية " تعد بمثابة القوة الحقيقية الدافعة للفن في روافده العديدة. هناك وبالذات حركة دي ستبل، ورائدها موندريان، وهناك سريالية سلفادور دالي ، فضلا عن الفن الفذ الخاص بأنتوني كاودي" كما يقول المهندس رفعت الجادرجي. وكاودي بالذات رائد في تكوين العمارة الحديثة في  مدينة أشبيليه،  التي استوعبت خيالاته وفنطازيا الشكل الخارجي لها، تلك الأشكال التي تبدو أنها آتية من أعماق ألف ليلة وليلة. والعمارة التي استلهمت طراز الفن الشرقي الأندلسي وجعلها نافذة على المزاوجة بين حضارتين، لم تجدا تصاهرا حقيقيا إلا في أسبانيا.  ومن ثم في أوربا خاصة في الفناءات الواسعة التي نشاهدها في العمارة الحديثة بعد أن جرى تطويع الحديد الصب ليلائم أشكالا خيالية. في حين أن تجريد موندريان كان نافذة جديدة على عمارة ما بعد الحداثة تلك التي تداخلت فيها المنفعتين الجمالية والوظيفية في إطار من تصاهر المعادن والفكر الحديث وفق حاجات اجتماعية معاصرة تطلبتها طبيعة المدينة وتطور المفاهيم. خاصة بعد اكتشاف تقنيات هائلة في توزيع الكتل والفضاء.  التجريدية التي مكنت الكثير من التصورات المعمارية الحديثة في أن تجرد  الشكل من تكويناته السابقة كانت النافذة الفكرية الكبيرة على العمارة وعلى اللوحة..

 

        فلوحة فان كوج " الحذاء"  والتي تعد المادة الرئيسة في متحفة المقام في وسط أمستردام.التي كما  يقول  الناقد فريدريك جيمسون، الذي يشغل كرسي الأدب المقارن في جامعة ديوك في كتابة " ما بعد الحداثة أو المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة 1991" عنها من أنها " لا بد من أن تقرأ قراءتين : قراءته التي يقول فيها " إن التحويل الإرادي والعنيف لعالم أشياء فلاحيه كالح إلى أبها تجسيد للون الخالص في ألوان زيتية، يجب رؤيته على أنه لفته طوباوية، فعل تعويض ينتهي بأن ينتج مجالاً طوباويا جديداً كاملا للحواس. أو على الأقل من تلك الحاسة الأرقى- البصر، البصري، العين- كي يعيد تشكيله لنا الآن بوصفه فضاء شبه مستقل قائما بذاته، أو بوصفه جزءا من تقسيم جديد للعمل في جسم الرأسمال ، تفتيتا جديدا لمركز الإحساس الناشئ الذي يضاهي تخصيصات وتقسيمات الحياة الرأسمالية ".

     وقراءة ثانية للوحة نفسها قرأها هايدكر  وفق مفهوم أن الفن هو لملئ الفجوة بين الأرض والعالم ، فيقول عنها" فيه الحذاء-  يتذبذب نداء الأرض الصامت، هديتها الهادئة في إنضاج الذرة، ورفضها الملغز لذاتها في وحشة مراح الحقل الشتوي" ويمضي قائلاً" هذه الأداة الحذاء- تنتمي إلى الأرض وتجد الحماية في عالم المرأة الفلاحة.. أن لوحة فان كوخ هي الكشف عما تكونه في الحقيقة هذه الأداة، هذا الزوج من الأحذية الفلاحية، ..إن هذا الكيان ينبثق نحو إفشاء وجوده" وبالطبع كما يقول أحمد حسان مترجم المقال المذكور " أن هايدغر يعالج الفن من منطق رؤية كونية شاملة عن الأعمال الفنية خاصة برؤيته عن " أن العمل الفني ينشأ داخل الفجوة بين الأرض والعالم". هذه الفجوة التي يملأها الفن وتملأها الكتابة والعمارة والبحوث الجديدة. على العكس من العلوم الوضعية والتجريبية أن تحاول أن تزيد من مركز الأرض وان تبعد السماء عنا. هنا ندرك كم هو الفن في تنامي وتطور رغم ما يقال عنه هنا في أوربا ملحقا بالركب الرأسمالي. هذا الركب الذي أثبت أنه وحده الذي يجعل من الفنون في حركة قلقة متنامية وباحثة عن أشكال جديدة،  تتناغم والتطور الحاصل في كل ميادين العلم.

 

2

     في هذا الإطار نجد ما بعد الحداثة في اللوحة التشكيلية تنحى مناحي مختلفة عن تكوينات ومواد الإنشاء التي كانت عليها اللوحة الحديثة وحتى اللوحة الانطباعية والتجريدية. فقد تغيرت ذائقة المشاهد وأصبح لا يستسيغ التعامل بطريقة واحدة وإن أختلف الفنان بمواد هي نفسها المواد التي بدأت بها لوحة ما قبل عصر النهضة، إذ لا بد من رؤية للعالم مختلفة وأول مواد هذه الرؤية هي قماشة اللوحة، فقد جرى تغيير جذري لها، إذ ما عادت قماشة على مساند بل فضاء يمكن أن يشغل بقطع مختلفة من الأشكال والفضاء لوحده وفق رؤية تصميمية وتنسيقية أن يؤلف كيانا بصريا جميلا له لغة من اللوحة القديمة وله لغة من أشياء الواقع المهملة وله لغة من اللون يمكن أن تكون هنا أو هناك وله لغة من مواد تكنولوجية وبقايا مواد صناعية وخيوط ونفايات ومخلفات المعادن أو حتى الأكفان وفضلات الإنسان. وقد شهدت معارض أمستردام الكثير من هذه البنية المختلفة المواد كجزء من نظرة فنان ما بعد الحداثة إلى موضوعه القديم الذي وجده قد تغير بتغير النظرة الاجتماعية له.

 

                                          3

                لدي الآن عدد خاص من كتلوك  عن فنان  زيلاسكو أصدره غاليري دي لانغا الهولندي بمناسبة معرض" راي أمستردام"  الدولي . وبالحقيقة أن هذا المعرض السنوي يشهد جمهورا من مختلف أنحاء العالم، وفيه تعرض تجاريا اللوحات الفنية القديمة والحديثة، وبه يشترك عدد من الفنانين الأجانب بينهم فنانين عراقيين وعرب. منهم الفنان سعد علي والفنان سلمان البصري والفنان بهاء الدين أحمد.

            قدم الكاليري الفنان زيلاسكو بشيء من الإبهار،  فخصص له مجلدا كاملا عرض فيه تطوراته الفنية التي يعدها كاتب المقال النقدي عنه الناقد هيرمان فيلتز أنه  من أهم الفنانين المعاصرين في تقنياته الحديثة التي تجمع بين فن العمارة وفن اللوحة التجريدية. من هنا جاءت مقدمتنا للحديث عن هذا الفنان بمادتين: هما فن العمارة، وحذاء فان كوخ. كمادة للدخول إلى عالم فنان تشكيلي يثير الإعجاب كلما عرض لوحاته في معرض في هولندا.

 

          ينشئ الفنان روبرت زيلاسكو  لوحته من مواد مختلفة لم تدخل سياق الفنية يوما منها: النفايات وبقايا الفلين والخيوط السلكية والأخشاب المختلفة والإطارات وبقايا الكاوتشك،  وقطع الأقمشة. ليكون منها  بناء فنيا بصريا وبأبعاد وبملامح عصرية. بحيث تجد أن اللوحة الفنية ما عادت فرشاة ولونا، بل هي كيان تتحسسه، ويمكن أن يحتل معك كرسيا في حافلة أو مكانا في شارع دون أن يأخذ من بنية التماثيل والنصب هويتها.

         وزيلاسكو ينتمي للمناخ الأوربي الصناعي الذي بدأ تأثيره واضحا في المدرسة الفرنسية الحديثة والألمانية حيث يقدم زيلاسكو أعماله منذ خمس عشرة سنة في كاليرهات هذه الدول، ويعيد بعض النقاد ومنهم  هيرمان فلتز الرأي هذا إلى إن زيلاسكو ينحدر فنيا من الثورة التقنية التي أحدثتها الرؤية الماركسية في واقعيتها الجديدة تلك التي تعتمد الكتلة والضخامة والمواد الطبيعية في الإنشاء والبعد المرئي في اللوحة. كما يمكن القول أنه ينتمي في رؤيته هذه إلى بنية العمارة الحديثة التي غيرت من نسب الفضاء الداخلية والشكل الخارجي بعد أن اكتشفت طرقا جديدة في المواد الإنشائية كما يشير إلى ذلك رفعت الجادرجي. يضاف إلى ذلك أن زيلاسكو ليس فنانا هاويا بل هو من أكثر الفنانين حضورا في عروض الكاليرهات الهولندية والأمريكية ليس لغرابة تكويناته وإنما لمزجه الفني بين اللوحة ذات اللون، واللوحة ذات المواد الأخرى. إلا أن توصيفات زيلاسكو لا تنتمي للماركسية ولا لرؤية الفن السوفيتي السابق بل إلى النظرة الاجتماعية لدور المواد الصناعية في تنمية ذائقة فنية مغايرة للذائقة التي كانت تعتاش عليها العين الهادئة والصالونية والديكورية. الفن استفزاز لمشاعر ساكنة بحكم أن الرأسمال يريده أن يكون سلعة وسوقا وتجارة وهوية تقنية وجزء من عولمة الهوية العالمية.

                                                 

                                             4

في الجانب الآخر من أعمال زيلاسكو وهي اللوحة العادية تلك التي تعتمد الألوان، ففيها نجده تشابها مع لوحة ما بعد الحداثة، فهو هنا يحاول أن يبهج المشاهد بحدة ألوانه البراقة والمبهجة وكأنه يدخله إلى عالم طفولي ولكن في قرن المشكلات الصناعية، فنجد الخطوط الحادة والصارمة الدالة على هيمنة الروح الصناعية والتقنية العلمية. كما نجد اللون المنتشر على فضاء واسع كدالة أخرى على عدم انتظام العالم في سياقات روحية هناك شيء من فضائية وكونية كقوى مجهولة ولكن بأدوات معاصرة تمارس على الإنسان والمجتمع سلطة وهيمنة هي جذبه المستمر إلى الفراغ، ومن ثم إلقاء له بصيص من أمل للإنقاذ. زيلاسكو يمعن في جعل المشاهد غريبا وهو في عالمه المألوف، فالعالم ليس أفقيا ولا شاقوليا إنما هو بنية غير مستقرة ولذلك ليس من لوحة تنشئ نفسها وفق سياقات بصرية مألوفة. تجد الكتلة أحيانا في البقعة العليا من اللوحة وأحيانا في وسطها أو في أسفلها مؤمنا ربما بغير وعي، أن لكل عالم ثمت مركزية ولكن تتشظى هذه المركزية عندما يهاجمها شيء خارجي، أو ينبثق منها ما يغاير تركيبتها. لذلك فاللوحة وإن استقرت على تشكيل وإنشاء وبنية، فهي متحركة متغيرة. وهذا ما يجعل لوحاته الزيتية والكولاجية وحتى تلك التي لا نراها وفق سياق الرؤية العادية، أنها لوحة لا تبني نفسها بتلقائية المشاهد، بل بما يحيط بها ولذلك تعتمد كاليرهات هولندا في تقديم المعارض على تقنية لونية، وعلى قاعات ربما كان لها تأثير كبير على ذائقة وفهم المشاهد للوحة.

            في لوحة زيلاسكو نجد ثمت جدار هولندي تحتويه، ذلك الذي نراه في محطات المترو والقطارات والترام وحتى في الأحياء الشعبية الممتلئ بخطوط حمراء وبيضاء وصفراء مبهجة وبغير انتظام، هذه الرؤية ذات البعد الواحد تعود عالميا إلى الفنان بول كلي الذي تأثر به عدد كبير من فناني الشرق بينهم الفنان جواد سليم وشاكر حسن أل سعيد وغيرهم. هنا في الفن الحديث لم يعد بول كلي موجودا بل رؤيته لعالم اليوم الممتلئ بشبكة من المواصلات اللامرئية التي تتحكم بكل ما يمكن لمسه أو رؤيته.

 

 

 

 

 

صخب المرمر والحجر

                         

                                                    1

 

            في الطريق إلى وسط لاهاي تحتل بصرك  نصب تتوزع أرصفة الشوارع والمداخل والنوافذ وحتى الطرق والملصقات في الترام وفي لوحات الإعلانات إضافة إلى ما يصلك للبيت من فولدرات وصحف فالشارع الرئيسي للفنون في العاصمة الهولندية يمتلئ هذه الأيام بالتماثيل التي خرجت من أقبية الفنانين ومراسمهم لتحتل المدينة كما لو كانت تستعد بالفعل لقيام  جمهورية خاصة بها على طريقة الانقلابات العسكرية التي ابتليت بها دولنا العربية. ولكن احتلال النصب للاهاي هذه المرة من أجل احتفالية اكبر تلك التي تستعد المدينة لها في عام 2004 لتكون أجمل مدن هولندا حيث يجري التعمير في كل زاوية منها ومرفق . النصب التي قدر المعنيون عددها بـ 750 تمثالا كافية لأن تقيم جمهوريتها الفنية الخاصة بها ومن  ثم تستدعي الجمهور والنقاد والمسؤولين في دول العالم لأن يروهم وهم في هيئات  مختلفة ، بعضها على هيئة بشر ,اخرى على هيئات الطيور والحيوانات وبعضها مجرد كتل من البرونز والمرمر أعدت فنيا لتكون في الذاكرة بعد أن تخترق عينيك مستفزة لغتك الفنية البسيطة وقدراتك المعرفية كي تتعرف على مادتها وسطح ملمسها ، تمرر يديك عليها ناعمة هي بعض ما يحمله المرمر من لغة أنثوية وبعضها يكون خشن الملمس متناغمة ولغة الحديد الذي يعيد تكوين فنيته هذه المرة خارج منطق العمارة. والحديد الذي نقل فن العمارة في القرن الثامن عشر من بنية الفن القوطي إلى بنية المقوسات المصبوبة كانت نقلة كبيرة للنحت الذي جعل من الحديد كله مطواعا للمخيلة ليعيد بها تركيب مشاعر الليونة الكامنة في الصلابة وكان الفن اليوناني القديم قد تعامل مع المرمر والحجر باللغة الشعرية التي نجدها اليوم في الحديد والبرونز والتي تعيد علينا لغة الفنون القديمة برؤية معاصرة تستجلب لنا لغة نقدية قادرة على اختراق المصطلح الأدبي ومن  ثم توظيفه بما يلائم اللغة التشكيلية.

           و للمرة الأولى تتفق عدد من الكاليرهات في مدينتي لاهاي وامستردام على إقامة معارض كبيرة وعلى مدى ثلاثة اشهر لأعمال النحت والسيراميك والزجاج، وأبرزها ما قدمه كاليري " سمايلك وستوكنك" في لاهاي وأمستردام حيث عرضا لـ  44 فنانا قدموا 950 نصبا ونحتا وتمثالاً لمختلف الكائنات البشرية والحيوانية، منها المجاميع،  والنصب التذكارية ، وتماثيل الحيوان، وتماثيل الإنسان الكاملة والنصفية.  ومن مختلف المواد المرمر والبرونز وهو الغالب والحديد والحجر. تقاسمت المنحوتات لاهاي وأمستردام.و كاليري شامبيخن وزومركونكيس في لا هاي حيث كانت الأعمال المعروضة فيه من الحجوم الكبيرة.

             فيما يخص نصب المجاميع وهي كثيرة نجدها تنسجم والغرض الذي ألفت من أجله، أي ثمت موضوع بحبكة درامية وبحدث قديم أو معاصر يحدد الإطار الذي وضعت فيه حركة شخوص المجاميع،  كما في نصب الفنان" كورت باروخ" مجموعة من البشر تتحرك باتجاه ما رافعة أيديها ضمن تناسب جمالي يملأ به الفضاء وقد ارتبطت أقدام البعض منهم  بالقاعدة البرونزية  بينما انطلقت أقدام أخرى في الهواء، وبهذه الحركة الجماعية يظهر لنا الفنان قدرة التشكيل الفني على ملئ الفراغ الخلفي والأمامي بحيث يجعل كل جوانب النصب مرئية رغم أنه حدد لنا جانبا أماميا لرؤية شخصياته. واقتصرت تماثيل الفنانين الآخرين للإنسان على شخصين في وضع حركي من شأنه أن يعطي بعدا جماليا في الفضاء ومعظم المنحوتات من هذا النمط تجسد الحركة الصاخبة العنيفة والتي انعكست على إبراز العضلات وكأنها في حال هياج أو صدام دون أن يغفل هذا العنف الرشاقة والانسيابية للشكل الخارجي خاصة في أعمال الفنان بيتر براند" في نصب صغير يجسد حركة رياضية بين أثنين يستندان عل قاعدة واحدة. وهناك إلى جوار هذين النموذجين اللذين وجدناهما في تصميمات وأشكال عدة أتاحت لنا فرصة أن نكون عنها رؤية بصرية تتبع المادة المصنوعة منها فالمرمر يتيح لنا انسيابية جمالية وملمس ناعم وهو ما امتازت به معروضات " شامبيجن وزومر كونيكنياس  وقد أشترك في معرضه الرابع للنحت 12 فنانا هولنديا وأوربيا وكانت جل أعمالهم نصبا لشخصيات أو حيوانات مفردة أبرزها تمثال لفتاة عارية من المرمر  للفنان" رونالد بيخيا "تشعر أن انسيابية جسدها في الفضاء وعلو قامتها وبروز مفاصلها الجميلة أن الفنان  أختصر جمالية الجسد الأنثوي  الإنساني بتركيبة مسطحة منفرشة، بوجه بلا تفاصيل معتمدا على حس الأنوثة الطاغية في المرمر المنسابة تفاصيل الجسد فيه كما لو كان وعاء سماويا يحتضن حورية البحر بردفين عريضين وخصر منسجم وطول الجسد وبرقة تنتهي برأس لا ملامح كثيرة فيه في حين اختفت اليدان خلف الظهر وكأنها تبرز إلى الأمام مفصحة عن أنوثة الجسد من الأمام. بطاقة درامية تحاور بها المحيط والفضاء. . وفي إطار التشكيل العام ثمت نغمة مائية تحيط بالتمثل هي جزء من أنوثة المرمر التي بدت لنا قيمة جمالية بحد ذاتها. هذا النصب الذي تقدم صالة العرض كان كافيا ليعلن لنا أهمية أن تكون المرأة مادة حية ودائمة للنصب بعدما أشبعت- خاصة في البلدان الأوربية بتزينية ظاهرية تبرز مفاتنها كجزء من بضاعة للسوق.  وفي نصب أخر جميل من البرونز للفنان" جان هوجو" لفتاة تقرأ رسالة" الرسالة" 170سم في حديقة كان من الرشاقة وانسيابية السطح رغم لون البرونز الخشن دالة على أن التكوين الفضائي للتمثال يعطيه بعدا جماليا خاصا. في هذا النصب يبدو الهدوء والإنسجام مع محتويات الرسالة واحدا من الموضوعات النفسية التي كثيرا ما تتعامل معها النصب الصغيرة البورتريهات- وليست النصب الكبيرة التي تحتاج دائما إلى تركيز أقل لضخامتها وللعبور البصري من قبل المشاهد عليها لذلك تميل هذه النصب على الكتلة والتفاصيل الحركية الكبيرة لا على البعد النفسي- الدرامي، وقد تمكن هذا الفنان من الجمع بين ثيمتين في نصبه، الرشاقة وانسيابية المادة والهدوء والتعامل مع الفضاء الخارجي بروحية مهندس معماري يجيد التعامل مع المكان.

            من الأعمال المثيرة تماثيل الحيوانات، وهولندا مختصة بتقديم الحيوانات فنيا كانت في السابق تتعامل مع الخنازير والخيول والكلاب والحيات وغيرها أما في هذه التماثيل فوجدنا تغيرا كبيرا في تجسيد الحيوانات حيث طغت الطيور في نصب" ماريا خاموند" سلام العقل" وهو عبارة عن تمثال نصفي لفتاة في حال تأمل وعلى رأسها طائر الحمام، وهي في حال نشوة واستقرار كما لو كانت تتعبد فالعقل في أوربا بحاجة دائما إلى سلام روحي خاص يبعث في النفس الطمأنينة فالقلق مادة يومية للقوت. وتمثال للفنان " فيرلبور" وهو حمامة من البرونز ملقاة في حديقة وقد خرم جسدها بثقوب كي يظهر لنا الفنان أن ما في الجوف هو فراغ يضفي على خارج الجسد قيمة عندما تخترق العين جسد الطائر فتبعث فيه الحياة.. وهناك تمثال للرجل الطائر يذكرك بعباس ابن فرناس ومن حوله طائر اللقلق كلاهما في لحظة انفصال عن الأرض وهما في تحليقهما المكاني يعيدان تشكيل الصورة الخيالية عن الطيران، وبدون أن ندري فاللقالق أو الطيور  تتمنى للإنسان الطيران بعدما أرسته الحياة على أرض وجغرافيا وحدود وحكومات متسلطة. بمثل هذا التناغم بين مفردات الطيران يعيد الفنان إلينا صورنا الذهنية المحلقة في فضاءات الرغبة اللامحدودة للكائن البشري على الأرض. ومع الطيور تأتي القطط والحيوانات المائية والقردة وأحياء أخرى  وكل تماثيلها تتميز بالرشاقة والحركة الجميلة والخاصة وهي منقولة إلينا من الفوتوغراف أحيانا بطريقة توحي أن ثمت أشكالا عدة للحيوان قبل أن يستقر على هذه الحركة الجمالية. كما في تمثال " القط" للفنان بيتر إنكلين" الذي تمثل وثبته إلى الأمام انطلاقة من عالم أرض مقيد للجسد إلى فضاء يمنح الجسد حرية وحركة وقوة وتشكيل. وفي المحصلة من عمل هذه الكائنات نصبا، أن قيما جمالية تتجسد في وضع نفسي أو اجتماعي للفنان وللشخصية التي ينحتها. وأن هذا الوضع من الديمومة ما يجعل النصب محافظا عليه باستمرار وفي الوقت نفسه يمد المشاهد بحال جمالية خاصة تبقى على اتصال بمشاعر الفنان في لحظات اختياره لها.

في العموم من تجارب النحت البرونزية أن التماثيل النصف للإنسان هي الغالبة وهو ما يقربنا هذا التعامل من البورتريه حيث البنية الجمالية للتمثال تكمن في قيمة وثقافة ومركز وهيئة هذه الشخصية،  حيث تركز هذه التماثيل على الطبيعة النفسية والاجتماعية للشخصية وهي فيوضع شبه دائم مما يعطينا انطباعا قارا عن هوية الشخصيات. .

                ثمت نصب كثيرة من البرونز وقد رسمت فوقها رسوم لوجوه أو لكائنات وأحياء أخرى فبدا التمثال من بنيتين :بنية البرونز الظاهرة لنا والملموسة، تشكل أرضية مرئية من جوانب عدة، وبنية اللوحة المرسومة لوجه أو لشخصية أو لموضوع. مثل تماثيل الفنان" أنجريد فيرهافل" لفتاة على سطح برونزي والفنان " آدا ستيل" لفتاتين بالزي الياباني وقد نقشت على سطح البرونز تصميمات أقمشة الملونة. مما يعطي انطباعا أوليا أن اللوحة الفنية المرسومة بالألوان يمكن أن تتداخل فنيا مع البرونز في حالات أن تتلاءم سياقات التصميم مع بنية الوجه او الشخصية. فعارضة الأزياء في لوحة أدا ستيل تؤكد أن السياقين الفنيين يمكن أن يتجاذبا لتكوين بنية مستقرة فنياً.

 في إطار التعامل بين المكان والتماثيل  ثمت أربعة أنواع من التكوينات الفضائية التي شاهدناها في لاهاي وأمستردام.

              هناك تمائيل صالة وغاليا ما تكون صغيرة وبارزة التفاصيل ومتناسقة وقد توضع في صناديق زجاجية للعرض، وهذه البنية قديمة تتصل بالأثريات واللقى، ويعمد الفنان المعاصر للتعامل معا لحاجة السوق غليها. وهناك نوع ثان من التمائيل يعرض للقاعات الأكبر من صالات البيوت وتتمثل في التماثيل النصف والشخصيات المكتملة ولكن ليس الكبيرة، ومثلها تكون تفاصيل الحيوانات أي تلك التي لا تميل إلى الضخامة والكبر. وغلبا ما كانت المعروضات تتعامل مع بنية فضائية محدودة بسياق الزاوية أو القاعة الصغيرة. وتكون هذه النصب جامعة بين الليونة والانسيابية والتفاصيل في الوجه والجسد. وهناك ثالثا نصب ضخمة وطويلة وهي مخصصة للقاعات الكبيرة أو للأماكن شبه المكشوفة  وغالبا ما تركز هذه النصب على التفاصيل الكبيرة وعلى الملمس والنعومة وطراوة الحجر أو المرمر.، وهناك رابعا التمائيل الكبيرة المخصصة للشوارع والساحات وهذه غالبا ما تركز على الانسجام بين الفضاء والكتلة دون الاهتمام بالتفاصيل الكبيرة في الجسد، ومعظم هذه النصب من البرونز الذي يكتسب قيمة جمالية من المناخ المتغير. كما  أضفت حديقة الكاليري الخلفية التي امتلأت بالتماثيل الصغيرة والكبيرة  على الفضاء المحيط بالتماثيل، سمة جمالية مهمة عندما تداخلت في الرؤية لها بين النباتات والنصب، أو بين الممرات والنصب، مما يعطي انطباعا أن هذه الكائنات تمتلك حياة فنية بمقدورها أن تحول الكائن الحي إلى أكثر حياة من كونه كتلة خارج سياقه العام.

  

 

معرض فني للفنان يان مونتان

1

 

قدم المتحف العالمي وكاليري بريزنتارت في لاهاي معرضا فنيا مثيرا للفنان يان مونتي   الذي يعد واحدا من الذين اكتشفوا القيمة التعبيرية للأشياء المهملة والمتروكة تلك التي نلتقي بها ولا نعير لها أهمية فقد مكنته حاسته القوية من أن يجد في هذه الأشياء جمالية مقبولة عندما توضع في سياق حياتي مألوف لأنها لو قدمت لوحدها لما كان لها أي تعبير فني فالعلاقة في ابسط جمالياتها تكون وحدة بين مفترقات. ربما نعود هنا إلى فطرة الإنسان الأول في أن يبحث عن تلك المتشابهات في الأشياء المفترقة وهو جوهر الكيمياء كما تقول العرب . وهذا ما فعله مونتين وهو يعيد تركيب المهمل والمتروك في بنية جمالية لها قوة المعرفة عندما نبحث عن الرؤية الكلية التي تشكلها في وضع فني يختاره لها.. والسبب الذي الآخر هو أن يكون معرضه مجسداً بقيمه الجمالية نهاية قرن وبداية قرن حيث يعبر بفنه القرون لما يمتاز به من جرأة في تجسيد مشاعر الإنسان تجاه ما يألفه بعد أن يكسبه حرية التعبير والحركة. والثورة التي اعتمدت إظهار ما في الأشياء من قيم تعبيرية وجمالية بدأت في فرنسا، وبالذات في الرواية الجديدة تلك النغمة هي نغمة الحداثة التي عدت كسرا لقوالب السرد الكلاسيكي القديم وبدء مرحلة التمركز حول الأشياء بعد أن أزيح الإنسان من مركزية عالم القص والشعر. وفي الرسم بدأت هذه الحركة الفاعلة في المخيلة، نشطة عندما وجدت في المدرسة الظاهراتية التي قادها هوسرل في نهايات القرن وبدايته مادة للعلاقة بين الرؤية البصرية وبين آنية اللحظة التي تتفجر فيها  الأشياء بحركة ودلالة معزولة عن تاريخ الأشياء نفسها.

2

تمتاز لوحة مونتين بانسيابية خطوطه  تلك التي أصبحت واحدة من ثيمات اللوحة الحديثة مستعينا بالخط لتحديد الكتلة. أما الكتلة نفسها فتبدو في تعميم لوني وفي بساطة بصرية غذ ليس لها عمق أو مقدمات كل ما فيها أنها تتعامل بصريا مع المشاهد كما لو كانت ببعد واحد. ربما هنا نعيد تركيبات الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد وهو يرسم على الحيطان والقماش ببعد واحد مستعينا بالواسطي وبمونتين معا . إذ ليس إلا الأشياء في تجريد كامل من تفاصيلها فيحيلها إلى قيم إنسانية خاصة  لتعطينا أبعادا متناسبة وقيمها الواقعية. وأعطت اللوحة طاقة تجميعية لعدد من الأشياء الموجودة في لحظة بصرية واحدة وكأنها معزولة من تواريخها الشخصية  مما يعني أن قماشة اللوحة التي تشكل المكان الفاعل لهذه الأشياء ليست إلا جدارا فنيا جمع في لحظة زمنية فاعلة في المخيلة كل هذه الأشياء فجاءت بألوانها المختلفة التي يغلب عليها اللونين الرمادي  والأزرق السماوي وكأنه يجمع بين قيمتين تعبيريتين : الأرضي بما يمنحه من ثقل معرفي للون الداكن، والأفقي السماوي الذي يمح بزرقته الأشياء قدما وأزلية. وكأن الأشياء وهي تتفاعل مع المخيلة تتحول إلى تكوينات قارة موغلة في الزمنية.

ما يجعل موضوعات مونتين حية ومتوهجة هو أنها لا تعرف السكون أو الهدوء فاللوحة تقتنص في لحظة زمنية الأشياء وهي في حركتها القصوى، وكأنه ينتظر أن تتفجر طاقة الأشياء عن تكوينات بصرية تعبيرية كامنة فيها كي يدخلها سياقه الفني. وهذه الحركية ما كان لها ان تستقل عن القيم اللونية لها حيث توهجها يخرجها عن سياقها اللوني العادي فيكسبها مرونة في أن تكون هي نفسها وغيرها في آن واحد.الكل في لحظة حضور والكل يمكنه أن يكون كل الأشياء في هذه اللحظة بمعنى أن سياق الشيء لا يحدد له تكوينا قارا بل يمكن أن تكون القمصان أو الكتل التي يرتديها الناس أنفسهم فتعوض بالرؤية عن ماهيات أكبر. ويمكن أن تكون النار أو البحر أو الشجرة أو الإناء أشياء أخرى غيرها عندما توضع في سياق فكري تصويري هو غير سياقها الواقعي المعين. واللوحة في بنائها وفي تكويناتها ليست إلا جزء من بناء المنظور القديم مما يعني أن بنيتها الأكاديمية محافظة عليها، وأن تركيبها المؤول لا يغيب عن العلاقة بين الأشياء عندما توضع ضمن وظيفة فنية وجمالية.

3

في هذا الإطار نجد أن لوحة مونتين تمتلك الجرأة في أن تؤسس لنفسها اتجاها فنيا  يجمع بين الكلاسيكية الحديثة والتعبيرية.ثمة ملامح لوجوه وهيكلية الأشياء وهو ما يقربها من الفن الكلاسيكي الحديث لما تمتلكه الأبعاد الأكاديمية في تشريح اللوحة من قيم جدلية ونسبية، ولها من التعبيرية ما يجعل الأشياء تعويضا عن الواقع  وفي الوقت نفسه تمثل قيما ثورية مغيرة للتعامل البارد مع الأشياء، هذه الأنسنة الجديدة  التي تتعامل  بها مع الأشياء آتية إليها من قيم المدرسة ثورية الرومانسية تلك التي تجعل من المحيط ومواده البسيطة قيما يمكن أن تكون بديلا عن الكلاسيكية القديمة. ولم تكن هذه الحركة مختصة بالفن التشكيلي بل كانت حركة شاملة لفنون السرد والشعر والرسم والدراما.. هذه الطريقة مكنت اللوحة التي نراهاالآن من أن تعبر زمنها إلى أزمنة أخرى، وإلى اتجاهات فنية عدة. وهو ما يجعل هذا المعرض في احتفالية تكاد أن تكون وطنية.

وفي إطار بنية اللوحة بوصفها مكانا تتجسد عليه مشاعر وأحاسيس الفنان نجد أن الأشياء تحافظ على نسبها التشريحية، وهذه ثيمة كلاسيكية لكن ما يجعل هذه اللوحة مقبولة ليس تلك النسب التي تبدو للعين مقنعة ومألوفة، بل هو التركيب المشهدي الذي يجمع الفنان فيه الأشياء في لحظة درامية صاخبة. وهذا الأمر يقودنا إلى تصور إن اللوحة ليست إلا مسرحا بانتظار جمهور المشاهدين كي يروا ما يحدث من حوار صامت بين أجزاء ومفردات المشهد. بمثل هذه الدرامية الجماعية يبني مونتين لوحته وكأنه يحاكي تطورات الفن الدرامي وهو ينتقل من الصالات الأرستقراطية العامة إلى الشوارع والبيوت الثانوية. وفنه الشعبي دال على ثورية فنان أرتبط إلى حد ما بالحركات الثورية الجديدة.

 

 

 

تجربة الفنان مكي حسين

النحت في فضاء الإيديولوجيا

 

 

في أمسية جميلة من أماسي مدينة لاهاي الثقافية قدم الفنان مكي حسين محاضرة عن أعماله النحتية من خلال عرض سلايدات لتجاربه خلال السنوات الخمس الأخيرة.

          ابتدأ الفنان بشرح مبسط للكيفية التي يتعامل  بها مع النحت مشيرا إلى أن مادة البرونز هي المفضلة لدية، وأن ما سوف نشاهده من أعمال هنا ليست إلا تماثيلا معمولة من الطين تعد نماذج أصلية قبل أن تنفذ بالبرونز.  نحن إذن أمام إ سكيشات فنية نفذ قسم منها لتتحول إلى نصب وتماثيل. بلغت العشرين نموذجا ارتفاع بعضها يتجاوز الـ  عشرين سنتمتراً.

ما يخص تجربته الفنية يمكن أن نشير وبوضح إلى أن الفنان مكي حسين يتعامل مع النحت وفق ثلاثة مبادئ أساسية: ولو دققنا في هذه المفاهيم لوجدناها تمثل جوهر العلاقة بين فن النحت والواقع الاجتماعي والأيديولوجي للعراق. فالتجربة إذ تمتح من معين عراقي تصب في الوقت نفسه في فنه وتراثه وتقاليده القديمة.

            المبدأ الأول، هو قلب المفهوم الهرمي للنحت والذي ساد أعمال النحاتين منذ القدم. ولكي نفهم المفهوم الهرمي علينا أن نتصور  أننا عند معاينتنا لأي تمثال هو تكون قاعدته الثلاثية أسفلا ورأسه أعلى أي كما هو شكل الهرم في الواقع. الفنان مكي حسين يقلب هذا المفهوم الهندسي للهرم ليجعل من الرأس المدبب قاعدة، ومن القاعدة  العريضة رأسا . وهذا لا يعني قلبا لمفهوم أن ما في السماء سيكون أرضيا وما في الأرض سيكون سماويا . ولا يعني علينا أن نعيد توازننا البصري للتمثال بل يعني  إن البحث عن الجمالية الفنية تعتمد التوازن أولا بين كتلة التمثال وبين الفضاء، وأول ما يدهش أن التمثال سيقف على جزء مدبب بينما يتسع في الفضاء وأهمية ألقاعدة مدببة تأتي أن المشاهد ستحرر من أي ارتباط أولي بما هو أرضي رغم أن البرونز والطين أرضيان.. لقد أكتشف السومريون فنيا قيمه المثلث والدائرة في منحوتاتهم وعدت منذ ذلك الزمن اكتشافات جمالية مثيرة للفن الحديث. فالتعامل مع بنية المثلث الذي تكون قاعدته إلى الأعلى،ورأسه إلى الأسفل هو بحث جمالي، ربما يصار إلى فهمه هو أن ترى كتلة معلقة في فضاء متوازنه مع ما يحيطها قبل أن يكون التعامل ممثلا في حجم كتله راسية على الأرض ، كما يفعل هنري مور بتماثيل حدائقه عندما جعلها مضطجعة على الأرض كما لو كانت امتدادا، في حين حلق جياكوميتي بتماثيله في فضاء متسع. من هنا نجد  تماثيل مكي حسين من الأعلى متسعة بينما يكون ارتكازها  في الأسفل على نقطة واحدة مسندة بفضاء . ولم يكتف مكي بأن جعل تماثيله محلقة بل أجلسها على  منصة ملتصقة هي الأخرى مستندة على التمثال بقاعدة مدببة أيضاً، مما يوحي أن التمثل يحلق في الفضاء  .. مما جعل التعامل مع ثيمة التوازن مشكلة بحد ذاتها. فالنصب تميل وهي في فضاء مشتبك مع الكتلة إلى الحوار، والى علاقة ما بالآخر، لأنها جزء من بنية روحية محلقة في فضاء الرغبة والتحرر من مشكلات عادية. دالا بالعلو ارتفاعا بالنفس ورغبة محلقة لتقديم أفضل الحلول للرؤية البصرية ولذلك جاءت أسماء معظم تماثيله  بأسماء وصفات مفردة شبه غامضة من قبيل : علاقة، انسجام،  حوار، حب، تحرر، شهداء، إعتاق، سقوط، عمود، لجوء..الخ .و تبني أسماؤها ودلالتها الفكرية على  بنية العلاقة بين الكتلة والفضاء في تعامل روحي تظهر علاماته على الجسد الذي امتلأ بانفعال الكتلة وشدتها وقوتها. فالهرم المقلوب، يعطينا حسا ما بالاغتراب وهو ما يتوازى وقضية اللجوء مثلاً، صحيح أنك على أرض ولكنك بلا وطن، وصحيح أن باسم وأبوين ولكنك معلق بأسماء أخرى حيث إن الالتصاق بالأرض ليس إلا وهما، أو ضرورة آنية ، إذ با مكان الشخصية أن تحلق عاليا لأن كل ثقلها الجسدي والفكري متجه نحو الأعلى، وربما كان ذلك من الدوافع الخفية لإيديولوجية الفنان في أن يحرر شخوصه وأفكاره من سجن الواقع ومشكلاته، منطلقا بها إلى فضاء الحرية. فالهرم المقلوب يجعل من العلاقة مع الماضي – الأرض- الولادة- الأسرة  مجر صلة وهمية، فالعلاقة الحقيقية هي في المستقبل.، الفضاء والحرية والانطلاقة. والخيط الذي يشد الاثنين خيط مرئي ومعاش ومتين بدليل أن النصب لا تترنح ولا تميل ولا تنذر بالسقوط فثمة رابط متين رغم أنه مدبب بالأرض.

             المبدأ الثاني: هو الفضاء الخارجي. ونعني بذلك الفضاء الذي يحيط بالتمثال. ومن خلال الصور التي جهد الفنان أن يظهر تماثيله فيها من زوايا مختلفة، ومن جهات عدة لأن النحت فن مكاني عندما ينظر إليه من زوايا مختلفة يؤكد حقيقة تجسيمية وهي أن التماثيل كلها وجه وكلها قفا. خاصة عندما توضع في الساحات.علما بأن تماثيله لا تميل إلى التضخيم، بل هي من منطق تماثيل الصالة تلك التي تعتمد على فضاء مضاء تقنيا وعلى حركة للعين موضعية تتعايش مع تفاصيله عن قرب. ولهذا حرص الفنان على أن يظهر لنا بالصور كل جزئيات النصب الصغيرة وكأنها كبيرة من خلال تكبير حجومها المصورة. وأول ما نشاهده هذا الأمر هو جعله للفضاء المحيط بها مشغولا بلون أبيض- أو  رصاصي  أومائي- وكأنه يحاكي الامتزاج بين السماء والأرضو كي يمد من الرؤية، رؤية المشاهد إلى خارج فضاء الكتلة . ففي كل لقطة له من الأمام أو من الخلف أو من الجوانب وبزوايا رؤيوية مختلفة تؤكد قيمة مضافة للتمثال ، فالفضاء المحيط بالتمثال يتحول إلى قوة معرفية ومشغولة به ومؤكدة لحضوره ومضافة إليه قدرة على اختراق الفضاء الواسع أو الانضواء تحته . وبدت الصور المكبرة لنصبه الصغيرة تعيش في فضاء مشغول، بحساسية الكتلة الممتلئة بتفاصيل الجسد التشريحية.  وفي هذا الإطار، إطار التعامل مع الفضاء نجد  أن نصبه هذه بعضها يصلح لأن يكون نصبا كبيرة في الشوارع، وبعضها يصلح لأن يكون في الصالة. مثل الحرية ولجوء وعلاقة. وهذه الطريقة التي تجمع بين فضاء المدينة الذي تضيئه الشمس أو الأضواء الكهربائية، وبين فضاء الصالة المضاء بالكهرباء واحدة من قدرات النحات على التعامل مع الخارج والداخل بروحية فنية عالية لا تعير للضيق أو للإتساع من معنى، لذا فنصبه ليست  مصممة بروحية استهلاكية نفعية تجارية. وأن لم يخل الفن النحتي من هذه المنفعة، لأنه ليس فنان حدائق وشوارع، وإن كنا نأمل ذلك، بل فنان الصالات والمعارض المتنقلة والبيوت، والفضاء المشغول بالكتلة. تلك التي تؤكد على بروز قيمة التشريح للجسد  لاظهار تفاصيله الدقيقة وبالرؤية القريبة للعين التي تؤكد على الثيمة الجمالية المرئية والمعاشة بصريا فالعلاقة بين أجزاء التمثال ومضامينه ومعظمها مضامين إنسانية تجد انعكاساتها وتعبيراتها على الجسد والعضلات فتبرز بحال مشحونة بتوترات المحيط يقول الفنان عنها: أنها فكرة اجتماعية وأنها من ديون الوطن على الفنان. وليس الفن مهما كان خارج هذه الأطر وهذه الاهتمامات السياسية والفكرية المعاصرة، إلا وهم، ونحن أبناء وطن مكلوم ومعذب فلا هروب لنا عن ما نؤمن به. مما يعني أن بعدا أيديولوجيا يتضمن تماثيله مجسدة بقيم أيديولوجية بعيدة عن الهتاف والصراخ والقول المباشر.، وهذا الأمر يعود إلى  قلق الفنان، وبقاء العراق في أطر المشكلات السياسية ، خاصة وأن الفن العراقي مثل الأدب لا ينمو جيدا ولا يتطور خارج أرضه، وأن تطور بقي حبيس الصالات والبيوت، ونادرا ما يجد صداه في الثقافة الغربية. وأملنا مفقود في أن نجد دار نشر أو جهة عراقية تأخذ بالفنان التشكيلي أو النتاج الأدبي. الأمر الذي يعني أن الفن يعاني من إهمال الخارج، وإجحاف الداخل، وبالمقابل يطلبون من الفنان أن يكون ضميرهم وصوتهم.

                المبدأ الثالث هو المربع. وبما أن كتلته معلقة في الفضاء وجسده كله متكئ على رأس مدبب، فقد عمل  الكتلة المحلقة على شكل مربع  يضفي على تماثيله بعدا رياضيا و بصريا ودلاليا ، فهو من حيث تكوينه يعطي للتمثال قيمة جمالية تحدد في فضاء معين يحيط بالتمثال من شأنه أن لا يجعل التمثال في فراغ كلي ومفلت من المساحة. والمربع ثيمة سومرية أيضاً ورغم صعوبة التعامل معه لأنه يجعل من كل أطرافه متساوية مما يعني أنه قد يتحول إلى قوة ضاغطة على حرية الأجزاء، إلا أنه لدى مكي حسين أصبح قيمة جمالية مضافة. ففيه نلمح الصرامة والقوة الرياضية المحسوبة، وقد استعمل المربع والمثلث في الفنون بوصفهما أضلاعا صارمة الحد على العكس من بنية الدائرة المرنة، تلك التي بدأت بها حداثة مدرسة بغداد للفن الحديث عند جواد سليم في العديد من رسومه ومنحوتاته. لنتذكر السجين السياسي لجواد سليم والشكل الصارم الذي أحاطه به، دالا به على العنف الخارجي المحيط بالنفس والجسد الثوريين. لكنه وهو يحدد مساحة ما بالمربع، تحيط بالتمثال يكون التكوينان الشخص والمربع-  محلقين معا في فضاء اكبر. وهذه الثيمة التشكيلية جعلته يتعامل مع المربع بوصفه قيمة تشكيلية تجريدية كما فعل موندريان،  وبوصفه كتلة، يمكن اختراقها والرسم عليها في نصب أخرى كما تفعل مدرسة فن ما بعد الحداثة.. فهو يعمل على خرقه بفتحات هي جزء من تكوين التمثال نفسه كتمثال المرأة وظل الرجل، أو الشهداء الذين تعلقوا في مشنقة المربع، أو الانسجام الذي رؤى بزوايا متباعدة. كان المربع  في كل هذه الأمثلة متكئا عليها وموقعا للاتكاء عليه. ففكرة الاحتواء الفضائي لبقعة مشغولة بتفكير الشخصية وبدلالة الاسم، يعني أن المربع ليس هو شكلا مجردا ملصقا بالتماثيل، بل هو تكوين فاعل من تكوينات المخيلة.

 وعندما نتحدث  بين مفرداته الثلاث : الهرم المقلوب والفضاء الخارجي، والمربع نجد أن موقع مكي حسين فنيا هو في منطقة البحث عن هوية شخصية له لا يشبه بها إسماعيل فتاح الذي يميل في  نصبه إلى مفهوم التخطيط ، ولا إلى محمد غني حكمت الذي يميل إلى استنساخ تجاربه فيعيد تشكيها وفق مضامين مغايرة، ولا إلى سليم الهنداوي، الذي يميل إلى الملصق والجدار، ولا إلى جواد سليم، الأمر الذي يجعله في بحث مستمر عن ثيمة وطنية ممثلة بالتكوين الدائري، المعمق بالبعد التراثي العراقيالقديم . فمكي حسين فنان مشبع بأيديولوجية وطنية معاصرة. .

2

 

         هذه المبادئ جعلت من تماثيله في إطار البحث عن سؤال معرفي دائم. وعن تصور نقدي يمكننا أن نفترض له بعض المفاهيم التي تعيننا على فهم نصبه الصغيرة. فهي من حيث بنية التشريح للجسد، نجدها مؤكدة من خلال أربع مفردات تشكيلية.

            الأولى هي بنية عضلات الجسد العلوية، دون بنية عضلات الساقين. فالفنان يؤكد أن القيمة التشكيلية هي قيمة أكاديمية تكمن في بروز الصدر وعضلات الجسد العليا، معيدا علينا تصورات نحت عصر النهضة. وجماليات الرجل دون المرأة- تمثال واحد لامرأة تبحث عن ظل رجل-. في حين أن أسفل الجسد ليس إلا أما أن يكون متكأ، وإما أن يكون ملحقا تابعا لحركة الأقسام العليا. وهذا ما جعله في المفردة الثانية أن يلغي الرأس ويحوله إلى كتله ذائبة في الجسد نتيجة علاقة ما بالآخر المجهول،  أو موتا له أو انعدام تفكيره. وثيمة الرأس الملغي مؤكدة في الفن التشكيلي العراقي عند فنانين كثيرين من أمثال-- محمد راضي وسلمان البصري ومحمد مهر الدين وتخطيطات إسماعيل فتاح الترك غيرهما،في حين أنها عند علي طالب كانت تصورات كونية معتملة بالمجهول وبالمستقبل، فالفكر عند على له حضور--. أي أن  للرأس المقطوع أو الملغي بعدا أيديولوجيا عندما كان قضية يحاسب عليها المثقف في فكره وفي تصوراته فألغى الفنانون الرأس دلالة على الإلغاء المتعمد للفكر. فالموت تعذيبا، والشنق واللجوء هربا والشهادة والعلاقة الجنسية المرتبكة، والنوم وغيرها من صور انمحاء تتصل ضمنا بفكرة إلغاء الرأس ويزيدها مكي حسين بإلغاء اليدين.. وهذه الثيمة الإيديولوجية الممارسة على الإنسان العراقي عبر تاريخه أعطت للنصب وللوحة قيمة تشكيلية جمالية لا تتأكد من خلال تفاصيل الوجه أكاديميا بل تتأكد من خلال البعد التأويلي للرأس العراقي في محنه وقضاياه.

               المفردة الثانية، هي أن الجسد دائما في علاقة سؤال مع الفضاء، لذا كانت كل حركاته متجهة نحو الخارج، إما هربا من قضية أو مواجها لها أو شهادة لها. وهذه الثيمة الجمالية جعلت تمائيله في حركة دائمة إلى الأمام، متجهة بانحناء شعرية مندفعة بإرادة. وليس تمثالا ساكنا على بقعة أو مسند، والحركة تتجه نحو هدف ما يبدو لنا أن الفنان يتعامل مع القوى الضاغطة على شخصياته من خلال ردود أفعال الشخصيات المجسدة أمامنا باندفاعها إلى أمام بقوة، تاركة الأرض ومن فيها ومحلقة في فضاء البحث عن سؤال.فكل نصبه تحمل قضيتين معا الأولى قضيتها التي وجدت من أجلها وهي حكاية سياسية في الغالب. والثانية هي قضية الآخر وقواه الضاغطة العمياء التي تمارسها ضد هذه الشخصيات وغالبا ما تكون أنظمة دكتاتورية قمعية جعلت تمائيله في حال احتواء داخلي شعري وفي حال رفض وتمرد وثورة على ما يحيط بها.

المفردة الثالثة. تكمن في بنية الطين البلاستيكية التي اعتمدها بدلا من البرونز تمهيدا لصبها لاحقا. فالطين تكوين مطواع، يتلاءم والمشاعر النفسية لا سيما وأن علاقته باليد مثل علاقة اليد بالفرشاة. فبعد أن يعمل تمثاله من الطين يصبغه باللون البرونزي، ويتعامل معه كما لو كان برونزا حقيقيا، فيعتق ألوانه ليظهر فيه الصدأ،  أو أجزاء منها ليبدو التمثال لنا في تركيبة شعرية تؤكد ثيمة الجسد في الفراغ.. وهذه المفردة جعلت من أجزاء الجسد مطواعة مع غيرها من الأجزاء و منسجمة مع الفضاء.

 المفردة الرابعة، هو العقل الرياضي الذي يحيط بنصبه الصغيرة، ونعني به كما أسلفنا المربع وحدوده الصارمة في اقتناص فسحة من الفضاء وتقديمها كهالة تحيط بالشخصية. هذه المفردة لم تقف عند تشكيل معين فتارة تمتلئ مساحة المربع بكتله، فتصبح هي النصب، مما يعني أن الفضاء ممكن تحديده، وجذبه إلى النصب- الأرض، وأخرى يكون  المربع إطارا يحيط الرأس  فقط فتتكون كتلة سماوية  لتنشأ علاقة مع الأرضي.، وثالثة يكون  المربع سجنا أو نافذة أو بابا  يمكن تجاوزه والخروج من سياجه الصارم. وهو هنا بنية أرضية قاهرة.وفي كل هذه الثيمات ثمت بنية رياضية تتحكم بسياق توجه التمثال وفي فكرته البنائية وفي الكيفية التي سيكون عليها مستقبلا: في صالة يوضع أم في ساحة!.

3

 

            إلا أن للفنان مكي حسين قدرة كبيرة على ضبط إيقاعات تمائيله، فيبدو الانسجام كثيمة قارة لوحدها فالتناسب بين أجزاء التمثال، لا تبدو  أنها جمالية لأجزاء على حساب أخرى ثمت نغمة توحد سياق العمل الفني كله.

1-     الوحدة اللونية المتدرجة من أعلى إلى اسفل تلك التي تخللتها بقع معتقة ، وكانت اللون الرمادي المشرب بلون البرونز المعتق.

2-     توزيع الكتل الصغيرة المتناسب في صدر التمثال وظهره توزيعا متناسبا وحجم وفكرة التمثال، بحيث لا نجد تشابهات بين أعماله بينما نجد أن انفعالات التمثال تظهر بحركة موضعية بارزة وبأخرى إيحائية مباشرة.  لاغيا اليدين، معتبرا لأن الرأس واليدين يمكن تعويضهما عندما يحمل الجسد انفعالاتهما. وعدم الاهتمام الكلي بالقدمين حيث قارب بينهما وبين العصي الحاملة .

3-     ثمت تناسب في توزيع الخطوط الحادة، البارزة منها والعميقة وهو تناسب جمالي بحيث نجد التباين بين السطح والعمق دالة جمالية على الحس بالفاجعة أو بالحال المأساوية. التي جاءت  خطوطه هنا متعرجة في أعلى التمثال منسابة رخية هادئة في بقية الأجزاء

4-     تنوع جمالي يأخذ مادته البصرية من المشاهد الذي لا يغفل الموضوع الإيديولوجي الذي يدل ‘ليه أعمال الفنان، دون السقوط في التبسيطية الفكرية فأعماله خلاصة لتاريخ العسف والاضطهاد في العالم العربي، العراق منه بوجه خاص.

 

 

 

 

الفنان محمد قريش في البحث

عن تشكيلات للمخيلة الشعبية

 

1

 

تسعى اللوحة الشرقية كي تثبت هويتها المحلية بين فنون وأشكال التعبير الفني في عالم اليوم، عليها أن تعيد باستمرار مفرداتها القديمة بإطار من التقنية الحديثة. وهذا المسعى الفني لم  نجده قد أستنفذ مفرداته، ولا قيمه  الجمالية إذ ما زال يستقي من الموروث ما يجعله في صدارة البحث التقني للفنان المعاصر، لا سيما ونحن ندرك أن الكثير من فناني العالم لا يغفلون ما في حضارة وفنون الشرق من قيم جمالية وتعبيرية لم تعط بعد أمكاناتها التعبيرية رغم استعمالهم لها. خذ مثلا الفنان والمهندس المعماري الأسباني غاودي، الذي تشكل عمارته نقلة مهمة في التقنية الغربية المحملة على أجنحة الخيال الشرقي. وتستطيع عندما تمعن النظر في عمارته التي تحتل قطاعا كبيرا من أشبيلية في أسبانيا تجدها ترجمة فنية وتجسيدية ووظائفية ومن ثم نفعية وجمالية لمخيلة ألف ليلية وليلة. هذه المزاوجة الحضارية لم تجد نفسها حقيقة إلا بفعل التقنية الغربية لها. من هنا نجد بين آونة وأخرى ميل لدى منتجي اللوحات وتجارها إلى التعامل مع الفن الشرقي لما يمتلكه من جاذبية في السوق، سواء بموضوعه أم بحرارة ألوانه أم بالفنتازيا المشبعة بالروح. الفنان محمد قريش واحد من هؤلاء. وكل هذه المفردات وغيرها وجدت صداها في التنفيذ الحر للأشكال وللكتل ، مما يعني أن مخيلة الفنان المعاصر ما عادت عاطلة عن البحث في موضوعات قديمة عندما تجد ما يعمقها في فنون أخرى.لذلك نجد في المعارض  الفنية الكبيرة في أمستردام وميونخ، ولندن، وبروكسل، وغيرها   فنون الصين واليابان، وشرق أسيا، والشرق الأوسط، والفن المكسيكي .وهي تحتل مكانة مهمة إلى جوار فنون أوربا الحديثة. ليس لمنفعة سوقية فقط، بل لأنها تكسر رتابة الفنون الغربية المعتمدة على التغيير المستمر. وقد عبر أحد مسئولي الكاليرهات المهمين في هولندا لي قائلا : أننا نحتاج دائما للرؤية الشرقية في معارضنا، لأنها تمتلك طاقة روحية ومادية لم نجدها في فنوننا الغربية، والسبب كما أشار إلى أن لحضارة الشرق العميقة في الوعي الجمعي للناس، تختزنها فنون الشرق المعاصرة، ولم تغطها التقنيات والاجتهادات الفردية. أما بالنسبة لنا نحن الغربيين فنمتلك تراثا مهما في تقنيات اللوحة وفي صناعتها وتجربتها وفنونها وألوانها، ولكنها خالية من الروح، لأن عمق حضارتنا قصير، ولأننا بعد ذلك لا نستقر على تقنية معينة لفترة طويلة كي تتخمر في ذاكرة الفنانين. قد يكون ما قاله هذه المسؤول مهما، ولكن كيف لا يتطور الفنان الشرقي وهو يمتلك الاثنين : التقنية المعاصرة والعمق الحضاري والتاريخي؟ وكيف يستطيع أن يتطور من يمتلك تقنية حديثة وحضارة حديثة؟ إذ لا بد من وجود عدم توازن بين : التقنية الحديثة وبين الحضارة القديمة، للإنتاج الفني. التقنية الحديثة بما تمتلكه من وسائل بحث وحدها التي تنبش وتكتشف ما في الحضارات القديمة من قيم جمالية لم تستعمل بعد. في حين أن الحضارة الحديثة ما تزال تختبر مفرداتها وتحتاج لسنوات طويلة كي تكون لها ثوابت ومن ثم يمكن أن تدخل بيت ولوحة الفنان المعاصر. المتقارب لا ينتج فنا، بل ينتج تقليداً. ولهذا فلوحة الفنان الغربي  الشباب منهم، غير مهمة لأنها تعتمد على مفردتين حديثتين: التقنية وحضارة السوق  .

                                                     2

 

سقت هذه المقدمة التي تصلح أن تكون نافذة للحوار مع الآخر أكثر، منها مقدمة لموضوع عن فنان شرقي بدأ يحتل مساحة مهمة في كاليرهات هولندا وهو الفنان " محمد قريش" الشاب المتطلع لأن يكون في صدارة الشباب الذين وجدوا مساحة لهم بجوار الفنانين الكبار. ومن قبله كان الفنان سعد على وبهاء الدين وبشير وسلمان البصري وقاسم الساعدي وزياد حيدر وغيرهم قد وجدوا أنفسهم ولوحاتهم في إطار من العلنية والإعلامية سواء في معارض شخصية أم جماعية. فقد قدم كاليري برسيتارت في لاهاي الفنان قريش في احتفالية إعلامية واضحة ليس لأنه الفنان الذي ملأ جدران الكاليري لوحده، إنما لأنه يستقطب بمظهرية لوحاته الملفتة أنظار الجمهور. فرغم أن مدة المعرض شهر واحد إلا أنني شاهدته وهو في شهره الثاني مما يعني أن الجمهور الذي كان يراه قد وجد في لوحاته مجالا لأن يتأمل فيها ما لم يجده في فنون أخرى. لا أعرف مدى العلاقة بين لوحاته والسوق، فتلك مسألة أخرى، إذ ليس من السهل على الفنان الجديد أن يجد نفسه ولوحاته قد دخلت صالونات وبيوت الآخرين، إنما المهم هذا الاحتفاء الذي قدمه الكاليري للفنان.

خمسة ميزات في  لوحة محمد قريش  وهي:

الأولى: اعتماد مفردات إنشائية للوحته من البيئة الشعبية: أشكال لحيوانات قديمة، بقايا  من مخلفات تراثية قديمة، وحاجات إنسانية بسيطة ومقتصدة لأجزاء من البيئة، ولمفردات شعبية للطفولة ، ولألعاب وتشكيلات يومية وبيتيه .هذه المفردات نفذها قريش على لوحات تمتاز بهيكلية طولية وعرضية، لا أعتقد ثمت مبرر كاف  لها. ولوحات بمربعات صغيرة 20 ×20 . هذه التجزيئية لا تمنح المشاهد إلا رؤية شاملة غير تفصيلية للوحاته.قد تكون بمجموعها- كما أطلعنا صاحب الكاليري على صور لها متجاورة في الكومبيوتر- تشكل رؤية تكوينية لعالم ممتلئ بالأشكال الغريبة والفانتازية.

 وكل هذه المفردات تعيد للوحة الحديثة عمقها الذي فقدته عندما تعاملت مع البيئة تعاملا استهلاكيا.في هذه الناحية يعيد محمد قريش للوحته مبدأ الاختزال في أشياء الواقع الشعبي فيكتفي بتشكيلات قليلة ولكنه يجزئها في كل لوحاته يأخذ منها جزئية ويشرحها تشريحا أو تكبيرا. الشكل الشعبي الرئيسي هو الشيء المتحرك ومن أحياء مائية أو أرضية: طير، أسماك، أحياء مجهرية. هل يعيد هنا محمد قريش تقنية خوان ميرو؟ أعتقد أن في بعض تصوراته عن دور هذه المفردات ثمت تأثير واضح. ماذا تعطينا من تصور مثل هذه الحيوات الشعبية؟ عند خوان ميرو كانت تحولا في جعل السمة الحيوية تدخل اللوحة كجزء من طبيعة تجريدية.في حين أنها هنا تتضخم لتصبح هي اللوحة بينما كانت هناك عند ميرو مهيمن عليها بالبياض أو المساحة الأرضية الواسعة أو الفضاء الضاغط. هنا عند محمد قريش تصبح هي مادة اللوحة وأرضيتها. وكـنها في احتفال كوني بدائي تملأ فيه كل مجالات الحركة.  

الثانية: الألوان الشعبية الممتلئة بعفوية  لتوزيع الكتلة والخط والكثافة. لمثل هذه الألوان ثيمات شعبية روحية.منها أنها ترتبط بقيم أرضية سماوية هو جزء من موروث ديني غائر في الذات الشعبية . والفنان المعاصر الذي يبني تكوين رؤيته على خلفية راسخة، يلجأ دائما إلى السماء والأبعاد الكلية فيستعير الألوان الزرقاء العميقة والمائية ليستبطن  بها حالات نفسية هادئة للرؤية. وقد يكون ذلك بقايا من موروث إسلامي يستبطن  الأسود والأخضر الشيعي في داخله.لا سيما وأن رموز اللوحات فيها شيء من روح المواكب الاحتفالية تلك التي تحملها بقايا المحامل وأشكال الأحياء المتعلقة في سماء المدينة على هيئة رايات ولافتات خضر وسود. هذه  الروح المواكبية غائرة في الأرضية  الشرقية وفي أشياء الواقع أيضا فتحملها الألوان كدالة عليها..

الثالثة: المخيلة الشعرية التي تؤلف بين أجزاء اللوحة. وهو ما نطلق علية بالنسيج البنائي،ومادته اللعب الفني على أرضية غير مستقرة، مما يشكل رؤية بصرية تتقدم اللوحة الألوان الهادئة فيما يختفي خلفها الألوان العميقة والداكنة. إضافة إلى ذلك يخلق الفنان عالما شعريا من تجاور أشكال غير متشابه تكوينات بدائية في نسيج حياتي منسجم. ما يزال تأثير الفن السريالي واضحا لقوة المخيلة والتغيرات الجذرية في هيئات الأشكال البدائية.

الرابعة. يتيح لنا التعامل مع الخطوط التي ظهرت هنا بأشكال مستطيلة ودائرية ومستقيمة القول أن الفنان يؤكد الزمن داخل بنية لوحته، والزمن هنا أرضي- سماوي فيه شيء من عبث كوني ومن استقرار روحي ولذلك توصل الخطوط بين هذه العوالم المفترقة بل وتحددها أحيا بأشكال بدائية وشعبية تنمح المشاهد رؤية فنتازية وخيالية لقيمة التجاور بين أشكال مفترقة آتية من الخيال ومن الموروث الشعبي. وكما يبدو أن خطوطه تأتي بعد أن يستكمل ألوانه، فهي غطاء خارجي وحواجز وموانع .وأحيانا تحدد الشكل على الكتلة أو الفراغ. إلا أن هذه الخطوط ليست حروفية طقسية من تلك التي نراها في التعاويذ والأحراز واللقى والكتب التراثية والدينية خاصة التي تعتمد على الخير والشر، بل هي وإن استعارت تلك البنية تتغاير معها في الوظيفة. فوظيفتها هنا جمالية ن خارجية تحتوي كتلا وأشكالا وليست قيمة تجريدية بذاتها كما كانت الرسوم الحروفية تحمله من دلالات دينية وسحرية وميثولوجية.

الخامسة: الأرضية الداكنة التي شملت كل لوحاته تقريبا، معمقا حسنا من خلال المزاوجة بين  السماء والمياه في بيئة شرقية. مليئة بالمحتمل والمجهول والغرائبي، هذه الأرضية واحدة من الثيمات التي تتصاهر فيها كل البدائيات ومنها تخرج حمى الأشكال الغريبة والخيالية. هي الأرض المجهولة والبدائية، وهي المياه العميقة  المتزنة لكل الأحياء ،وهي الروح الغائرة في أعماق اللوحة- النفس-، وهي بعد ذلك العالم  السري الذي لم تر مخلوقاته النور,مكان تتجمع  فيه كل التكوينات البدائية التي لم تتحول بعد إلى أشكال مألوفة. على هذه الأرضية المشبعة بزرقة وسواد وخضرة داكنة وملصق عليها الأصفر والوردي من الألوان الحية والخطرة، هي طين بدائية غير معروفة بعد. ومن داخلها يكون الفنان لنا بعض مخلوقاتها وحجيراته المجهرية، تلك التي تتصل بالروح وبالغيبوبة وبالسحر وبالخيال وبالفنتازيا وبالغريب.وبالميثولوجي، وبكل ما هو أولي كائن قبل الخلق.

3

لا تبدو هذه اللوحة غريبة عن الفن العراقي، خاصة لوحة شاكر حسن أل سعيد ومحمد مهر الدين قبل مرحلة الورقيات والكولاج،  ولا عن لوحة سالم الدباغ وعامر العبيدي والجيل السابق والجيل الشاب ، فاخر محمد مثلاً، فالفن العراقي التشكيلي يتحرك على أرضية ممتلئة بالميثولوجي والغرائبي ، لا لأنه ممتلئ بالتراثي والتاريخي ، إنما لأن المزاج الشعبي العام للإنسان العراقي مختمر فيه كل الأحزان والأفراح القديمة. وعندما يعيد الفنان الربي صياغة الموروث الشعبي لرؤية عين غربية، لا يقف عند معطيات الدلالية للشكل الفني، بل يجرده من قيمه الفكرية ويقدمها له تشكيلات بصرية لا تقرأ إلا كدلالة على التقاطع بين الخطوط والكتل والتداخل اللوني بنسب جمالية ثم تكوين رؤية شاملة لمفردات اللوحة تشكيليا وليس مضمونا أو مفاهيما. لكننا ونحن نراها ولدينا تصورات أولية عن دلالة الحروف والخطوط والأشكال الشعبية لا نعيد تفسيرها وفق ما كنا نعرفه، وإنما نتوسل بتلك المعرفة لفهم مكونات العملية الفنية الجديدة التي يريد فناننا الشرقي تقديمها  وسط تيارات فنية شرقية وآسيوية وهي تغزو فنون أوربا. فهل تمكن الفنان العربي من إجادة صياغة رؤيته الشعبية لتقديمها للمشاهد الغربي بحيث لا تبدو متأخرة عما يعرفه من استخدام مثل هذه المفردات فنيا ؟ هذا هو السؤال الذي يرافق كل معرض فني للفنانين العرب وهم يقدمون تصوراتهم عن اللوحة المعاصرة، وفي الوقت نفسه رؤيتهم الخاصة في استثمار الميثولوجي والتراثي والغرائبي والخيالي فنيا.

 

معرض الفنان سلمان البصري

                عرض كاليرى كادانس في لاهاي العاصمة الهولندي،15-26 مايو 1999 بين المعرض الشخصي السابع للفنان سلمان البصري خلال وجوده في أوربا ، ويعد هذا المعرض الذي يحتوي على 13 لوحة تجمع بين الزيت 4 لوحات، والورق12 لوحة. النقلة الممهدة للمعرض القادم الذي سيعتمد ثيمة الحياة اليومية الأوربية من خلال عين فنان لاقطة لمظاهرها المعاشة والمرئية، والتي  ستستجمع لاحقا بإطار فكري –نقدي- اجتماعي. هي جزء من مشروع فنان يرى بعين أخرى لما يجري في الواقع . ونالت أعمال الفنان البصري في بنيالي الشارقة لعام 99 الجائزة الأولى بين 1500 لوحة قدمت في البنالي الذي اختتم أعماله قبل أيام، وتقدم أعماله هنا في هولندا من خلال أهم الكاليرهات التي تقدم أعمال كونييه وأبل وغيرهم وقد كانت أعماله في راي أمستردام الماضي محط تقدير واهتمام الصحافة والمشترين حيث بيعت له لوحتان من ثلاثة اشترك بها في الراي. وفي هذا العام لم  يشترك سلمان في الراي الفني الذي سيفتتح في الأول من حزيران ، الذي سيشترك في عدد من الفنانين العرب من بينهم الفنان سعد علي بجناح خاص له سيعرض فيه عشر لوحات ، الأمر الذي لم يمنح لفنانين هولنديين. ويعد راي أمستردام من أهم المعارض الفنية الكبيرة في أوربا

   يعتمد البصري ألوانا شرقية حارة تتداخل ضمن عائلة لونية متدرجة النسب والكتل، مما يعني أنه ما يزال ضمن تطوير فاعلية لونية ابتدأ بها في العراق ، تلك التي تعتمد المختبرية في مزج ألوان شرقية قابلة لأن تستوعب المناخ والذائقة الأوربية. وهذا ما جعل لوحاته المعروضة في المعارض الستة الماضية هنا في أوربا محط أنظار المشترين والمتاحف.

            

 

 

 

 

 

  

 

البيئة المائية وتفاعلات اللون

 

رؤية لمعرض الفنان سلمان البصري

                                                                                                        

                  قدم الفنان  العراقي سلمان البصري معرضه السابع  بعد هجرته إلى هولندا في العاصمة الهولندية لاهاي حيث  عرض في كاليري كادانس ثلاثة عشر لوحة جديدة تجمع بين الزيت5 لوحات والورقيات 8 لوحة ، هي حصيلة أعمال عرض  جزء منها في بنالي الشارقة لهذا العام  ونال فيه الجائزة الأولى للبنياي، والكاليري الذي يقدم إعمال سلمان البصري يعد من الكاليرهات المهمة في هولندا، الذي خصص جانبا من معروضاته السنوية للفنانين المهاجرين فقدم الفن البولوني والهنغاري والروسي والعربي إضافة إلى خطته السنوية التي يقدم فيها عددا من النشاطات الثقافية الخاصة بشعوب العالم المختلفة.

            من خلال متابعتي لرسوم الفنان سلمان البصري منذ أواسط الستينات، يوم كنا في مدينة البصرة وحتى بغداد السبعينات والثمانينات ، لم أجد أن هذا الفنان قد تخلى عن التجديد، فقد كان مسعاه وما يزال هو البحث في اللون، هذه الطريقة التي تضع البيئة  الجنوبية بأشكالياتها المائية والبصرية موضع اختبار للفرشاة وللون، فهو لا يميل إلى تجسيد انطباعي تفرضه البيئة المغبشة  بالغيوم  وبالرطوبة وبالغبار والأضواء المعتمة والكابية، وبأشجار النخيل،  إنما يجعل من هذه التركيبة البصرية – الحسية خلفية لعملية لونية متفاعلة مع مسعى تجديدي للفن التشكيلي ، حيث التجديد لا يعني الموضوع ولا البيئة ولا تقليد ما ينتج في الخارج، ولا التأثر بمن سبق، إنما هو مواصلة البحث في المكونات البيئية والفنية السابقة ومن ثم الكشف المنهجي عن الجيد الذي يقبل التطور والتواصل المواكب لتيارات فنية حديثة تمكنها التجارب الفنية  المحلية من أن تستوعب طروحات اللوحة الجديدة. والطريقة هذه نجدها شائعة بين فناني البصرة الذين امتازوا بتركيبة لونية غاية في الشفافية والعتمة معا ، الفنان  محمد مهر الدين ومحمد راضي، والفنان على طالب والفنان عجيل مزهر ، ولنا في المواصلة الدقيقة مع المسعى نفسه، نجد  أن البيئة البصرية المائية مولدة لاتجاهات في العمل اللوني  كما في العمل الشعري –السياب وسعدي يوسف والبريكان- وفي القصة – محمد خضير- فمكنت الفنان التشكيلي  من التعامل مع تركيبة ، ثقافية – بيئية – حضارية ، تنم عن شاعرية وحسية عالية بالأشياء التي لا تنكشف قيمها ونسبها الجمالية إلا بعد أن يعاد تركيب درجاتها اللونية وفق سياق دراسي- ثقافي لها. في هذا المعرض نشاهد الفن الحديث الذي يخرج على أطر المدرسية المعروفة ويتحدث فيها عن هموم الإنسان المعاصر، خاصة ذلك الذي يتلبس المعاناة اليومية لقضية من القضايا الكبيرة. وله في هذه اللوحات رأي واضح، وهو أنه بدأ في محاورة المشاهد حول قضايا العصر الراهنة، كالسلام والبيئة، والحرية والهموم الاجتماعية الأخرى. وبدا لنا من خلالها كما لو أنه يقص علينا حكاية الزمن المعاصر.

           ينفذ الفنان لوحاته وفق ثلاثة رؤى فكرية –أسلوبية متميزة.

 

 الأولى هي المادة الفكرية الخام التي يتعامل معها، وغالبا ما تكون من تراث بلاد ما بين النهرين، والبصرة في العمق من هذا التراث الغني والزاخر بالأفكار، ويلخص هذا التأثير بالماء ومكوناته الكبيرة، وقد انعكست في لوحاته على أشكال بيئية كالزورق والخطوط الانسيابية والأرضية الترابية المغبشة،  والفضاء الملتحم بالأرض، والطابع الشعبي الحكائي، والتكوينات الشعبية المتداخلة الألوان. هذه الخلفية الفكرية تستحضر في اللوحة كروح تضفي على كل مساحات اللوحة شيئا من التاريخ القديم. لكنه لم يبقها حبيسة ضمن إطارها الأكاديمي ، بل يفتح  فيها نوافذ معاصرة على رؤيتنا نحن المشاهدين، وقد جسدها بتشكيلات المربع والكتابات الشعرية العربية ، وخاصة أشعار المتنبي الذي يؤطر به مساحة مربعة من اللوحة توحي وكأنها بناء من أبنية المعابد القديمة، مفصلا إياها بنسب لونية وتفعلات الخط وشيء من التجريد ،  مما يعطينا انطباعا بأن اللوحة عنده عبارة عن تراكم زمني للحدث. منحته هذه الخلفية أرضية تصورية يمكنه أن يتكئ عليها وهو يتعامل مع جمهور أوربي لا يعرف من تراثنا إلا ما دونه المستشرقون.

الثانية هي تعامله مع اللون، فسلمان البصري يمتلك حاسة لونية  شفافة  وشعرية ، وقد اشتغل على اللون منذ أوائل الستينات، وكان هدفه المباشر هو اكتشاف نسب لونية قد لا تعطي أية إمكانية على التعرف على الأشياء، ففعل الامحاء الذي يسعى إليه من خلال الألوان المغبشة، كان غرضا فنيا، لكنه ما يزال يسعى إلى ذلك وفق دراسات يعتمدها هو، في هذا المعرض نجد شيئا من هذا ممثلة بالتدرج اللوني الدقيق للون الواحد، وهو من أصعب التعاملات مع اللون، فبالإضافة إلى ما تمنحه الألوان في الشرق من قيم ونسب لونية متغايرة ومتدرجة يسعى هو إلى اكتشاف هذه النسب وفق تعامل يدوي – شعري. وخلال معرضه، نجد أكثر من لون معتمد متدرج، الأصفر والبني والأخضر، والأحمر وهي ألوان حارة بطبيعتها، ومستقبلية أي تمنح الفرشاة حرية في العمل على السطح مجسدة العمق الفكري  والمستويات التي يمكنها أن تمنح المشاهد حسا بالتاريخ. لكنها لا تكون بنسب ثابتة في كل ضربة فرشاة. مما يعني أن اللوحة عند سلمان لا تكتمل بالمشاهدة فقط، بل بما يمنحها المشاهد من ثقافته. وقد تحدثت مع عدد من الهولنديين الذين حضروا الافتتاح عن إمتيازات الفني العراقي الحديث فيما يخص المزاوجة بين التراث والمدرسة الفنية الحديثة، وفي هذا الإطار ما يعني ثمة خصوصية للفن العراقي في استيعاب الجديد وتضمينه في الوقت نفسه الرؤية القديمة.

 الثالثة في معرض البصري هي التداخل بين التجارب الفنية التي مرّ بها في حياته الفنية، فعند مشاهدتك لهذا المعرض لا تشعر بأن الجديد فيه هو المنحى العام، بل ثمة تجارب متجاورة له فيه، منها بقيا الشظايا التي تخترق سماء اللوحة وهي ثيمة ستينية اشترك عدد من الفنانين في استخدامها، لعل أولهم هو الفنان محمد مهر الدين، وضياء العزاوي ورافع الناصري وغيرهم. ومن الثيم القديمة ما نشاهده هنا بتقسيم فضاء اللوحات إلى كتلتين رئيسيتين ، وكأن اللوحة بناء عمودي من تراكيب فكرية غالبا ما تكون الكتلة الأعلى أكثر شفافية من دكنة الأسفل وكأنه يتعامل مع بناء زمني – مستقبلي يمنح توزيع فضاء اللوحة بعدا إيديولوجياً ، وفي  الأسفل تستقر أشياء الواقع وقضايا الناس والمشاعر وكأنها محبوسة في إحراز وصناديق وغرف شبه مظلمة وكتابات وحروف قديمة ، أنه الماضي المترسب في قاع اللوحة، بينما لا نجد في الأعلى إلا فرسا جامحة أو ديكا يعلن عن الفجر، أو خيطا من نور سماوي، أو فضاء شفافا تعلنه نسب لونية متدرجة ومفرحة. لكن البصري لا يترك قسمي لوحته بدون تداخل، وهنا يعمد إلى كسر الفضاء ين بالخطوط العابرة والمخترقة زمن القسمين جامعة بينهما بطريقة فنية لونية تدل على تداخل ما بينهما في بنية اللوحة وفي وعي المشاهد. وهذه الخطوط الآتية من أحرف قديمة تدلنا على الاختراقات التي تمنحها الحياة المعاصرة لذاكرتنا يوميا فنبقى مهما أوتينا من طاقة التمرد ، مشدودين إلى ماض ما.

  في أعمال البصري نعثر على شيء من ذاكرتنا المعاصرة فهو فنان ملتصق بالواقع وينفذ قيمه من خلال رؤية ملتزمة بقضايا الإنسان، وهذا ما يجعل لوحاته مرغوبة في بيئات مختلفة. وخلال وجوده في أوربا استطاع أن يحتل مساحة جيدة في متاحف باريس وأسبانيا وهولندا وفي صحافتها فقد تقدمت المعرض الحالي كتابات عدة في المجلات والصحافة الهولندية، كما قدمه ناقد هولندي بكلمة ترحيب مضمنا إياها رؤيته عن الفن العراقي المهاجر ودور هذا الفن في تغذية الذائقة الهولندية

 

 

 

الفنان قاسم الساعدي وبنية الحرف

 

              يقيم الفنان قاسم الساعدي تصوره الفني على ثلاث ثيمات أسلوبية هي عماد ممارساته خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وأقول السنوات الثلاث لأني عايشت أجزاء من هذه التجربة مشاهدة وحوارا ومناقشات، وبالرغم من أني لم أر معرضه الفني الذي قدم في شهر شباط الماضي إلا تجاربه السابقة تعطينا تصورا مشابها لما أقدم عليه في معرضه الأخير. من هنا رصدت ثلاث ثيمات أساسية في عمله خلال السنوات الماضية نأمل أن تعطينا تصورا عن الكيفية التي يتعامل بها في لوحته.

              الثيمة الأولى هي التعامل مع مفردات تراثية عريقة، مادتها الخط القديم، والتشكيلات لخطوط غير مفهومة، خطوط قد تكون آتية من أقوام أخرى وقد تكون مجرد انسيابية قلم على ورق، المهم إن التعرج والاستقامة هما البنية المحورية التي تسير عليها يده في لحظات التشكيل،  خطوط البسطامي مثلاً وما احتوته من خط حام حتى خط علي بن أبي طالب ، على وجه الخصوص محورا إياها بما يغني انحناء الخطوط تبعا لحاجات الحاسة اليدوية في بناء الكتلة على سطح اللوحة، وهذه الثيمة تجعل من أي لوحة مرتبطة بتاريخ غير معلن لموضوعها، أوقد تكون في حالات معينة استدعاء لموضوع تراثي يراه قائما في الحاضر، مما يقف شبه عائق أمام فهم اللوحة الحديثة. لأن المشاهد سيلجأ بالضرورة إلى إعادة صياغة موضوعها الحديث برؤية قديمة، وفي اللوحات العديدة التي شاهدتها للفنان قاسم الساعدي وجدت أن هذه المفردة التراثية تهيمن على وعيه إلى الحد الذي أصبحت لازمة له في نتاجه اللاحق، وكي يفرز لهذه الثيمة حضورا دالا في الرؤية المعاصرة للفن التشكيلي في أوربا -حيث يقدم نتاجه لجمهور غربي في الأغلب-، سعى إلى اعتماد لوحات صغيرة الحجم، مليئة بتصميمات صغيرة قد لا تكشفها العين العادية، وقد يقترب بها في صياغة رؤية قريبة من النمنمات العربية، محاولا الاستدلال بها على تعميق الحس بالزمن القديم لثيمة كامن في الأشياء المندثرة أو المنقرضة، والمشاهد بالضرورة سيلجأ إلى استعانة بالتراث وبالمعارف القديمة كي يفك رموز لوحته التي اعتمدت تداخلا  لونيا بين معتقات تراثية وأضواء باهرة غربية، مع شيء من تراكم الخبرة في الامحاء والحذف، وكأن اللوحة آتية من زمن قديم لترسو في أرض غربية حديثة وقد أنهكها الترحال والسفر.

        في إطار آخر من البنى الأسلوبية لفنه الحديث، هو ما يمكن الإشارة إليه من خلال توزيع الكتلة الواحدة إلى ثيمات صغيرة، فأنك تشاهد عددا من الكتل الصغيرة المتباينة الكثافة والحساسية ، وكأنها لوحات صغيرة متجمعة في كتلة كبيرة واحدة، وفي داخل هذه الكتل الصغيرة المعزولة بخطوط مستقيمة ودائرية، يضع أشكالا لحروف وكلمات مبهمة هي ليست إلا ذلك التشكيل الحر لفعل اليد في اتجاه خطي واحد ، يتقطع  ليشكل بقعا منفصلة عن بعضها البعض، وكأن اللوحة عنده عبارة عن تجميع لبقع مفترقة مشكلة بالتالي وحدة نغمية متجانسة، هذه الرؤية التجزيئية لعالم اللوحة ما هي إلا التداخل التاريخي لعدد من الأفكار المتباعدة المكان والزمان  في آن واحد، مما يعني أن الزمن عند الساعدي ليس إلا ذلك الدفق المتقطع الذي لا يجمعه كتاب أو نص،  زمن يأتي اللوحة من مصادر مختلفة ويستجمع ذاته في إطار من معاصرة لونية تخرج بالمألوف السائد يوم ذاك إلى بنية الفن القريب من التجريد دون أن يكون تجريداً. وهذه الطريقة التي تحمل الإسلامية مادة مضمرة في بنية الشكل واحدة من أساليب العرض المرغوب في أوربا، ليس لقيمتها الجمالية، ولا لغرابتها فقط، إنما لأن المشاهد الأوربي يحاول أن يجد في الشرقي بعضا مما افتقده في التقنية الغربية التي تنأى بالحسي إلى مصاف التأليه، وتترك ذلك الإرث الديني الخفي الذي يتدثر الناس به يوميا وهم في وهج التكنولوجيا فيجدون في اللوحة جزءا من خلاص روحي. هل ثمة حاجة لرغبات المستهلك تهيمن على فن عدد من فناني العراق في أوربا؟ لا نعدم مثل هذا الاتجاه الذي قد لا يكون كله "جمالية وحداثة" والساعد ليس لوحده في تطريب حس المشاهد الغربي بغرائبية الشرقي القديمة.

 

           الثيمة الثانية هي  تطوير الحرف من شكل قابل للتطويع إلى كتلة حر وفية تتميز بنوع من البناء المستقل، أعني أن اللون هنا هو الذي يحدد أبعاد هذه الكتلة، ولكنك ما أن  تتفحص مفردات هذه الكتلة حتى تجدها بأجزاء من حروف وخطوط . الحر وفية التي بدأت في لوحاته وكأنها قيمة شكلية بحت تحولت إلى قيمة بنائية، وهذه الحر وفية التي جاءت الفن التشيلي من خلال التأثر بالمدرسة الأوربية ، بول كلي على وجه الخصوص ، تدخل ميدان الفن العربي من باب أوسع هو التراث العربي القديم والزمن اليومي المعاش معا، بمعنى إن القيمة للحرف العربي لم تكن قيمة للغة العربية، إنما للطاقة الإيقاعية التي يمتلكها تشكيل الحرف نفسه، هذا ما نجده في الأرابسك مثلا، وفي المقرنصات ، وفي الحجر المزركش، وفي الأزياء الشعبية.  هذه الطاقة هي التي جعلت الحر وفية اتجاها فنيا  يتشكل وفق سياقات الذائقة الشعبية فاعتمدت كتزيين للوحات الفطرية التي نراها في المواكب والتعازي وعلى الصناديق الخشبية، وأجهزة البيوت الشعبية، وتحولت لاحقا إلى ما يشبه التجسيد لمعاني الله والأئمة في تركيبات شكليه تقرب المقدس من العادي، وترفع من العادي إلى مصاف المقدس، ولنا في التعاويذ والإحراز والكتابات القديمة ، وكتابات السحرة المحدثين، ما يجعل لهذه الحر وفية طاقة تقديسية إيمانية قد تنبئ عن قدرات كامنة في الشكل لم تستطع الكتابات العادية للحروف إظهارها وتبيان قيمها الخفية. ففي لحظات من الزمن نلجأ إلى تلك البنى الخفية للحروف لنجدها كما لو أنها القدرة بذاتها، - في السجن الانفرادي في مديرية الأمن العامة عام 1978 رأيت على الحائط المقابل لوجهي وأنا نائم أشكالا من الرسوم والحروف كلها تستقرئ أسم الله والأولياء والأنبياء، لم افهم ماذا تعني، ولكني كنت أتوسل بها في لحظات اليأس لأن تنقذني.- وهذه الطلسمية التراثية تعاد إلينا اليوم بصيغ فنية عدة ليس اللوحة التشكيلية إلا أحدها، فقد نجد في بعض الكتابات الروائية المعاصرة ما يفيد باستخدام الرؤية الأسلوبية القديمة من خلال طرق مختلفة لسرد الحكاية كمادة لأسلوب معاصر في القول، هذه الثيمة الكتابية واحدة من أساليب تحديث فن الحكي، فمن خلال إعادة الاعتبار لقيم وطرق الحكي القديمة -وهي نفسها تشبه التشكيلات الحر وفية ولكن بهيئة عبارات ومقطعات - يعاد إنتاجها بطرق وأساليب فنية جديدة. رواية أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص التي استعرنا منها المتخيل والغرائبي مع علمنا أن تراثنا خزين لا ينضب له منها. الفنان قاسم الساعدي في اعتماد الحرفية لم يحاول الخروج بها من ميدانها التشكيلي البسيط إلى ما يشبه التكوينات الكتلة،  أو ليمزجها مع تكوينات لونية أخرى، بل نجده يختصرها ويجزئ بنيتها وإيقاعاتها، محاولة منها تغريب مشاهدنا للجذور، وعندما يعزلها في مربعات صغيرة يميز بعضها بالألوان الشرقية الحارة معيدا إلينا أسلوب الفن الشعبي في التعامل مع الخشب ولوحات المواكب الحسينية.

           لم  تقف هذه الثيمة عند الاستخدام الفني المبتكر للشكل، بل يحاول الفنان أن يؤلف قيمة تكوينية شكلية مقبولة، تتلاءم وجو المشاهد الأوربي،  وكأنه  يعيد بها تشكيل رؤيا الطفولة التي كانت ترافقه وهو في ملامسة حسية يومية للأشياء الأولى وهي في لحظة انبثاقها من المجهول الشعبي ، وفي هذا المسعى نجد تكوينات بشرية وأخرى حيوانية وثالثة نباتية وهي في مجملها من بنى بيئية مائية وطينية ، فقد تحدث مرة في ندوة لصالون ثقافة 11 عن هذه الجذور المائية لفتى القصب الجنوبي حيث المدينة " العمارة" والسكن" الثورة" في بغداد كانتا المعين لتوجهات فنية –سياسية صبت جميعها في محاولة إعادة تشكيل الطفولة المنفتحة على مخيلة شعبية – دينية –تراثية –  سياسية معاصرة. من هنا نجد التكوينات المتداخلة الأحياء واحدة من عفوية اللوحة التي تمتلئ بطاقة تراثية شعبية معاصرة، فلا نستغرب إذا ما رأينا هذه الأشكال الحياتية كما لو أنها صياغة حديثة - قديمة لرؤاه الفنطازية للأشياء المتحولة وغير الثابتة.تلك الأشياء التي صاغ من خلالها موقفه السياسي.

 

          الثيمة الثالثة التي نجدها في لوحة الساعدي،   هي المرونة والحرية الأسلوبية ، وهما ثيمتان معاصرتان من المفروض وجودهما عند أي فنان حديث، لكنهما عند الساعدي تصبحان طريقة في العمل، طريقة تتبع إمكانية أن يتحول الشكل فيها إلى ما يناقضه في اللحظة نفسها، دون أن يكون ذلك هاجسا بتدمير اللوحة، إذ غالبا ما نجد اللوحة بلا موضوع محدد، وبلا تصميم أو سكيج سابق، وهذا لا يعني أنه يعتمد العفوية أو التلقائية، إنما يتعامل مع بنية استهلالية اعتباطية للمخيلة فيها طاقة البناء والهدم في الوقت نفسه. هذه البنية الأسلوبية قادته أحياناً إلى التكرار، فغالبا ما نجد تشابها في عدد من اللوحات وكأن المعرض كله لوحة واحدة، والتمايز الفني بين اللوحات يكاد أن يكون خارجيا : الحجم، الإطارات، اللون الداخلي، الفراغ. ومع ذلك قد لا نجد تبريرا فنيا لذلك التعامل المتشابه، فالساعدي غزير الإنتاج، وله حضور دائم في معارض شخصية ومشتركة وهذا ما يجعله بمناخ متشابه ضمن فترة معينة. هذه الحرية التي يبدو لنا أنها محدودة، قد لا نجدها في أعمال السنة القابلة، مما يعطينا انطباعا أن قاسم الساعدي لا يستقر على بنية فنية ثابتة، لأنه يتعامل مع حرية الشكل بطريقة تقربه من التحولات السريعة من تيار إلى آخر ضمن مسعى خاص يخضعه لدراسة فنية وأسلوبية يستطيع بها أن يطور أدواته ضمن مختبر يومي نشط. كما أن ذاكرته عرضة للاختراق المستمر من قبل الآخر: الشكل المبهج، الألتفاته الذكية لموضوع قديم، تأثر مباشر بلوحة الآخر، التداخل بين الثقافي والسياسي ، كلها من المؤثرات التي يبدو أنها خارجية ومن تحصيل حاصل الممارسة اليومية للحياة ، لكنها تأخذ طريقها إلى لوحته الفنية بيسر، .

 

 

 

الغجري المتفائل

معرض الفنان سعد علي

1

               أفتتح في 25-2-0002   كاليري "سميلك وستوكنك" في  مدينة لاهاي المعرض الجديد الذي يستمر إلى 2-4-00  للفنان الدؤوب سعد على الذي اتخذ من هذا الكاليري مجالا لأن يطل به على جمهور أوربي واسع، لما يتمتع به الكاليري من سمعة دولية وأوربية واسعة. لمسنا بعض وجوهها في الافتتاح الذي امتلأت به صالة الكاليري فباع نصف لوحاته البالغة 30 لوحة في يوم الافتتاح.. سعد علي الذي اتخذ من فرنسا وريفها سكنا بعد أن أمضى في هولندا ثماني سنوات، ظهر تأثير هذه النقلة واضحة على لوحاته التي تميزت  في هذا المعرض بصفاء اللون والتعامل بدرجات حسية متدرجة للون الواحد خاصة اللون الوردي،  فغير الكثير من طريقة خطوطه الحادة  السابقة التي تشكل حاجزا في التمازج بين شخصيات لوحته، لتبدو في هذه المعرض نساءه  وهن في حال من نشوة مطلقة متحررات من قيود من كان يحيط بهن في لوحاته السابقة، حيث أن لوحة سعد ليست إلا حكاية تروى داخل إطار، وعلى هذا الإطار رسم شخوصا يستمعون للحكاية كي يرونها للآخرين بطرق مختلفة أنه كان يعيد تشكيل حكايته كي تروى وتسمع، هذه المرة لم يعد بحاجة لمستمع، بل بحاجة لشخص أخر يروي حكايته الجديدة بعد أن جعل اللوحة منفتحة على أفق واسع وقد شطر معظم لوحاته إلى فضاء أعلى حيث اندمج بسماء مغلقة وفضاء أسفل حيث انفتح على بحر أو بيت. هذا العزل المكاني للوحة جعل شخوصه بألوان وبحركة بعد أن كانت حركة الجسد  الداخلية هي الفاعلة مما مهد لأن يداخل على ألوانه الوردية ألوان  الأزرق والأخضر والرمادي، الأمر الذي يدفعنا للتأمل أن اللوحة الجديدة امتلكت طاقة الأفق  والحساسية الشعري خاصة أن هذه الألوان تتدرج في علاقة شعرية متناسبة. بعد ما كانت محصورة في إطار الباب أو إطار البيت أو الفراش الذي غالبا ما كان بساطا بتقسيمات شطرنجية.  في هذا  المعرض اندمج الإطار الخشبي الصارم في لوحاته السابقة،  ببنية اللوحة الداخلية، ولم يعد مكمناً لمن يتنصت على ما يجري في داخل اللوحة من حوار وحديث، بل جعله حاملا لشخوص يروون هم أيضاً حكايتهم الناقصة، لقد حولهم من هامشيتهم إلى مركزية فاعلة لهم. هذه النقلة تعد تطويرا لمفهوم الشخصية الشعبية بعد إن كانت شخصياته من الملوك والرواة الكبار. ورافق هذه النقلة حسا جماليا باللون والبروز عندما جعل منه في الواجهة الأمامية وكأنهم يتقدمون اللوحة مشكلين بعد أفقيا في مناخ عام غير محدد بإطار. وبرز بينهم  البهلول بخيال شرقي طاغ ليؤكد حضور هذا المهرج الشعبي في تركيبة شرقية لا تتجرد من إرثها القديم الذي بدا هنا بأثواب وأشكال حيوانية وبشرية، وبهيئات مختلفة، وبلون مميز غلبت عليه الدكنة،  وبخطوط حادة لا ليروي بل ليؤكد الحرية التي يمارسها علاقته المتحركة مع الزمن. وقد تمثل ذلك باللون السماوي أحيانا حيث الأفق، أو بلون البحر الذي يعيد تشكيل الحكاية القديمة في أفق من انسيابية لونية وسط استرخاء شخوصه. أو تعامل تشكيلي غائر في أجواء خلفية فيها من سحر العتمة ما يوحي بوجود شخوص حولنا دون أن نراهم. إنه الشرق الذي يتمظهر في لوحات عدد كبير من الفنانين الأوربيين ليس بحرارة اللون ولا بصفاء السماء  ولا برمادية الرمل وزرقة البحر، إنما في التوظيف الخيالي للطاقة التي تملكها الكتلة والأشكال وهي تعيد خلق مكوناتها من جديد وفق تداخل وتأثير بين حس شرقي آت إلى الفن الغربي من خارج ثقافة الاستشراق، وحس فني تمنحه أنبوبة اللون نفسها عندما تنطلق بحرية اليد على السطح دون أن تحسب لحدود الشكل مساحة ما، هذه الحرية نجدها تأتي الفنان الغربي هذه المرة ليس من خلال ما يقدمه عدد من الفنانين العرب الذين بدءوا ينتجون أعمالا تتوزع الآن عددا من كاليرهات لاهاي وأوترخت وأمستردام، بينهم الفنانين بشير وبها أحمد وقرني وقاسم الساعدي وسلمان البصري وعلي طالب وعفيفة لعيبي ومحمد حسين عبد الرحيم وغيرهم، إنما من خلال التركيبة الثقافية لمدينة كموسبوليتية تمنح ثقافة الآخر حضورا مميزا وقد نشأت كاليرهات تعتمد هذه التعددية في العرض لثقافات الشعوب بينها كاليري كادانس في لاهاي نفسها.، هذا التداخل الأسلوبي بين فن غربي بتقنية عالية، وفن شرقي بخيال مكنه  من  أن يملأ جزء من طبيعة المدينة الغربية. و الفنان سعد علي الذي تطور تطورا واضحا في السنتين الأخيرتين بدا لنا أكثر فهما لحاجات المشاهد الغربي، ليس من خلال ترطيب خياله الصناعي بالخيال الشرقي، إنما من خلال تعامله مع الثقافة الغربية من داخل عين الفنان الشرقي فيشكل بذلك رؤية جديدة له.

 

 

                                                           2

        في سياق التعريف بالفن الشرقي في أوربا، تتضافر جهود عدد من الفنانين الذين قذفتهم الحياة إلى أوربا هربا أو طلبا للعلم في أن يظهروا فنهم وهو نقي من التأثير الغربي عليه. وفي حوارات عدة مع فنانين ونقاد لمسنا الرغبة لديهم في تأكيد هذه الظاهرة من خلال ردفها بوعي نقدي يمكنه أن يرسم صورة أخرى لفنون الشرق العربي من خارج أطر التقليدية التي ما تزال سائدة في إنتاج عدد كبير من الفنانين العرب خاصة المغاربة الذين وجدوا منذ زمن أن الفاصل جد قصير بين ثقافتهم العربية المشربة بمناخ فرنسي وتعليمي وبين الفن الغربي الذي تعامل مع المغرب العربي كما لو كان امتدادا لثقافة الغرب.

      في تعامل الفنان سعد علي مع هذه الظاهرة لا تبدو هناك ثقافة مسبقة لدية كي يتعمل مثل هذا المسار، فثقاته لا تتعدى التعامل اليدوي مع اللون، وهو تعامل فيه من الفطرية الشيء الكثير،  إنما هي الخبرة التي كسبها طوال ثماني سنوات في إيطاليا وهو يفترش الساحات لرسوم البورتريت،  والذي تطور عنده إلى تشكيل درامي يعتمد الحوار بين كتلتين على أرضية واحدة، ليعيد هذه الفكرة التشكيلية من خلال اكتشافه لحكاية باب الفرج الذي تعتمده الميثولوجيا الشرقية المرتبطة بين أرض بمشكلات وسماء بحلول. وباب الفرج لدية مساحة من التأمل في القضايا المبهمة، لذلك كان حوار شخصياته دائما منقطعاً عن سياقه لوجود من ينقل، ومن يتنصت، ومن يكذب، ومن يصدق. ووسط هذه المعلومة المتأتية من الحكي، وسع سعد إمكانية أن يكون باب الفرج إطارا لتسويق رؤية شرقية لفن الحكي تختلف عن سياقات  رؤية الكتب والمصدرية الثقافية والانطباعية العادية المتأتية من حوارات السواح الذين ينقلها لهم من يزورون الشرق أومن تتلمذوا على ثقافة المستشرقين. ويبدو أن سياق تطور هذا الفنان هو سياق البحث عن الحرية اللونية التي تبدو هنا هولندية بسيطرة الوردي كمناخ شعبي عام على فضاء الحكاية المبهم. هذا اللون ليس شرقيا، ولا هو عربيا، إنما هو تركيبة من تصور فنان فهم أن ثقافة المشتري الغربي، مهما كانت قدرته على التمييز بين لوحة ولوحة وإنتاج وآخر ، لا بد  من ربط محليته بأفقها المعرفي الكبير.وهكذا نجد أن اللون الوردي منسجم وثقافة المشاهد، وفي الوقت نفسه تعبير عن وردية العلاقة بين شخوص اللوحة الممتلئة غزلا دراميا. بمثل هذا الحس اللوني الشرقي الغربي، وسع سعد علي من قدرة الإيحاء باللون، ومن قدرة التعامل مع تركيبة لا شعورية تتحكم بالسوق الفني.

 

                 3

      في هذا المعرض الذي جمع فيه بين أعمال منتجة عام 98 و99 ، كانت هناك رغبة خفية في التعامل مع فن الأيقونة، خاصة في الإطار وفي البنية الشكلية للوحة. الأيقونة الغربية لها تراث عريق في ثقافة الفن الغربي بل وشكلت مع الفن القوطي خاصة في مجال العمارة تصورا عن هيكلية الديانة المسيحية وعن عظمة التصور الديني وتأثيره في الحياة الغربية، خاصة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، لكن هذه الثيمة عندما تدخل ميدان فنان عربي بثقافة شرقية وبتصورات غربية، يمكنها أن تعيد تصورا عاديا عن العلاقة غير المستقرة بين فنه وحاجة السوق، هنا ندخل في ميدان التسويق الذي يعتمد في أوربا على ثقافة البيوت وحاجتها إلى التزيين، الأمر الذي قد يغري الفنان في الاستجابة لمثل هذه المتطلبات، وهو أمر وجدنا تأثيره واضحا في عدد من اللوحات الصغيرة التي بنت هيكليتها على فاعلية المنمنمات الصغيرة وكأنها قطع تزينية لا تباع إلا مجتمعة، وفي لوحات أخرى بنى لوحته على فاعلية إطارها الدائري الذي ضمنه البنية الحكائية نفسها، ولكنها بدت هنا كما لو أنها نقلت من مناخها الشرقي بفضائه البيتي الواسع إلى فضاء المدينة وحاجاتها المعلقة على الجدران الصغيرة، هذا الحس لا نجده مهما في تجربة الفنان في هذا المعرض وليس له أي فاعلية فنية له.

                     

 

معرض الفنان يوهان لينش

     

يقام حاليا في لاهاي ويستمر للعشرين من مايو معرض للفنان يوهان لينش، وفيه يجد المشاهد تقنية جديدة بدأت تغزو كاليرهات هولندا مؤخرا رغم أنها قديمة وتعود إلى مرحلة الكلاسيكية الجديدة. تلك هي الاعتماد على بنية الكائن الحي ولكن من خلال العلاقة بين دواخله والموضوع الذي يشغله. ثمت طريقة تقليدية قديمة هي أن ترى الموضوع من خلال الهيئة ولكن هذه المرة أن ترى الاثينن معا ضمن سياق الحياة التي تحتوي الموضوع والإنسان معا. لتظهر دواخله وأفكاره منعكسة عل تفاصيل جسده وكان هذه التفاصيل عقولا تتفاعل مع الأحداث الخارجية، وتظهر في الوقت نفسه الأحداث وهي تغير من تفاصيل هذا الكائن. ثمت غرائبية تكمن داخل الشكل الفني أننا لا نتعامل مع هيئة حيادية، خاصة أن الألوان الحادة والمفصلة والمعزولة والمتجاورة، والخطوط الحادة الفاصلة بين الكتل اللونية وتفاصيل اللباس الكاريكتورية واستخدام الأقنعة والطلاء مادة توحي كأن الشخوص في مسرحية كوميدية – مأساوية يمثلون شخصيات من التاريخ على خشبة اعيننا التي لا تألف هذه الحالات إلا متى ما انسلخنا من مفاهيمنا  القديمة.

الحياة مسرح هذا ما يريد الفنان توصيله لنا، ولأنها مسرح فلا تبقى الحياة ثابتة ففي كل مشاهدة لها ثمت رؤية جديدة ز قد لا تكون تفاصيل التغيرات مرئية ولكن اعتماد اللوحة على قدرة المشاهد في أن يغير مواقفه تبعا لما يمر به يوميا سيرى اللوحة برؤية مغايرة في كل مشاهدة.

وللتعامل مع هذه الثيمة المعاصرة للشخصيات نجد الفنان يركز على الوجوه فهي في عرفة حاضنة التغيرات وعاكسة لهاز وثمت يد معها: التركيز هنا على فاعلين هما : العقل واليد. ومن خلالهما يعطي الفنان رؤية جذرية لمشاهدة الموضوع ولست بحاجة دائما لفتح قواميس اللوحة وتاريخها لترى ما فيها بل أنكل لتجد الحل ضمن سياق العلاقة بين اليد والدماغ. الوجه المركز يعكس فاعلية اليد المشغولة .في لوحة القناع وهي من أجمل اللوحات نجد أن القناع ثيمة لوجه مقنع هو الآخر باللون، واللون مقنع بالحال المسرحية هذه التداخلات تعكسها حال إنسان يجد نفسه في ظرف واحد متلبسا بشخصيات عدة. فمسرحة الحياة أغنى من الحياة نفسها والقدرة على تحويل كائن مفرد من خلال اللون والتصميم إلى كائنات عدة نرى أنفسنا فيها هي قدرة الفن على احتواء الكل في مفردة. الوجوه بلا تفاصيل شخصية وبلا ملامح بيئية أو قومية بل هي وجوه أوربية ترى فيها ذلك الهاجس العملي المأخوذين به حياتيا. ليس ثمت فرص للمتعة أو للعمل خارج سياق ما يفرضه السوق على الكائن. العمل هو الثيمة المحورية المهيمنة ولكن العمل المنعكس فنيا على الوجه واليد. وتبقى بقية تفاصيل الكائن كالجنس والرغبات والأمل والأسرة والمحيط وما يحيط بالكائن، مجرد ملحقات تعامل اللون معها بحيادية تامة: ازرق أو أحمر ناري أو أخضر فاقع ، فاللون هنا تأكيد للسخرية التي تستبطنها اللوحة المفاهيمية.كما تقف خلف اللوحات غالبا  أو أعمدة أو أشياء لا تمثل عمقا.

في لوحة الموسيقى القائد نجد حوارا بين العصا واليد، العصا تقود الجمهور إلى الاستماع بينما اليد تشير إلى رأس القائد، وليس في اللوحة حضورا للفرقة الموسيقية كل ما اللوحة هو الحوار المبهم بين طرفين لا يتواجهان: الجمهور وقائد الفرقة الموسيقية. وفي لوحة البليارد تختفي طاولة البليارد ولا تظهر إلا الكرتين البيضاوين بيد لاعبين، هما في الحقيقة لاعب واحد وقد وزعا الاثنين  بينهما الحكم الذي لا يرى سوى كرتين بيد شخصين غير متخاصمين. وفي لوحة المقابلة( الانترفيو) نجد الشخص  المقابل صغيرا كأنه دمية بيد السائل مما يدل على كبر السؤال وصغر الجواب حيث يبقى السائل هو الذي يقود العملية في حين أن لا جواب واحد على السؤال نفسه، من هنا تكتسب المحاورات الاستجواب طابعها البوليسي الغامض.وفي لوحة الشمعة لا يبرز إلى الأمام إلا أضاء جانبية للوجه الغارق في خلفية مظلمة معلنا عن انسحاب تام من عالم النور. فالشمعة لا توقد أحيانا للرؤية الخارجية بل لتسليط الضوء على دواخل الشخصيات.فتبدو أنها في حلم يقظة مستمر وثمت عالم مغلق ينظر دائما من يضيء الروح إليه. وفي لوحة البالون نجد شخصاً نائما في حلم يقظة شعري  آخر هو حلم الطيران وتغيير العالم، فقد دأبت النظريات السكونية في مفهوم الثورات أن يلجأ البعض إلى طرح مشروعات لتغيير العالم بينما هو نائم في سريره، هذه الفكرة لا تشير إلى عجز الإنسان إزاء ضغوط العالم الخارجي فقط، بل وإلى فردانيته المميته وجعله مجرد حالم بالتغيير دون أدوات فاعلة..وفي لوحة الرجل والحصان ( السباق) لا يظهر إلا رأسين هما رأس الحصان ورأس الرجل  على أرضية مثمرة هي الميدان الفعلي لحركة الاثنين بينما يكون الأفق  ملونا بقوس قزح مشرق فالرغبات الراكضة لا ترتبط إلا بميدان سباق مع الزمن وقد لا تجد أحيانا نفسها إلا بعد أن يمهد لها خارجيا بالظهور كل الآمال الداخلية معلقة بقدمين ورأس متجه للأمام.

                           

<

>