Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

أبحاث

جمر الكتابة الأخرى

شاكر مجيد سيفو

قراءات
 

في  المشهد

الشعري العربي

 

وداعاً أيها الأصدقاء الوارثون ،

 

أنا الفرحان، أتوسل بالوداع*

في [أوبرا الأميرة الضائعة]**

يستهل الشاعر الراحل رعد عبد القادر مجموعته "اوبرا الأميرة الضائعة" بموشور نصّي تتقدم فيه الحياة بهاجس الحلم واليقظة معاً: [الان وبعد سبعة اعوام على حلم يقظتي يلحُّ عليَّ هاجس ويأمرني بالكتابة…[ ومن هذا المفتتح الأمري ينطلق الشاعر لتأسيس حياة النص داخل حياته الشخصية، لتظل الكتابة أقوى من الموت،،، يُقسّم الشاعر مجموعته الى ثلاثة محاور رئيسية تحمل عنونات دالّة في موجهاتها النصيّة وهي [حلم الأعوام السبعة وظلال العاشق، وغناء السلالة]، ويشرع الشاعر في مستهل القسم الأول، باستعراض ايقوني لبنية المكان وتفرعاتها الاهليليجية لتتسع الى عالم كبير يدخله الشاعر بقوة الوعي الفلسفي والشعري والمعرفي الكوني وليؤسطر العبارة الشعرية في حدودها الميتافيزيقية، وينشطر المخيال الشخصي الى عتبات ودوائر لتهكيل مشهدية بصرية تقوم بفاعلية التلاحم الصوري والحسّي.. [أرض وأرض ممتدة بيضاء. ساكنة/ لا يمسك حدودها البصر. صمت/ باب زجاجي شفاف ينهض من الارض مستطيلاً.. صقيلاً/ لا أثر لضباب أو غبار/ تنمو من نهايته الموصلة بالسماء/ غصون وغصون… ص9]

ويسكن الشاعر بروحه عالم التأمل لترقى الروح بموسيقى سلالمها أمواجاً أمواجاً، [أتأمل الروح ترقى/ السلالم موسيقى ووردٌ ونار..] تنبثق الرؤيا من عالم الرؤيةفي طقس أيقوني تتداخل وتتواشج عناصره في موتيفات سحرية تؤسسها الذاكرة اللغوية المحتشدة بعناصر الحياة والكون والوجود.. [أتحرك أمواجاً أمواجاً/ وأبصِرُ نخلاً وطيوراً/ كان فرحي أفواجاً/ وصبايَ بلاداً/ وحبّي ملكاً.. ص10] يمتلك الشاعر قدرة استثنائية في الحفر في جوهر اللغة وكشوفاتها الرمزية والايقونية والصوفية وينهض نصه الشعري مشحوناً بطاقة شعرية خلاّقة في شاشة الكتابة الجديدة، فلغة النص تكشف عن حمولتها الباطنية من خلال طبقاتها اللسانية الصميمية التي تداهم جميع الحواس في انتقالات المفردة والجملة والصورة وبناءاتها المشيّدة بوعي تصوفي سحري ونشوة الانا الخارقة  للعب باللغة وهذا هو جوهر العمل الأدبي حسب سوزان بيرنار في حديثها عن قصيدة النثر، إنّ نداء الاعماق واجتراح وظيفة للشعر يلحّان بقوة في نصّ الشاعرة وقد تمظهرا في سيمياءات لسانية عديدة، وبرزت هذه الاشتغالات الحداثية في مجموعاته [أوبرا الأميرة الضائعة، ودع البلبل يتعجب، وجوائز السنة الكبيسة…] لقد كان لنداء القلق ولغة التاسيس العميقة وحيازة سفر المتعة واللذة الخارقة، كل هذه كانت موجّهات قيادة النص من الغناء الى حقل السرد واستعراضاته السخيّة في بناءات مشهدية صورية تتناوب في تشييدها قوى التخييل والفنتازيا والأسطورة ودينامية الرؤى التصوفية ومقاربات التنظير النقدي الحداثي متوّجةً بـ(طروحات، ر0ولان بارت وتودورون وكلودليفي شتراوس وميشيل فوكو وجاك دريدا وأمبرتوا ايكو وريفاتير وغيرهم) ان نصوص الشاعر في (أوبرا الأميرة الضائعة: منزل قراءتنا) تعتمد معاينة جماليات الصورة الملحمية في حلمية سروداتها الناطقة على لسان الأنا القوية والتي تحتوي ظلال النص وأفيائه متفردة في اتساعها وظهوراتها الشكلية وحركة دلالتها من الصورة إثر الصورة ونقل كيمياء الصورة من فضاءاتها الذهنية الى خطاب حسّي يتراسل مع الآخر في نقاط اتساع أفق الدلالة، ويظهر بجلي ووضوح استفادة الشاعر من معطيات الفنون الأخرى، ابتداءاً من الجنس الحكائي وخفايا الروح السينمية وتقنيات القص وتأطير كشوفات الحلم واستنطاق معادلات الفوضى وانتظام الوعي الشعري وهذيان الروح والجسد معاً، وتشعير الداخل وتكثيفه في استثمار العوالم اليومية ومخاطبة الحواس بروح الشاعر الرائي لانتاج صوره الشعرية المدهشة الصادمة ومشاكسة العلامة اللغوية وخلق عناصر التوتر في المفردة والعبارة مستثمراً مقولات النفرّي وعاشقهٍ الكبير (أدونيس)، كل هذه الأعمال الرؤيؤية من اجل خلق حساسية عالية وإخراج اليومي والسيّري والمجهول الى حاضنة الشعرية وضخ إشعاعاتها في فوضى الكتابة وكتابة الفوضى في جوهرها اللغوي وفاعلية قواها وتحريرها من الضجيج الى الحركة المثيرة لقوى الحواس أو تراسلها بقوة في عمل المنظومة الشعرية التي تهندس النص وترسل توتره وتأزّمه وتبعث قلق الانا من سكون الداخل الى حركة الفيض الشعري وإشعاعه على العالم، إن الشاعر رعد عبد القادر استطاع أن يخضع صوره الشعرية المتهافتة في كل نصوص مجموعته (أوبرا الأميرة الضائعة) الى انفتاح المعاني في تراكم طبقات الدلالة وتشاكل مستوياتها المتعددة وقد تمظهرت هذه التعددية في فضاءٍ من تعايشات المعنى "حسب رولان بارت، وقد رسّخ الوعي الشعري هذه الرؤية في انشطارات الرؤيا الشخصية للذات الشاعرة وفاعلية حساسيتها الجديدة في مشهد الكتابة الشعرية الجديدة وتستدل قراءتنا هذه في حركة النص الداخلية الدائرية بكليانيتها البنائية، مثلاً: [السرّ في الباب/ وثمّة إيماء/ وشرارة تنبض خلف الباب/ وإذ تهدأ/ يتفرّع النور ويتوزّع/ أقواس قزح وشلالات/ وتبدأ رقصة وتعلو اصوات../ والمزامير غابة والثياب ريح والأجساد تتلوى/ والأرواح خيول… ص11]، إن حركة الابتداء النصيّة في هذا المقطع تتخذ لها بنية حكائية قد نعثر على اطيافها في اشتغالات الذاكرة الشعرية العراقية، إلا أن ما يميز الشاعر هذه الانعطافة في تشكلأ المقاربة النصية من خلال المسرود في مقومات بلاغية  بحساسية جديدة، متطرفة في مكوناتها الاستعارية والكنائية حيث يعمد الى نقل الصورة من واقعيتها المشهدية الى رؤاها الفانتازية بقوة العلامة اللغوية وفضاء العلاقة بين الكائنات والموجودات وخلف دراما المشهد الشعري من خلال تجسدات فعاليات الاشياء والكائنات ورغباتها وحضور عناصر الحكاية داخل الحدث الشعري وسخونته، وتعالقات الذاكرة الشخصية واستنطاقها وبثّ إرسالياتها النصيّة.. [أتذكر الموتى/ كانت الفرس تجفل من النار/ والفارس كان صحراويا/ يريد أن يصل،/ ان يخترق الباب/ ولكنه اصطدم بالزجاج وسقط/ والزجاج لا أثر الغبار عليه.. ص15] ترشّح لغة النص عن شعرية الحكاية في ديناميتها الشعرية وجمالية ملفوظاتها التي تشكل ايقونات دلالية ومتسعات للمعنى والتباساته في بؤرة النص وانشطاراته الى هرمية تتخذ من الرموز والمرموزات قنوات لشبكة من العلاقات الأستبدالية والاقترانية وتفرعات الثنائية الضدية الى موشورات حياتية تتجانس وتتضاد وتتساوى وتتوازى في حالات الوعي الأنوي الحّاد، وينبثق الروح الشعري من هذا المخاض التخييلي والرؤيوي، لِنَقِفَ عند هذه الصورة الجمالية الهائلة: [إمتلأت الغصون بالاجساد/ وبقي غُصنٌ واحِدٌ في انتظاري. [لا تخف إنه المفتاح ./ إبتكرْ حيّاً من أجلي. إبتكرْ موتاً لي.. ص17] ويصل الشاعر في نهاية المطاف الى معادلة حياتية تقوم على الثنائية الصندية في قوة تشكلها الذهني والحسي وملفوظات الصورة: [وجدتُ المفتاح وضاعت يداي..ص19] تتشاكل محمولات الريا في نسيج النص في هذه المجموعة من منظومات رؤيوية وذاكراتية وتخيلية، وتتراكم في بؤرة النص لتنشطر الى صوره أيقونية متعاضدة ومتكافئة في نسيجها النصّي وقوة جاذبيتها الشعرية عبر رحلات لمتواليات حركة النص الداخلية وحركة الأنا الشاعرة وسياحتها داخل فضاء صوري والتقاطات الانا لكيمياء المعنى وسحرية الصورة وعناقهما الشديد وسط تقلبات الوعي الشعري وديناميته الاستثنائية: [حملتُ المفتاح واصبح ثقيلاً/ وكاد يفقدني توازني/ وفتحت يدي لأرميه/ وقلتُ: استسلامي نجاةٌ/ تألمت أعماقي/ ففضلت الهلاك/ وأطبقّت يدي عليه وآنتظرت الموت.. ص26] وتسعى الأنا في معترك الحياة هنا، في هذه الانتقالات الحرجة الى ان تسكن الهدوء،،، وعبر رحلة شاقّة تصل الأنا إلى نداءاتها الداخلية الحادة المؤسفة: [وتأسفت وصحت: السلام عليك يا دنيا.. ص27] يستدرج الشاعر مدونات حلمه الميتافيزيقي للأعوام السبعة عبر سبع حركات للأنا في رؤياها الشخصية المثقلة بضجيج الوجود والكون والاشياء والكائنات وحلم الأنا وضجيجها الكوني وتفرعات الحلم والرؤيا وانشطارات الوعي الاستاطيقي للذات الشاعرة، ففي الخطوة الرابعة من غنائه الكوني يصبح الشاعر في ارض الضحك ومنها يبتديء الغناء: [غنيت لأرض الضحك/ فخرجت من غنائي شمس/ فهدأت الارض،/ وتركت ظلالي تضحك.. ص45] وتتدافع الانا مع ظلالها لتشتبك الظلال مع العالمين حيث الرياح القاسية والقفل والكواكب والاميرة والتاج والاساور والباب، وهنا يدير الشاعر المفتاح في القفل، سبع دورات، في كل دورة تتقاطر على روحه آلام الأرض والكون والكائنات، وهو لا زال يغني حسب التصريح النصي الذي يختتم به النص: [غنيت لهذه الارض/ فخرجت من غنائي شمس سابعة/ وغابت في ارضِ الأميرة الضائعة.. ص53]، ويظل الشاعر رعد عبد القادر داخل منطقة حرجة بين الارض والسماء، يطل على مخلوقاته بوصاياه حيث يكتبها (على ورقة عباد الشمس) وينادي: [سأكتب عن الارض وأحرر ميلادي/ وداعاً يا ملايين الاشجار/ وداعاً أيها الاصدقاء الوارثون/ انا الفرحان، اتوسل بالوداع.. ص56] ايها الشاعر الرعد، اجل لقد توسلت الوداع، وانت الفرحان، لقد حققت حلمك الشعري في كل ما كتبت، وهذا اجمل ما يتمناه الشاعر، لقد كنت في حياتك نجماً شعرياً، وها أنت في رحيلك نجماً كونياً يقطر ضوءه في ليالينا الحالكات..

 


 

بنية الغياب وتتويج الحلم*

في [مزامير الغياب]**

تفتتح الشاعرة مجموعتها الشعرية الثانية "مزامير الغياب" بمقدمة تستل ملفوظتها من النسق اللغوي الانجيلي الذي يبدو في نبراته اللفظية تأسيساً لحلم الشاعرة ويوتوبياها الشعرية (في البدء كان الحلم.. من الحلم كانت الكلمة.. ومن كلمة تناثر القمر.. من القمر تمددت سماء ومن السماء نزل البحر.. ومن البحر اكتسبت الاشياء نبضها.. ومن النبض كان الجرح.. الجرح حمامة حطت فوق الاصابع).

يتشظى الحلم البدئي والميتافيزيقي والكوني للشاعرة عبر مساحة حياتية ممتلئة بكيانات مستقلة احياناً ومرتبطة في علائقيتها مع الاشياء الاخرى فالكلمة التي تناثر منها القمر الذي هو دلالة الضوء ويرتبط بعلاقة شيئية ومادية مع السماء التي تمددت.. والبحر الذي كان يرقد في سريرها حتى هبّت عاصفة وهبط البحر ليشكل كياناً خاصاً وهكذا تتصادق المخلوقات فيما بينها عبر مساحة حياتية ليتحقق حلم الشاعرة في سياحتها اللغوية الصورية حين تصبح (المقابر مأوى للعصافير). وتحلّق بخيالها لتخلق صوراً غرائبية تحقق عبر سيمائياتها نقلة فجائية في المشهد الحياتي الحلمي الذي تنشده الشاعرة حين تكون (الجنة تحت اقدام ...، اذن الانفصال عن الوعي الحياتي المتفوق عند الانسان المختلف (المجنون). هو التصوّر الي تصل اليه لغة الشاعرة لتقيم عند اقدام الجنة، تغريباً للنسق اللغوي الصوري المرتبط في ذاكرة الانسان العربي في (الجنة تحت اقدام الامهات)، والمجانين هنا كناية عن اللاوعي الجمعي الذي اصابته وطالته الحروب وخياناتها، فهم أي (المجانين يديرون قرص الشمس).. وتصل الشاعرة الى ذروة الحلم حينما يتصل بدمها الذي يورث الحلم في جملتها الشعرية (وهي التي تورث الحلم) وتحرص الشاعرة في استهلالات نصوصها على كتابة حسب توصيف النسق اللغوي المعقلن في الذاكرة والراسخ في تسطيرات الكتب المقدسة حسب وصفها وشروعها في نسج الاستهلال وتضمن في كل مستهل للنص قولاً لأحد الكتاب او الشعراء العالمين. اضافة الى تركيزها الشديد الى تدوين الآية الانجيلية في استعارتها ونقلها نصوصاً لآيات ففي نصها (حبة خردل، تستهل النص بقول يسوع المسيح "ان كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر ان يدخل ملكوت الله"، وتنتقل فجأة الى لغة قرآنية لتشرّع في نصها (إقرأ.. باسم حبك.. وقل.. يحمدني التراب.. حين أنام.. وحين اصحو,, لا فرق.. يحمدني التراب.. انا الماء.. ابلل الماء بصمتي.. انا الماء.. متى أنسكب..).

ولا تكتفي الشاعرة بتضمين سطراً أو سطرين إلا انها تلجأ لتنصيص مقطعاً كامِلاً من الكتاب المقدس لتطبق جمالية شكلية وذهنية على متن نصها الشعري الذي تترجى فيه اصطياد اللقى الفكرية (هوذا قد خرج ليزرع.. وفيما هو يبذر سقط البعض على الطريق.. فجاءت الطيور واكلته..)

وتدخل الى سفر الرؤيا لتقيم علاقة رؤيوية وصورية لانتاج صورٍ محتدمة تدخل في البناء الكلي للنص ونسيجه العام. (من العرش تخرج بروق ورعود واصوات.. وامام العرش سبعة مصابيح نار متقدمة هي سبعة ارواح الله وقدام العرش بحر زجاج شبه البلور).

وتتسلط بنية الغياب على المشهد الشعري للشاعرة في كل اضمامة صور تتجمع لتكون بنى متقدمة عبر لغة شعرية نكتشف شعريتها من خلال عناصر المفارقة والدهشة وانوجاد الآخر في بؤرة النص ان غاية الشاعرة هي خلق المغايرة لدى ذائقة القاريء، ليحفر عميقاً داخل النص ويفكك رموزه واشاراته. فالتناصات التي تشيع في المجموعة هي اضافات تطريسية لتكريس ثيمة المكوّن المعرفي والثقافي والايستمولوجي للشاعرة بقصد خلق اضافات تحرك مشهدية التصوير الشعري وتثوير شعرية التصوير وحرث المتخيل الشعري في الانوجاد المختلف للمشهد الشخصي  وتأسيس الحلم في علاقة ايقونية تقوم بين شطري الحضور والغياب، ان خصوبة اللغة عند الشاعرة تجعلها تحلّق عالياً في اثارة الدهشة عند المتلقي وتحريرها من سكونيتها وخلق الرعشة الابدية في سبيل وجودها وانسنة حياتها بطاقة المفردة السحرية وشعريتها المتقدمة وشرارتها ونثار دفئها وخصوبتها، ان اشتغال الشاعرة على تأسيس بنية الغياب ونشرها سلسلة في جسد النص لا بل في مشهدها الشعري يعاضد الحلم كثيمة تغييب في منطقة اللاوعي للزمن الشخصي المتجسد في الذاكرة الشعرية، أي في ذاكرة الانا الشاعرة ففي نصها (مطر). تحرص الشاعرة على ايقاف مسلسل الغياب لكنها في النهاية تتعمد الغياب لتؤكد حتمية فكرتها الاساسية التي يغلي في مرجلها العنوان الكلي للمجموعة.. (في النهار.. زرت قبرك الذي تبيض فيه الطيور ذكرياتها.. في الليل حلمت.. باني شاهدة..) هذه العلامة الثنائية في الزمن المخفي بين الحضور، في الفعل (زرت) وفي الغياب (حلمت) تختصر بها الشاعرة مسافة غياب الذكريات وحضور القبر وخصوصاً كشاهدة.. ان الصورة الحلمية تحققت نتيجة تصدع الحلم في فجائية العلاقة الزمنية ومسافتها ومساحتها بين (النهار والليل) ان اسلوب الشاعرة ذاكراتي ينفتح على الحلم في القص والتذكر بين الغياب والحضور والاسترجاع والاستذكار واستدراج القص لانتاج الصورة الشعرية ان بنية التغييب تمتزج فيها وحدات المكان والزمان والشخوص (الانا، والانت). لتحريك المشهد التصويري خارج الكلام النثري الذي يطيح بالشعرية  في اغلب الاحيان، ونجاحه عندما يمتزج القص بالتشعير، اذ تحرص الشاعرة على تثوير لعة الشعر داخل المتن الحكائي او السردي او الموجز القصصي، ان الشاعرة دنيا ميخائيل ترى في كتاباتها الشعرية خلاصاً لقلقها الميتافيزيقي، تلك الكتابة التي تحرر ملفوظاتها الشعرية في لحظات الوجود القاسية، في وجود الغائب وحضور الغياب، لتعلن عن كينونتها وسط هذه العلائق التي تسهب في تركيز وجوديتها بين متاهات العالم وحروبه وخسارتها والعابها وصحوها لكي تزيح المشاهد عن وجودها الحقيقي.

ان اخطر وظيفة يؤديه الحلم هي تحقيقه لشعرية النص عند دنيا ميخائيل، فهي معنية جداً بهذه الوظيفة، لا بل هي المهمة التي اسندتها نفسها الى الحلم لتطرز كينونتها بطفولة تزوغ عن جنون العالم ولتدمج العقل بحدس اللحظة وتخلق صدمة في استعادة الوعي الآخر، لان الشعر هو اثارة قلق وصدمة عبر مشهد شعري يتضايف فيه الحلم مع الشعور والوعي باللاوعي والتضاد الروحي بآنسنة الخلائق او الكائنات والاشياء، واصطياد اللحظات الشعرية الحرجة، اللحظات التي ترتعش وسط خشونة الزمن ورهبة المكان، ولا جدوى الاوهام، وتشي بالرؤيا التي تعيننا على معاينة بنية العلائق اللغوية واكتشاف الصورة، فالحلم الذي يستدرج الشاعرة هو من نمط الاحلام الكيانية، هو التقصي عن كينونة هاربة من عالم الانا، هو الانوجاد في الذات الكلية، هو الذي يقيها من فساد الحياة وزيفها وجديتها وسط عالم جمالي مطلق، هو الشعر في اضطرابها  وقلقها الازلي، هو ذلك القفز الخارق فوق طبيعة الاشياء واصطياد فورانها وخرافاتها بفعل الكلمة والحلم، فبالحلم تؤسس مملكة الشعر والفكر (هو يلعب حلماً هي تلعب ريشاً.. هو يطيرون...) (قصيدة ضمائر منفصلة)، واذا كان الحلم احد اركان التأسيس الشعري لثيمة النص عند الشاعرة، فهي في جوهره ترى التلاشي. ان حضوره يبدو لها نوعاً من القبض على الحجر، في حين يبقى اشتغالها على اثارته وتثويره داخل المشهد حقيقة للانوجاد وتعني اليوتوبيا التي تحزن فيها قلقها ومخاوفها وارهاصاتها.. (في اللحظات المرتعشة.. بين قلبي وممحاتك... حاولت ان التقط بعض اوقاتي المفضلة..)، ان ثمة علاقة مهتزة ومرتبكة ومضطربة وشديدة الاهتزاز بين زمنية ترتبط بذاتيتها وبين حضور الفعل الذي يتحرك عبر ملفوظة الممحاة)، وتحرص الشاعرة من خلال هذه العلاقة الى التقاط بعض اوقاتها التي تفضلها، فالمسافة الزمنية مليئة بالاشارات الغامضة والقلق والتساؤل والاجهاد، تلك البُنى الصادرة عن عالم مرئي الى حدودها الشعرية وتظل رغبة الشاعرة متقدة جداً في انشغالها بالزمن، فهي ترى عكس ما ترغب، انها تصل الى علاقتها الهاربة من شخصيتها في الحياة والزمن، تلك هي هروب اللحظات السعيدة دائماً، ووسط هذه العلاقة تتأسس بنية الغياب والحضور وتنسج من خلالها الشاعرة موتيفات من الذاكرة الخشنة، حيث تلمس المرئي، ومن هنا تجهد اكثر في اعادة صورة المجهول الكوني والميتافيزيقي في هزيمة الروح من المجهول الى الحلم الذي يظل هو الجوهر والصفاء الزمني في تحقيق رغبات الشاعرة وسعادتها ودهشتها وسط عالم طفولي في حالة من الصحو الوجودي الذي تشع فيه الذكريات في صورة جميلة لتلاشي الزمن وتجسيد بنية الغياب تنسج الشاعرة من ملفوظاتها هذه الصورة الرائعة (توقف الزمن.. عند الساعة الثانية عشر واحتار الساعاتي.. لا خلل في الساعة كل ما في الامر.. ان العقربين طال عناقهما.. ونسيا العالم..) قصيدتها على وشك 93 ص20.

تظل الشاعرة دنيا ميخائيل في مشهدها الشعري تؤسس لمزامير الغياب عبر منظومة لفظية تشيع من قاموس الحزن والغياب والحلم والتلاشي والرغبات الهاربة وعلاقات الحياة والعدم وظهور الاشياء القاتمة وطغيان العلاقة الثنائية والغرائبية في سيل من الصور ترسلها رؤية الشاعرة الجديدة والدخول الى عالم الكتابة الجديدة وتعود بنا الشاعرة بين نص وآخر الى احضان الأقوال المأثورة المهمة لفلاسفة العالم وعمالقة كُتّابه وآيات من الكتب المقدسة، كل هذا الركام المعرفي يحمِّل قصيدة الشاعرة ثقلاً ذهنياً وسيمياء شكلية برعت في تاثيثها الشاعرة في كل نصوص مجموعتها ومنها (ظل دمعة، صداع، هوامش، الراهبة، لا شيء قبل الرحيل، آثار الممحاة، تحولات الطفل، ثرثرة الاصداف، ابيض اسود، اجراس الغياب، حصار، خرائب الكلداني، خلف الزجاج، بحر، الاشجار بين قوسين، اللحظة الأخيرة...).

 

 


 

نزيــــــــف الأنـــــا *

في [نزيف البحر]

ما الذي يدعو الشاعرة الى تأسيس النص على أعمدة من الاستهلالت النصية لكبار الادباء والفلاسفة البارزين في العالم، أهي نزعة كتابة النص الآخر واستدعاء الموروث الأدبي والفلسفي الأنساني في مؤشراته النصية الى النص الشخصي وإثقاله بمحمولات الفن والفكر في اعمق مستوياتهما الجمالية والدلالية/ من هنا اردت أن ادخل الى عالم الشاعرة دنيا ميخائيل في مجموعتها الشعرية (نزيف البحر) لقد حرصت دنيا ان تجمع مجموعة كبيرة من الاستهلالات النصية لكبار الأدباء العالميين والحاقها بنصوصها او للأبتداء بحركة النص عندها، ومن اجل تعزيز كلامنا هذا نورد ما سجلته الشاعر في مقتضبات نصية الحاقاً بأطرها الجمالية وتحقيقاً لفاعلية الدلالة في المقتبس النصي/ تفتتح الشاعرة مجموعتها، بالاهداء الى اللاشيء، وتدخل الى طقس الموروث الديني في بنية الملفوظة "في البدء كان البحر" لتقتحم هيئة النص بالتصريح الشعري التالي (كانت البحار/ حبلى فأنجبتني/ لكنها تنبأت بموتي/ على صليب كلماتي/ فخبأتني...) ص7.

تتشكل فعالية الدلالة في هذه الموجزة الصورية من فعل اللفظة المترشح من معادلة الانجاب والصلب ومن ثم الاختفاء، وتتحرك اللغة الشعرية بقوة في توصيف الحادثة النصية تلك، لتسترسل الشاعرة في اضافتها الجمالية عبر توريد متواليات ايقاعية تصل الى جرس اللفظة ومنها عبر التقنيات الخارجية للجملة الشعرية المتمثلة في الحرف (نون) الراكس في نهاية اللفظة (العيون، جنون، سكون، اكون،...) من هذا النص،ننتقل الى مجموعة من الاستهلالات النصية التي تعتبرها الشاعرة في ظني مفاتيح للشروع في كتابة الموضوع، فعلى سبيل المثال، تورد في بداية نص ـ جنينة البحرـ قولاً من رواية الجحيم لهنري باربوس حيث يرى هكذا (انك تتغيرين../ لقد تغيرت كثيراً../ لا أجروء على النظر اليك../ خوف الا أراك) يتعانق نص الشاعرة في بعض طبقاته مع الحدس الباطني الذي يضمره الاستهلال المأخوذ من هنري باربوس ويتزود النص الشخصي بمحمولات دلالية من خيال الانا الموجهة لحركة النص وفضائه المعرفي والتشكيلي والنفسي في لحظات حرجة ترسلها الذات الشاعرة تحت سقف فوضى الجمال وترددات القول الشعري وذبذبات شعرية اللغة وحدودها الحدسية والتأملية (تلك جنية البحر../ تأتيني كل مساء/ تأتيني احلامها/ وطناً من هواء/ ثم تذهب صوب النهر/ تنثر احزانها/ كي تأكلها السمكة.. ص13) وتختتم الشاعرة نصها بايقونة لفظية تتكيء في تشكيلها على الملفوظة الروحية للصلاة الربية المعروفة (ابانا الذي في القلوب/ أعطنا الحب كفافنا اليوم/ واغفر لنا خطايانا/ واجعل من شوقنا/ مأوى لكل العصافير.. ص15) ولا تزال الشاعرة دنيا ميخائيل منشغلة في هيكلية نصوصها بافتتاحيات نصية شهيرة، فهنا تستهل نصها (لا مفر) بموجز من مسرحية (دون جوان) لموليير حيث تورد هذا المقطع (اشعر ان قلبي مخلوق/ لكي احب العالم كله/ وارغب كما رغب الأسكندر/ ان توجد عوالم أخرى/ لكي اتمكن ان انقل اليها فتوحاتي الغرامية... ص25) ان غاية التناص اللامقصود في حركة البنيان للشاعرة تبقى في حدودها المعرفية بآنفتاحها على الأرث الأدبي والفلسفي والفني العالمي، حيث تحيل الداخل الى قوة الموروث المقتبس خوفاً من ضياع الروح والذات في متاهات القول واللفظ خارج كيان الأشياء والوجود وانقطاع الانا الى البياض والتلاشي في قدسية اللحظة الحاضرة والهاربة، لحظة الانوجاد في الزمان والمكان وذوبان الزمان في عناصر المكان وصدمة الذات امام تلاشي الاشياء ورحيلها (انا لم يطرق الفرح بابي الا مرتين/ مرة عندما عرفتك/ ومرة عندما نسيتك/ انا لم ارحل في حياتي الا رحلتين.. ص27) تلهث الشاعرة في حركة النص عبر بنية المتواليات النصية المترشحة خلال فعالية الملفوظة ومال والايقاع والنبر والتقفيات الخارجية للجملة الشعرية، وهي بهذه الرؤية في الاشتغال على قيام النص تسعى الى خلق معادلات ثنائية تتراكم من خلال بنائياتها صور شعرية تتداعى داخل هرم لغوي ناشط يكاد يتقارب في ملفوظاته البنائية مجساته الفكرية والدلالية وشفراته الصوتية والسينمائية، وتسترسل الشاعرة في مجموعتها بالاستهلالات النصية الدالة على حركة الذات وقراءاتها الذكية للخزين الادبي الانساني، ففي نصها الاخر (النافذة) تفتتحه بقول (بول غوغان) (اغلق عيني كي ارى) تقول في نصها (النافذة) (فجر لهيب الاحزان/ واحتسي دمعتين/ اغمض عينيه بعد بكاء طويل/ حلم بطائر الحنين/ يتجه صوب الشطآن/ ويأتي بالمستحيل... ص32) يتشظى المعنى عبر خطاب الذاكرة من خلال مسرودة شعرية تجترح لها الشاعرة افقاً دلالياً يقع بين المعلوم والمجهول واختراق حدود الممكن في الملفوظة الختامية للمقطع (المستحيل) ان دنيا تأخذ الكتابة على محمل الجد في تصوير ايقاع الحياة في تغييب الخيال عن منطق الاشياء واستدعاء المفترض الحسي الى حاضنة الذهن والخيال، وتخرج من نمطية التأليف الى تاريخ كتابي للفنتازيا واجتراح المجهول والانتقال من خطاب السكون الى خطاب التحول والمغامرة، ومن حالة التوصيف للبيان المشهدي الى تخييل المشهد واختراق حدود الاجناسية النصية، فالنص عند دنيا كتلة لغوية يرشح شعريته في فضاء الدلالة والعلاقات الثنائية بقوى معرفية وفلسفية تتنافذ على الحدس والخيال والحلم والاستاطيقيا، وترى الشاعرة الى التراكم الصوري عبر مشهدية ابستمولوجية تقترن بالحياة شعراً، وتتنوع علاقات النص في تفرعات الدلالة والايقاع ومستويات الفكرة وانشطارها الى ذوات لتتهيكل متخيلات لبانوراما نصية من عناصر التوتر الحسي والذهني والمعرفي واقترانها بالتوتر الراكس في الاستهلال النصي المتعدد، في مظاهره الجمالية وينفتح على معطيات عمل شعري متقدم، لقد وظّفت دنيا حشداً هائلاً  من الاقوال والامثال الكبيرة من الارث الابداعي العالمي فعلى سبيل المثال نذكر اسماء الاعلام الأدبية (آن سكستون، هيوكينز، ا.ر.اوراج، افلاطون، في قوله الكبير: "أسوأ انواع الظلم هو الادعاء بأن هناك عدلاً.. "وتشيخوف من مسرحية طائر البحر وقول آخر لـ(يونغ) في استهلال نصها: (رحلة الى ما فوق البنفسج) ص68. و(ماري ويب ووردزورث واناتول فرانس وهنري دافيد تورو وبيكاسو ونيتشه في قوله الجميل (في كل انسان حقيقي، يختبيء طفل يرغب في اللعب.. ص83) وكيتس والبير كامو في قوله: (ظلَّ المطر يسقط حتى ابتل ماء البحر ص103)، واقوال اخرى جميلة تضاف الى صدر المكتبة الشعرية للشاعرة دنيا ميخائيل في مجموعتها (نزيف البحر)...


 

 

شعرية الرؤيا وميتاجماليات التشكيل *

في [فوضى في غير اوانها]

تتفرد قصائد الشاعر حميد سعيد في اجتراحاتها لشفراتها الاسلوبية بوساطة مهيمنات الرمز والمرموز وعلاقتهما عبر حركة التنوع والتحول والثراء المعرفي والطقسي والشعائري واستنطاق مجسات التشكيل وطاقة الرؤيا وتجاوز التوصيف الصوري المألوف، وتبلغ الصورة الشعرية اقصى مدياتها الرؤيوية باحتفاظها بالنسق الميثولوجي والحكمي والشعري المخالف لسلم الكلام النثري، في حيازة قاموسه اللغوي على اقصى درجات الانزياح في اجتراح المعاني وتعايشها خارج محددات الاشارة النصية وهندسة التشكيل القاسية، وتتعالق شعرية الرؤيا وميتا جمايات التشكيل وحضارته في مشهدية بصرية وتخيلية تمنح القصيدة افقها الدلالي الواسع في استعارات ضخمة ومقومات بلاغية تفيض بمياه شعرية مسندة الى دالات لسانية منتقاة ترسل سخونتها وكثافتها الاشارية عبر ضخ شعري، يتعاضد فيه ايقاع الحياة عبر مستوييها المتداخلين في قناع الرؤيا الاشراقية من جهة والرؤية التدميرية من جهة أخرى وتتمظهر حركة التراسل الروحي والصوفي في استثمار الذاكرة وحالاتها في هيئة حادثة الوجدان والمعرفية وتناول سياق الدلالة صوتيا وتركيبياً ومعرفياً ويخرج افق النص من شعرية القول الى تثوير الشعري عبر هذه المستويات الاسلوبية الثرّة، وتبرز حركة الفعل الشعري من داخل النص لتبلغ خارجه بقوة المعنى وواقعيته عبر منظور الرؤية الشخصية، ويتمظهر هذا الاشتغال بمنظومة من الصور الحسية المتوهجة وفيوضات شعريتها وتراكمها داخل فضاء النص وظلال الرؤية التشخيصية وكونيتها التصويرية.

ان قصائد الشاعر تتمحور حول أنسجة الكون الشعري في قيمته الحياتية لكتابة المعنى ومعنى الكتابة وتتماهى الذات الشاعرة الى حد الذوبان في افق المعنى الحياتي والجوهر الشعري وحتى في فوضى الذاكرة ومغامرتها في تأسيس الدال المتشرب لتراث القصيدة واخصاب الرمز بالشعرية، وتتضايف لغة التراث والذاكرة وتراجيديا المعاني لتشييد فضاء شخصي جمعي في كشوفات الرؤية وعذابات الرؤى الشخصية التي تنبض بحياة اللغة ونداء الروح الشعري وقد تأتى هذا من تراكم خبرة الشاعر وكثافة تجربته الشعرية وتطورها الزمني الدراماتيكي الذي نقرأ فلسفته في قصائد (فوضى في غير اوانها). تنمو قصيدة الشاعر حميد سعيد من تأهيل المؤول الدلالي والنسق الغنائي في مناخات من التوتر النفسي الذاتي واقترانه بعذابات الآخر الجمعي وتفعيل رؤى المؤثر، وتتشكل رؤى القصائد في اجتراح بنى الاشارة والرمز وتشكل البنية المعرفية للنص عبر شروحات القناع ــ الرمز وعلاقته بالمرموز، وتوحي بنية الاهداء لعدد من قصائد الشاعر الى تراسل الشخصية ــ الرمز مع المستوى المعرفي والفلسفي للرؤية الشعرية ومنظومة الافكار، وتفصح لغة القصائد عن عناق اصغائي عرفاتي يقع على رؤى التخاطب والتراسل الذهني والحسي لخلق ايقاع المعنى مستلفاً من معطيات التاريخ والتراث والبنى الحضارية هيكلية حادثة النص الشعري ووقائعيتها التي تمتليء بها المسافة بين قطبي الزمان والمكان، ويؤشر عدد من قصائد المجموعة الى هذه القراءة النافذة الى جوانيات النص.

ان الشاعر حميد سعيد في (فوضى في غير اوانها) يتأمل المشهد الكوني وتعددية كارثية حلم العالم العام وحلمه الشخصي التاريخي ويبدو بقوة اكثر تعلقاً بالحياة واشد حساسية في رصيده المعرفي والفلسفي الذي يؤسس لخطابه الشعري، وتبرز هذه القراءة عبر رؤية من تدوينات الوجد الصوفي والجوهري الاشاري وتبدو الحادثة الشعرية المحرق الاساسي لخطاب النص وبناه التركيبية والدلالية، عبر تبادل افق الرؤية والرؤيا الشعرية وحركة الرمز والمرموز لخلق اسطورته الخاصة وتتسلل الواقعة الاسطورية الى خطاب بنى التخيل عبر ثراء الانفعال الحسي، واختراق حدود المرجعية التراثية وبنى الموروث النصي.. ان الشاعر حميد سعيد يحقق في قصائده نوعاً من التماهي بين الرمز التاريخي والرمز الشعري في تمظهر ثنائيات التشكيل وميتاجمالياته وشعرية الرؤيا، وفجائعيتها المترشحة في منظومة من الملفوظات الذهنية والتأملية والتشكيلية وتحول العلامة الفنية البصرية الى صورة تجسد حادثة النص وشفرته الرمزية.

ورغم الوجع والألم والانين التي تتضح من الاشارات النصية في قصيدة الشاعر (وفاء تكتب على دمها)، الا انه يرسل طقساً لغويا صورياً شفافاً عبر مقاربات لسانية تجعل ايقاع المعنى متراصاً ومكثفاً في صيغته الحوارية والحكائية المتحققة في الجوهر الشعري ورؤياه الشخصية (رأيت حقلاً من الرز يخطبني من فراشي/ تمنعت.. فانسلت المرأة/ عريانة وقالت: هيت لك..).

ان قصائد (فوضى في غير اوانها) تأسيس حقيقي لشعرية تجربة الشاعر في اقصى مدياتها وعبر مسيرته الشعرية الكلية منذ شواطيء لم تعرف الدفء وحتى نصه الاخير وردة للكتابة.

 


 

بنية الصورة الشعرية الـمحتشدة وثراء المعنى*

في [اوراق الماء]

يظلّ الشاعر معد الجبوري من أنشط شعراء جيله الواقع بين نهاية الستينات وبداية السبعينات في مجمل تجربته الادبية والفنية (الشعرية والمسرحية) رغم احتفاظ كتابته الشعرية بسقف قصيدة التفعيلة إلا أن الشاعر يحرص دائماً على إثراء كتابته الشعرية بسلسلة من الصور الشعرية والمعاني الحياتية العميقة بوساطة جهازه اللغوي المنبثق من لسانية تراثية وحداثية معاً، وقدراته الفنية والفكرية في معظم مجموعاته الشعرية إبتداءاً من (اعترافات المتهم الغائب) ومروراً بـ (للصورة لون آخر) ووردة للسفر وطرديات ابي الحارث الموصلي، ومسرحياته المعروفة (آدابا وشموكين والسيف والطبل والشرارة و...) ومنجزه الشعري الجديد الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة (اوراق الماء) والتي تضم احدى وعشرين قصيدة..

ظلت الكتابة الشعرية عند الشاعر معد الجبوري همّاً حياتياً وتاريخياً ويومياً طقسياً وكونياً ميثولوجياً واسطورياً، توزّعت هذه القوى بمحمولاتها الحياتية والجمالية عبر صيغٍ فنية متنوعة في مشهدية صورية فنتازية وواقعية في اسلوبيتها وصيغها البلاغية المتعددة الاشعاع والتنوع والثراء في التشكيل والخلق والتكوين، انّ  صيغ الاستعارة والمجاز والتشبيه وملحقات الاضافة والتكرار اللفظي والتوكيد وبيان الاحوال هي القوى البلاغية الناشطة التي تصنع بنية الجملة والعبارة وهيكل القصيدة الكلي في تجربة معد الجبوري، ان شعرية العبارة وكثافتها تتشظى عبر نسيج القصيدة من خلال مؤهلات التخصيب الدلالي والمفردة الحامل لشعرية الملفوظة وترشح هذه الشعرية في بنى ذروية فكرية ونفسية وفلسفية ونزعات صوفية ووجدانية تتجاذب في مقترباتها الحسية والذهنية حتى تلتمُ من خلالها موضوعات الشاعر في بؤر متعددة من العلائقية التي تتصف بمناخ متوتر للذات والأنا الشاعرة معا، إنّ خطاب الشاعر الجبوري يتحرك عبر سلسلة من الصور الحركية وتوهّجها الذي يضخ شعريتها على امتداد النسيج الداخلي وعناصره ومركباته الدلالية ومستوياته التركيبية والصوتية، وترشح عن مركبات الخطاب أنساقٌ حياتية تنتظم في قنوات الالم والحزن والتمرد والخيبة والأسى والاحساس بالموت والانتصار عليه في صيغة القيامة [ها أنا،/ من حطام المراكب،/ أطلع ثانية، ناشراً لهبي في الحطام... قصيدة محنة السندباد ص39].

وتظل الأنا الشاعرة الموجِّه الشخصي الرئيسي لحركة هذا الخطاب واعماقه بكليته وتفرعاته الى ذرىً فكرية وفلسفية، ويستند الخطاب الى ذاكرة شعرية محتشدة بالرؤيا والمعرفة، لتحيل خزين الشاعر الذاكروي الى بنية مأهولة بالمعاني الكبيرة عبر تفعيل شبكة العلاقات الثنائية في جدل ايقوناتي تصويري باقترانها بالوعي الشعري العالي للشاعر وتفعيل اثرية العلاقة الفنية للعناصر الداخلية للخطاب الشعري وحركته المتدفقة بين سلطة عمل الذاكرة وقوى التخييل لأقامة منطقة شعرية يتداخل ويتخارج من خلالها الرمز ومنظومات الرؤى اليومية والتاريخية الجمعية والشخصية حتى تتمظهر الحال الشعرية بالحادثة الانسانية والوطنية: [هذا رقيم المجد،/ فاقْرَأ ما توهّجَ/ في الرقيم:/ تبقى بلاد الرافدين،/ مسلّة الأرضيين،/ تشتعل الحرائق/ حولها ابداً/، وتولدُ من حرائقها،/ النجوم.. من قصيدة رقيم: سيجيء في ذريتي ص65[. إن الشاعر معد الجبوري يدفع بشعرية الجملة في قصيدته من مستوى الرؤية الداخلية للخطاب الى الخارج باستدعاء الاشياء والموجودات في تجسّداتها الحسّية والذهنية في علاقة تخارج وتداخل عبر منظومة لسانية يكاد يتفرد بها خطاب الشاعر اضافة الى تنويعات الايقاع العروضي وقوة نبرة التقفية الخارجية للعبارة؛ وتكاد هذه السمة تتسلط على فضاء المشهد الشعري بكليته: [يا لصبيٍ يضرب فوق العود، فيطلعُ من قٌمقٌمِهِ،/ جنِيُّ الالهامْ../ يسكب من أبريق القلب،/ نبيذ الذكرى،/ والاحلامْ،/ فتنثُّ الموسيقى،/ من بين أنامله زهراً/ ونجوماً/ وهديل حمام... من قصيدة طائر الغابات ص53]. هكذا بامكاننا ان نتواصل في قراءة اعمال ستراتيج الخطاب الشعري للشاعر الجبوري في تجلّي تركيبة اللغة ومنظوماتها اللسانية وكيمياء قانونها النوعي وإشاريتها الراصدة للأفق الحيلتي، لقد تحقق الشعري في قصيدة الشاعر باستثماره طاقة الداخل وتنازعها مع الخارج المرئي، والمتخيل والحلمي والفانتازي عبر عدسة الأنا الشاعرة وقوة رؤية الرصد الشاملة للمشهد اليومي والتاريخي. (سأقول للريح:/ أعصفي يا ريح./ مادام الرحيل هو التهرّب../ ولسوفَ أطوي،/ دونما أسفٍ،/ شراع السندباد../ لا بد للنّار،/ التي تجتاح صدري./ من حَطَب./ لا بُدّ من عصفٍ يُزلزلُني... من قصيدة الشاعر المقيم ص 57) وتتحاور مناسيم الخطاب الشعري الذي يجمع في باطنيته وظاهراتيته أنساقاً من البوح والافصاح والارسال من جهة والاخفاء والإحالة الى المرجعية في الموروث التراثي الجمعي قادتها لغة الشاعر الى شعرية رصينة بقصد تحويل الخطاب الى أقطاب متعددة تتنازعها مهيمنة اسلوبية عالية في قيماتها الادبية والجمالية وثراء الموضوعة الحياتية في تشكّلاتها وتوليدها لمعاني الخطاب الشعري اضافة الى تنوّع المستويات الاسلوبية وثرائها اللغوي ومنتجاته الدلالية وقد تحقق كل هذا في قصيدته (احلام الملك الضليل): [هزّي بعصفكِ قاع الروح، يا روحُ / سربٌ من الطير، في الأعماق مذبوحُ، قفلٌ من الصّمتِ مُسْوَدُّ، يسدُّ فمي ـ مِنْ حولِهِ صَدِتتْ حتى المفاتيح...[ وتتلاحق الصور الشعرية في سيل من العلاقات الثناشية المتضادة في صيغٍ من التجاذب والتنافر لتشكل خطاباً واقعياً ورؤيوياً مشبّعاً بشعرية ممتلئة تتسرب من خلالها المعاني العميقة: [نضبت حتى الأباريق،/ وغطّى قلعة العشقِ/ رمادُ الوقت/ والنجم توارى..[ويعمّق الشاعر بنية الغياب في هذه الموجزة المصورة لتضفي على مشهديته الشعرية جماليات المعنى والمبنى.. [حتى رأى بحراً، من الصحراء يأتي طافحاً،/ والكلمات البيض/ تنثال عليه،/ وهي ابكار عذارى... من قصيدة ورقة الشاعر ص7]. وعبر قراءة اعمال ستراتيج الخطاب الشعري للشاعر تتمظهر صيغ التخارج والتداخل في بنية النسيج الكلي للقصيدة، ويحرص الشاعر على توطيد سيرة شعرية في تنوع موضوعاته: [ناح تحت الكرمة،/ وألقى صُرّة العمر،/ كأنثى ساعة الطلقِ،/ غبارٌ في المدى،/ والموت طَلْقُ.. من قصيدة ورقة الأمير]. ومن منهل اسفاره ورحلاته عبر الأمكنة ينهل الشاعر موضوعاته التي تتنازعها لوعة الاقامة والبحث والمكوث واجتراح المجهول في سيرة شعرية تتخذ لها طابعاً جغرافياً وتاريخياً وميثولوجياً  وسحرياً تمتزج مع نيران عاطفته وذاكرته وخزينه الحلمي في علاقة ثنائية مع الآخر المتمثل في أنثاه (فاطمة السوداء)، [طلعت ظبيةً (مقديشو)،/ فصَّحتْ في دمي،/ عطر الحرير الأسود الريّان،/ والكأس الزلزال:/ طلعت فاطمة الفارغةُ العاريةُ السوداء/ صحّت ليل مقديشو،/ ورشّتْ/ ماء جوز الهند والليم/ على وجهي/ وقالت لي:/ تعالْ.. من قصيدة ورقة مقديشو] ومن عمق المتن الحضاري والآشوري ينهل الشاعر خزيناً معرفياً ورؤيوياً تشكيلياً ليؤسس خطابه الشعري في نسق علائقي تراثي فلكلوري طقسي تتجلى إشعاعاته في كشوفات الشاعر الصوفية والرومانسية والقدسية لمعانيه الثرّة التي تشد اواصرها بالمتن الجمالي والسحري لبنية المكان وفضائه الميثولوجي والأسطوري والتأريخي لأعلان وجوده وترسيخه لزمنيته وحساسية الشاعر واستبصاره لتخصيبات الرؤى الزمكانية من خلال اشعاع المفردة وتوهج العبارة وايحائية اللغة وشفافيتها الشاسعة وانتمائها الى المقدساتي والأرث الحضاري الخلاّق المتجانس والمحتشد في مخيلة الشاعر وتراسل حواسه ومهارة اشتغالاته على كيمياء اللغة وانفعالاته وكثافة رؤياه للوجود والاشياء والعالم والرموز الحياتية وسيميائها وعلاقاتها في هندسةٍ من المعاني الكبيرة والتقاطات الشاعر الجوهري منها بالوعي واللاوعي: [ها هنا من قبل الآف المسافات/ كسرتُ الجرّة الأولى،/ أمام إمرأة اولى،/ فسال العسل البريُّ،/ من (كالح)، حتى نينوى/ واهتزّت الأرض بما تحملُ،/ من أنسٍ وجان،/ ... ربما كنت بقصرٍ حفّه (اشور بانيبال) بالزنبق،/ والكأس بكفّي../ ورايتُ.. والشمسُ على آخر أبراجي ترشُّ الزعفرانْ.... من قصيدة ورقة الزمان].

ان ثمة علاقة فونيمية ودلالية تتجسد من خلال ملفوظات الشاعر لتضخّ الأفق الدلالي بشعرية متقدمة في مستوى علائقي بين الدال والمدلول: [نزل البرقُ./ بماءِ المُزن في حقلِ أميرا./ فتلقّفتهُ البذارُ،/ حينَ مرّ البرقُ في غابٍ غريب،/ فزع الغابُ،/ فقد يهمي من البرق،/ شرارُ... من قصيدة ورقة البرق]. وينحرف الخطاب الشعري للشاعر الجبوري عبر مديات وآفاق اكثر سعة من تشكيل اليومي والطقسي الى منطقة ساخنة لتناقضات الوقائع التاريخية والأحوال الانسانية من خلال فضاء سيمائي تتنازعه معطيات لسانية مفتوحة وأحياناً مألوفة تنفتح على الفعل الحياتي انفتاحاً متشاكلاً ومجسّداً في علاقاتٍ تقوم على بُنى التغيير والاستبدال من أجل التنويع وإثراء المعاني: [مَن كان يدري./ أنْ خَلْقاً طلعوا./ في زمن الغفلة./ من جحر يرابيع،/ ومِنْ خُرْجِ بعير،/ سيصيرون سلاطين،/ فيرمي كلَّ ما في جوفِهِ،/ القفرُ الجديبُ؟/ ويختتم الشاعر هذه القصيدة حين يطلّ من أفقها الشعري باناهُ وهو يطلب المعنى في صورة المستقبل المزهر:[لم يزل في الصدر،/ حقلٌ فاغِمُ الزهر،/ خصيبُ،/ وأنا أجري،/ من القلب الى الصحراءٍ،/ والصبحُ قريب..]، ويعمّق الشاعر مشهده الشعري بكثافة صورية تحتشد في متنها مستويات دلالية تتضايف في إثرائها مكونات الحلم والتذكّر والتخييل وتحولات الأنا النفسية والفكرية في رصد مظاهر الكائنات والوجود والعلاقات الحسّية بين قوى الحلم والخيال.. [.. وأنا،/ والأرضُ تنشقُ أمامي،/ وتميلُ،/.. حيثُ تنحلُّ طلولْ،/ فوقها نامت طلول../ طافحاً أعدو.. وتعدو معي/ الغُزلانُ/ والوديانُ/ والرّيحُ/ أنا السيّلُ الذي يبتلعُ الأصنام/ والأوهامَ والموتى/ وخلفَ السيل،/ تمتدُ سيول.. من قصيدة ورقة السيل].

وتكشف قصيدة الشاعر من مشهدية شعرية تتكيء على التشكيل في بناه الجمالية والفنية والصورية عبر تداعيات رؤياه داخل المشهد ليعمّق حالات شعرية محتشدة بحركة لغوية تستند على وقائعية الافعال في المشهد اليومي: [وطارت من البيت القديم،/ حمامة بيضاء زاجلة/ وصارت نجمة،/ في الأفق/ والطفل المُدلّل/ حائر،/ يرنو من الشباك، والدنيا ضباب/ ويكمّل رسم صورة المشهد واللوحة التشكيلية: [وانفلتت خيوط من يديه،/ ونجّمت طيارةٌ ورقية،/ فوق البيوت/ فنكستها الريح/ واخضرت غصونٌُ في يديه/ فكسرتها الريح/ قال الطفل،/ أتبعها غداً/ فالشمس تبلعها التلال/ ولا أرى خلف الضباب سوى الضباب.. من قصيدة نجمة في الحلم ص 27]. ان قصيدة الشاعر تضجّ بمنظومة من الافعال يسخرها الشاعر لضخ لغته وعبارته وجملته بأقصى مركبات الشعرية المتوفرة في صيغ الاستعارة وفاعلية قوى الانزياح: [سال دم العشب/ على وجهي/ قد هبطت للوادي وناح الورد/ وأسودّ جبين الهلال.. من قصيدته تفاحة الراعي]. وفي نفس المنحى من تداعي الرؤيا تتراكم الصورية عبر نمط من فانتازيا البناء والتشكيل [ودخلتُ،/ عبرت قناطر/ يسكنها الخوف،/ ودقّ الليل مساميرَ بصدري/ وأنا أفتح في الحيطان نوافذ للصبح/ ومرّ زمانٌ../ صديء المسمارُ على الحائطً،/ وآبيَضّ الهِرُّ الأسودُ..]، وتنتظم بعض قصائد الشاعر تحت سقف المرجعية التراثية للأسطورة والحلم ومنها قصيدته: (بعيداً عن الأشنات ومحنة السندباد، وعواصف المقيم وتفاحة الراعي ونجمة في الحلم/ واحلام الملك الضليل ورهان].[فجأةً/ أجفلتْ نجمةٌ/ فتصدعتِ الكأسُ،/ بين يدي،/ ونادى المنادي/ لا تناموا،/ فقد تعصف الريحُ بعد قليل،/ ويبتلع الموت،/ وجه القمر..]. ان كثافة المعنى تتجلي في نسيج الصورة وعضوية لغتها الكيميائية وانفعالاتها المتدفقة عبر فضاءٍ دلالي ضاجٍّ بالحركة، حركة الأشياء وعلاقاتها ببعضها: [طبلٌ.. وآخر/ ثم آخر/ أينما وليتُ وجهي، ثم طبلٌ/ منذُ طبّلت الطبولُ، خطفَ الضجيجُ الناي من شفتيَّ./ ثم لوى لساني/ فآنعقدْ...[ من قصيدته الرائعة غاب من طبول]. ويجتهد الشاعر في استعارته الذكية لبنية المبنى والمعنى من كثافة الشعرية المحتشدة في البنية التراثية لقصيدة الشاعر عمرو بن كلثوم، حيث ينقل الصيغة الجمالية والدلالية من حيّز مخفي في طبقات الذاكرة الى حيز منظور ليفيض على مشهده الشعري بصورة ممتلئة وسيمياء تراثية تتعالق فيما بين ملفوظات الشاعر: [هبّي بصحنِك،/ وآصبحي هذا الحطام~../ هذا الركام من الضنى، ومن الظمأ المُرِّ،/ المغلغل في العظام،/ .../ والعمرُ قد شابت ذوائبهُ،/ وما زال الصبي الشيخُ،/ صباً مُستهام].

ويظل الشاعر معد الجبوري حريصاً على الإقامة في المنطقة الشعرية الساخنة من خلال استدعائه لبنى المرجعية التراثية في تشكلاتها المعرفية والميثولوجية والروحية، لاعادة صياغة الكلام شعراً وفناً وفِكراً: [مَنْ قال:/ يوسفُ لَمْ يَزَلْ في الجُبِّ،/ لَمْ يسمع بِهِ أحدْ/ مَن قال طَمته الرياح،/ مَنْ قال: غَطّاه الزّبدْ/ ..../ لكن مَنْ قَصصتُ عليهم رؤياي، صَدّوا ثم سَدّوا حولي الأبواب،/ من غلٍّ./ وزاغو مِن حَسَدْ/ والآن/ حتى الآن./ في حلقي دمٌ/ مِن كيد ما كادو/ وفي أعناقهم مني/ حِبالَ مَنْ مَسَدْ..] من قصيدة قميص يوسف ص 62.

هكذا يثري الشاعر خطابه الشعري بمنظومة مرجعية ذهنية وحسية تتسع لمديات فضاء شعري متوهج في مستوياته الدلالية والتركيبية والصوتية وأنظمته الحياتية المجسدة في المحمول الحلمي والاسطوري والتراثي والتاريخي والغرائبي والفنتازي والجمالي الخارجي.


 

 القول الشعري وتشعير  بنية الحادثة التاريخية*

في [الزانية اكتملت]

تتخذ بنية عنونة مجموعة الشاعر أديب ناصر صيغة السخرية المريرة والتقريع المباشر وتوفر المفردة مدركاً ذهنياً في وعي الشاعر حين يكتشف من خلالها طاقة في ارسال بيانات بلاغية تتجوهر شعريتها في انظمة الدلالة  وعلاقة الرمز والمرموز، وتنطوي بنية النسيج اللغوي في عناصرها التركيبية على منظومة من الرؤى  وتشربها الموضوعاتي في اثراء الخطاب وهيكلية ثيماته في كل مفاصل الحياة والعلاقات الثنائية المعروفة ـ (الحياة والموت)، (الفراغ والامتلاء) و(الحضور والغياب) و (الظلام والضوء) وغيرها، وتتشكل الموضوعية الكلية لقصيدة الشاعر عبر طاقة تعبيرية متداخلة في تمظهرات اللغة وقدرة الشاعر على الايحاء بوساطة حمولاتها الاسلوبية الثرة، ان الشاعر يعيش عدداً من المواقف والرؤيات تتجسد داخل داخل النسيج الشعري وتدخل في صناعة خطابه في تكويناتها وتشكيلاتها في هيئة حقول دلالية وتوحي صياغتها على وفق ما تشي به لغة القصيدة الى امتصاص منظومة من انساق الالم والحزن وما تختزه النفس الانسانية والذات الشاعرة وتقع هذه البنى على تمظهرات الفعل واستنفار قوى الذاكرة وسلطة التخيل، ان المسار الشعري يثري غنائية الجملة ومعاني الشاعر في سيل من الصياغات التعبيرية المتدفقة في معظم قصائده/ وتتجاوز البنى الاسلوبية في صياغة الصورة الشعرية في البؤر المركزية  للقصائد ويحث الشاعر قوى ذاكرته لتشكيل بنى درامية مكثفة في توليداتها الدلالية ليجد القاريء قيمة العلاقة الفنية والفكرية بين الموضوع وجماليات الشكل وما يتعالق من خلال هذه العلاقة من حركة عناصر التشكيل والبناء والتركيب والايقاع، وتقع لغة الشاعر على سيروريتها الشعرية في بناء الصور الذهنية ويتابع بوعيه الحاد بالحياة على اقتناص الصور العميقة ونموها النفسي وفضائها الدلالي ويتداخل هذا المستويان في آصرة فنية عالية في خصائص البنية الاسلوبية ويحرص الشاعر اديب ناصر على توظيف وقائع الحادثة التاريخية عبر ايقاع حياتي حنين ينليء عن حس تراجيدي رافض، يتراوح بين هاجس الوجود والرفض في التقاطاته الصورية الغنائية وبنية المفردة الشعرية وصياغاته المتواشجة لبنية الشعرية التي تفصح عن الاغتراب والاحباط والسخرية ومرارة الواقع وانحيازه الى الوعي الثوري في تمثل موضوعة الارض والوطن، وتتشظى محمولات الرمز والمرموز داخل داخل الهيكل العام لقصائد المجموعة في هيئة شذرات نصية تتخذ منها بنى دلالية توالدية من تمظهر المفردة والعبارة وارضاءاتها وايقاعهما الحياتي والفني للمعنى الذي يرسل الشاعر في مرسلاته الشعرية، يستهل الشاعر مجموعته  بقصيدة -تعريف- ويقع اسلوب القصيدة على محددات الاثر الجغرافي والتاريخي في حمولة المفردة وشعريتها المكثفة (تحدها من الشمال أرزة/ من الجنوب نخلة/ وشرقها وغربها/ ما بين موجتين). ويقيم الشاعر هيكل قصائده من وحدات صورية تتشكل موضوعاتها عبر ثنائية العلاقة الحياتية في تيماتها الجدلية بين أناه التي تحيلها لغته الى (نحن) لتأصيل الصراع التاريخي الذي تشفره الموضوعة الكلية لقصائد المجموعة، وتتصل هذه الرؤيا بمنطق الوجدان الجمعي حين يرسل الشاعر اسئلته الحياتية الكبيرة وسط انكسارات الفعل التاريخي ولوعة (الأنا) والـ (نحن) الجمعية في البحث عن الارث التاريخي الانساني الخالد العظيم المرموز في الأرض والوطن، (خلف حدود الدمعة/ والثارات (اسد)/ يا وطنأفينا/ كيف نفتش عن وطن وسند..) ان الشاعر يدفع شعرية الجملة عبر مستويين كبيرين من الايقاع الحياتي المتمثل في المعنى الكبير والايقاع الموسيقي العالي في وحداته الموسيقية وتقنياته الخارجية للجملة الشعرية، ومن بنى المفارقة  والسخرية يستمد الشاعر موضوعته التي تتراسل ثيماتها عبر نسيج العديد من قصائد المجموعة (لا يفعل الحاخام شيئاً/ فآحترس/ ولا تقل هو الحاخام/ واحترس/ ففي المنام/ يختلس/ وفي الصوم/ يفترس/ وفي علاقته يدس..).. ان الاشتغال على المقولة الشعرية في قصائد الشاعر يقع على ثراء المرجعية الثقافية التاريخية ومعرفية المدركات الرسالية التي تخزنها ذاكرة الشاعر وما ترسله رؤياه المتراكمة في القيمات الفنية والفكرية وتشكل هذه القيمات هيكلية الخطاب الشعري الذي يجتهد الشاعر في صناعته مخن طبيعة الوقائع وبث طاقاتها الدلالية واداءاته الاسلوبية ويقع الخطاب الشعري في معظم قصائد المجموعة على نمط من الملفوظات المتقاربة في أرسالياتها الايحائية والدلالية والصوتية، ومن خلال هذه المقاربة يتشكل الخطاب التصويري الشعري لخلق مشهدية بنائية يتحرك عبر فضائها المستوى الزمكاني وينفتح الشاعر من خلاله على افق شعري حكائي موجز وعميق: (لا العصر قبل الفجر/ فكيف تدخلون قبل غزة/ الى الحرم/ وكيف تدخلون سائحين/ فوق جثة الألم؟/ وكيف بعد اربعين غيبة/ يقون من نسيانكم/ ومن قعودكم/ طواف/ قد وسوس الحاخام في وضوئكم/ وآندس في ركوعكم/ وزين الخروج/ فاجمعوا الذهب/ تبت يدا أبي لهب.. من قصيدة حجيج) ان الشاعر يثري عبارته الشعرية ليبني صوراً شعرية متوهجة من خلال هذه اللغة العالية في ارسالياتها الايقاعية الدلالية المستمدة من النسيج البلاغي في مرجعيته الاتاريخية وقيمته الانسانية ويحرص الشاعر على ارسال مجموعة من الاسئلة الكبيرة التي تقع في فرن الذاكرة ومنها ليوقظ في الذاكرة الجمعية اصول الواقعة او الحادثة التاريخية وبشاعتها من جهة وشرعية اعلان الموقف من جهة أخرى. أن تدفق الصور الحسية في حميميتها من المتن النصي للقصائد يفصح عن الهاجس الانساني الضاج بالعنف والصخب ونثارات الصورة والبنية الغنائية للقصيدة عند الشاعر اديب ناصر، فهو يعري المواقف الضعيفة وهذا من داب اشتغال الشاعر ومواقفه الفكرية ورؤياه التاريخية الخاصة :ان بؤرة المعاني تحددها لغة الشاعر في قيمتها الايحائية والتريميزية، فالشعرية التي تفصح عنها هي بمثابة البلاغ الفني القيمي الذي تؤصله رسالة الشاعر في علاقاتها الثنائية المتواشجة بين المبنى والمعنى، حيث يتحول الخطاب الشعري من القول الى الفعل في تمظهر صياغاته الاسلوبية واستنطاق الاشياء واسنادها لادوار حياتية فاعلة،وتقع هذه الفاعلية على ذلك التجانس الصوري وتضاد الحركة التصويرية في خلق التوتر وإملاء المسافة بين التذكر والتخيل للوصول الى شعرية القول والفعل معاً؛ تركوا على خشبي الورق/ تركوا اصابعهم/ واقلام الرصاص/ شاحاك/ اومي دي يدربها على التوقيع/ بالبنط العريض/ رجفت/ وكان الليل يفرط بالسواد/ رجفت/ ووزعت الكلام/ كما تفق..) ثمة مهيمنات اسلوبية تكاد تغطي مشهد الشاعر اديب ناصر، حيث تقع هذه الاشتغالات على تعاضد الحياة بالكتابة وبالعكس، ومنها يتحرر الالم من نقطة الصفر ويصار الى سيروات يتغذى على ديناميتها الخطاب الشعري وتتسع من خلال هذه الدينامية في الرؤية، والرؤيا، الحقول الدلالية لتنفتح على مرجعيات ثرة في الخطاب الانساني-الميثولوجي والروحي والطقسي والوجداني التأملي والتصوفي وتحتضن هذه البنيات الحادثة الكبرى لتاريخ الوطن والامة لتلك الهموم التي تتسلط على ذاكرة الشاعر ومنها يقيم خطابه الشعري: (في ذاك اليوم الاسود من ايلول/ والشرح يطول/ كان بيلاطوس/ كان يهوذا القبلة/ وثلاثين من الفضة/ كان رئيس الكهنة/ كان الفريسيون الاتون من الصخات/ (علينا دمه)/ كان الديك يصيح/ وشبكة سي ان ان/ تنبش في القدس الحارات/ لينكِرَ بطرس سيده عدة مرات..) (من قصيدة الاثنين 13/9/1993). وتنتظم تحت هذه التوصيفات القراءاتية معظم قصائد المجموعة.

 

 

 


 

رغبة الكتابة الجديدة*

في [قبعة الأفعى]

يسعى الشاعر فائز الحداد الى ما يشبه تأسيس شكل شعري يقع بين بنية العاطفة والتخييل ومتابعة انتقالات الأنا في صِلاتها مع الآخر والعالم وارتباطها بالواقع في مواجهة معضلات ذاتية وموضوعية، ازاء عالم مليء بالمرارات تعثر الانا على المعادل الحياتي في اسطرة مشروعها الشعري حينما تنفتح على آفاق رؤياوية تتكشف عبر طبقات المعنى وحاكمية الخطاب الشعري المتجانس والراسخ في صور تتراكم عبر تلقائية وقصدية ذي رنين خاص، ترغب في مداولتها الأنا الشاعرة باثة موجات شعرية تتقاطر في حشود الصورة وتنويعاتها:

(سأوقد كفي قنديلاً في وجه الريح../ وأغرق في حلم الماضي.. قديسا../ يبحث عن راهبة../ ذبحت قلب هزار باسم الله/ صلبت في كفيها الف مسيح.. ص 27). اننا نكاد نلمس في قصائد فائز الحداد بنيات صورية تحتفظ بقوالبية تعتمد في ارسالياتها على تحشيد الغنائية والتصويرية معاً، وتنتقل من التصوير الى التلميح والتجسيد احيانا وتقيم علاقاتها الداخلية بين العام والخاص في مناخ مشبع بالحالات الرومانسية والسوريالية تارة والحلمية الفانتازيا والهروب الى العزلة تارةً أخرى وتحيل أثرية المعنى الى مرجعية قراءاتية ونصية ذاكراتية تحاول الخروج الى وسطها الخاص في استثمار الغرائبي والمجهول ومناخات الوحشة، والامساك باللحظة الحرجة هي شعريتها المنفردة: (غداً../ يشرق الزنوج على القارة البيضاء/ يعبرون بالنوارس.. خطوط الطول../ وساحات العرض/ ويعبدون الوجوه بالقصائد/ وحين يعبرون.. اخر خط للتماس../ تفتح السموات ابوابها.. لعبور النجوم ص5). ان اجتهاد الشاعر في تنظيم مشهده الشعري متأتٍ من اهتمامه الشديد وحرصه على التعبير عن فيوضات الرغبة واستعادة اسلوبية شعرية متناقضة مع نمطية الذاكرة النصية للأجيال الشعرية الأخرى وخاصة اشتغالات السبعينيين والثمانيين، وثمة اعادة صياغات لمشهديته الشخصية بمعامل الوعي الأضافي واستنطاق هالات الشعر الغائبة وبهجتها المتراصة بين عالمين (الحياة والموت) وهذه معادلة الشاعر التي ينسج عليها حياكات شخصية يستمد منها الشكل الشعري ماهيته الجزئية والكلية في ارتسامات صورية تكاد تقترب من استعادة الأثر واقامة توازنات بين عالمين هزائم الأنا واستعادة الاحلام المشيدة في تعاريج التأرخة وانغلاق بنية الأمل: (الطريق مكتظة بالوحول../ والمباغتة ذئب/ العيون تبث السحاب../ اشارة.. للذي حدث/ الناس تصفق.. والمزامير ترقص البكاء/ ولا سوى الطبول تساقط النجوم.. بأحضان الليل.. ص48). يتصل احساس الشاعر بقوة في محاور الضياع والتشرد والبحث عن الأنوية في الأفصاح والبوح والاشهار عن رغبات مفقودة أو مسروقة، وتبرز صور الشاعر منساقة نحو الأعلان والتلصص في احايين اخرى، التلصص على نوافذ الحياة الخفية  حيث يتحول الشاعر الى ناقد يتهالك على الأمساك بعناصر القوة في الحياة، ولكن دون طائل،  بالاشارة الى عدمية الخطاب في انخراطه داخل دوائر القنوط التي تحدد مسارات الوعي الشعري الشخصي.. ان الشاعر فائز الحداد يستثمر مقومات النص النثري في استضافته لمنطلقات الحلول الصوفي وظلالها مما يستدعي قراءة مشهده بعناية قد لا تتوفر لنا في هذه المقاربة القراءاتية السريعة، كما يميل الشاعر الى الاقتصاد في مقاربات السرد، مما يجعل ايقاع النص اكثر جمالية وفاعلية تقترب من الدقة والرشاقة واصطياد المفردة الضاغطة ولمعان الصورة وتفجير اللحظة الشعرية (سأمضي اليك.. بأميال الغيمة/ وعند الفجر../ امنح الطيور جوازاتها.. لتؤذن/ وادق النواقيس../ لأراك تسبّحين/ فالروح.. تختصر المسافة ساعة المطر../ والغمام../ اهدى مفاتيحه للبرق وانزوى.. من نص شرور النواقيس ص52)، ان الشاعر الحداد يكاد يؤسس لمشهدية صورية شعرية شخصية في لمعانات هذه الشاعرية في اقامته للعلاقات الثنائية بين الصوت والمعنى، والشكل والمضمون بقوة الدلالة المحتشدة بعناصرها البنائية التي ترسخ لقضية الشاعر الانسانية  ووجوده ذاتاً ممتلئة شعراً وفناً وفكراً وإرادة ورغبة جامحة للكتابة الجديدة...

الواقعي والخيالي*

في [عربات الآلهة]

يطمح الشاعر هادي الربيعي في مجموعته الشعرية (عربات الآلهة) الى تفعيل المستوى اللغوي النثري لإقامة بنى شعرية تستدرج النثر الى خانة الشعر بنواظم دلالية قد لا تبتعد كثيراً عن القصيدة الحرة في اشتغالاته على النبرة الايقاعية واستثمار الرؤى الرمزيةوالاسطورية في مجمل منتجاتها وموجهاتها الاستراتيجية وميلها الى تشظي المحمولات المعرفية عبر مساحة من البناء والتشكيل والرؤيا، وقد تجنح في بعض الأحايينالى شكلانية لا تستقر إلا في تآلف المثري والشعري في بؤر متعددة تتوكأ على التجريب وعلى المنابع الاولية للثقافة الشعري تلك التي تتراوح في طبقات الذاكرة والمخيلة معاً وتتميز شعريتها بذلك المخزون الطقسي والميثولوجي من تاريخ الشاعر وتاريخ الكتابة نفسها. ان الضخ الشعري الابسمولوجي في نص الشاعر لا يقف عند حدود القول الشعري رغم شيوعه الكلي عبر مساحة النصوص الا انه سرعان ما يحاول كسر هذا القول بفاعلية لغته الايحائية ومحمولات الرمز، من خلال المعاني التي تنبيء عن احساس الشاعر باللاجدوى والخواء وعتمة الحياة والعالم عبر منظومة من الاسئلة التي تتناثر عنها رؤيتان خيالية ميتافيزيقية وواقعية مباشرة تطلب من المعنى المألوف الكامن في سريته (اين ذهب/ ذلك التخااطف الضوئي/ في سماوات روحي السود؟/ واين ذهبت عربة الإله/ تلك التي أقلتني في هذه الرحلة الغريبة/ وتركتني.. هنا../ في متاهة اللازمن؟). ان الشاعر يجنح الى شرح الحالة الحتمية بضيافة لغته الشفافة التي لا تحيل إلا إلى مقومات شروحاتها النصية داخل البنيان الشعري وبلاغته، ويعلن الشاعر جدلية حياتية يتخذ العبث واللاجدوى قواماً معريفياً لها في غياب الحقيقة وعدميتها وعدم الانسجام في الرؤى وزوايا التحديق في العالم، هذا اللاانسجام يثري الحالة الشعورية لانتاج حالات شعرية تقع بين مستويي التضاد والمفارقة في المعاني والصور وبالتالي في كلية الآفاق الدلالية للعديد من نصوص المجموعة، ومنها؛ [متاهة ووحشة وانسجام ومعرفة وغابة محترقة ونافذة وتمردات وولادة ومسيح آخر، وانتظار وشظايا ملونة وانطفاء وعربات الآلهة واحباء المنافي وجمرة مقدسة وعالم آخر وتفاعل وتعاريف  وهموم كونية..]. ان الشاعر هادي الربيعي يكشف عن حقيقة تقوم على جدل القوى الحياتية التي تبني  الحياة عبر كل الزوايا ومن خلال عدسة نثرية تسحب الشعرية من بساط مستور بالرؤى الحكائية في بعض الأحيان، ويحاول الشاعر الامساك بالجمرة الشعرية  في نهاية النص احياناً او من خلال صورة شعرية واحدة تكاد تكونالسقف الثيمي الكلي اخضعها الشاعر لعملية الاختزال رغم انني اجد وأرى -فعلاً- ان النص عند هادي الربيعي قابل للتفرغ واماطة اللثام عن كثافته التي أسرته قسراً، وعلى الرغم من كل ذلك فإن الشاعر قد ضخ خزينه المعرفي والفلسفي في نصه من خلال عدد من الصور التي انعقدت في هيئة بنى نصية توخياً من الاستطراد والدخول في مطبات الكلام النثري (على غرار النصوص النثرية التي تتسع لصفحات، ولكن دون جدوى)، ان الشعري في نصوص هادي الربيعي (يتماهى) في لحظة من لحظات الكتابة الحرة التي تتأسس على فعل المعاناة فازدوجت ذاته كع الاخرين في أخيلته ورؤاه، كان حملة واحدة مشعة تكاد تكون نصاً في لحظة تشيئها وتشظي معانيها على مسافة النص، والجملة الشعرية بمسافتها القصيرة هي الأكثر مواءمة لحركة المعنى داخل النص بمحمولاتها الذاكراتية والخيالية. ان لغة النص تمد المعنى بأكثر من لحظة وخروقاتها الرمزية والسوريالية، وهذا ما قد تحقق في نصوص [العصافير الثلاثة/ السخرية/ الشراع/ عربات الآلهة/ خارج السرب/ روح الغيمة/ هموم كونية/ نورندا / الرغيف/ النسر العجوز ـ صخب/ مقاطع الى الشاعر عيسى الياسري/ غزو مقبرة/ خطيئة الملاك بطرس/ حلم]، وتظل بعض المقومات الفنية في التجريب وفي بنيات النداء والغنئية والخطابية تتنازع بعضاً من هيكلية نصوص مجموعة الشاعر هادي الربيعي، تلك المقومات التي هجرتها الكتابة الشعرية الجديدة واجترحت اسلوبية جديدة خارج المعيارية المنبيرة والايقاعية، ورغم هذا فان الغنائية والخطابية تسلطتا على مساحة كبيرة من الشعر العربي لزمن طويل والى يومنا هذا، وفيها من جماليات القراءة ما يسوغ وجودها في النص الشعري العربي.

 


 

الوجد الصوفـي الشخصي والجمعي*

في  [تدوين الدم والرمل..]

توحي عنونة مجموعة (تدوين الدم والرمل طريق كربلاء) للشاعر علاوي كاظم كشيش إلى ثنائية القيمة العلائقية الشخصية والجمعية للوجد والحلم والآسى الأنساني في قدرات الشاعر لتحويل المركب الثيمي الواحد الى بنى الاستنتاج والحفر في هيكيلية الصورة وانساق اللغة الشعرية لأقامة منظومة نصية تتجاوز في وعيها الشعري ومجساتها الذهنية والحسية تلك، وتتداخل في بناءاتها مجموعة من الرموز الشخصية والتاريخية وتشظياتها الرومانسية والصوفية والأسطورية على خط تتجمع فوقه نقاط الذات المتوهجة في رؤاها واستعراضات بلاغاتها وتحريك شجن الأنا، متعاضدة مع بنى المكان والزمان استناداً إلى مرجعيات اليقين ومطلاً على  مشهدية شعرية تحمل حشوداً هائلة من بنى الجمال والدلالة وامتلاء المسافة بين حركة الدال والمدلول.. ان الرمز الروحي في  قيمته الإنسانية ودالّه المكاني (كربلاء) يرتبط بتاريخ الوجد الصوفي الشخصي والجمعي للشاعر، وما تحمله من إحالات ثرة في المرجعية الروحية والميثولوجية والشعائرية الطقسية، ويحرص الشاعر لتحريك هذه المنظومة من الإحالات الباطنية في اللاوعي إلى فضاء الوعي الشعري لآقامة منظومة صورية متراصة من غنائية راقية للجهاز اللغوي وشاشته الأنيقة الممتلئة بالأيحاء والإثارة وبنى التوالد الجمالي والدلالي معاً، وتتعامد هذه الرؤية الثاقبة مع حركة الإشارات السردية وكثافتها وشكبة التصوير والإرسال لمنظومة الجمل الشعرية، وتجتمع البنى النصية في منطفة الحدث الشعري ليقيم منها الشاعر خطابه الشعري ومكوناته الفكرية والنفسية والفلسفية ويحرص الشاعر علاوي على إقامة بنى التضاد لتحريك مفاصل التوصل والإرسال عبر عملية قريبة من الإنفعال العقلي وتوفر رؤى التمرد على المألوف والساكن.

ان فاعلية الرؤيا الشعرية في قصائد الشاعر تكشف لنا خصوصية البناء والإختزال في المناطق التصويرية والتقريرية لتأسيس بنى ترميزية تتعالق من خلالها مستويات  الصورة وتضادات السياق لإقامة  بنى متشابكة في علاقاتها اللغوية، إن تأكيد الشاعر على تحشيد فضاء الصورة يظل من امكانات اللغة وسردياتها وغنائيتها وتطابقاتها في تشاكل الضمائر واسناد الصفات عبر متواليات نصية تتقارب في محمولاتها الدلالية ومحتوياتها الشعرية: (المرايا فيك خدعتني/ جمرتي تتقدم وانتظاري يعرج على تاريخ حزني/ ضاق السؤال عليّ ووداعي قريب../ خذي ما تشائين واذهبي../ لا شهوات.. لا شرفات لا اصدقاء..) ان حركة النص تقوم بفعل انتاج المعنى، ويسعى الشاعر إلى إقامة علاقات جذرية بين اناه والمعنى العميق للحياة وأُمِّه كربلاء (الرمز التاريخي والروحي الأثير الشخصي عند الشاعر. إن كلّ ما هو اشراقي يظهر في حضور اليومي والتاريخي المتشاكل عبر سردية الصورة واللغة وغنائيتها المتشكلة من منظومة متوهجة للعروض الشعري، وتتقابل هذه الفاعلية مع طقس الشاعر المتجسد في حركة النفي بأداتها (لا) لإقامة علاقة جدلية يصرح بها بحضور الآخر، وتشكل الحرب ثيمة ارتكازية لأكثر من زاوية من زوايا البنى الشعرية لقصيدة الشاعر وتظهر هذه الملفوظة في موجهات عناصر البنى الدلالية للقصائد حيث تشيع عبر مساحتها الكلية مناخات من الآسى والحزن والألم واللوعة، وتتراكم هذه المناخات في بؤر سردية تتمظهر عبر تجسدات المكان وواقعيته بدءاً من التمفصل السيري للعنونة ودخولاً إلى مناطق المجموعة وحفرياتها واستنادها إلى مرجعيات الأثر التأريخي المقدساتي والشعائري اليومي المرمز في (كربلاء).

ان عنفوان الشعر في قصائد الشاعر يطل على حركة النفس الإنسانية وحركة الوجود وتضاد العلاقة الأزلية بين الحياة والموت، ومن هذه  الرؤية يجترح الشاعر مشهده الشعري ليرسل سيلاً من الصور الشعرية الإشراقية في لغتها تحدياً للموت وانتصاراً للحياة: (أيها الحقل الباسل/ يا سليل القمح والخضرة/ الصيف يحط على جبالك وقلبي فامضي إلى كربلاء/ أقرأ الوجع والبهجة وارى الأبطال/ على جذوع النخل يولدون..) ان نبل الموضوعة الكلية في قصائد الشاعرعلاوي تجعل مشهده الشعري في هذه المجموعة متناغماً مع موجهات الحياة المعاصرة.

وان هذا التناغم تقوده لغة الشاعر التي تجمع بين رؤى التوالد الصوري والحسي ودقة الاداء الصوتي واضاءات المعاني عبر كثافة شعرية يصاحبها الانفعال العاطفي والذهني معاً... ان قدرات الشاعر اللغوية وتراثها اللساني قادت القصائد الى تشكيلات هرمية ثرة في بناءاتها الاسلوبية، وقد برزت الشعرية عبر مساحة القصائد وحركتها السردية وصيغ من اللسانية القرآنية في مقترباتها اللغوية، وحرص الشاعر على ان يعمق خطابه الشعري في اقامة بناءات لغوية متعددة تقع على سقف التجاور والتماثل والتقابل والتفارق وقد وفرّت هذه العناصر الثرة في محمولاتها ووحداتها البنائية الى ضخ شعري زج الشاعر من خلاله احاسيسه ومشاعره واحلامه وتوقه الى الحياة متمثلاً رمزه الأثير (كربلاء) ومجسداً اياه: (لم نكن عابرين لتطردنا قرانا/ ولم نكتب غيابنا على النبع/ لكنّا قرأنا وجد الطبيعة الى ظلنا / وهي تعد قرانا بيننا/ قلنا يا طبيعة أجلّي قرانا/ لسنا ضيوفك/ لم نكن عابرين/ سنقطع ممر النسيان/ الى صحونا، صحونا صحونا، فتطاير النور من تحت اقدامنا/ واشتعل العمر صحواً،/ لم نكن عابرين لتنكرنا قرانا/ ويمزق الصيف رايتنا، رايتنا على طريق كربلاء، ولم نكن ننأى..)

ان قيمة المعنى تتجاور وقيمة العلاقة بين رمز المكان والأنا الجمعية وتكاد لغة الشاعر تفصح بشكل كلي عند قيمة هذه العلاقة في بناءاتها الصورية التي تكاد تتجاور وتتداخل، لا بل تتناص في بؤرها اللسانية عبر مجموعة القصائد التي انتظمت تحت عنونة تدوين الدم والرمل طريق كربلاء. وينعطف خطاب الشاعر عبر قصائده هذه المجموعة عبر مفاصله الثيمية ويبدي الشاعر قدراً مهماً من التكنيك في الاشتغال الذكي على بنى التكرار والتتابع التركيبي الدلالي لاشاعة قدر من الانزياح:

(أصوم عن البوح لأحبل بالشهداء/ وانتظر نسغ دمك لاحبك/ واحبك فخاخ الشعراء).. وتتباين مستويات الانزياح عبر مستويات ادائية اللغة عبر منظومات الصورة الذهنية والحسية، ويتألق الشاعر حين يقدم لنا هذه المتسعة الحياتية في انظمتها الصورية والحسية التي تتخفى وراءها الذات الشاعرة الرائية (اطحن، اطحن/ اطحن، احتفل التراب لانه صار طحينا/ والبياض أجلّ سطوعه/ لئلا يسمر/ سأهدي امرأتي حفنة طحين من متحف الحب/ ستزلزلها المفاجأة/ بقوة عشرة ارغفة/ سأملأ ثلاثة أكياس بالتاريخ واطحنه لحفل ختاني الثلاثين/ علَّ المطرَ يصير طحيناً ليلة رأس السنة الطحينية التي لا ينتهي طحنها، اطحن، اطحن، اطحن...)

ان الشاعر كشيش يقدم أروع صورة شعرية ترشح عن طاقة تعبيرية عبر موجهات التوليدوالبناء والايحاء وتلك من قدرات الشاعر البارزة في مجموعته (تدوين الدم والرمل طريق كربلاء).

 


 

لغة الذاكرة وافق المعنى*

في [موسيقى لردم الحزن]

يستهل الشاعر هشام عبد الكريم مجموعته الشعرية (موسيقى لردم الحزن) بلافتة لفظية تقوم على ثنائية العلاقة الجدلية بين الحياة والموت ويصرح عبر هذه اللافتة بالمعنى التقريري الراسخ في الذاكرة الجمعية (في محراب الكلمات حل اثنان الاول صار سراجاً والثاني مات) ومن عوالق هذه اللافتة يبث الشاعر منظومة افكاره التي تتداعى في هيئة موتيفات ونصوص قصيرة تشرح وتتحدث عن موضوعاتها خارج تأويل الحالة الشعرية ومن داخل محركها اللساني الايحائي المباشر تارة والمرمز تارة اخرى ويسكن الحادثة الشعرية ومنطق الكلمة لبناء الصورة والصورة الشعرية التي يعتني بها الشاعر هي من طراز الصور العنقودية التي تتقاطر في هيئة شعرية موجزة وتتلبس الصورة الحالة اليومية للانا الشاعرة والانا الشخصية حين تخاطب الآخر في لسانية ذاكراتية جاهزة تؤدي الى امتصاص المعنى عبر تأسيس العلاقة السببية في ثنائية الزمن الراسخة في الذاكرة (هم الان قد شربوا فاستراحوا وأنتَ رهين حزين تقايض ليلاً بليل لكي تسترد نهار) ان الاقتصاد في استخدام اللغة في معظم قصائد المجموعة هو ذلك السعي الدؤوب الذي كان يلهث دائماً وراءه الشاعر، وقد تفرد في بعض نماذج من قصائده القصيرة التي بدت مثل اطياف تتوالد من اعماق الذاكرة اللغوية والحادثة الشعرية والحالة اليومية. وتشير معظم قصائد المجموعة في توقيعاتها الزمنية والمكانية الى الموضوعة اليومية التي تتخارج مع الداخل الشخصي وتتناص مع الخارج الآخر في ظهورات الملفوظات وجماليات رسم الصورة وتحييد المعنى وافق الدلالة فلغة الشاعر تتصارع في بناها اللفظية لتجترح المعنى وتؤسس الصورة التي يسعى الشاعر من خلالها الى انشاء وبعث قيمة حياتية كبيرة لمعانيه وموضوعاته وتتخلل هذه القيمة هذا الاشتباك مع الآخر في فضاء المعنى وسياحة الملفوظات وتقاربها وتباعدها معاً في ملامسة الواقعة ومقاربتها بين اليومي والفانتازي (واعرف ان القرى/ تولد الحكمة الصائبة/ والاحباء/ هم يسكنون فضاء النفوس صاحبي/ أي اغنية تولد اليوم/ أي الشمس تضيء واي القصائد تملأناغبطة وسروراً..) هذه القصيدة يهديها الشاعر لصديقه الشاعر معد الجبوري وهو يرسل سيلاً من الاسئلة رغم الاستهلاك الذي بدأ بالمعرفة وصدق الاحساس وينتقل الشاعر من الخاص الى العام ليشد من اواصر الحالة الشعرية المشحونة بالمشاعر الانسانية عبر لغة تصويرية تنبعث من ثنايا الروح وانساغ الحياة والحضارة والوطنية وقيماتها السامية (لا ولا انت حمّلت اثقالك الخلق/ كي تستريح/ بل العذر شاؤوا/ فكنت الشهيد/ اشهد انك تبقى..) ان ملفوظات الشاعر تكاد تتقارب وتتجاور في ارسالياتها النبرية والتشكيلية واللسانية في معظم قصائد المجموعة وكأن القاريء يحس بدائرة لغوية مغلقة ضيقة تكاد تحدد ملامحها وملامح القصيدة في ان واحد (احباؤك المخلصون/ مضوا/ حاملين المتاع/ وارغفة الخبز/ اعذاق نخل العراق/ أفق يا صديقي/ واتلُ الصلاة الأخيرة ما عادت الأرض/ تلك الطيور كما خلتها/ انه حلم معدني..) ويظل انشغال الشاعر هشام عبد الكريم في قصائده بإجتراح المعنى للوصول الى ضفة القراءة المباشرة بما تدخره الأنا الشاعرة من احاسيس وعواطف وما تزخر به جملته الشعرية من صور تنبعث من ثناياها قيم الوطنية والبطولة وشذرات الاشراق وفي بعض قصائده يظل الشاعر يدور في فلك العاطفة ويعبر عن الحالة اليومية بكل بساطة (سكين الوحدة/ تجرحني/ آه ـ صاحبتي/ لو تأتين... ص 28 الى بلقيس). ويسعى الشاعر لاقامة علاقة حسية وجودية تتنازعها قيمة الانوجاد الشخصي ورؤى الآخر ورؤيا البقاء (ذات مساء/ مدّ النهر ذراعيه/ اختطف الجدول/ ماتت اسراب الاشجار/ والسنجاب المسكين/ لكن الجدول ما مات..) ان حرص الشاعر على ابلاغ المعنى لا بل بلوغه متأتٍ عبر اقتصاده في الكلام وهو بالذات حريص على اقناع القاريء بالايجاز وتشعير ملفوظاته التي بدت وكانها نسيج واحد لا تحمل تأويلاً خارج بنيانها اللفظي الجاهز إلا في بعض المناطق الكلامية من القصائد فلقد بدت على معظم القصائد ملامح الابلاغ والاخبار والاشارة والتلميح والافصاح رغم نبل الكثير من موضوعاتها التي هي اصلاً راسخة في نبل الذات الشاعرة وحياتها اليومية (لم يكن من زجاج/ لم يكن موحشاً/ كان منزلنا/ منزلاً مدهشاً... المنزل ص 38) وتبقى نكهة الاختزال والايجاز تفوح من ثنايا قصائد الشاعر...


 

عبثية الحياة والاحساس الانوي الفاجع بالزمن*

في[اسمال.. جان دمو]

حين نتحدث عن تجربة جان دمو، فمعنى هذا اننا ندخل الى تجربة شعرية منفردة في اشتغالها على النسق الحياتي المفارق من جهة وعلى اختلاف البنية الادبية وموجهاتها الحياتية الكلية ـ التاريخية والفكرية والفنية من جهة اخرى والمتمثلة في تجربة الشعر الستيني التي تزعمها (جماعة كركوك) بالضبط، (وقد ضمت الى جانب جان دمو الشعراء سركون بولص وفاضل العزاوي وصلاح فائق وانور الغساني ومؤيد الراوي ولاحقاً برز الاب الشاعر يوسف سعيد..).

من تشظيات العنونة الراصدة لهذه الكتابة، يقع الفعل على نص الحياة في تجربة جان دمو، فالشاعر في بنية نصه يتمثل الحالة الزمنية الهاربة من قائمة الوجود في تجلياته اليومية، ويرصد هذه الظاهرة في تمظهراتها التاريخية والكونية واليومية عبر رؤية انتقالية ووعي ثقافي واحساس فاجع بالزمن من خلال جهازه اللغوي المغاير في بث موجاته النصية، التركيبية والدلالية، ويقيم الشاعر مجموعة من الصور الشعرية عبر بناءات افقية تتداخل فيها صفاته الشخصية في مركب كيميائي ليصوغ حكايته الشعرية التي تقع على مقترب انساني من خلال احساس الشاعر باللحظة الهاربة من مشهد الحياة،ويومياته التي اعتاد ان يرسخ بعض ثيماتها شعراً او كلاماً يقع تحت اجناسية ادبية  تقول شعريتها في توهج هائل وبث مغناطيسي تفكري خيالي يجمع الشاعر في نسيجه منظومة من الافكار التي من الصعب القبض على مؤولاتها الحياتية الا من خلال نظم الاشارة والعلامة او تفكيك بنية الحادثة الشعرية والواقعة اليومية التاريخية، ان الشاعر جان دمو يأخذ القاريء الى منطقة محايدة في الحياة عبر فكرة النص، لأنه يرى في النص الحديث ذلك الزوغان والاحتيال الكلي على نظم الحياة العادية، ان النص الحديث حسب رؤية جان دمو: إدهاشي غرائبي محتشد بالألغاز والاحاجي التي تمثل البنية الكلية لنصه الشعري، لكن ميزة التلغيز ليست مغلقة على نفسها، حيث يشتغل الشاعر على تفكيك اللغز ليرسل شفرات عديدة من الالتماعات النصية من بؤرته لتشكل موضوعته الرئيسية، وغالباً ما يأخذك نص الشاعر الى ركام حالات منفية في مكوناتها التركيبية وعناصر نسيجها الشعري العام ومن هذا فهو يحرص على تشتيت كلية الفكرة عبر مشهديتها العامة وسرعان ما يلجأ الى لم شتاتها في عبارة بسيطة تفصح عن موضوعته.. "خلو البال حلة عظيمة، والهناءة هي سيدة اقواس قزح الشاعرة. ص15" ان وعي الشاعر الجدلي باسرار الحياة ينبئ عن احساس فجائعي وكارثي حين يطل على الزمن من نافذة عريضة جداً تمثل عنده مفتتح يومياته عبر اسلوبية ساخرة مريرة: (ان النهار واعاجيبه ينزلق في الجيب ـ اوقد شموع الحب، بينما الغيابات تغلفني وتحيل صلواتي الى رماد: ص15)، ويظل احساس الشاعر والأنا الشخصية بسطوة الحاضر الى بؤس الماضي وبالعكس وهكذا يشيد موضوعاته الحياتية من افقية حادة تفصح عن حالة مدمرة يعيشها الشاعر والجماعة، ويستخدم الشاعر في هذا النص مجموعة من بنى الاسئلة الكبيرة التي لا تحفل بإجابات حيث يتعمد ان يترك اسئلته الاشكالية لتتراكم في هيئة بنى تتفلسف عبر نسق رؤيوي متواشج مع عاطفة مخنوقة (اين نحن من تكنولوجيا الرعب، أنظل اسرى الماضي؟، ادغال، احراش بريئة تصد البصر، والمسامير صدئة بفعل الايون. ص16) ان احساس الشاعر الفجائعي بالحياة ومساراتها وكوارثها وحتى عبثيتها مرتبطاً بالإحساس الانوي الفاجع بالزمن، فهو كثيراً ما يلحّ على استدعاء بنى الظرفية بلاغياً في تشييد صورة الشعرية وتتمثل هذه الرؤية الحادة بالوجود لاثبات قرائن محتويات فكره الفلسفي وقراءته الثقافية بالعالم والاشياء والكائنات وتحول الانا العارفة باسرار الحياة وثيماتها المتشظية  عبر قنوات اليأس والحزن والالم تارة والثورة والانقلاب والتمرد والاحتجاج تارة اخر، وهذا يتراءى له حين يسرد مصورته الشعرية عبر هذه السطور في ص17.. (نهر اللحظات يتقرفص في حديقة الزهور، الافواه مجمدة، الافواه خط طويل من العاب، اليأس، ما يشدنا الى البعض، الى الهواء، الى الاصفار، هو جسامة الماضي، ان نضحك ثانية وثانيةً ان نستفز الحاكمين، ان نرفض، لن نخجل، ان نندم على اخطائنا، ان نفرح ونزهو بمآثرنا، ان نموت، ان نثور، ان نقول لا للنظام، ان نقول نعم للثورة، امواج طويلة. حية. وباردة. لا موت هنا!، لا تصدي، الكل صانع الحرية، وتحت.. يتأكسد المستقبل، انه روحنا وفلذاتها) ان الشاعر جان دمو  يهتم بالنسق اللغوي المغاير ليبتكر شعريته المتفردة في غرائبيته الصورية ومشهديتها الحياتية وسخرية الحالة القائمة التي يعيشها الشاعر، ويلاحظ قاريء مجموعة "اسمال"، صيغاً جديدة لا تصدر من حاضنة الذاكرة، انما هي من صناعة الخيال الشخصي الذي يدفع بشعرية الكلمة والعبارة والجملة الى اقصى شعريتها وسط عوالم جديدة في التشكيل والبناء، وابتداءاً من غياب العنونات من مختلف النصوص، ان هذه القصدية في هذا التغيب ناتج من تفعيل المخيلة لموجهات النص الداخلية التي تتحرك بكل عناصرها التركيبية والدلالية، ان القراءة الناقدة تجد في مشهدية الجملة الشعرية عددا من الرموز التي يحولها الشاعر الى فنون الصورة الشعرية عبر نسيج حكائي شعري مكثف شديد الاقتصاد بالكلام لإبعاد الصفات النثرية التي تشتغل عليها منظومات السرد الشعري في خاتمته تلك التي يحملك اليها الشاعر في فورة هائلة من التشكل والتخييل والدهشة، ونحيل القاريء هنا الى نصوص الشاعر في الصفحات "20-21-22-23" أيكون الموت غياب الذاكرة، ام صفاً من طيور البطريق، ينتظر مخلصاً ما، تحت شمسٍ بنفسجية لن نغامر بالجواب، لأنه ما من جواب هناك، ماذا سنخلّف لأطفالنا؟) ماذا سنخلّف لهم في القرن المقبل؟، هل سنخلّف لهم سموماً حارة؟، هل سنخلّف لهم موتاً جاهزاً؟، هل سنخلّف لهم جنائز؟.." ان منظومة الاسئلة الازلية تلك يجمعها الشاعر في خرقته اليومية وينثرها في وجه العالم غاضباً بـ(ماذا سنخلّف؟) وفعلاً تحقق حدس الشاعر الحياتي والتاريخي في كل مخلفاتنا، حين خلّفنا لأطفالنا هذه الفجائع وهذه الاسمال وهل في هذه التركيبة اللغوية المشيدة في شعريتها اكثر فلسفة او احالة؟ اننا نرى فجائعنا في كل لحظة، ان جان دمو بخياله الكارثي هذا قد يسبقنا الى وصف الحالة الحياتية الكلية عالمياً اكثر من وصفها محلياً فهو المسافر الجوال في بحار الكلمة وفي حانات الارض واحراش القارات التي عثر من خلالها على مياه ليست للناس ولا للزرع ولا للسباحة انها مياه قصائد سعدي يوسف الشاعر وتفرد تجربته الشعرية: (مياه سعدي انها ليست للناس، ولا للزرع، ولا للارض، انها مياه القصائد فقط.. ص23)، تتسلط صيغ النفي على مشهدية البنية الدلالية لمعظم النصوص (عبر دروب الصيف المجدبة، اخاف، اخاف، ان امشي عارياً، في متاهة الذكريات، تفجّر يا صيف..، من قصيدة في مطعم ص27) ان خوف الشاعر من الذكريات إحالة الى احساسه الفاجع بالزمن، لان الذكريات ركام زمني تتصارع في متاهة الذات وحاضنة التاريخ، ان الشاعر يبين صوره الشعرية من تواشج العالق الزمني باللاشعور مع تراكم الاشياء في وعيه الاستثنائي بجدليات الاشياء ومحتويات قرائنها، ولا جدوى التفكر الآني امام ركام التفكير التاريخي بهيولي الحالة الكلية الغائبة امام صمت العالم والنبوءات والخالق: (حتى الانهار التي لاقيلولة لها، ستبقي موسيقى صمتك اكثر صخباً او غرابة، من جدل الرعب الذي يلفنا.. ص 38 –من قصيدة- الى رشدي العامل) ان احساس الشاعر بفجائعية العالم وغرابة الصمت وجدل الرعب يحيلنا الى مخيلة ضاجّة بالرعب والموت في اشارة منه الى صديقه الشاعر الراحل رشدي العامل.. وفي هذه الموجزة الصورية الشعرية المكثفة في بنيتها اللغوية يشدد الشاعر في مخياله من لا جدوى الحياة في منطقها الصارم وخضوعها التام للقانون (ما دام ذلك وردة في يد المجرم وبعد كل هذا ما جدوى جمع الاصفار مع الاصفار، طالما الشمس هي هي، سيدة على قارات الورق.. ص22)، وتتشاكل بنى التراسل الحسي في عالم الصورة العشرية لنص الشاعر حين يجمع بين فاعليات حواسه امام مشهد حياتي يرشح بالضياع والنسيان ولا جدوى الاماني والافراط في التفكير الفلسفي بالحياة: (سأنصت، سأنتظر، سأنصاع، لما يترشح من نحاس النسيان، ولكن انه ليس بنسيان، انه البياض الذي يحيط بإستوائيات عقولنا الجافة.. غريب ان نوقظ الاحياء بأسمال الرعب، اسمال الجغرافيا، فلتكن اسمال الملوك..، من قصيدة اسمال الملوك ص34) ان لغة النص تسعى باتجاه خلق التوتر في المعنى كي يستقر في نقطة احادية تجعله محايداً وصغيراً، ولان الشاعر جان دمو شاعر ومثقف مختلف فهو يعرف اسرار البنية النصية الجديدة كاستثماره لشبكة من العلاقات المتضادة والافادة من عناصر المفارقة والسخرية وازاحة المألوف اليقيني واقامة بنى تخيلية جديدة من التشفير الدلالي والرمزي للغة والتركيز على الانظمة البلاغية الشديدة الحساسية في تقنيات البناء وتطورات الحدث الشعري، ويفصح هذا الاشتغال في تفريق الحادثة النصية عبر ثنايا المشهد الصوري توزيع ثيمات الموضوعية المحتشدة عبر صيغ الخطاب المكثف في اعتماد الشاعر على توظيف الموضوعة عبر سيل من طاقة تعبيرية استثنائية يعمد الشاعر من خلالها الى استثمار الجملة اللغوية المشحونة بالشعرية ونمو وتراكم المضمون الرئيسي. ان الشاعر لا يخضع بنية نصوصه الى تركيبة تراتبية متمركزة في مناطق الدلالة المنطقية، فهو يحرص على كسر نسقية العبارة داخل مرسلته الشعرية كي لا تتمحور الحالة الشعرية على مركز خطاب النص وهو بهذا يحول النص بترف ملفوظاته الى توليدات نصية تنفتح على تأويلات وآفاق دلالية متعددة.. (أ يتعين اللجوء الى نرسيس او باخوس من اجل فك طلسمية الورود، او الفراشات التي تنوس في الممرات التي يفتحها نومنا وتحجرنا.. ص36 شوبرت الاغريقي.).. ويظل الشاعر جان دمو في "أسماله" شاعراً مهماً يثير اكثر من قراءة.

 

 

 


 

ميكانزيمات الانزياح *

في [علامتي الفارقة]

يتشكل الخطاب الشعري في فضاء تجربة الشاعر سلمان داود محمد من منظومة من التوصيفات البلاغية المشعرنة القائمة على فعل الانزياح ونقل النسق اللغوي من السائد والمالوف الى الغرائبي والادهاشي الصادم حين تتمركز البُنى الانزياحية بتفعيل شبكة المكونات الداخلية للهيكل الكلي للنص وعلاقاتها المشعّة داخل الجملة الشعرية، وتشتبك قوى عمل الذاكرة مع التخييل في انتاج وتوليد المنظومات الدلالية، حينما يتماهى الشعر عير منظومة الرؤى والتداعيات الذاكراتية ومخزونها والعوالق الصورية كبؤرة تشييد وانطلاق معالم المضمون وفاعلية الشكل وميتا جمالياته لأقامة علائق عميقة تفضي بالبنية الى شكلها من منظومة الانزياحات المركبة، ان مشهد الشاعر سلمان داود محمد في مجموعته (علامتي الفارقة)، يستمد معانم ذروية لخلاصات المعاني الشديدة التوتر حتى يصل المعنى الى الحافة وان تعدد مستويات الاشارة ودلالاتها تلك التي يتبطن بها النسيج النصي لا تكتفي في اشاريتها، لكنها تقوم على تعدد العلائق اللغوية الجديدة وصيغ التشظي الدلالي، ان الشكل الشعري يتشكل بقصد اشاري في تأسيس المعنى اذ يجمع بين نظام الاشارة في هذا النظام حسب قول الناقد عباس عبد الجاسم ويضيف الناقد بقوله "ان علامتي الفارقة قد ارضّت التشظي بدلالة حافة ايضاً وذلك بتفجير المضمون الشعري بوصفه بنية دالة على الراسب التحتي لتشظيات موضوعة الحرب في النظام الاشاري المعرفي" ان نص (علامتي الفارقة) مفتوح على مستويات متعددة من الدلالات، وذلك لانه نص فارق المالوف والساند وذلك ايضاً بابتعاده عن النبرة البلاغية والارسالية والتداولية فالشاعر يغادر منطقة القول الشعري الى تفعيل الاثر في الفعل الشعري في تركيب علاقات الاشياء والموجودات وتموضعها في البنى الحسية والصورية التي تغطي معظم مواقع النصوص المجموعة انه يخلخل سكونية النسق اللغوي ويبث فيها شعرية صادمة ومدهشة وقد تستقيل الجملة الشعرية لوحدها في نص الشاعر سلمان لاحتفاظها او احتكارها الشعري خارج راهنية الجملة الشعرية وافعالها المتشيّئة وتتشكل الصورة الشعرية داخل حاضنة لغوية تغرب شكلانيتها وانعكاسها داخل المعاني واحياناً تصل لغة الشاعر الى الاشتغال على النسق القصصي والحكائي في تشاكلات قوى السرد والضخ الشعري لترشح شعريتها عبر ملفوظات الشاعر في هرمونية تثويرية راصدة ومراقبة للعالم (مَن جفف أحلامي على رشقة في هجوم، من كدّس الغيوم في الناقلات، اريد الخراب على شاكلتي.. ورأيت أمي تبيع التجاعيد مع الستانر، وابي يستدرج البيضة بالاثاث، ثمة ساعات تتلعثم، شمعدانات مفعمة بهمس قديم) تتضافر حركة الكائنات في اعمالها اليومية مع جدلية وعي الشاعر والعالم والاشياء لتقوم بنية المعنى وتشكل غرائبيته وعمقه في توصيف وقائع حياتية مرّ بها الشاعر ومرّت في حياته ويتداخل عنصرا الزمن والمكان في الوعي الشعري لتشكيل بنية الواقعة والحادثة الشعرية، فالمعاني التي تتمظهر في هيئات التشكيل الصوري والبصري اليومي حافلة بعوالق الذاكرة الشخصية والتاريخية، يسعى الشاعر بها الى تاسيس تجربة بمكوناتها الداخلية حين ينقلها من الهامش الى المتن لتعدد شفرات المعنى ليكون النص جامعاً من الوحدات الجزئية المتضافرة في تشاكل صورها وقرائن محتوياتها التي تمارس وظيفة احالات الشفرة الى الانوجاد في المضمون فنحن نرى جملة من الثنائيات المتقابلة والمتضادة والمتوازية في نص الشاعر سلمان حين تتنوع اشتغالاته على تشظي الاستثمارات في فضاء الاجناس الأخرى من ثقافة الحياة وتفلسف الذات الشاعرة ووعيها الحاد جداً إزاء العالم والاشياء والآخر.. (منذ متى كانت الصمونة مفتتح الراني، والزيت يؤنب اصل الانواع، منذ متى كان الفردوس يفوح من طريبيل، والأقاصي تبتكر الهناءات؟) ان الوعي الحاضر بصدمة وواقعية الحادثة الشعرية يستدرج فاعلية اللغة نحو تأسيس ما يمكن تسميته باحداثيات التشعير ومنظومة المطابقات الدلالية وتنافرها في آن واحد، نلحظ هذا في انشغال الشاعر على استدعاء بنى المفارقة والسخرية المريرة والادهاش بوساطة فعل الانزياح اللغوي الناشط: (سأخذل هذا باقبال مشبوه، وادق على (الباب الشرقي)، سوف يحدث ان تسكن الحكمة في مدخنة، سوف يحدث ان تشرق القلوب من الحاويات، سوف يحدث ان يهبط (القوت) مضرجاً بالمساطر).. ثمة احساس بالحالة الجمعية التي تسكن ذات الشاعر في تثوير معامل الحدس الشعري واقترانه بالزمن الكوني والشخصي ان الشعري الذي يرشح عن حادثة النص ينبيء عن واقعية مضمرة تتماهى عبر علاقات الأشياء والكائنات في نبرة حسية وصورية تطفح بها البنية الكلية للنص ويرشح عنها اليومي التراجيدي والساخر المرير في علاقات الاشياء وتصارعها داخل المشهد الحياتي والشعري للشاعر سلمان داود محمد: (كلما تذرع السموات بالأدعية، اكنس شراهة السدنة بالقرابين (ويقول/ سألثم اعيادك بطفلٍ يحدق في مطحنة، وستسعى في تأبين هلالي، بساق وحيدة، واخرى تلوذ في الألمنيوم، وهي نفسها تلك الشموع الملطخة بالاعياد تثرثر في المدافن..)


 

 توتر اللحظة الشعرية *

في [أعالي الكلام]

تحيل عنونة مجموعة الشاعر نصير الشيخ (في اعالي الكلام) الى استباق افق الدلالة من حاضنة المتن الكلي لقصائد المجموعة وتوحي العنونة الى ذلك الترفع الكبير الممتد على مساحة المعنى الذي تعانقه البنى الداخلية للقضائد في حضور الملفوظة المصرّح بها "في أعالي الكلام" لتأصيل فعل الاشتباك وشد العناصر التي تهيكل النص. ان انبناء الصورة في قصيدة الشاعر نصير الشيخ يقوم على التفارق اللفظي في التصوير والتجسيد والتلميح والتأشير والانتقال من الخاص الى العام والخروج من المناخ الغنائي الى الاحتشاد يعناصر الرؤية والتخييل والعاطفة والتذهن السحري والانفعال العقلي. ان ثمة انشغال النص بالعلاقة الثنائية بين الزمن، الأحتواء والاشغال والانوجاد وبين الذوبان والذبول والضمور حيث يسعى الشاعر الى تخصيب المعنى بالتباسات الدلالة وتفاصيل الرؤية الجديدة لتجسيد العالم وتحويل هذا الخزين المعرفي من صياغات التشكيل الى بنى الكشف وتأسيسات الرموز وانتقال الدال والمدلول وحركتهما من حالة السكون الى مسرح درامي ضاج بحركة العناصر في ملفوظاتها اللسانية التي ترد الى الذات بقوة الداخل الشخصي -(الماضي- الطفولة) (الحاضر- الشباب) (الذكورة والانوثة) (الزمن والأنوجاد) والمكان وقدسيته وتخيّل الآخر واجتراح التذكر وتجذر القلق والاحساس بالضياع ذلك هو التعبير عن رغبات منقوصة لذات ممتلئة بالعذاب، ويميل الشاعر الى بنى الاختزال وظلال الصوفية والاشتغال على رشاقة الجهاز اللغوي تارة وخشونته تارة أخرى.. وتتسلط رؤية الاشتغال على معامل الزمن على مساحة كبيرة من هيكيلة النصوص. ففي نصه "الاتي ص5" يفصح الشاعر بهذه العبارة التصريحية المفخخة بالسرية والترقب والانتظار: [الوقت سرنا المرئي/ نحن بانتظاره../ تملؤنا رعشتنا الفضية/ليقاسمنا فنجاننا السحري..!..] ان الموجه الشخصي لنصوص الشاعر تظل الأنا الشاعرة التي تؤسس لحاضرها الخاص في الفعل المضارع عبر حركته الدالة لآفاق دلالية ومطابقتها عبر مناخ سحري يقود الشعرية الى ضخامتها بوساطة الملفوظة الضخمة: [اسوق البداية في غفلة كي أخبيء سري/ افضح صمت المرايا المعرّاة من دمها/ أبادل وجهي بأرجوحة من هواء ص9].

يقع هذا المقطع تحت سقف ميتافيزيقي في ازدحام رؤى التخييل الى رهانات المخيلة الضاجة بعناصر سرية ثخينة من المعرفة وثقافة الحياة والبعد الرؤيوي للكلمة ومكونات الخطاب الشعري وحركته الانسيابية في جرس الفعل واتساع الدلالة ولا محدوديتها وانفتاح الآراء التأويلية الى مطابقات دلالية تحفز القراءة على التأويل وكسر ذائقة المتلقي وأفقه خارج مألوف الكلام، ويظل احساس الشاعر بانغماسه بالزمن منطلقاً من مضامين ميتافيزيقية تمثل يوتوبياه الشعرية حيث يكشف عن قدرات متميزة في بناء النص ومصوراته المشعرنة تشكيلياً وبصرياً وتخيلياً: [النهار عالٍ... يعلن احتراقك/ يا لارتفاع الشمس..، ويا لدنو العاصفة/ ما تبقى يؤرخه الحنين..!/ النهار فتنة الليل المعرى للسفوح/ سنديان الوقت في حمى الوصول.. ص11] ان فضاء العلاقة في صورة النهار والشمس يختزلها الشاعر في ملفوظة -العلو والارتفاع- وتلك هي التي تؤسس لحنينه الى نهاراته وذاته واوهامه للوصول الى لب الاشياء، ومن تأسيسات العلاقة الزمنية ليبث الشاعر منظومة افكاره في مسرودات شعرية بصرية لأقامة هيكل نص تتضاد في طبقاته الداخلية المعاني [النهار.. فرائس الالهة الكبرى،/ ومعصرة النبيذ الخاوية/ الليل ادركه النعاس/ ينام يلتحف الضباب،/ على قلاع آفلة.. ص12] ومن مشهدية الطقس الزمني في استجلاء بنيةِ المضمون يرسل الشاعر انساقا تعبيرية عبر ادائية اسلوبية تعتمد على كثافة الوعي اللغوي وجدليته لتأسيس الخطاب الشعري خارج حدود الالماح والتأشير والوصف [اتوهج/ برقاً يسحب جوزاء العرافين/ ضوءاً يصعد صخرة حلم بركانية.. ص66].

وتتناغم رواية التضاد في نص الشاعر حيث تشي الملفوظة الاشارية الى انزياح مقتربات الدلالة واحساس الشاعر بالكينونة في القبض على المعنى ومركباته، ان الشاعر يتفرد في اضاءة مكونات موروثه الثقافي من خلال جملته الشعرية في تحسس الملفوظة ونغميتها وتناصها مع نسقها التراثي والمعجمي في اعتمادها على عنصر التوالد الحسي والذهني: [شماساً للابدية: اصبح/ قرص الشمس اغمسه بالوجع العالي:/ اغسل بالمعنى قمر العشاق/ وصحو جنون البحر/ اكور الواح الفجر خيوطاً/ للطرقات المفروشة بالجوع/ امد نهاراً رائقاً ص16]. ان اللحظة الشعرية في نص الشاعر الشيخ تحفل بطاقة تعبيرية يسعى عبرها الشاعر الى استباق المعنى في اكتشاف المخفي من الداخل الحسي والى التمسك بالوجود بقوة في لحظة الامحاء والتوق الشديد من الفاعلية الذاتية لروح الكشف وفضاء الاكتشاف. وهو الرائي المترفع لدقائق الحياة والاشياء، والرؤيا عنده حلم الميتافيزيقيا ولغة الحلم والوجود والبحث والتمرد: [احتمي بالحبر حين يشاء منحي الارتماء على سماء من بياض  لا أمجد خطواتي/ كي لا تقول حقول غبطتنا -القحط/ او ما يسمى بانفجار الجوع../ أمحوك/ ويكشفنا النهار./ فلا أفرّق بين نورسة وتأتأة الدم../ بين الطحالب واسطوانات الجوع.. ص20-21] ويكتشف الشاعر قدراته الاسلوبية في تأسيسات الصورة الشعرية عبر مدار الاسئلة والبناءات الدهشة وروح الاكتشاف في رؤية الدلالة واللاشعور ورؤى الحلم وتداعي العقل الباطن: ص22 [ترى./ من اسلم الروح انفجار البحر؟ اودع مكمن الجرح ارتحالات السنين/ واغرق الملكوت/ والريح الندية بالصهيل] ويظل الشاعر يستدرج منظومة من ادراكاته الحسية في موشورات استرجاعية مستعادة بالحضور والغياب والتحول الذاتي عبر مستويات من ايقاع المعنى واللغة ورؤى الكشف والتأمل.

 

 

 

 

 

 


 

الأنا والآخر*

في [خمسة عناوين لصد يقي البحر]

في بعض قصائدها من مجموعتها (خمسة عناوين لصديقي البحر) تجد الشاعرة فليحة حسن ذاتها داخل بؤرة التوليد الدلالي التي تولد الصور، والتي هي نتيجة تشاكل الانا مع الآخر في بؤرة القصيدة وموجهها الابتدائي أي الثريا او العنوان ، فالشاعرة تتجه نحو كتابة قصيدة من طراز قصائد الرسالة في ادق تسمياتها بتعكزها على العناوين التي تحمل الموضوعة الكلية للقصيدة وتنقلنا العبارة الشعرية لقصائد الشاعرة فليحة حسن بملفوظاتها المتجسدة في القيمة الكلية لحركتي الدال والمدلول التي تكتسب وجودها من خلال السياق اللغوي بمجموعة الرموز واحالاتها وارتباطاتها التاريخية الشخصية والجمعية وإستنطاقها وتشييعها من البؤرة  المركزية الى فضاء شعري بمدياته التي وزّعت اثارها في ثنايا القصيدة.. ان مجموعة مستويات ادائية تعبيرية رفيعة متباينة ومتنوعة تحفل بها قصيدة الشاعرة حين تنشطر بين الاشتغال الذهني والخيالي وتركن الى حساسية حداثية في رؤيتها وتدل على نشاطها ومهارتها التخييلية على الاستنتاج والاكتشاف والاختراع حين حشدت فضاءها الشعري بمنظومات من الموروث الطافح من حاضنة الزمكان وتعالقات اللقى الذاكراتية معها في مشهد بصري من خلال تشعير السياق اللغوي وبناء علاقات جديدة باللغة واختراعها لعلاقات جديدة مع اللغة والعالم علاقات باطنية وظاهراتية الى الاشياء والكون والمعرفة والانسان اننا نستطيع ان نصف الكتابة الشعرية عندها بانها كتابة الوجد والاسى لحياة الآخر وعلاقاتها مع الانا وبالعكس، وما تصدير الاهداء الا خلاصة هذه العلائق المتداخلة والمتشكلة داخل قصائد الشاعرة حتى أن العلاقة الابتدائية من ثريا النص الى شيوع المعاني داخله هي الاخرى كتابة حياتية في سياقات شعرية فاعلة تقودها اسلوبية خاصة بالشاعرة من خلال تقديم مشهد شعري تعرضه عبر نثارات ولقى فكرية مشبعة بأعباء الزمن والحياة وتلجأ الشاعرة احياناً الى التقرير والشرح والاعلان والافصاح عن مكنونات ذاتها وتؤدي هذه المقاربات الادائية الاسلوبية الخافتة الى شحوب الصورة لكنها سرعان ما تحس بهذه الفجوات لتعود وتمسك بقوة بثيمات خطابها الشعري بوساطة لغتها  الترميزية والايحائية بين صورة واخرى داخل النسيج الكلي للنص حتى تغدو الرؤية عندها الى منطقة الحدث الشعري وتاويل الحالة الفكرية التي تتنازعها موجّهات (الانا، الآخر، العالم، الذاكرة، المخيلة، الاشارة) مع حضور الوعي وتسلط الذاكرة على مشهد النص والتصدير الاولي له:

[ضجر ان تتقاضى دهراً/ ثم تعدده فوق اصابع لهجتك اليومية جداً/ مبتدءاً بضمائر هشة]، (ضمائر مبتورة ص7)..

وتتجه بعض عناوين الشاعرة الى تاسيس علائق مفترضة لتعثر داخل ثنايا قصيدتها على نسق التوقع القائم للعلاقة والتخفي وراء ذاكرة تختزن واقعاً مادياً وحسياً من نمط صوري تجهد في بناء سكناه بمنظومة لغوية قريبة الى ذاكرة اللغة الجمعية المتوفرة في تجربة الشعر العراقي الستيني، في قالب شعري بثيمات تفكيرية، تحمل في طياتها آثار الخيبة والخسران والتساؤل الأنوي المشروع..

[في القاعات الضيقة/ تتسع الاحاديث/ ارمم داري/ يسقط وجهي هرماً في القصر الهاديء/ صراخ ورود/ المحاربون القدامى/ حولتهم المدافيء حطباً ونهايات حزينة/...]، (تعريفات لمفاتيح الافق ص9)

وفي قصيدتها مشاغبات تجترح الشاعرة علاقات جديدة في التأليف والاكتشاف في مجموعة من الصور التي تنبني على تداخل هذه العلاقات اللغوية الجديدة لتشفر بنية من تعايشات المعاني داخل بؤرة النص واشعاعها برؤية كونية تستدعي الخيال وتحيل الواقع المرئي الى صور تؤلف بؤرة الموجودات والمرموزات التي تحيلها الشاعرة الى بناءات صورية استعارية في خزانة الذاكرة، ان ثمة تنازعاً للبعد الزماني بين الحاضر والماضي في علاقة (تتماهى) من خلالها الانا الحالمة بالتأسيس والانفتاح على الآخر والعالم معاً لتظهر هذه العلاقة في هذه الصور: [الأحد-لا أحد/ الاثنين-قريباً جداً سأراك/ الثلاثاء-ما عاد بامكاني ذلك/ وقتي مزدحم فيك] و: [لكثرة ما اشير اليك صرت كل جهاتي]

وتتقاطع الرؤى الفكرية للشاعرة احياناً حتى تتقابل وتتمازج في بؤرة اشعاع شعري حين تنقله الشاعرة من الذاكرة الى التخصيب الدلالي بمعامل التخييل، لتأسيس مشهد بصري كوني ميتافيزيقي تظهر فيه الانا بقوة، وهي الموجه الرئيس ومفتاح التشفير لبعدي الزمكان الصوري والنفسي:

[لا شيء تمسه النار فلا يتعدد، لا شيء يمسه الموج فلا يصاب بالجنون، لا شيء نمسه نحن ولا يقيء ذاته، لاشيء يمسه الرماد فيدرك السماء..].

وتسعى الشاعرة الى التوحد والانشطار مع الآخر وتأسيس علاقة حياتية كيانها الصفاء والجمال والخضرة..

[متى، واليّ، ومن اجلي/ تكونين ايتها الزنابق الخضراء]

بهذه اللغة الرشيقة والمتأنقة تضج شعرية الكلام وتبني صوراً متعددة ليقوم بها خطابها الشعري. ان احساس الشاعرة بالعالم والاشياء والكائنات والحياة احساس وجودي شفاف، كينوني يتجوهر عبر تمسك الشاعرة بفيض العلاقات الحسية والذهنية مع الآخر ويتوقد جوهر هذه العلاقات في لغة الشاعرة في ضرب من الوجد الصوفي ليطل منها حلمها الحياتي الاصيل وقلقها الوجودي وتصل الى اللحظة الشعرية التي متن العلاقة وتوهجها الذهني والمادي بتشاكلاتهما في ذات الشاعرة.

 

 


 

 المفارقة والصعلكة والسخرية *

في [أسعد انسان في العالم]**

تتصدر قصيدة (الامير الفقير) للشاعر حميد سعيد مجموعة (أسعد انسان في العالم) للشاعر كزار حنتوش، وإنّ هذا التصدير الاولي لمجموعة كزار من قبل شاعر يمتلك تجربة تاريخية عريضة دلالة محبة واحتفاء بالشاعر كزار ومجوعته الشعرية.

تتخذ قصائد المجموعة مكونات خطابية لفظية متقاربة في نسيجها اللغوي والسِّيري العام وتتشكل البُنى الدلالية من نسيج شعري بصري وصوري عبر سلسلة من الرؤى وانتصاصاتها من طاقة السيرة الحكائية اليومية والتاريخية" ويحتضن خطاب الشاعر "حنتوش" عناصر فكرية متجانسة في المسار الحكائي الذي تتدخل في صناعته مجموعة من الشخوص والدّوال –الواقعية التي تقودنا الى عمليات وفعاليات المنطقة الساخنة للموضوعة الكلية وفاعلية المعنى وتواشجاته داخل البؤر النسيجية لشعرية المفردة والعبارة والصورة، ومنتجات الجملة الشعرية عبر داخلية لمحمولات الرمز والمرموز لتحريك شبكة من البُنى الدلالية والتركيبية لكليانية الخطاب الشعري. ان تشظي شذرات الموضوعة الواحدة داخل القصيدة عبر ثيماته ووحدات جزئية صورية لوقائع المحكي اليومي هي من تأسيسات مركز الخطاب وبُناه الفكرية المحايدة الواقعة في الوعي الجمعي والذاكرة الفردية، حيث تتحدد مستويات الموضوعة الكلية في أنساق متقاربة في اللغة والمعنى والشخوص والواقعة اليومية ورؤية الذات الشاعرة... إن إنشغال الأنا بالمتن الحكائي الشعري الموجز والمكثف في مجموعة من الصور العنقودية والايحائية يأخذ حيزاً كبيراً من الفضاء الشعري لقصائد المجموعة ويوسّع الشاعر مديات مشهده الشعري عبر سلسلة من رؤى التخاطب والتضايف بين اناه الشاعرة وبين شخوصه ومروياته التي تقع بين الساخر والاشكالي الحياتي وبين مرارة الهروب ولذّة الصعلكة وشعريتها المختزنة في طبقات التصوير الشعري وعلائقية المفردة في اشعاعها وتاريخها السحري وشفاهيتها وحكائية نسقها العام عبر القراءة العامّة، ووعي الشاعر وبنيته إزاء فاعلية المفردة وتثويرها داخل الجملة الشعرية: [مرآةُ تنبض فيها نجمة "تموز"/ تومِضُ فيها شارات الامطار./ جاء اليها شخص ممسوس./ مهووس بأكاليل الغار../ حدّق فيها برهةً../ حين ادار الى المقهى عنها وجهه./ صارت سوداء.. كالقار..!] (مرآة حسب الشيخ جعفر ص9).

إن الشاعر كزار حنتوش يحتفل بمشهده اليومي الطقسي الشعائري حين تتنازعه شعرية المفردة وبثّ موجاتها الدلالية الحاملة لشعرية خالصة تتراسل في ملفوظاتها داخل المقطع الصوري أحياناً وداخل القصيدة بفضائها الدلالي احياناً أخرى، وترى القراءة النافذة الى باطنية الصورة الى اشتغال الشاعر على ما اشبه ان يقال في تصديره لبياناتٍ شعرية في عنوناته الدّالة والمؤسّسة على مجموعة من الدّوال، فالدّال في قصيدة كزار يقيم خطاباً داخلياً يضمره الشاعر في تأليفه ووعيه بالتأليف والتشكيل والنسيج الدلالي العام حيث تتعامد عبره سيميائية شكلانية وموضوعاتية مركّبة من مجموعة من العناصر الجامعة للحدث الشعري أو حادثة القصيدة، ويقيم الشاعر بنية مكانية في وعيه الشعري بالحياة وتشرده فيها: [لا أملك عشاً فوق السدرةِ/ أو مأوى في ركن الدار/ أمضيتُ حياتي أتشرد بين الاشجار/ فالصيادون المحترقون../ نصبوا لي أفخاخاً محكمةً في بستان الاشعار..] (عصفور سامي مهدي ص10). وتوحي لغة القصيدة عند الشاعر –احياناً- بالفعل الدلالي التحريضي في مشاكستها الظاهرة في صوريتها وسخريتها، وينحرف الخطاب الشعري في بعض الثيمات الكلية للقصيدة عبر شفرة لغوية كأنْ تقع في متن القصيدة او في نهايتها مشكلةً معادلاً موضوعياً –حسب- إليوت، ويتجه الشاعر الى ارسال منظومة من الاشارات السريّة التي تومض بشعريتها داخل بنية كلامية عبر صيغ من التناقض والتماثل لمستويات الخطاب الشعري في شحناته الجزئية المحتشدة بالرؤى والكلام المخادع: [بيتٌ يؤوي القطط الجائعة، والاشعار الرائعة/ وصنوف الخطّار/ تمتد مضافته من شتلة رمان عند النهر/ حتى زيتونة سابع جار/ بيتٌ صاحبه صار ضيفاً/ والوافِدُ ربُّ الدار] (بيت يوسف الصائغ ص13).

وتشكل بنية مرجعيات اليقين الجمعي فضاء الخطاب الشعري في أغلب قصائد المجموعة، حيث تستمد مكوناتها من الرؤى الذاكرايتة الراسخة في لغة الشاعر وأبنيتها الصورية ويتعالق المحمول الشعبي الحكائي بذاكرة الشاعر حين يحرر مفارقاته البنائية اللغوية من نسق الكلام المألوف الى نسيجٍ تخيلي شعري في سلسلة من المتون الصورية الحكائية المتوهجة تُفصِح عن ثقافة الوحشة ومفارقات السير المتصعلكة وشعريتها المتوهجة للأنا الشاعرة، فالشعري المرسل في نسقه الحكائي يكتسب شعرية متفردة في صياغاتها وضخّها للمعاني، وتراكم صورها في نسيج علائقي مركب نستطيع تسميته بـ(السهل الممتنع): [في 1/1 إبتعنا كل لوازم بهجتنا بالدَّين / وجلسنا.. القلب جوار القلب../ والعين أمام العين../ لكِنّا إذ أزمعنا رفع الانخابْ/ قُرِعَ الباب...] (بطريرك العاصفة ص 14). ان الشاعر يرسل حشوداً من صور المفارقة والسخرية في لغة إيحائية، ترميزية احيانا تتسرب من البنيان الداخلي لقصيدته لتوليد مجموعة من خصائص المعاني القريبة من أناه العليا الموجّهة لكلية الخطاب وتمرير سيل من الخيبات عبر مستوياته الحسية والصورية اليومية: [هل هذا طابور/ أم ذيل ديناصور..؟/ مراتٍ يتشكل كالمنجل/ ليحزَّ المندَسَ هنا/ وهناك كطير الحجل/ مراتٍ يمتد كسكين/ ليغوص بعيداً في لحم الوكلاء السريين..] (من قصيدة طابور الاسواق المركزية) وتتسرب ثيمات الموضوعة الكلية عبر وحدات شعرية لتشكل بنية الخطاب في منظومة من أنساق الألم والحسرة والانكسار الذاتي: [آه.. آه/ ها إني هويت الى القاع كبعير/ وسكاكيني كثُرَتْ/ آوه.. آوه/ لا تعباً.. جارحنا كالطاعن في الماء/ آوه.. أوه/ لكنَّ "حميد بروتس"/ وأنا أعدو زحفاً صوب حدائقه/ هدَّ الحيل تماماً بالنرجسة بالبيضاء../ أوه.. أوه/ فات الوقت إذن/ فات الوقت.!!] (نهاية قصر الصعاليك ص17)

ويتعالق الموروث اللغوي الشفاهي الشعبي المحكي مع لغة الشاعر في صورٍ شعرية متوهجة يدفع بها الشاعر إلى أقصى شعريتها وثراء معانيها في سلسلة حكائية تُفصح عنا اسلوبية القصيدة وعناصرها التركيبية والصوتية والدلالية، ونكاد نلمس هذه الصيغ البنائية في معظم قصائد المجموعة، ومن مناخ واجواء الصعلكة يجهد الشاعر في إقامة صروح يومية تقول سيرتها عبر شفرات اللغة البسيطة الموحية؛ وغالباً ما يحيل الشاعر موضوعته الى دالٍ يقترب منه لا بل يشاركه في سيرته ويومياته، ومنها هذه القصيدة الى جان دمّو ص19: [القطط البيض الناعمة/ ما آوتني/ في البيت الدافي/ ونمور الأحراش الصعبة/ طردتني/ من وجر الليل الخافي/ ولذا هِمتُ على وجهي في الحرية..] وتنتظم قصيدة عقوق تحت إجناسية المعنى والصورة والحمولة الشعرية في لغتها الايحائية مع قصيدة الشاعر السابقة وقصيدته الاخرى اللاحقة الموسومة (عشاء باكونين) الاخير-يقول: [مسكين شاعر (غمّاس) الفائض/ ظلَّ يجوب الحانات طويلاً/ بالجيب الخالي/ والحلم الباهض/ في الكأس المترعْ/ كان ذبابة/ وأُزيحَتْ/..]، (عقوق ص19)، فالحلم الشخصي الباهض يذهب جفاءاً دون تحقيق أمنية الشاعر في الحصول على كأس عرق، إن خيبة الشاعر أمام غموض الاشياء وكارثية الحياة ومخياله الشخصي قادته الى صعلكة سيرته وتشعيرها.. [جئتُ الى (نادي الادباء)/ مهووش الشُّعرِ/ غريباً، وَجلاً، مرتاب/ فلقد انبأني ملك الأفاقين السبعة/ بأن صديقي الشاعر/ قد ضاقت انشوطته/ والدنيا خطّت دائرة النار حواليه/ بجناح غراب/ لكنّ البوّاب../ يرجمني بحصاة] (عشاء باكونين ص20)... وتشترك قصائد الشاعر كزار حنتوش في خصائص إرسالية لمعطيات متقاربة في مكونات موضوعاتها ومن خلال هذه المشتركات النصيّة البنائية والدلالية نلمس جهد الشاعر وحرصه على استضافة مجموعة كبيرة من الاسماء والصفات التي تتحول بالتالي الى رموز ودوال يتحرك عبر سيرتها اليومية الحياتية خطاب الشاعر، فقصائد مثل (حياة المدعو جبر، وإسكافي عفك، وأصحابي، ورحيل، وتلك الاعياد، وبهرز، وفجر أعزب، وكأس نبيذٍ معتّق، وهيفائي، واحتفال، ومماحكات صغيرة، وحزن، ونوم الرازقي، وغيرها) يتعامد في هذه القصائد الشكل والمضمون ويقيم الشاعر من هذه العامودية سلسلة من الصور الشعرية المتوهجة التي تعتمد على كثافة التشكيل والأِرسال والابلاغ والرؤيا في بعض مواطنها السريّة ومن ثم الى تشعير العبارة وازاحة الزائد عن كثافة المفردة وبناءاتها المحتشدة لصيغ المفارقة في المبنى والمعنى: [أنظر..! بهرز تطوي كالعمّة نهرُ (خريسان).. تعصرُ نهر (ديالى) كالمنديل الكشميري/ وتُنشِّفه تحت وميض ثريّات المشمش... إلبَسْ/ هذي العمّة.. ضع هذا المنديل الكشميري على كتفيك../ أنشدنا عن غرنوقٍ اسمر يعلي نجمة (آذار)/ تحت مساء القدّاح/ نجمة بُهرز في قدحي/ تنحلُّ بطيئاً كالثلج الأخضر..] (بهرز أول مشروع البلبل ص37).

ويجتهد الشاعر لتاسيس خطابه الشعري في خصائصه العلائقية التي تبني موضوعاته اليومية والتاريخية في أبهى صورها الساحرة والساخرة، فمن صيغ التبئير البصري الى التشعير الذهني الحسي يرسل الشاعر صوتاً شعرياً يلتبس من خلال نداءاته المعنى في كثافته الصورية وجمالياتها التركيبية والايحائية، وتتمثل هذه الرؤية القراءاتية في قصيدته الرائعة [فجرٌ اعزب ص41 (الديك المعون/ ملأ البيت صياحاً/ وأطار عصافير النوم/ قمتُ أُطارِدهُ بِكتاب (كفاحي)!/ لكنّ أمامي الجامع في ذات اللحظة/ ملأ الحارة ورعاً/ وتوعّدها بالويل/ فانكمشت روحي كقميص الخبّاز/ ليس امام إلا أن اتمطى/ كعجوز بعد القيلولة... وأقوم/ وتدور مراوحٌ سود/ لن يعطيها إلا صوتٌ مغسولٌ بالعنبر/ من بائعة القيمر..] وتتخذ بعض الصيغ لبنائية لقصائد الشاعر كزار حنتوش أشكالاً من موتيقات ورسوماتٍ تتقاطع في مشهديتها الخطوط والالوان في هيئة لوحات تشكيلية من خلال مقترباته الفنية والحسية وتناظر وتماثل الأضداد خارج إطار المشهدية الفوغرافية، حيث تتماسك البؤر الصورية في خصيصة علائقية شديدة: [الشاعر (حنّون)/ الناظر في العطفين/ الناقر بالخفين/ دخل البار..كالاعصار/ كان الشعراء يغنون/ والتفاح على الأطباق/ الصالةُ كانت ماسية/ والعصفور على الطاق/ إنتبذ التاجر (حنّون)/ ركناً عند يمين الباب/ وظلَّ يراقب../ كعقاب..].

ومن تعددية مستويات الرؤية والرؤيا لمشهد الشاعر حنتوش تنتظم البنية الثنائية (للزمكان) في النسيج التركيبي والدلالي لقصائد عديدة من مجموعنه ومنها (مطر في الصيف) ص56: [ذات مساء.. صيفي.. كالماء الفاتر/ سأعود في منطقة (العشّار)/ وأقول لها: -والثوبُ الأحمر- يُنقِطُ طيباً،/ -(هاتي رضاء يا عيني هاتي رضاء يا شمس البصرة..]، وتتداخل مستويات ادائية فنية وشكلية مع تداخل مستويات المعنى في موضوعته الكلية/ ومنها ما يشبه بالاعترافات الخطابية الظاهرة فوق سطح المعنى: [سأقول: (التوبة)/ ساقصّ جناحي في البصرة/ وسأحكي كيف رأيت الضيم..].

إن انشغال الشاعر بالمشهد العام للحياة في صورها المتعددة يتصل كلياً بانشغاله بالهمّ والالم والعذاب الشخصي، حين يستقطب الشاعر منتجاتٍ دلالية لقيمٍ جياتية تهمه هو لوحده، وكأنها الحلم الباهض الخاسر الذي يقع تحت وطأة الزمن وجراحاته، وتقع هذه الثيمات الاساسية  في بنية النسيج لقصائد الشاعر محاولاً استنطاق المغمور الحلمي الميتافيزيقي في أعمق صوره وكثافتها الشعرية: [عافتني كالماء يشبُ عنيفاً في غصن الرمّان/ اشبُّ/ من غضبي الكافر/ إن ورّدَ مِلحُ الأرضِ تعال/ إن طلعت شمسُ الدُنيا خضراء.. تعال/ وإذا (حنتوش) الطيب/ عاد من القبر../ تعال يا ما أخذتني الديوانية للنهر/ وردتني عطشان]. [خذيني ايتها الوحشة ص62] وتدفع مخيلة الشاعر في تسلّطِ أناه في توجيهها للخطاب الشعري الى تشعير السرد اليومي والشعبي وعلاقة الأنا بالآخر في استدعائها لمجموعة من الشخصيات التي تتهيكل في سيّريّة نصيّة تقوم على اُسسِها شعرية القصيدة في منظومة من الرؤى والواقعات التي تتناص في فعالياتها وتنشطر الى علامات تتجوهر في انظمتها الاشارية وتقع هذه الرؤية القراءاتية على مجموعة من قصائد المجموعة منها: (موت رشدي العامل/ ومطلع قصيدة الهجوم وعرّاب البلدة وقصائد رسمية ونحو الخمسين والقصة إياها ولا تأتِ.. إنّما تعال..). يقول الشاعر في قصيدته (موت رشدي العامل:... [أورثتَ العكاز لِمَن يا رشدي العامل/ ألعبد الخالق... أم حسب الشيخ/ أم جنداري.. أم ك. الحنتوش..؟/ فلتمتشق العكاز إذن/ نحن خيول العاصفة الحمراء/ عداؤو ضاحية الآلام وسباق بريد الطبقات/ ولنسْبقْ في العَدْوِ/ دعواتِ المضطهدين الى الرب..]، ويكتب الشاعر كزار حنتوش عن المقاومة اللبنانية يُعبر في موشور شعري عن حالة العيد المفجوع بالقنابل في لغة وصفية يومية كارثية تُنبيء عن تاريخ مفجوع بالألم والعذاب والدّمار، وعن حالات استلاب لكيانات انسانية وشعبية، يُعبر عن هذه الموضوعة الانسانية بلغته الساخرة الإيحائية الممتلئة إشاراتٍ شعرية في صيغ من الاسئلة الكبيرة اللانهائية: [ما العيد../ هه.. هه.. العيد ثلاث زجاجات عرق!/ ... ما العيد..؟ ..بمْ.. بمْ.. العيد هو الحرب.. بمْ.. بمْ../ يا مَن تصفرّ وتخضر إذا قرِيء القرآن../ ما العيد..؟/ سبحان الله.. العيد قيام الليل] (من قصيدة كل عيد والكاتيوشا بخير ص80)، ومن صور السخرية الجميلة والمفارقة المركبة في توليف الاشارة اللغوية ولعبة الاستبدال المحكي والشفاهي من بنية الموروث والثقافي المشّع،، [... من يتملآك الآن يظن بأنك قد تأتي بالمستر (بوش) أسيراً...]... و[هاتِ قبلَتَكِ التفاحية، فيمان الله...!] (من قصيدة مطلع قصيدة الهجوم ص68)، وتظل صيغة التفضيل المطلقة في عنونة المجموعة، تلك ايضاً تنبيء على اشارة المفارقة والسخرية،،، لأنها تفخِّخ هذين المستويين في إطلاقيتهما المجانية، فالذي يقرأ حجم الالم والتشرد والتصعلك الشخصي للأنا الشاعرة، فإنه سيُحيل حتماً العنونة والقصيدة نفسها (أسعد إنسان في العالم) إلى إعلان فضفاض أو بيان شخصي لسيرة ناحلة تتنازعها أعباء الزمن والوجود والآخر...

 

 


 

 فاعلية الخطاب الشعري بين الأسطوري ورؤيا التاريخي المقدساتي*

في [عطش النرجسات]**

يتشكل الخطاب الشعري في مجموعة (عطش النرجسات) للشاعر سعد الدين شاهين من منظومة من المقاربات الرؤيوية والصورية في ثراء الانفعال اللغوي، وتتشاكل هذه البُنى المتجاورة في ملفوظاتها الذهنية والحسية عبر نسيج علائقي دلالي يتحقق على كل مستويات القصائد حيث تقع رؤى الخطاب الشعري في اعمق صورها على تجلي الاحالات المعرفية والفلسلفية والاسطورية الحلمية ويتبنَين الشعري بكثافته السرية في الاحالة المرجعية التاريخانية ومتونها الحكائية الشعبية التي تتمظهر كفضاء الخطاب التأملي الذي يدفع به الشاعر كل علاماته عبر ظهير شعري لتفعيل الوثيقة والرمز ومدوناته الجمالية والسحرية ، وفي قوى البناء الشعري عبر جهاز لغوي ثرّ في تشاكلاته الصورية والبصرية وهذا ما حفّزَ العبارة والجملة الى تأسيسات لستراتيج القصيدة وعالمها الشعري المتوهج الباثّ لعدد من المعاني في مدارات اشارية جمالية يهدف من خلالها الشاعر الى توليدات ذهنية تشفّر معطيات السياقات اللغوية والتي تؤول الى ترسيخ معنى من معاني الحياة والوجود، ويقيم الشاعر من مقتطفات هذه الأبنية سيرات شعبية تقع ضمن حدود القص الشعري احيانا، وأحياناً أخرى تتخذّ لها بنيات شعرية مكثفة مستقلة بذاتها (ليس للعطار جرحٌ/ فيراني/ في آبتسامي../ في اقتسامي../ في احتشامي../ كيف يأتي النزف من حرفٍ/ وكم يُدمي/ إذا ما كان بين النازلات../ ليت للعطار جرحاً/ فيرى كم تداوي الكلمات) (ص6 قصيدة عطّار المدينة). ان الشاعر هنا يبثّ مقداراً مهماً من المعنى الحياتي الكامن في هذه المقارنة بين بنية الأنا الموجعة بالكتابة والرؤيا والرؤية عبر الاشارة الى الحرف والنزف وبين الآخر القريب منه في استدعاء فعل التمني له من قبل الذات الشاعرة. ان الشاعر يقيم مقارنة مقصودة في محاولة شديدة بقصدية نقل الفعل بالآمه ومعاناته من الشخصي الى الآخر لخلق التوتر في العبارة وملء الفجوة ومسافة التوتر تلك التي تحتاج الى تحويل شعري في الاستحواذ على خلاصة الخطاب وتسديد موجهاته بالانفتاح على مجال رحب بقصد الإرسال والإفضاء وإقامة بنيات توليدية.

يُعرّف (د. كمال ابو ديب) الفجوة او مسافة التوتر بأنها: (الفضاء الذي ينشأ من اقحام مكونات للوجود او اللغة او لأي عناصر تنتمي الى ما يُسميه "ياكبسون" نظام الترميز في سياق تقوم فيه بينها علاقات ذات بعدين متميزين). ان الصورة الشعرية في قصيدة الشاعر سعد الدين شاهين ذات علاقة تقوم على خلق الشعري في التضاد، كونها علاقة ذات خصيصة نصيّة احياناً وميتافيزيقية أحياناً اخرى، تلك العلاقة التي يتجوهر من خلال ابنيتها الافقية والعامودية الشعري في أكثف صورة وأنشطها، ان احساس الشاعر بالقيم الشعرية التي تؤدي الى المعاني العالية هي من اشتغالاته الميتاجمالية التي يدفع بها الى ترسيخ بنى ذات علائق متشعبة، متواشجة ومتوافقة متضادة وتلك هي من ابرع ما يؤسس لها الشاعر سعد الدين شاهين في قصيدته "كفّي عن مقاسمتي الهواء" (أنا والفراشة/ في إقتسام الضوء نقتتل/ هي تُطفيء المصباح في غسقي/ واشعلهُ/ وتطيرُ نحو النار/ تقطف شعلة/ وأنا الذي في النار/ أشتعل..) ويختتم الشاعر قصيدته  الرائعة تلك في ارسال نداء شخصي للآخر المتمثل في رمز الجمال والحرية في تشكله الميتاجمالي الرمزي (الفراشة)، إن صيغة النداء خلاصة الخطاب الشعري في اعمق تفلسفه الحياتي، فالذات الشاعرة العارفة بأسرار الآخر في مجاله الحيوي الحياتي ترسّخ قيمة فكرية عالية في الاستدراك المترشح عن الأداة (لكنّ)، وتلك هي من خصائص الشعرية التي تكتنه معانيها وترسل اسرار الأنا أمام هيبة الآخر: أنا يا فراشة استميحك أن تكفّي/ عن مقاسمتي الهواء المرّ/ إن لا أطير به/ ولكنّي أعِبِّئه لأحيا وأعيش..) ص8 (إن قدرة الشاعر في التخيلية أعطت زخماً شعرياً لهذه الصورة في دلالتها النفسية عبر خلق مسافة التوتر بين الدلالات المألوفة ورؤية الشاعر الحداثية، وقد أضفى الايقاع ميكانزيمات حسية ونغميّة ثرّة عبر مساحة القصيدة وتتنوع اشتغالات الشاعر سعد الدين شاهين عبر قصائد مجموعته في استدعائه للتاريخ كوثيقة ومرجعية لتشييد فضاء شعري تتداخل في بنيانه محمولات الرمز الحضاري ومؤولاته التاريخانية في صور شعرية مشعة متوهجة ينشطر داخل بناها الرمز كدال حلمي ومكاني وأسطوري ويتعدى التاريخي على المعرفي والاسطوري في تشاكلهما الجمالي داخل المتن الشعري، ويتناص المعرفي والأسطوري في بؤرة التاريخ، ليقيم الشاعر عبر هذه العلاقة بنى شعرية تنهل من التاريخ وتشيد هيكليتها الحسية والذهنية وتتعالق هذه البنى مع مستويي -الزمكان- في إرثهما التاريخي واليومي، فالتاريخ هنا في رأي/ غادامير/ ليس وجوداً مستقلاً في الماضي عن وعينا الراهن وأفق تجربتنا الحاضرة. ويستثمر الشاعر منظومة من العلامات التاريخية ومحمولاتها الرمزية ويحرص نظام الترميز على إقامة بنى شعرية تتحقق عبر ظلال مقدساتيّة او روحية بالانغماس في تاسيسات الشاعر لصور شعرية تقع في إسنادات التاريخ لها والذاكرة الجمعية وهذا تأويل لصوت الآخر في هذه الألتقاطات الإشارية المرتبطة بوجودها ووجود الشاعر معاً، (على ريش أحلامنا.. يستفيقون../ وايلول شهر الولادة / اطرحه جانباً../ وأفتح فيه ثلاثين بابا لِعشتار/ حتى نعود اليها.. ولا باب غير الذي أخرجتنا إليه / دروب مشينا بدون نبي../ وأيلول سيل لتموز/ جرح القدامى/ على ورده.. مرَّ أنليل بعشتار/ فأتأم فيها جنون الصبّي..) ص9.

إن الموجّه الرئيسي لنظام العلاقة بين الرمز والمرموز في هذه القصيدة تظل الرؤية الشعرية المركبة التي تتضايف والمخيال الشخصي للشاعر لأقامة بُنى شعرية تتباين في استثمار قوى المرجعية عبر رؤيا ذاكراتية للافضاء بكل خلاصة الخطاب الشعري وارسالياته في منظومة بصرية وتصويرية لمشهدية الزمان والتعالقات الابستمولوجية والميثولوجية المتراكمة في قوى الرموز المحتشدة في هذه القصيدة الجميلة: (وتسأل عشتار/ من أي باب ولجتَ/ وأبواب ايلول خلفي/ ثلاثون باباً/ وفي كلِّ بابٍ إلهٌ خفي) (من قصيدة أبواب ايلول وعشتار) ويحرص الشاعر على تشييد فضاء شعري متفرد في تبئير مناخاتِهِ وأجوائِه اليومية والكونية ومنهما السيّرية الشعبية والحلمية مرتبطاً بالوجود بعلاقة شديدة الحساسية مع الآخر، إن ما يثري قصيدة الشاعر شاهين تلك المعاني العالية والعميقة التي ترسلها كثافة اللغة في ابنيتها الصورية المدهشة والسحرية في غرائبيتها حين تُحقق المنظومة اللسانية للقصيدة مقادير جوهرية من الانزياح في البنى اللغوية ومعانيها المترشحة عن مهيمنات اسلوبية ذكية تفصح عن انظمة بلاغية ثرّة، كالاستعارة والكناية والمجاز وآقتران هذا الاشتغال بمعامل التخييل والوعي الجدلي للذات الشعرية، إنَّ الشاعر يحرص على اقتناص الجوهري الحياتي الغرائبي المدهش في متن حكائي أو تحويل النصية من بنية الأثر القصصي الى الشعري بقوة ملفوظاته المكثفة والساحرة القريبة في سيمائياتها من الذاكرة الشعبية، والميثولوجية: (قالت لي الحنّاء/ أين يداك؟!/ قلتُ تأملّي فلربّما/ سقط الجواب../ قالت: أحني كاحليك، عليها يحلو الخضاب/ فأجبتها: من فرط ما أدبرت/ عضَّتها الذئاب../ قالت: فقبِّل راحتيها/ تتقي عضاً/ وتستهوي اللباب...) ص12. إن الشاعر يعمد الى تثوير فضاء محتشد بالوقائع عبر التقاطته الحياتية الدقيقة من خلال نداءات ذاتية تتصل بالموروث الجمعي، ولهذا تتخذ قصيدته مستويات تعبيرية محتشدة بطاقة صورية ومنظومة لسانية ثرّة، تشكيلية تنوء بحمولة دلالية في طبقات نسيجها البلاغي، ويسعى الشاعر من وراء هذا التشاكل الصوري والدلالي الى تأسيس ظهير بانورامي للحدث الشعري تتداخل في طبقات سيمائية سلسلة من عمليات القص  الشعري بغية انتاج المعنى وتفعيل الحيوات الشعرية التي يضج بها فضاء القصيدة وتلك هي شعرية الصورة التي يحرص الشاعر سعد الدين الى اقامة بنى انفعالية في احتشادها بطبيعتها الدراماتيكية وعبر تلك المشاركة بين التركيبية والدلالية يتهيكل الفضاء الرؤيوي في لغة تمتلك هي بدورها خصائص الفضاء الذي يجسده النص الذي سمّاه ريفاتير بـ (التجسيد الأيقوني) لنتمثل هذه المقاطع الشعرية الرائعة: (فأنا دم الحنّاء/ تكتحل العرائس بي/ واسكبني على الأيدي/ أقبّل جثّة الموتى/ وأتبعها الى جوف التراب/ حتى يحين غدي/ وتنبت شوكة الصبّار/ في صبغي/ ويصبح.. أحمر الحنّاء/ ناب..) ص 13 (من قصيدة قالت لي الحنّاء..) ويضخ الشاعر شعرية استثنائية من خلال التوالد الصوري في انتاج القول الشعري عبر ايقاع ثخين، دلالة وموسيقى وعناصر درامية تحفز العبارة الى تخصيب المعنى عبر إشاراته اللغوية التي ترسل لمعاناتها واصدائها الانفعالية وطاقاتها التعبيرية المحتشدة بالاسطوري والكنائي والاستعاري لبنية المكان، ففي قصيدته (ليس كأتلانتا) يؤكد الشاعر على حميمية الفكرة في أعمق صورها وتتنامى الإحالة الحسية الحادة بالمكان من المتن الحكائي الشخصي، وتتصاعد شعريته في انفتاح النظام الإشاري على لسانية عميقة يستلف الشاعر من المرجعية التاريخية فضاءاً رؤيوياً عبر مونولوج شخصي يقع ضمن السياق النّصي ويمثل مدار الدلالة الكلية والرئيسية لمنطقة الإرسال الشعري الضاجة بالرؤيا والحلم والتوتر الحاد للأنا والذات الشاعرة، إن بنية المكان تتصل بالوجدان الشخصي والجمعي عبر رؤية مركبة وتنفسح عبر مديات وسياقات تصويرية وصورية لتشكل مشهداً حياتياً جوهرياً تتطلبه لغة الشاعر وتقيم أبنيته في أجمل لحظاته وأعنفها، بين اليقظة والحلم وبين النفي والتأكيد وبين الموت والحياة وتلك هي قيامة قرية الشاعر عرتوف، وانبعاثها من جديد: (والبحر بي زمناً يليق/ لكن أزمنة به/ يبتّلُ ريق/ وتليق كل حجارتي/ والنرجس الجبلي في عرتوف بي/ وأخي المُعتّق يستبد به البريقُ/ ويليقُ بي صوت الجنوب/ إذ يصيحُ أن إستفيقوا..) ص 17. إن الموجّه الرئيسي لمدار الدلالة وأصدائها تظل الأنا الشاعرة التي تتحد بالرمز كدال مكاني وروحي تارخي يتمظهر كبنية أسطورية في اتحاده بالمرموز وحدود تجليّه، حين ينقل الشاعر مصوراته الشعرية عبر سلسلة من الصور الذهنية والحسّية التي يصل بها الى اقصى جوهر رؤياه الحياتية، وتتعاضد عناصر المركب الحكائي مع الرؤية الشعرية لتفعيل الخطاب الذي يتهيكل كرسالة باثة لمؤولاتٍ الدلالة عبر ضوابط الخطاب في مستوييه اللغوي والدلالي، فبنية هذه العلاقة الثنائية تقوم على تشاكل هذين المستويين في بؤرة الخطاب كمدونة معرفية من جهة وكرسالة شعرية تحمل قطبين يتجاذبان ويتنافران في عناصرهما الدلالية، وتتراكم مؤولات المنظومة اللسانية لتشكل فضاءاً إرسالياً لتشكيل فضاء شعري يضعنا الشاعر امامه في دهشة وتساؤل وحيرة: (هذا أنا لوّنتُ وحدي/ كيف ينثرني الرماد/ ويختفي في داخلي كفني/ وينكرني العيان!!)). ويقول في موضع آخر من هذه القصيدة الرائعة: (هذا أنا مدني رحيل/ والجهات جميعها سفن/ ولا بحر يشدّ عبابه/ فتسيل منه الأرض/ أشكالاً وأشتاتاً/ وأملأ قربتي/ وأرش فوق شقائقي / متأبطاً حجر الشهيد وبلدتي/ ودعاء أمي أن تعود/ وأن يكفّ البحر عنّي/ بِتُ أكرهُ في المدينة بحرها/ ليست كأتلانتا/ تخبؤني على أحشائها عطشاً وملحاً..) ص23. ويظل إحساس الشاعر العميق بالأرض من همومه الحياتية الرئيسية منهلاً رؤيوياً يشتق منه جماليات صوره الشعرية المثقلة بالفكر والفلسفة والمعرفة والخيال واستطيقيا الحلم والفداء في مستوياته الحياتية المتعددة، إن الشاعر شغوف جداً بالإشارة، إلى انّه من خلال الـ (نحن) التي تنتقل عبر مقاطع قصيدته، فهو يقيم من هذه الثنائية الباطنية الساكنة في العلاقة اللغوية علاقة صورية ونسيجها القصصي الشعري حالة من إشراق الذاتي في الألتذاذ بالذاكرة وجمال اللغة وميتاجماليات الصورة الشعرية وصولاً الى المرئي واللامرئي والمحسوس والمخفي: (مدنٌ على حبِّ الرحى تلد الرحى/ وتنثّ في وتر الحكاية من رماد القلب/ عن ليل السكارى/ حين يفقدني/ ان تبحثوا عني فإن القلب خبأني/ وسيّر في دمي نهراً من الأوطان) ص24، ويظل المعادل الموضوعي لهذه القصيدة فضاء النفي في خاتمتها وبدايتها من العنونة، فالشاعر يلح على أن تكون بنية النفي هي الفضاء لخلاصة الخطاب الشعري لتجربة هذه القصيدة: (مدني رحاي وفي جنوب الأرض متّسعٌ/ لمن فقدَ الغوايةَ مرّةً/ ما أولمت مدني الخيول/ وأُسلِمت للريح اسرجتي/ وقيّدني الحصان..) ص26، ويتمظهر التعالق السببي لبنية المكان في هذه المشاركة الوجدانية للأنا مع الأخر في قصيدته (كمن يدخل الغار)، ويفتح الشاعر أفقاً شعرياً شمولياً يحتضن رغباته وأحلامه وأحاسيسه الجياشة تجاه صديقه الشاعر أمين جياد، ليتشكل الخطاب الشعري عنده من قيمة هذه العلاقة الإنسانية العميقة في مركبات بنائِها العمودي الحياتي الثرّ في ملفوظات الشاعر: (قال صاحبي/ غطني.. بهواء البلاد/ وشيح البلاد/ فإني أرى من خلال المطلّة/ روحي/ على جذع زيتونة/ كان قلبي هوى تحتها/ وآرتمى..) ويستكمل مشهدية الصورة بالمقطع الشعري التالي حين يشير ويثبت قيمة الخطاب في العلاقة المكانية: (أرى ان في رعشتي الآن/ تهيمن روح أخي/ حين هبّ من البصرة، نحو الخليل/ ليقطف/ من ثمر كان هش له/ وانثنى..) ص26، وتتوفر هذه القصيدة على رؤيا جماليات المكان وظلاله المقدساتية التاريخية والاسطورية حين يرسل الشاعر إشاراته اللسانية الميثولوجية في موشور شخصي روحي اشبه بالاعتراف الخفي لأناه مع الآخر في أفقه الإنساني وجدله الأزلي مع الوجود والمعرفة وايقاع المكان: (نادِهم يا صديقي/ حينما يجثم في خاطري نغل بغداد/ أجثو على ركبتيّ/ اقبّل هذا التراب.. ص31)، وتنتظم تحت هذا السقف الأجناسي التشكيلي والخطاب الشعري في فضاء رؤيوي اسطوري ميثولوجي قصائد أخرى في المجموعة، منها (سبأ وبدء الطمي وكَنيَبوسي): (سبأ التي رسمت على قمصاننا دمها/ جاءت تفتش في ثيابي/ عن حوائجها القديمة/ حين كان السيلُ يجرفُ/ اخر الأشياء ص33) تظل شعرية القول والملفوظة في قصيدة الشاعر تتنازعها تموجات لغة ذاكرة ونسيج تخيلي يؤكد الشاعر من خلاله على قوة الحدث وتحولات أفعاله، ويرسم الشاعر بذكاء شعري فني جمالي مشهدية أخرى لبنية المكان عبر مناخات من توتر الرؤيا والألم وصيغ النداء المحتشدة بقيم الحياة العليا: (أهٍ يا مُدناً فرَّ منها البياض/ الى بؤبؤ العين/ عشباً نما كالسديم/ أراني على حُرمِ بابي/ كذلك الفتى الكنيبوسِ/ ألمّ الفجاجَ/ ومِن كلِّ فجٍّ عميق/ أب أو نديم!!) ص43). وتتناثر إشارية الجمال والقيمة المكانية حول ظلال انطولوجيا المكان الشخصي في عناقِهِ مع الأثر الجمعي وقيماته الانسانية والأخلاقية والجمالية، وتتسلط إشارية الملفوظة الميثولوجية التي تذكّرنا بالأدعية القديمة للمعابد المقدسة على مشهدية المكان لتضخّ شعريتها في فضاء رؤيوي محتشد بالأسماء التاريخية الراسخة في ذاكرة الشاعر: (وبيني وبين يبوس تخوم../ لا يرجع الحلم لأيوب/ لما انطفأ قرمز اللون فيه/ على باب شعفاط/ وأوصد أسماعه.. كي يطنّ الذباب/ على دور بلدتنا/ وندخلها حارة/ فاردين الضفائر/ من بابها الأزلي القديم/ عرس كنعان زفّة بعروس المدائن/ إذا أغمض الزهر أجفانه كي تفرّبنا/ وهي تفتح ابوابها للروزنّا والميجنا/ وعتابا.. شكيم ص42). إن الاشارات الأستدلالية تبلغ اعلى قيماتها في مشهدية هذه المصورات الشعرية المكثفة- والساردة لطقسية سِيَريّة شعبية يتمازج في نسيجها العضوي، الشعري في ملفوظات المكان والاسماء المتآلفة والمؤسسة لبنية الميثولوجيا ويوتوبيا المكان واحتفالياته الكونية واليومية، وتتحقق الصور الأيقونة عبر محمولات حسيّة.. يمهد لها الشاعر في ملفوظاته الساردة للحدث أو للحال الشعرية كاشفاً عن تراثه اليومي وسيرته الجمعية عن كينونات عالقة في فضاء الرؤيا وامكنته المقشّرة الغاطسة بكثافتها الخيالية والواقعية معاً. ومن هذه الرؤية كان حرص الشاعر متوثباً لتحويل البنية الذهنية الى بنيات صورية متجسدة في شفرات الاشارة والعلامة التاريخية وقلقه الميتافيزيقي لتصعيد النبرة الحسية والمعاني الصادقة والمكثفة في فضاء المشهد السردي الشعري: (لا بأس تتجملي/ لأراك في حلمي/ كأقمار الرعاة صغيرة / غوصي الى قاع المقابر/ عطريها/ بعض طبعك/ نحن مثلك/ فوق ظهر الأرض مملكة/ لِباقي العام/ المواسمُ كلها لي/ عدا ما يجرح الامطار/ كي تهمي/ لينبت من جديد ص 49 من قصيدة- عطشس النرجسات..) إن موضوعات الشاعر سعد الدين تظلّ رغبات ساخنة مكبوتة ومحبوسة يصطدم بها حلمه الكوني مقابل الاثر العالق في اللاشعور الجمعي ويستعين الشاعر بخزينه المعرفي التاريخي لتمويل معانيه وتشظيتها عبر النسيج الكلي لقصيدته، لقد حرص الشاعر على استحضار رموزه الخاصة ومهيمناته المعرفية والحضارية لتوجيه خطابه الشعري نحو أفق دلالي تشتبك فيه تشكلات الرؤيا والصورة وطاقة الرمز، وينزع في هذا التفريغ الحسّي لآفاق بنيات شعرية متصارعة في محمولات أنسجتها ومكوناتها اللفظية لتعكس حساسية شديدة التعلق بالآخر وتتويج العلاقة المتينة بين الأنا والـ (هو): (قد كان لي غسق ألوّنهُ/ ويسبقني البنفسج/ بالطلوع على حواشينا/ يُزيّنُ صُفرةَ الياقات/ ثم يحني رأسه/ ويغطُّ في شبق السكوت.. ص52) ويحرص الشاعر على تثوير المغمور والمسكوت عنه والباطني في قراءته لعالم الآخر الجوّاني واستدرار عواطفه وكشف المستور منه، لتصعيد النبرة الحسيّة وتراكم مؤونة الآخر والأنا الحالمة بالعودة من اللاشيء أو من الفكرة الاولى للخلق والخليقة الى الحياة: (هبَّ جنة الخلد المعبأ/ في القراب/ لا شيء ينبت في السراب/ التطواف نالني لتطوف/ كالغادين/أرفع حزمتي/ لأعود من جوف التراب/ إلى التراب ... ص64) ويسترسل الشاعر في رسوماته متوجهاً من الحياة الى الموت وبالعكس في أبنية ثنائية غاية في التشكيل والتوليد الشعري: (والأرض التي نسجت عظامي/ تسترد رفاتها مني/ وتفتح للهواجس ألف باب/ مثل حب النرجس الغافي أنا/ لا شيء يغلق دون أحلامي وأتلافي/ إذا ما عشت/ أحتلم التراب.. ص66) ويعثر الشاعر في خاتمة المطاف على سعادته المسلوبة في قيمة الحياة الراسخة بين أحلامه المقلقة وبين سعادة وقيمة الحلم الكوني في قيامة التراب، ولعمري- إنها ابرع صورة شعرية يرسلها الوعي الفني الاستثنائي للشاعر سعد الدين شاهين، ويستكمل مرسلاته الشعرية في توهج فعل الرؤيا واستطيقيا الحلم وجوهر اللغة الصافية في سروداتِه الصورية الشعرية في قصيدته -ملهاة العشّاب- ص76، حين يسند للشعر معنى ودوراً ولذة ورغبة في إشباع نفسه، كي يظل لاهياً عميقاً. ما زال يطارد الوهم به وبقساوتِه ومعانيه الصادمة المدهشة وطعن غرائبيته وملء فراغاته بكينونات لأرواح يستحضرها المخيال الشخصي في أبرع مشهدية صورية وذهنية محتشدة بالدلالات: (سأتلو على مسمع الأرض دقاتها/ وهي تمشي إليّ/ وتقرضني لحظة/ من توالي السنين.. ص76). و: (أتلهّى ببعض بيت من الشعر/ وأطلب من غفلتي أن تعيد حوار النجوم/ لعهد القبيلة/ لستُ ادري.. اياذن لي سيدي/ أن امر على ذكره كلما عنَّ لي خاطر: أن أكون؟!/ ويظلّ السؤال الكبير الذي يطرحه الشاعر عن فعل الكينونة، الذي يتمنى أن تتصدر إجابته الذاكرة الخازنة لتاريخه الشخصي والجمعي معاً: (وعملت كل الشيء/ إلا أنني/ ما كنت ذاتي../ حين تنتصر الحياة..!! ص95) ان الشاعر سعد الدين يقيم فضاءاً شعرياً محتشداً بالصور العميقة الضاجة.. بقيم الحياة العليا ومعانيها الانسانية الراسخة في الذاكرة الجمعية..

 


 

فضاء التكثيف.. وتكثيف الفضاء*

 في [اكثر مهابة]

    يشتغل الشاعر محيي الدين محجوب في تشييد فضاء مشهده الشعري على قصيدة اللمحة او الومضة او الصورة العنقودية المكتنزة وحتى على الشذرة، وتتأزر الموضوعة او الفكر داخل نسيج النص مع مسافة التوتر وحجم الايقاع وفضاء التكثيف، وفي متواليات نصية يجمعها مناخ فكري متفارب في الصياغة والتصوير والتخييل، ويسعى الشاعر الى استثمار طاقة المفردة في بناءات نصوصه عبر رؤية ذات مرجعية تاريخية تحقق تلازما بين الحادثة الشعرية ومستويات (التعالق) الدلالي المعتمد اساساً على (التشاكل) الصوري في تمظهرات رؤيوية مكثفة تقودها الفاعلية الشعرية بكل مدلولاتها الى تأسيس خطاب (الأنوية) في مستوييها الشخصي والتاريخي. ان لغة الشاعر تتوفر على قدر كبير من الحذر والهدوء والجدة التي تنفتح على معطيات عمل شعري موغل في بناه الاستعارية في سرد وقائع شخصية غاية في الاقتصاد اللغوي، ان فضاء الصورة يستوعب كل احلام الشاعر محاولاً اختراق الذات والاستدلال عبر ذلك على الاشياء، ان اللغة عند الشاعر محجوب تشكل منظومة من المعاني المستثمرة في بنية اقتصادية لسانية، تكتسب فيها الكلمة جملة من الانفعالات من خلال السياق الدلالي والايحائي، لآنها تعتمد شبكة العلاقات، انها تسعى لتلمس الفاعلية الشعرية للانفتاح على فضاء الصورة عبر (الدالات) التي تتعايش وتتقابل وتتضاد احياناً، ويسعى الشاعر لتحقيق اقصى الايحاء بقوة المفردة وطاقاتها الاشعاعية بنقلها من خطابيتها الى ترميزها وتعليق مرموزها في اقصى الزاوية الحادة للرؤيا وتتدخل في هذه العملية عناصر التوتر الحسي والنفسي مقابل تفجير طاقة اللغة جمالياً وتشكلاً وتخيلاً، ان في كل لغة/ شعرية تتخفى في طبقاتها، هذه التي تنتج الصور، (وان جوهر الصورة الشعرية هو ان تجعلنا نرى شيئاً ما، مرئياً أم غير مرئي غريباً، ونعني بالغرابة (الدهشة) حسب هايدجر)، عقب هذه الرؤية يقدم لنا الشاعر محي الدين محجوب قصائده (اكثر مهابة)، فلنقرأ هذه القصائد القصيرة [نثيث/5]، [الريح ابت هذه الليلة/ اليّ بالأغلال]، و[في الحديقة المنفلتة، من قبضة الشرطي، اخترنا كرسيين/ 6]، ان الشاعر هنا يتوق نحو العزلة بعيداً عن انظار الآخرين ويعمل على الانعتاق من ربقة المألوف مذيباً المسافة الحادة بين الخيال والواقع، ويقيم صورة عبر (تماهٍ) الذات الشاعرة والعالم محاولاً عرض نظام مغاير وخاص على الاشياء والموجودات، (حينما التجأت الى المطر/ قال ميراثك الماء/8) و (لأنني مدمنٌ على الأقرص المهدئة../ فكرت ان ابتلع قرص الشمس) و(اطلق العنان لطائرته الورقية، وسأل اباه، هل في مقدور الرادار ان يلتقطها؟!) و(بعد ان اغتسلت الزهرة باشتعالي/ خرجت تتباهى في الجنائن) وهذه صورة اخرى جميلة يقول فيها: (خرجوا بلا ملامح/ مرّوا بغيمة امطرتهم) ان سعي الشاعر الحثيث نحو الاقتصاد باللغة هو الحرص والابتعاد عن نظام السرد الذي شاع استثمار قواه في المشهد الشعري العربي الحديث ويخاصة في العقد الاخير من القرن العشرين، ان هذا الحرص متآتٍ ايضا للابتعاد عن التقريرية والوصف والكتابة الشعرية الهلامية التي لا تخترق مجسات اللغة الحيّة ولا تستشرف آفاقها الإدائية الحديثة بواسطة فعل الانزياح، لما له (من مظاهر متعددة يظل امر تشكلها مرتهناً باجراءات الحقل المعرفي الذي تشكل فيه، حسب ياكوبسن) ان الفرادة في التأسيس واجتراح الخطاب اللغوي وخرق اللغة او تغريبها عن مناخها الاصلي بواسطة الانزياح هو الذي (ينوجد) في الشعرية بوصفه منشطاً لمشغلها في العمل اللغوي حيث ترتسم ملامح تلك الشعرية لحظة ينحرف الكلام انحرافاً معيناً، ان الشاعر محي الدين يسعى لتحديث مشهده الشعري في استثمار مستويات الانزياح وايجاد تقنيات اسلوبية جديدة تستمد بناها وهيكلها من الكم الهرموني من العلاقات اللغوية وتأسيساتها للبنى الشعرية في بانوراما من الاستعارات الخفية فلنقرأ هذه الصور (نكاية بالقصيدة/ ارمي حجراً في بئر اللغة..). (ونكاية بالجميع/ يضحك فمي عليَّ) و(لأن اصص وباقات الزهور الاسطناعية غزت بيتي، فكرت ان استبدل انفي). و(ايها الصباح / في ضاحية فرحي/ سأنصع لك جناحين/ وقبل ان تكون طيراً/ احترس رصاصة الصياد) و(ابي... فوق قبرك/ رفرف عصفور من طفولتي/ زقزق.../ شارباً من خمرة الحضرة/ يا ابي../ لماذا ترقد طويلاً، تحت تراب الذاكرة؟).

و(انتم.. يا سلالة الفجيعة / من يذبح الكلام بداخلي). هكذا تهيمن شعرية الاختزال والتكثيف على نسيج النص، وينغلق النص على بنيته عبر شفراته المزدوجة رغم تحرك بنية النسيج بواسطة معامل اللغة، (واللغة هنا بوصفها ممارسة كيانية للوجود، ومن هنا تتولد العلاقة بين الشاعر والاشياء التي يكتبها، والشاعر حسب (ادونيس) (لا يكتب عن الشيء وانما يكتب الشيء) ان اقتران الشاعر بالحياة هو الذي يسوغ اقتران اللغة بالحياة في علاقة حميمية اصلية، ومن هنا تنشأ العلاقة بين اللغة والشعر، وهكذا تتنوع المسويات الدلالية وتتفرع الابنية وتتوالد في هيئة فضاء، (حين ابصرته العصافير محتشداً.../ فرّت اليه/ تملؤها الدهشة) ويقول (بئر مكسو باسرارها) و(كلما الفت ظلي/ رأيته).

هكذا يشيد ويحقق الشاعر محي الدين محجوب علاقاته، مع العالم والاشياء في ثنائيات جدلية متضادة تتصارع اناه وذاته الشاعرة من خلال ايقاع الابستمولوجيا الحسية والنفسية وفاعلية الجهاز اللغوي لضخ اقصى قدر من الشعرية في ابنية الكلام، كلام النص.

 


 

رهان التهكمي ولذّة الاكتشاف*

في [مقعد راكب غادر الباص وقصائد اخرى]**

للشاعر اللبناني وديع سعادة هذه الاعمال بالترتيب [ليس للمساء لخوة، المياه المياه، تعليقات ساخرة -قبض ريح، رجل في هواء مستعمل يقعد ويفكر في الحيوانات[ واخيراً مجموعته التي سنتحدث عنها ونغوص فيها لقراءتها...

على ماذا يراهن الشاعر وديع سعادة في مجموعته هذه والتي تتكون من اربع وعشرين قصيدة؟ انه يدخل في النصّ ليركبه من اوصاله المتفرقة ويخرج منه اوصالاً، وهو بهذا بحاجة الى مَن يركبه، أعني مَن يركّب أحشاء نصّه داخل دائرة الشعري، حيث يفلت منه في الكثير من مواضع لينهدم في فراغ القص، وذلك بحقنه بامصال لغوية استفزازية احياناً وساخرة احياناً أخرى تبلغ حدّا من التهكم بحيث تجعله نصاً قريباً من اشكال كاريكاتورية ملغزة الى حدّ ما في لغة قريبة الى المباشرة المغلقة، إلا أن الشاعر يتدخل في صناعتها وابتكار جدران أخرى لها لينقذها من إشاريتها الوحدانية بادخالها المصهر الكيميائي المركّب عن طريق خلق الحدس وتثوير ذهن الآخر وصدمه بصورة شعرية مفاجئة تقترن بالحكاية والسحر في هيكلة لغوية وفلسفية وحلمية وكابوسية احياناً ليسجل حالات من الذكرى ولقطات يومية ثقيلة موثوقة بصلات حميمية الى كائنات تتجاذب ما بينهما وتفترق لتفارق اشكالها ويتدخل الشاعر هنا ليهندس لها حياة تشكل هذه الاشكال ثيماته الشعرية والتي كثيراً ما نجدها في في نهاية كل نص.

ان علاقة الشاعر مع الكائنات والموجودات  الاخرى التي هي ارضية نصه، علاقة استكشافية وحلمية تخلق نفسها عن طريق الروابط العضوية التي تحملها للحياة كاشكال حياتية لها طرائقها في البحث واقتناص اللذة وايجاد

مواضعها وتشاكل تموضعها الوجودي في كل حلقة من حلقات امتدادها داخل النسق الكوني، والشاعر وديع سعادة يتعامل مع اكثر الاشكال هذه تعاملاً صورياً وبصرياً اكثر من تجريديتها وخياليتها، فهو يحاول التحليق في عالم صوري تهكمي تارة وفيزيقي وميتافيزيقي تارة اخرى، ليحدد العلاقة القائمة وجدليتها بين الاشياء وممسوخاتها وكذلك مع كائناته التي تتدخل في صنع مناخات نصوصه... وكأنه في داخل مختبره النحتي الحجري، ينتقي منها ما يشاء ليدخلها مختبره الحسي والذهني لاقامة علائق جديدة من هذه العوالم والصور المرئية والمتخيّلة وفي كل نص  يفاجئنا الشاعر بتلوين عالمٍ جديدٍ يمت بصلة بعالم سابق وصور سابقة داخل حياتها في اطوارها الجنينية وهذه الصور الجديدة تنوء الى حد ما بالمعرفي والفلسفي والقصصي الخرافي اكثر مما تخضع للشعري العالي، لان الشاعر لا يعنيه تاسيس نص تتوفر فيه كل مقومات القصيدة المتعارف عليها من ايقاع وبلاغة ومعنى وما الى ذلك من المفاهيم السلفية القريبة من روح القصيدة الحديثة، انه يكتب ايضاً من اجل ان يقول (فكرة ما) مجسّدة في صور تقوم على تناص جمالية الرسم والفوتغراف والنحت والعمارة والمعرفة والسينما والقصة والتعليق الساخر...

هكذا يفارق الشاعر وديع سعادة شكلية القصيدة الحديثة ليقترب -وبفرح- من شكلانية وروح: [النثر = القصصي+ الشعري] إذا أمكننا القول.

ويستمر الشاعر في توصلاته الذهنية والبصرية الى لذة الاكتشاق لافكاره واستعراضها في صور ساخرة عبر اشكال متعددة وبناءات لغوية في مناخ تتقاذف فيه مؤثرات الطبيعة والقراءة وتلاقح حضارات وآداب امم أخرى في مشهده العام، وانه يستمتع بهذا الرهان التهكمي في كل مفصل من مفاصل نصه باكتشاف لذته التي تقوم على ما تضمره اللغة عبر مساحة الرؤية على امتداد النص حتى اخره بانفتاح يكشف ذات الشاعر وعلاقاته المتعددة مع الواقع والطبيعة والزمن والأمكنة والآخرين..

وكثيراً ما يستفيد الشاعر من مقولة ارسطو في الاستعارة [الاستعارة الجيدة تشتمل على الأدراك الحدسي لسر التجانس في الاشياء غير المتجانسة].

إننا في مشهد وديع سعادة امام نوع من الفهم الذي يدعو التسامي فوق مستوى الألم والنظر اليه من زاوية مكمنة ودافعه الخفي، فالبؤرة الحقيقية التي تعبر عنها نصوصه هي محور الصراع بين (الانا) وتشابكاتها المعقدة والواقع وتناقضاته والتي تفرزها لغة الشاعر في مشهد صوري عبر رؤية قائمة على الادراك.والتحسس، ان اكتشاف العلاقات بين الاشياء في غير حقيقتها هو ما يمكن تفسيره في ضوء ما هو مضمر في الحسي والذهني وهذا هو عين ما يضيفه الشعر لحياتنا من ثراء روحي وفكري، وغالباً ما تقوم نصوص الشاعر في تكوّن علاقاتها، اعني علاقات الاشياء والكائنات الأخرى، في ثنائية تقليدية، (كالموت والحياة، الماضي والمستقبل، الربيع والخريف، الصيف والشتاء، الحب والكره).. في علاقة تقرر المعنى في بأشكال فوتغرافية تارة وبصرية فيزيقية تارة أخرى، ان اشياء الشاعر بمثابة مرايا تتلامع لتعكس ما حولها من اشكال لها قوة الحضور والتي تفصح عنها لغته وتفضحها في قوة تركيبها وتصريف واقعيتها المباشرة احيانا وخياليتها المضمرة احياناً أخرى، في طبقات الوعي، إن نصوص الشاعر تقوم على أقرب ما يمكن تسميته بمزاج الحالة النفسية والذهنية للشاعر نفسه، واقترانها بحالات التوقع والاحتمال والكشف والبحث والاكتشاف، انه يقبض على الحالة اما اللقطة الكامنة في طريقها الى الابتكار بشكل مفاجي بلغة شكوكية وتنويعاتية اقرب ما تكون الى اختراع الحيلة والحدس، عندما يقدم لنا اشياءه وكائناته في علائق شبه مخيفة بانتظار عرّافٍ يفتح حدوسها الثقيلة وكوابيسها المثقلة بالاوهام والخرافة...

اننا لا نستطيع ان نحصل على اكثر من مفارقات مخيفة ولذيذة في آن واحد ضمن ما تشكله نصوص الشاعر وديع سعادة فهو يترك جانباً طاقة المفردة داخل الجملة بحيث تؤدي وظيفتها بنفسها بشكل كلي، وهذا ما يحرمنا من اتمام عملية الخلق بتثوير لغته وقلب وظائف الكلمة، من [هدم وبناء] واعادة هذه العملية الثنائية بحيث لا نترك مجالاً للفراغ في قلب النص او جرّه الى كولاجية تضعف كيانه المتجمع في تراتبية الجمل،، وإلاّ أين ستعيش فكرته، خارج وظيفتها ام داخل الفراغ المتولد المنهدم..؟!

ان الشاعر وديع سعادة يدفعنا الى تأمل الحالة الشعرية عندما يدفع نصه باتجاه عبثية الاشياء وماديّة العالم في لغة شكلية تصنع مناخات نصوصه عبر رؤية مركبة تتغذى على منطقة الخيال وتتجاذب فيها غرائبية ذات مراجع متعددة تضمن ارتياد النص الى منطقة الاحتمالات اللامتحققة في حضور شعري قائم على اقتران اللغة بالمخيلة والحدس ونشاط الذاكرة، ويلجأ الشاعر الى أقصى ما يستطيع لمسخ عوالمه في صور كافكاوية جديدة وحيّة لتنزلق مثل كوابيس في شبكة من العلاقات داخل حقل المعنى وهذا ما يبدو في جميع نصوص كتابه. وذلك بالاستعانة بالمفردات الجاهزة والتي تضجّ داخل الخطاب النفسي والمعرفي في مختبر الشاعر، وبقدر ما تقترن هذه المفردات بالخطاب التشكيلي والانطباعي والبصري فإنها تؤسس لذهنيتها مستوىً تعبيرياً يتغذى على وعي الشاعر ويأسر هواجسه ليتنقلّ في فضائه الشعري حاملاً مفاتيح التحرر والتأمل، التحرر من المالوف وذلك في التقاطات ذكية تتقاذف فيها الصور لتشكل مناخاً خاصاً بنص يليق بقدرات الشاعر وامكاناته الفكرية والفنية.

ان دعوة الشاعر لقراءة فكرته بثنائيتها (الحكمية) كمعطىً معرفيّاً وكمعطى شاعرياً تنبع من قوة ابحار الشاعر داخل فوضاه وعلاقته بالكون، في رؤياه المتسعة لكلية العالم، وهذا ما يجعلنا ان نلتقي بجذوة النص المتقدة، في خرائط معرفته بتلقائية عالية تقفز من رهانه التهكمي ولذته ولذة اكتشاف المجهول.

ان الشاعر يدعونا ان نتأمل تجربته في ضوء مقولة هيغل عن [الفن الذي هو تظاهر الذات في الاشياء] وأقرب الظنون إليك هو هذا الشعر، هكذا تفضح الأاشياء وقوتها ذات الشاعر وتتظاهر فيها وهو يستدرجنا وبكل قوة الى هيئته التي تقمّصتها نصوصه بحذر شديد...

ان للاشياء لغة خاصة بها في نص الشاعر وديع سعادة وهو بهذا التميّز يخرج من اسرار الوقوع في التكرار والعادة في الكتابة الشعرية، وبهذه الرؤية يجعل العلاقة بين لغته ولغة الأشياء في جدلية متصادمة وحركة تضاد دائمة لتؤسس ما هو متضاد وتكشف وتكتشف علاقاتها الاتصالية وكونها الذي رسمته لغته من عمق المعنى ومكابدة الشاعر فيه وصولاً الى تحقيق جمالية النص وحصوله على هويته الشعرية.

 

تشظي الحلم الشخصي وأسطرة المكان

في [الصعود الى مؤته]

يرتبط الخطاب الشعري بالرؤى الفلسفية والمثيولوجية في تجربة الشاعر حكمت النوايسة في مجموعته الشعرية (الصعود الى مؤته) في مجاراته للحالة الشعرية الكلية التي تخفي في طيّاتها حشداً من الانفعالات واللقطاتُ التعبيرية والدلالية عبر منظومة من الايقاعات القائمة على تفعيل شبكة العروض الشعرية وموسيقاها المؤثرة باقترانها بذاكرة الشاعر ومصاهرتها للحادثة الشعرية التي اتخذت من بِنية المكان الهيكل الكلي لنسيج قصيدة الشاعر في العنونة الاساسية والرئيسية في علامتها (الصعود الى مؤته)، واحتضانها لعنونتين فرعيتين هما (مدار الحقيقة ومدار السؤال)، وينوء الخطاب الشعري بكليّة الانا التي هي اصلاً الموجِّه الرئيسي لمدار الخطاب في مستوييه المعلنين الذهني والحسّي ـ ومحمولاتهما الداخلية والخارجية/ التاريخية المتجسدة في بنية المكان والزمان والمثيولوجية والاسطورية والتراجيدية المتجسدة في بنية الرموز والعوالق الثيمية الاخرى الصادرة عن ذاكرة الانا وتعايشات المعاني داخل النسيج النصّي، إنَّ الذات الشاعرة توجِّه خطابها من خلال طبقات من الانتاجات البلاغية المتمثلة في انساق الاستعارة والمجاز والتشبيه والاسناد ومنظومة من الصفات والاحوال التي تُلحّق بأسماء معرّفة واخرى ظرفية ومثال ذلك في قوله: (تمرُ المساءاتُ بي زنبقاً لنهارٍ رديء/ ووحدي أُلملمها باقةً للذي سوف يأتي/ ليأتي/ ووحدي انتظرتُ/ ولكن هذا المساء حزيناً آتى/ والنجوم تخبرني عن رحيل الشراة/ ولم يعُد الحرف يوقد ناراً/ ومؤته غافية عن فتاها الذي كان يُغرقُها بالقصيد/وهذا المساء طويل ثقيل../،ان الشاعر يحس بلا جدوى الكتابة وخفوت نورها حينما يعلن عن خمود نار الحرف وعتمة المكان وغياب الانا الشاعره، وثقل الزمن وارقه وضمور المشهد الاحتفالي الطقسي لبنية المكان عن حلمه الوجداني والصوفي.ان خطاب الاسى والالم والحسرة ينبثق من اعماق الشاعر حين يظل يلاحق فعاليات المشهد اليومي والتأريخي المترشحة عبر خطابه الشعري في لغته الايحائية ونبرتها القصصية حين تمر الاحداث والاحوال النفسية والتاريخية عبر سلسلة من (التشعير الحكائي) فها هو.. يسرد، ويقص معتمداً على الفعل الماضوي من ذاكرة محتشدة بالرؤى الفلسفية مؤثثاً مشهداً صوريا ضاجاً بالافعال وإحالاتها وتشظيها على كلية القصيدة: (خرجتُ وكان الظلام/ ومؤتة تغفو على بركةٍ من دموعٍ/ وكان الحديث يوزّعني بين نفسي ونفسي/ تلمّستُ نفسي/ فلم اجد الارض تعرفني/ والفضاء تنكر لي والبيوت تنام على ساكنيها/ ينام الندى ها هنا ويجوسُ المكان نسيمٌ ثقيلْ/ وكان القصيد يلاحقني في الشوارع ظلاًّ الاحق نفسي/ أُفتشُ عني..) ان الشاعر هنا يتحرك عبر منطقة شعرية تتقاسم جغرافيتها اناه العليا بين تلّمس الذات والاشياء وبين المحو والنكوص والهرب، ويؤسس لهذه العلاقة الوجدانية بنية شعرية تتحقق بمعامل مركب اللغة (القصيد) الذي يعتبر الموجّه لقيادة الخطاب للوصول الى افقه الشخصي، بين فاصلتين ثخينتين بأحالتهما القصيدة في (الزمان والمكان)، ونرى الى سيماء شوبنهورية بكنهها المعتمد على رغبات وغزائز وسجايا الشاعر حكمت النوايسة، فهو مرةً تراه محاصَراً مهدداً واخرى ملاحقاً منهوباً وتشاؤمياً في مسالك نسيجه الشعري الذي تهيكل على بنى خطابية تارة عبر سياقات شفاقة تمررها الذات الشاعرة بقوى السرد الموجز وغنائيته الى تراتيبة الخطاب الشعري حتى بدا ذلك في تعامل الشاعر مع انتلجنسيا الرؤيا ونهله من الاثر الادبي بمعرفيته وكينونته التراثية وشفرات التأويل والأحالات المتشيئة في القول الشعري ومنظومة العلائق اللغوية المتجسدة في الأسلوبية الشخصية للشاعر النوايسة: (الرصيف تجمد/ ووجه المدينة صار ركاماً/ رماداً تنشقته فآستحال بجوفي ناراً/ لِعُمرٍ أُهدهده بالمواجع والاغنيات/ (وحدك تأتي على صهوة الليل/ لا الشوق يثمر ورداً/ وما انت شيئاً/ فكن حيث كنت، كنتْ، كنتْ)، وتعلو نبرة الانا في مرورها بالعالم والاشياء وبُؤر حياتية اخرى يقف عندها الشاعرب ليطرد حلمه الماضوي في الأمكنة الخاوية والجامدة وصور الرماد والنار والمواجع والشوق الخاوي واسئلة الكينونة ومقارباتها، وأمام هذا المشهد اليائس والباهت تقف الانا لتعلن بقوة، ولتعمل على تفعيل العلاقة الحسية والواقعية في تشاكل صوريتها ومشهديتها وجماليتها الشعرية: (كنتُ يوماً هنا/ كنت يوماً احدْ/ والمراكب تخشى المرور بمائي/ ويخشى الجراد ردائي وتخشى العواصف هامة قبري/ وأرغي كما الثور هاجَ فماجَ به صوته/ فأعتلاه غبار ينحلّه في جنون الصحارى/ أزمجرُ تصُعَق كل العذارى..) ان الذات الشاعرة تصطرع بين قوتين أو مستويين من الخطاب، بين قوى الخارج والمتمثلة بالواقع وحوادثه وافرازاته وبين الداخل المتمثل بالأنا وارهاصاتها وأحلامها، ورغم شيوع مثل هذه العلاقة عبر نسيج القصيدة الكلي، فأننا لا يمكننا الفصل بين المستويين فالذات الشاعرة تتجسد في الروح الأنوية التي هي الموجة الرئيسي للعام والخاص الى خانة الشعرية وهيكل الخطاب الشعري وبثه في نسق المكان والزمان وفضاء الكتابة بكليته: (… وصرتُ أنا الوطن الموت والكرنفال/ دعوت، أجابت/ فهزَّ الفضاء اشتعال الوصايا الذي بيننا/ والسنين/ وهز اشتعالاتنا في القصيدة/ عاودت طفلاً/ أداعب أحلامنا في رؤاي/ وأزرع كلّ الليالي لعين الحبيبة شعراً/ وكان المساء جميلاً جميلاً/ وصار الصباح بمؤته أجمل/ صرتُ لها عاشقاً من غرور..) ان حشداً من العلائق اللغوية يتنظم ليقوم خطاب الشاعر من وحدات جزئية بثيماتها النفسية والفكرية ثم تنشطر الى وحدات أخرى داخل الهيكل الكلي للقصيدة، وتبدو بنية الفضاء شديدة الوقوع، وهي الوحدة البؤرية التي تتكون منها مركبات النسيج الدلالي النصي وتفرعاته، فالشاعر يظل يدور في فلك الدراما المتشيئة في علائقية الاشياء والمكان والزمان ويبتكر صوره الشعرية من خلل هذه الخصيصة العلائقية وبالتالي يجعل مشهده الشعري حافلاً بطبقات دلالية تتداخل وتتخارج على المبنى والمعنى ومن خلالهما: (… ووحدي امام المدينة في سرمد من بكاء/ أراود مؤته عن نومها/ جذبتني الشوارع كلٌّ يسلّمني لأخيه/ ومؤته حلم أفتش عنه بمؤته/ لكن مؤته موت وموتْ..) ان حلم الشاعر يقع على مؤته المكان العظيم الحلمي والاسطوري والفانتازي والجمالي السحري، لكن سرعان ما ينكسر الحلم الشخصي في صورة المكان حينما تتحول الى بنية فجائعية في ملفوظة الشاعر (لكن مؤته موتُ وموت)، واذا كان الموتُ في المعطوف عليه هو القيامة فتلك أبلغ صورة يتقدم بها الشاعر على حلمه الميتافيزيقي الذي تشيأ في صورة المدينة وتحولاتها في المبنى والمعنى.. ومن منطقة الحلم والرؤية لتحولات الأنا والمكان يرسل الشاعر منظومة من الأسئلة التي تتدفق شعريتها عبر لغة شفافة موحية باشاراتها وشفراتها ومفرداتها التي تنتمي في لسانيتها الى الاسلوبية القرآنية.. (والفجر جن بجنحيه ملحمة من حياة/ والفجرآت/ هو الزيف آت/ فمن للحروف التي تتزاحم في شفتي ارتعاشاً؟؟/ ومن للقصيدة/ يا شيخ مؤته يا سيدي؟؟/ من للغريب اذا فارقته القصيدة برداً يراودها عن لظاها؟/ومن لأحتراق أصابعها في جناها؟/ ومن للغريبة اما صحوت/ الجنوب علي سلاماً سلاما/ وريح الشمال لظاها؟؟؟) ويرسخ الشاعر كينونة أناه في تعميق صورة لافتة الذات في بانوراما هرمية متحققة في اللازمة (كنت يوماً هنا كنت يوماً احد) التي تحتل بعض مناطق القصيدة وسروداتها الشعرية المكثفة، وتحتل الأنا الحيز الكبير من زمن الشاعر وزمن القصيدة وافعالها وتتنازعها قوتان توجههما الرؤية الشعرية الى أفق حياتي ملغوم بعلاقة ثنائية قوامها جدل (الحياة والموت) (والفجر جن بجنحيه ملحمة من حياة والقبور تفتح ابوابها) في هذه العلاقة يعلق الشاعر آماله على قدوم على قدوم الفجر وانطلاق الحياة بكل تفاصيلها، ويعادلها (ما في فتح ابواب القبور) أي قيامة الموتى وعودتهم الى الحياة، ويرجّح الشاعر هنا، كف الحياة على الموت حينما يصف حالة القيامة بلغة ايحائية نشيطة فاعلة في ملفوظاتها النفسية والذهنية (.. وكان المساء/ ولكن هذا النهار اتى/ والشموس تعاندن في فضاء النهار/ الشوارع غير الشوارع/ والامنيات/ عجافا تمر ايامي..) ويظل الشاعر يستذكر مدينته عبر ذكرياته فهي الحقيقة التي قبلها واودعها قلبه: (ومؤته كانت شفاه الحقيقة/ كنت أقبلها/ فيذوب على شفتي طعمها/ بارداً كاليقين..) ويُصعِّد الشاعر من ميكانزيمات شعرية قصيدته، حين يدخل فصلاً اشراقياً بلغته الشفافة ليصل الى تتويج قيامة رحلته في ألق الحياة ونبضها ومفاصلها الضاجة بالكائنات والموجودات والاشياء.. (والمدينة تصعد أشلاءها للسماء وصارَ الخريف على وجنتيها ينادى الربيع/ انْ افتح مداك لأوراق داليتي كي تعيش..) ويصل الشاعر الى حامه السرمدي في قيامته حين يتشكل الخطاب الشعري عنده بصورة عنقودية كأنها المعادل الشخصي والموضوعي لكلية قصيدته: (… فآلتفت الارض طوقا من النرجس الأحمدي/ صدر مؤته/ والقبر زلزلني فآنبعثت) ويعود الشاعر ليختتم حلمه الشخصي في مرسلةٍ من مرسلات خطابه الشعري باشارة كونية اسطورية مجسداً صورة مدينته في كل حياتها وعهودها، وهي العهد الساحر الجديد المشع على العالم والذات الشاعرة في وصية جده، حين ينزاح ستار الذاكرة الشخصية عن تاريخ معرفي شخصي وجمعي في آن واحد: (أذكر اني كتبت على غيمة/ ذات صيف/ وصية جدي/ فخر الجدود/ وعاث بي الصحو..)، ومن بنية الحوار بين الأنا الشاعرة والذاكرة التاريخية ومؤتة الرمز العالي يقيم الشاعر هذه الصورة الرائعة في لغته الجميلة الشفافة الخالصة جوهراً فكرياً وشعراً صافياً: (.. وقلت: بأنك تفاحة الاغنياء/ فقال: ستفنى النقود/ وقلتٌ: بأنك نرجسة في السماء/ فقال: لمؤته عهدٌ يعود/ فخلتك نجمادنا..) فاذا كانت مؤته نرجسة في السماء فان حكمت النوايسة سادنها وحارسها ونجمها الاثير شعراً وفناً وفكراً.

*


 

*  جريدة العراق/ 16 شباط 2003.

** أوبرا الأميرة الضائعة: تأليف رعد عبد القادر، اصدار دار الشؤون الثقافية 2000.

* مجلة بانيبال/ العدد 17 / ت1 2002.

  جريدة الزمان/ العدد 1986/ 11 ك1 2004.

** مزامير الغياب: شعر دنيا ميخائيل/  بغداد 1993.

* مجلة بانيبال/ العدد 20/ تموز 6753 آ، 2003 م.

* جريدة القادسية / 11 ايلول 2002.

* جريدة القادسية/ 1 آب 2002.

* جريدة العراق / 18 آذار 2002.

* جريدة القادسية/ 23 شباط 2003.

* جريدة العراق/ ك1 2002.

* جريدة العراق/ 14 ايلول 2002.

* جريدة القادسية/ 16 ت2 2002.

* مجلة بانيبال/ العدد 18/ ت2 2003.

* جريدة المؤتمر/ ت2 2003.

* جريدة العراق/ 21 ت2 2002.

*  مجلة تايكي الأردنية/ العدد 6/ صيف 2001.

جريدة العراق/ 30 ك2 2002.

 

* جريدة العراق/ 2002

** أسعد انسان في العالم: كزار حنتوش / مجموعة شعرية/  إصدارات دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد 2001.

 

* مجلة أوراق/ رابطة الكتاب الاردنيين/ العدد المزدوج(18-19) 2004.

** عطش النرجسات: سعد الدين شاهين/ إصدار دار الكرمل / عمان  2001.

 

* مجلة الفصول الاربعة الليبية/ العدد90/ السنة الحادية والعشرون/ آب 1999.

   جريدة العراق/ 23 شباط 200

 

* جريدة النهار اللبنانية.

** مقعد راكب غادر الباص وقصائص اخرى، طبع في مطابع انطوان الشمالي، درعون، 1987 بيروت.

 

 
<

>