Iraqi Electronic Library

المكتبة الإكترونية

مجموعة شعرية

من أجل راحة الموتى

نصيف الناصري

 

نصيف الناصري

Nasif Alnasiry

 

من أجل راحة الموتى

 

نصيف الناصري . تصوير آدم البياتي . السويد . مالمو شتاء 2012

 

 

 

مجموعة جديدة

 

نصيف الناصري

 

من أجل راحة الموتى

 

 

ما يتعجّل الزوال

 

الى نادرة محمود

 

 

1

 

 

 

أقف تحت الظل الهائل لصمتكِ وأفكر بإرث الموتى .

أشجار الصيف مضاءة بالمشاعل الزكية لما يتعجّل

العدم . الحاضر ينشد الخلاص من سجنه ، وأنتِ

تفرطين في لحظة غيابكِ اللاهبة . كل حجارة العالم

تمشط شعرها وتحلم بمعانقة الشرارة الكبيرة للفردوس .

لا وريث لنا في أيام غيابك التي يتحفز علينا فيها الرماد

وينابيعنا نضبت مذهولة تحت النصل النذري للشمس .

يدعونا الواجب الآن الى أن نرمم السقوف المتصدعة

 لأحلامنا . الحبّ نجمة مريضة في رياح العالم .

لا كهرمان يحجز بيننا وبينكِ ، ولا زهور معادية .

اجرامنا في الهُيام بشفاعتكِ ، استنفد كل احتياطاته .

نتضامن في محنتنا ونحمل في الموازين أضحية متعددة

الى صخرة حبكّ الشافية .

 

 

2

 

 

تومض بروق يأسنا بين النجوم المترنحة لتماثل الساعات .

تخريب كبير لا يمكن اصلاحه في الحاجز الذي يفصلنا عن

الأمل . كل ما خلّفناه من آثار حيواتنا المذعورة ، بخار تغطّت

به الثكنات . يحاول البعض منّا ازاحة موته بأحلام معفَّرة ،

والبعض الآخر يفتح الأبواب ويرتطم بصخور السأم . ملامح

كثيرة للماضي دفنّاها بغضب تحت المصابيح الخالية من الرحمة .

يتنزه الألم الآن في عطشه الفظيع ، وينتصب راعداً في العبور

 المغمغم للحظة . حياة بلا وميض تطير حشراتها في الفراغ ،

ونحن نتردّد في الاشارة الى ما يرسخ الظلمة في مداخن صيفنا .

 

 

3

 

 

محموماً في اللحظة المتريثة لرغبتكِ المحصودة في برق النعمة ،

أتسلق الشجرة العذبة لموتي . لا أريد من ينابيع الله المرصعة

بعناقيد الذهب المنتظمة ، إلاّ النسمة الهانئة لحبّكِ المضني تحت

قناديل السنة . أنتِ العقيق الالهي لميراثنا المعشوق بين الدموع ،

واعصار أهدابكِ الجميلة ، نكابده في ميزان تملكاتنا ، ونخضع له

في امتحاننا وسط شواطىء الغياب . نترقب مجيئكِ المتلألىء في

تعاقب البروق . تنثرين في تحالفاتك مع الديمومة على العالم ،

عنف الوردة والأريج الطفولي لنار النهار المنعشة .

 

 

 

 

4

 

 

الشمس هذا النهار نحلة محجوبة ، يترصدها القنّاص في الظلمة

التي تجابه غضب الضحية . الحاذق والمتناقض يطرحان القناع

عن البراهين الغائمة لشقيقنا الرماد ، ويفوضان الليل تقويض

أحلامنا المفصولة عن ينابيعها . كلّ تأخر في معالجة الندوب

التي تتربع على التصدعات النهمة لأبنيتنا ، يرّسخ الخمول في

مأساتنا ، ويغضّن الراهن . آلامنا المثقلة بعطورها البليغة ،

مستمرة في تعاقباتها الهادئة ، ولها رنّات مثل ترقي انصعاقات

في الصيف ، وأولئك الذين فوّضناهم ملاقاة الفجر نيابة عنّا ،

مكثوا في انحدار طويل للطوفان . نتضامن مع الحجارة في

جروحها المنسدلة على مصائرنا ، ونتعجلّ اعلان الحداد على

موتنا بعزائم كبيرة .

 

 

 

 

5

 

 

نرنوا الى بروق الصيف ونحن أسرى ظلالنا الملطخة بالتعفنات .

لحظات محتقرة كثيرة ، انخفظت فيها تأملاتنا

 عن مراكب المستقبل ، وارتاب النهار في ثماره المدفوعة .

ترهقنا الرتابة المتبدّلة للفراغ

وتتأرجح تنفساتنا المريضة

في المنحدرات السود لليأس .

الأحلام والابحار في فجر السنوات التي تغضب

العاطفة المحجوبة ، وثمرة الحبّ التي تتقن بحذق

تألم الضحية ، أشياء فظيعة ، اسودّت في نومنا

المفتوح على مسامير الصمت الملتهبة .

لا نسمة اعصار تسهر في أريج حقولنا

ولا طائر يغرّد في نوافذنا التي يتأرجح

فيها الرماد .

 

 

 

 

6

 

 

 

نحرّك الأغصان النحيلة لموتنا ، في عصيان طويل

على الشواطىء المستغيثة والمطوّقة للسأم .

رهونات هائلة أضعناها بين الصخرة الضرورية للنباهة .

لملاقاة ما نكابده عند الضفّة المتضامنة للسهاد ،

نحتاج تعزية ، لا عطية  .

الشمس مجروحة في ينبوعها ، وتموت قبلنا

في اغاثة الأفعى لميزان الغروب .

 

نسدّ لهب الماضي بحجارة أحلام متصدعة

ونمنع اللامرئي من ايضاح شفافيته التي تُصلح

لؤلؤة موتنا ويقينها المرتجف .

 

 

7

 

 

يخفي المترصدون لسيرنا بين الأشجار المنقبضة للنهار ، أسلحتهم في

آبار محجوبة عن اللحظة ، وتخميناتهم ينعشها ذوبان جليدنا والانجرافات .

الحركة التي نخفيها قبل انفضاح أسرارنا ، تتلقى تعزيتها وتنزل في هلاك

يطبق على الفعل واليقظة العليلة . الزمن يتحول من دون حراك الى حجارة

جاحظة ، وكلّ ما اسودّ في ساعات غيضنا ، ينأى في احترافه عن غبار

ودائعنا ، ويمحو النمش الأزرق للقناديل من التهلل الغريب للطبيعة .

المترصدون بمعاولهم المنحدرة على الهاوية ، يهدمون مواقدنا في ظلمة

البرد ، ويفتحون الأبواب في الصيف لأعدائنا ، سكّان المخالب .

 

 

8

 

 

ثمار أعمالنا مائعة في ظلمة تهشماتنا المنحنية

على الحجارة في الأحلام .

والظلال الصلبة لشيخوختنا ، يهدهدها

 العصف في النهايات .

كلّ الرغبات تتلاشى بحفاوة بين الضفاف

 المحترسة لأغلالنا ،

وكل سنبلة انتظرنا ضوء قربانها ،

 جثة شائخة تضايق النسيم

المكتئب للبركان . يتعيّن على

 الضحية أن تجابه شناعة موتها ،

وتنصاع بحنوّ الى الطبائع المحمودة

للصخرة الواهبة قربانها الى

الديمومة . ثمة ما يعيننا على اصلاح

 مراكب آلهتنا العطنة ،

 ويدفع عنّا ظلمة هجرانها وصمتها

 الذي يقذف حضائن موتنا .

الهواء في نداوة احتضاراتنا مشلول ،

ولا هناءات له في تراب

البشرية . والحجارة المغمضة تخيّم

 بتعسفات وحشية على الطوفان

المدنس لتضرعاتنا المعزية نفسها

بخرائب محنتها المزحومة بالتفحمات .

 

 

9

 

 

محموماً في اللحظة المتريثة لرغبتكِ المحصودة في برق النعمة ،

أتسلق الشجرة العذبة لموتي . لا أريد من ينابيع الله المرصعة

بعناقيد الذهب المنتظمة ، إلاّ النسمة الهانئة لحبّكِ المضني تحت

قناديل السنة . أنتِ العقيق الالهي لميراثنا المعشوق بين الدموع ،

واعصار أهدابكِ الجميلة ، نكابده في ميزان تملكاتنا ، ونخضع له

في امتحاننا وسط شواطىء الغياب . نترقب مجيئكِ المتلألىء في

تعاقب البروق . تنثرين في تحالفاتك مع الديمومة على العالم ،

عنف الوردة والأريج الطفولي لنار النهار المنعشة .

 

 

 

10

 

 

 

تحت حجارة النهار المستجيبة والتي تعوزها الوداعة ،

غُطيّت زمردات آمالنا وانطفأت الجمرة المشجّجة لحنوّاتنا

على المرايا المُنّفرة لأرض الماضي .

هواء كثير أضعنا في أشجاره المتجلدة ،

 الطوفان الجميل للرغبة ، وما نزال نترقب

الشعلة الارجوانية للمعجزة . كلّ أمل في الخلود

حماقة ترفيهية لشبح بطّال بين

الخرائب المعلقة في سهول الخرافة . الشمس بلا قارب ،

تنتظر الموتى لتحشرهم

في أروقة هرمة منزوعة الرأفة .

 

 

11

 

 

 

 

 

فراشات متراصّة فوق رأس الميت ،

تسرق كلامنا وتتلوه بترحاب على الفضوليين في الليل .

أشباهنا بجباهمم المُغضّنة لهم رغبة ملّحة في الموت نيابة عنّا .

 الصيانة الدائمة لمخاطر

 الصداقة ، يمكننا تعويضها في التعاقدات الجليلة مع الأشجار .

 جميع أعمالنا التي انتحبنا فيها

في الصيف ، تتنفس لاذعة داخل الماضي وضريبته

 المرفوعة الى الأعلى ، حتى الذين افتروا علينا

 وأمسكنا بهم في الطرق المغلقة للاعصار ،

عفونا عنهم وصدحت أغنية الشحرور في الزمان .

 كل سلطة ترسخ الاعتبار للظلم  وتفوح من قوانينها

 رائحة القضبان . للسير في مرج طويل ، ينبغنا لنا

أولاً التوجه بصلاتنا الى الطعم اللامرئي للحركة .

 كثرة الأسرار تعجل برغبتنا في البوح .

 مجروحاً في ثمرته الهائلة ،

 يتقدم برق الموت ووميضه الوحشي لا يقاوم .

 

 

 

12

 

 

أريج نعمة متأججة يشدّنا الى جزر الحجارة الكريمة للماضي ،

 والغروب يعرض صخره المِرنان

في اللحظة التي تسيل غبطتها فوق جباهنا .

 علينا الآن توريط الحديقة في البهاءات الناعمة للألم ،

لأن للديمومة صنارة لا تعاينها الضحية .

 كلّ مايناوئكم يطرح أفعاله الخسيسة في اتجاهات تهزم

الحاضر ، واللحظة تتفرقع في الأنهار المتبجحة

 للحديقة التي تلوذ بها البشرية . بعد صبر طويل

ضجّت فيه مصابيحنا في الارهاقات المحجوبة للسهاد ،

 كانت آبارنا بمنجى من اللصوص ونسّاك

البراهين الذين يتعقبون أصواتنا في اجرامهم الحاذق والقويّ .

 

 

 

13

 

 

 

ما نعاينه بين أشجار سنواتنا التي انزوت محمومة في تعفناتها ،

رغباتنا غير المرحب بها والتي ينافسها طموحنا المتبجح

في تحفظاته الصارمة .

كلّ ما كان يملّكنا التسامح ، أوصدنا أبواب غبطته

في الغسق ، وصاهرنا غيظ الصدى المتلاف للماضي .

في المنحدرات التي تُخاط لنا فيها

فضائح رفضنا اسبال الجفون على رضاب موتنا ،

نتماثل للشفاء من عسل النجوم

وتسطع شمسنا في حضور طويل على أنفاق السنة .

 

 

 

14

 

 

أتفيأ في رحلاتي الطويلة صوب موتي ، ظلال أمراض كثيرة .

أريد الآن أن أهزّ جداول حياتي الناشفة

بصاعقة حبّ ، أحارب مع مرتزقة في بلد ما .

أيامي المغضّنة قناديل تصدعت ورقدت

موثقة بين دواليب خسارات فظيعة .

عشت حياتي كلها تحت شموس

مثقلة بالرغبات المتعذرة .

لا غبطة لي ، ولا مفتاح فجر أتلمس

في شواطئه حجارة موتي .

أزمان وحشية ترمدت شاخصة بين الظلمة الخفيضة ،

شربت فيها عصائر سموم ثقيلة وأضعت

بوصلة ايماني بين أنقاض هزائم

تتعذر مصاهرة الأصائل فيها .

 

 

15

 

 

يأملُ الحمقى في الراحة الأبدية بعد الموت

ويصعب عليهم تنقية اوكسجين حيواتهم

المنحطة من التضجرات في الليل والنهار .

مَن يبغي الراحة في عالم ما

عليه أن ينزع جلده المدبوغ بالكآبة البشرية .

معابد عظيمة تهدمت في الماضي

الذي يتعذر الخشوع لعجائبه المجهولة ،

وفي تنقيباتنا بين أطلالها المصابة

بسموم نباتات الفطر السامة

لم نعثر فيها إلاّ على نقائضنا الوهمية .

يلزمنا في سيرنا المتعجّل صوب الصيرورة

أن نحاذي الملموس والمحسوس .

المسافرون يتنفسون في النهاية

الحجارة السوداء للعالم .

 

 

16

 

 

نضخّم في اللحظات التي تؤلمنا فيها حقيقة

موتنا ، الأفعال المسلية لحثالة الخالدين .

تربعنا على حجارة يأسنا القنّاصة

محاولة دؤوبة للانعتاق من الشرط الانساني .

ما يتعطّف لنا في الانحرافات الدائمة لنومنا

هي الغلالة المتقطعة لظلال الواقع .

حرثنا الكثير من الحقول المحمومة

في غرقنا تحت رماد الشمس المتعفنة .

لا بذرة صعدت في تنفساتها

ولا موجة قاومت العصف الراسخ

لسعينا الدائم في الخلاص من أوهامنا .

 

 

 

 

17

 

 

نلقّح بين الأعشاب السود لشواطىء لحظتنا الفانية  ، بيضة النشور

ونعود الى بستان العدم ، تتبعنا علامة فجورنا .

لا ارومة لنا مع الجميل والدائم ، وحظوظنا تنثر حبوبها

على القانون المتعفن في أعالي الشقاء .

معرفة بهيمية نتبجح بها في عقولنا الساكنة

ونحرق المراكب الجمالية في ضفاف المجتمع .

أبنيتنا في الاعصار الكامل للشروق

تخرّبها كمائننا لاخوتنا بين الخرائب المهجورة .

يأسنا من الوميض الشافي للأحلام

يشدّنا الى العمى ، وأصواتنا لا تهتدي الى

معجزات عرّافاتنا الشبحية . كلّ زنزانة أحطناها

بثمار نايات ، تُسجن فيها نجمة ويتهدم قفير نحل .

تفككات طويلة لأقفال أزمان تحتضر ،

أحرقت ضفائر الأشجار التي آمنّا تحت

أسرارها بالظلمة الساخرة لعقائدنا .

 

 

 

 

 

18

 

 

تسقط طيور عمياء بسبب الجفاف ، فوق أشجارنا الموبوءة

في الصيف . في دار العدالة قضاتنا لا يحنون رؤوسهم أمام

القذائف التي تطلقها مرايا الحلاّق ، تغفو في يقينهم أصوات

 طوربيدات تعذب أولئك الذين اكتملوا في عفتهم تحت القبور .

نريد في الغيبوبة التي نقاسمها أهدابنا ، أن نمتلك الاغفاءة الندية

عند الضفاف . ترددات أحلامنا اليائسة تعزل الضياء عن الآبار ،

ونحن يصعب علينا تمضية مصاهرتنا للأعداء ، بين الأيام المنقادة

لثقلها المغزول على أبواب زمننا الهشّة . تطوافات محرومة من

نجوم السواحل ، نقضم فيها ثمار احساسنا بالخطر ، وفي داخل

كلّ منّا وسيلة أخيرة للتخلص من الرائحة العفنة للحياة . تدفئة

ايمان مجهول بحجارة تنغرس في ظلمة أرواحنا الهالكة .

 

 

 

19

 

 

في كلّ هُيام لنا ببشارة ما ،

 نضيّع حلية الطموح المعفيّة من الغضب .

 اذلالات هائلة تتعقب الفريسة في نومنا وتخلّف عندنا

النقائض . ظلال ثمار وامضة تنخفض على

 مثاباتنا ، ولا مسالك مهيأة نركن فيها الشرعة

العتيقة لمستقبلنا الشاغر . يأتي العصف

ويستعيد الحزّة المحمومة لكل ما حاولنا امتلاكه

 والايمان به . سعي مهزوم يوطّن

مصائرنا المتحيّرة في الحثالة الكبيرة لحياتنا

 المخفورة بالفراغات المعادية . الخلاء نظير

لحظتنا الراهنة ، يرفع الحواجز المتبدلة ويغير

على نسيمنا المرتاب والصريح في شهيته

لديمومة الشجرة . كلّ حاضر ينقص من رصيدنا

 ويرسخ السأم في تمزقنا النهائي .

 

 

 

20

 

 

كلّ سرّ نخفيه باتقان ، بعيداً عن الفضول المرهق لأعدائنا ،
تظهره فراشات غروبنا وتضخّه في الأثير الشهم للصمت
ليس هناك أسرار تتبختر في فطنتها .

المخاصمات والاكراهات ترطّب الحجارة 
التي نشركها في نظرنا الى شقاء الموتى .

حظوظنا التي نحاول ادامة ميزانها
في الأصداء المتعجلة لليل ،
ترفض كل علاج ، ولا أمل لنا الآن في تحالف جديد 
مع أولئك الذين يضيّقون الفضاء
على نجوم أمراضنا التي ينعدم فيها نسيم الآبار ،
ويعطّلون كل اشراقة شمس .

 

 

 

12

 

 

مجروحاً في النسمة المتعجّلة ، يشرب جان دمو

من منهل ابيقوري ، والزمن يحيطه بمصدّات

كبيرة من أشجار البركان .

لا النجوم تتشظى فوق حقول عذابه

ولا الأشجار يهدمها الصيف في اعصاراته .

ينتصب ماضيه المجدور في باطن النهار

وروحه مليئة بندوب يتضّوع منها رماد

الحروب . انفجارات مدافع تصعد في ظلال

قيلولته وتحرمه الانصات الى تغريد العنادل

في الأحلام . يضطجع وحياته تهتزّ في أنفاق

يجذف فيها الأسياد القتلة .

 

 

 

22

 

 

 

متحرّراً من الثقل المهدوم لموتي ، أنصت الى الرنّات

المتغيّرة لساعات آلهة الشعوب العظيمة . عوسج عزاء

كبير يطهرّنا من ثمار حياتنا المغلوبة ، وفي العسل

الفوسفوري لحدائق الأيام المدنسة ، نعتصم بالوداعات .

نجوم العالم تحوم فوق رؤوسنا مضرّجة بالأصوات

الزرقاء ، ولا صخرة معتدلة تنجيّنا من الهاوية النيزكية

للفناء . أمطار كثيرة سفحناها على مَن ماتوا في الضفاف

ولم يعانقهم النسيم في حرارة أنهاره المتجمدّة . كلّ ميتة

 تتعرف الى علامتها المتحولة ، والانسان بروحه التي لا

تنجو من المسامير العملاقة للحظة عناده المتشظيِّة ، يهرب

دائماً باتجاه المنفاخ المدفون ليأسه . حجارة شهب عدوّة

تجيئنا في شمس الصيف المرصودة ، وتتضرّع فيها أعناقنا

المتلألئة بين الجزر العذبة لتشابهات الموت .

 

 

 

23

 

 

يحرم تقدمنا في السنّ ، الربيع من حظوظ كثيرة بين الأفياء .

ها نحنُ في الساعات الثاقبة للشيخوخة ، نراجع حماقاتنا

الفظيعة ونلعن شيوخ آخرين في المجتمع . ما الذي يحفزنا

على أن نغلق الفجر في الأبواب ، ونجلس أسرى الماضي

في الظلمة ؟ هل ننتظر أفقاً سقط في شباك الصيّاد ؟ الأمل في

 العودة الى عصر الوردة ، يحتاج الى مجابهة ننهي فيها سيرنا

على العكاكيز . للعطاء نوافذ مأمونة ، وحياة الأشباح ، أصداؤها

هامسة بين الأروقة المتصدعة للزمن . لا صادح يصدحُ في ليل

الرهائن ، ولا بيت نمسح عنه الغبار ونحمله معنا في اللحظة

المحجبةّ للذبول . نتقبّل صفو القبور في صقيعها المشدود الى

الفناء ، ونترك ذرّيتنا تمكثُ في حماقتنا المقوّضة لميزان الأشياء

 التي لم نوقرها .

 

 

 

24

 

 

تشعلُ آنّا الشموع في غرفة النوم ، وتودع المراكب في الظلمة

المدربة على التعاقب . في الصحراء ينصبُ البعض مشانق من أوراق

النعناع ويتأرجح فيها طوال النهار . الأكثر حزناً يمضي أيامه بين

التغريدات الحانية للطيور ، وآنّا تقول : { مَن يحطم الدفاعات الآن

ويعذب الأرانب في تقواه الخدّاعة ، هم أعداؤنا الأجلاف } . عاداتنا

تتقوّض دائماً في كلّ ما نحاول أن نستره ، والتنقيب في شواطىء

النوم عن شقائق نعمان الساعات الميتة ، يجنبنا مشقة العبور بين

الصفوف المثلومة للأشياء المريضة التي تخلينا عنها . مخاتلات

نمزقُ فيها الصخر في الحديقة لكي نصلي من أجل راحة الموتى .

 

 

 

25

 

 

اشارات كثيرة للموتى ، ترّوي سأمها وتعزّيه من آبار

حيواتنا . الفراء الأزرق للأمواج ، تفصح عنه الصخور

عند ضفاف السنة ، ويغني الوقواق في المرعى الذي داسه

جبابرة التاريخ . المرض والحبّ يجنبان الحديقة الانسانية

الذبول ، وكلّ ما نكرّمه بين الأضرحة العتيقة لهجراتنا في

 خرائب الأحلام ، ينفصل عن حجارته المحمودة ويموت .

نضوب دائم للمادة التي تتجرأ على مجابهتنا في حصادنا

لحقول الولادة . لا ينبغي الخضوع للتصلب الذي يتضوّع

على مقاومتنا للذهول . طوال الصيف عصرنا ثمار نجوم

من العصور الوسطى ، وكبرت شكوكنا بامكانية العبور

 الصامت لسهول العالم . محارات مغمضة تختبىء في الكهوف

المهجورة ، استلبتنا ارث مصائبنا ، ونحنُ لا نملك السلاح الذي

نحارب به عفن الرغبة .

 

 

 

26

 

 

هل لي أن أدفىء موتي بأشواك تجوّع الرغبة ؟

أشياء مرعبة أود أن تظلّ مجهولة في الشقوق

المقفرة لحياتي . ما أضع له الاعتبار في تأرجحي

ما بين النوم واليقظة ، يتأهب للسقوط ، وتفلت من

بين يديّ الخيوط الرخوة للأيام . كلّ الساعات

لا رأفة فيها ولا عذوبة . حرّ يغمض عينيه على

الذروة النحيلة للحركة ، ويجرح النسمة المحصودة

في الظلمة الهائلة للينابيع . كلّ حجر أطرحه في

منحدرات النوم ، يرتدّ عليّ ويستلبني الاغماضة

الرمادية الأخيرة . دنس أبدي يتلف المحاصيل ،

والحشرات تعبر الصيف في ذهول مأتمي . تصدعات

حياة غائمة يرقد فيها الصوّان بسلام مع ثقله ، وتتهدم

الشواطىء المعطّرة للتنفسات النيّرة .

 

 

 

27

 

 

تغفو في رياض قبركِ ، فاكهة عارية تتوق الى شرارة حاضرنا

وموتكِ التراجيدي مرآة مثلومة ، تعذبنا في الصقيع المتجمّد

لليل والنهار . يحيط بنا الوهن والفقدان في حداد طويل اليكِ ،

والعيد تهدمّت مناراته في الرياح . فصول السنة كلها ترتدّ

الى الهاوية ، والمناحة في أرضنا ، شمس قتيلة يهجرها

البركان . يخفرنا في غيابكِ العويل والجروح المتجلدة .

لماذا آثرتِ الموت في ذروة عشقنا لكِ ، وتعجلّتِ الغياب ؟

كلّ النوافذ موصدة ، ومناجمنا هجرها النسيم والقناديل

المعطّرة . نتنكّر الآن لآلهتنا ونصلي الى ما يغضبها

والى ما يحرق الأشجار في البساتين ، سيشمتُ بنا أولئك

الذين خانوا شعلة الحبّ العليلة ، وضيّعوا العقيق في المزابل .

الكراهيات ما تزال تعمي عيونهم الحجرية ، وتحالفنا مع

جمالكِ المحفوظ في العلامات المضيئة للزمان ، يساوي ما

بين نحيبنا ، وانتظارنا لمعجزة عودتكِ الى أرضنا المريضة .

عسير علينا أن نتفيأ تحت الظلال النجمية لأشجار خوخ حبّكِ .

كلّ غياب للشفيعة ، انفضاح قويّ ، يطوّق ضفافنا ويهدم الزهرة

الوامضة للهُيام .

 

 

 

28

 

 

تعجّل دائم يدفعنا الى أن نهلك المتخيَّل في الاحجية

المتهلّلة لمخاوفنا . كلّ ما لا يفصح عن عصمته ،

نتعرف اليه تحت الحرائق الأصيلة لنجوم الصيف .

يصعد البخار المعتم لموتنا في ريعان الصمت ،

والمداخن في البيوت ، تفرد أجنحتها المليئة بالاشارات

وترشقنا بالسهام . أمور غامضة تختم لحظات غضبنا ،

ويتحول الزمن بين موائدنا الى مشرحة ينقصها الوعي .

كان البكاء داخل أنفاقنا المحمومة الأولى ، يمنحنا القدرة

على الغوص في مرايا اللايقين ، وكان ايقاف ما يتعجّل

الزوال ، تنويم طويل للأزمنة التي تنفصل عن ضباب

محنتنا . يتبدَّى لنا الآن الحلم الثقيل المتوفى ، وفي

اذلالات ما كافحنا من أجل انقاذه ، تمضي السحب

المهيّجة صوب أرض تاريخنا المطموسة بالضغائن .

 

 

 

29

 

 

يسيرون بين الأشجار الهيفاء في خرائب المنفى

والثمار تكشف أسرارهم المرهونة للزمن .

كلّ الملوك قعدوا رهائن في أطلال التاريخ

ولا أحد منهم تجنّب الظلال المرصوصة للاعصار .

شهد العسل لا ينجّينا في رحلاتنا المضنية

من ثقل قيود الماضي ، والعودة الى فردوس

الوطن ، بيننا وبينها تحصينات تعشش فيها النسور .

عيناي لا تبصران الآن إلاّ هذا الرماد الذي يغطي

الجسور . اللحظات في هذا اليأس المنقوش بملامحه

المحفرّة ، تقطّع الأنفاس . وميض بلا أمل يقذف

صمته في فراغ حياتي . لا أحلام مستجيبة ،

لا نحلات تطنّ في الحديقة ، والمواقد مطفأة في

ضفاف العراق . النساء يحملن غنائم الترمل ويتنهدنّّ

والقوارب غريقة في الأنهار الناضبة . هل لي أن أقبّل

في حلم قادم حجارة وطني ، وأنام تحت شمسه

 المصلوبة ؟ كل السموات مقابر ، والأمل المتهدم

يغوص في لا نهاية الظلمة والمجهول .

 

 

 

30

 

 

عبرنا حدود هائلة تحت خرائب الشمس ، واجتزنا الأمواج

في آفاق الأحلام . حبّات قمح متألمة ، تركها الماضي

فريسة في الأبواب ، كلّ حَبّة ، تجربة تعيننا في الوصول

الى العتبة الأخيرة للمجهول . ما يهشّم الصمت والفراغ ،

نحمله تعويذة في مطاردتنا للفرائس في المراكب المتعفنة

للحاضر . كلّ شجرة محترقة ، يحرك مرآها المفتاح الأبيض

للنجوم . ذكرى العذاب في طاحونة الحرب ، لا تمنحنا العزاء

في رحلاتنا التي تبّشر بالحصاد الوفير . كلّ ما نظنّه يتريّث ،

يفرّ ويموت في انفصال الصاعقة ، ونحن نشرك في انتظارنا

لنور الله ، النايات وأولئك الذين يصارعون الوطأة الثقيلة

للغياب . غادرتنا النوافذ الضارية للفجر في يأس ، وأيامنا المُعارة

لا تحاذي النسيم الأمين على شواطىء الأنهار ، وما عاد لموتنا

نصير في الابحار الصامت للزمن . أشباح نخفض رؤوسنا أمام

ظلمة الماضي المتواضعة ، ونسير في الحجارة المطوّقة للنهار  .

كلّ رباط يتضامن مع المعصية ، ويقذفنا بحطام اللحظة المعتفنّة .

 

 

 

 

31

 

 

نبكي ليل حياتنا بأرض الوطن ، ونهر الربّ دجلة الحاني في سنابله

المتلألئة . ارهاقات دائمة تخفي عنّا الأنوار وأشجار

الدفلى ، وفي المنفى أطلال تنتصب فيها تماثيل الدمعة

المحمومة . ثياب القتلى معلقة في أقمار القوارب ، والأرض

ترفع تصدعات خبزها المريرة من ليل الى ليل ، وتطير بنا

الكراهيات الى سماء الخاسرين . النهر لا ينضب ، والعذراء

تموت قتيلة على الرمل الحارّ في ظهيرة الغفران . جرائم

أكثر وحشية مما ظنناها ، مشينا فيها تحت أصماغ الألوية ،

وسفحنا الدماء في المعابد والآبار ، نشهر أسلحتنا ونحتزّ أحلام

الضحية ، متحررين من التقوى والنسمة الاخلاقية . تصعد

عفونة انسانيتنا في بخار يحجب الأفق وشمس الوردة . انقياد

الى الحرائق ، نعبره بصرخات تجفل منها الحجارة في مجرّات

العصور ، ونهدم المنائر ونجوم الغرام ، لا ضرع يرّوي أرضنا

العطشى ، ولا رطوبة ايمان تحنو على الينابيع .

 

 

 

32

 

 

تلزمنا ذرائع كثيرة لاخراج الموتى من زمنهم الذي ماتوا فيه

كلّ ما يذكّرنا بهم وبتعفناتهم ، يفوح في أسرار فجرنا الخائفة .

اشاراتهم المرتجفة في الضفة التي تعزلنا عن مناجم ملحهم ،

تخبرنا انهم غاضبون في شهامتهم المتصدعة ، ويتعرضون

لغبار التحلل في الهاوية . الوحدة ، اللافعل ، نعيب الغربان

اللامرئية ، الومضات العظيمة للبرد في تنفساتها الرخامية ،

تجعلهم يتوقون الى الانعتاق من عالمهم الذي يتآكله السأم .

نحن نريد مساعدتهم والرأفة بهم واخراجهم من الدوّامات

الوحشية التي تضطهدهم ، لكننا موتى مثلهم ، وزمننا ليس

بأفضل حال من زمنهم . كلّ ميتة نطرد حشراتها ، تتسع

وتتوالد في القصب المشوش لبيوتنا ، ويومنا يشبه الأمس في

جريمته التي ترسخ الفراغ في قناديل ما نطمح اليه . يعتصم

الموتى بعد أن جابوا العالم ، في انتصار زمنهم { متأهبين *

للرحلة الكبرى الى المجهول } ونحن نحرث أرض خيباتنا في

المرارة الدائمة .

 

 

 

* يا نيس ريتسوس

 

33

 

 

نتلمسُ في عذاب الكلمة ، الصفائح المتراصّة للنجوم .

حياتنا مريرة ونحنُ نعبر المضائق والجبال في انجراف

نهاراتنا المتشابهة . يصعد نسيم السأم في صمت بين

حدائقنا وأغنيتنا النائحة . نعاني الدوار في ابحارنا بين

الحاجات العتيقة للنهار ، بغية الحصول على ما يدفىء

الفعل الصخري لشفاهنا . قفزات سرّية أبعد من ظنوننا ،

نتوهم فيها الصعود الى الوميض الأزرق للأمل . براري

لا تعد بالغفران ، حرثنا فيها علامات يأسنا ، وعدنا الى

الحظائر نعلق جلود أحلامنا المقتولة . { ايثاكا } الماضي

و { ايثاكا } الحاضر لا مكان لهما الآن في المرايا المهدومة

لرحلاتنا . يملأ الأسى المعفَّر بنضوب الأمطار ، تنفساتنا ،

وفي كلّ شاطىء معسكر للمغول ، لكن الحجارة في رمقها

الأخير الحاني على الموت ، ليست هي ما نخشى عبورها ،

ما يهمنا هو تحطيم المصدّات الخشنة للفناء . حارس المعبد

يعلف خيولنا ويسرق السلال الذهبية لصلواتنا . ايمانات

عابرة نتقاسمها مع آلهتنا التي تشرب من نبع مخاوفنا . كلّ

إله يستولي في لحظات سأمه على القربان المنذور الى إله

غيره . معرفة وحشية تتزاوج بين الظلال المنتحلة لعقائدنا

المتعجرفة . يتوجب علينا الآن الكفّ عن تقديم القرابين الى

الآلهة . شواء البصل وتقديمه الى المساجين في نسيمهم الحارّ ،

أكثر نفعاً من تقديمه قرباناً الى إله وجهه مضرج بالدم .

 

 

 

34

 

 

 

أريدُ أن أموت على ضفة نهر في بلادي

حياتي في السويد أتلفتها في العيش بين

الظلال المعتمة للماضي .

لا نار تشعل الرغبة هنا

ولا تغريد عندليب في ليالي الصقيع الطويلة .

الزمن مغطى بالطحالب ، والطيور تستجدي

مسلوخة في النهار فوق الأبنية العالية .

حياة تنحني في تجاعيدها بغرق مؤبد

وينتصب اليأس على صخرته المحطمة .

هل للموتى أمثالي حلم أو جسر يوصل

الى الأفق البعيد لنعناع العراق ؟

كانت حياتي في الماضي على الرغم

من تساقط شظايا النجوم عليها ، مطمئنة

بين الأطلال التي تدكّها قذائف المدفعية .

كانت حبيبتي تصطاد المحارات في

ظهيرة الشواطىء وعصافيرها المزقزقة ،

وكانت التهدمات الهائلة للأسى ، يمكن

السيطرة عليها أو ازاحتها . أشعلنا بالمنجل

الحرب الأهلية للنجوم ، وبدّدنا الوداعات

وتسلحنا بكلّ الأدناس المتعاقبة لتاريخنا

المخزي . يلاحقنا الآن رماد طائفياتنا

وفضائلها اللاانسانية ، وطيورنا هاربة تموت

في البراري الأجنبية ، ومداخن البيوت نعلفها

صلواتنا وقرابيننا الهزيلة .

 

 

35

 

 

مشينا في الفجر ، حاملين نذورنا المعظّمة ، ترفرف فوق

رؤوسنا أقمار كستناء ايماننا . آلهتنا التي تنتظر قدومنا ،

مربوطة الى يأسها ويهزّها الصقيع في العاصفة .

لم يبق في حقولنا قمح كثير ، والآلهة في جوعها الذي

يتعذى من خوفنا ومن أفكارنا السود ، مثل الجراد والغربان .

يخيّم على حبورنا الفقر ، ولا تعضدنا الآلات المتضائلة

للعصيان . لماذا نغبط اللدغة الطويلة للأفعى وهي تجردنا

من ثيابنا المسوّدة ؟ كلّ ما ادخرّناه في حياتنا ، يوشك على

النفاد ، والريح تعصف بلا رحمة بين أكواخنا المتجمّدة .

نحلم تحت أشجار الكمثرى بمستقبل أفضل ، وآلهتنا مخيفة

في تقبلها لقرابيننا بين الجنائز التي نريد دفنها في محنتنا

الدائمة . نعيش حياتنا تحت براعم صخور ثقيلة ، والهواء

في أنفاسنا ، تجرّجره قوارب البراكين . أرغفتنا ظامئة

الى الملح وتحترق في رماد حاضرنا الجاف .

 

 

 

36

 

 

في ظلّ صخرة ضارية ، في سماء اقحوانة بين ينابيع

نتحدث مع جماجم اللصوص الذين سطوا على ماشيتنا

ومراكز حراستنا تتشمّس في الوميض العطوف للأصيل .

هل كان عدلاً أن يخرّب أسيّجة حظائرنا هؤلاء

الفجّار في الليل ؟ ظنّنا أن قتلنا لهم ، هو تمجيد

لفضائل أسلافنا الموتى . الغنائم في عوالم أخرى

تتوهج في المرايا اليقينية للضفاف ، وحدود أرضنا

فقيرة ولا تمدّنا بما يكفي . فتياتنا اللائي جرّدهن الاعصار

من جدائلهن في الزمن الماضي ، يتنهدنّ بين الخرائب

 المهدمة لنحيبهنّ ، ولا مواسم قطاف نخلد فيها الى الطمأنينة .

 

 

 

37

 

 

عن ذكرى نوائبنا الجماعية في سكون الماضي .

ماذا تخبىء لنا أنقاض الصيف في غياب آلهتنا .

تبحر أمراضنا في عذاب يفيض عن حاجتنا الى الانتحار .

ظلال ثقيلة لا نحتمل فيها الغضبات . ما تعنيه الاشارة

الوحيدة للكينونة ، هو الخبرة برتابة الزمن . القنديل

موت اليوم والغد ، والكناية تحطم المشاجب المكتظة

لأفعالنا . ظلمة فارغة في حصادنا بين لحظة الميلاد

ولحظة الموت . لزمن الانسان في مرضه النقي

أبواب كثيرة يحفظها الملح في التغيّرات الدائمة لحياته ،

ونحن نرتل في ليل السأم مراثي يتمنا . شرارات نتركها

في حجارة الرغبات ، تواجه التاريخ في طهر موتنا

الذي لا تليق به الشمس الأسيانة . في كل لحظة طروادة

وجلجامش يبذر بذور موته ويسير في العراء . سيزيف

لا يكف عن دحرجة صخرته من السفح الى الوادي .

موتنا يتصبب عرقاً فوق جباهنا الملطخة بأرق اللأمل .

 

 

 

38

 

 

 

ثمرة الموت ، نشوة عميقة لإزهار الكينونة في فردوس

أولئك الذين يترقبون تجليات الماوراء في توسدهم للصخرة .

الشمس في ضواحي العقل ، عويل أسود للخبرة . صداع

نصفي يسقط في مواجهته للرحى التي تطيح بمصائرنا .

قطرة دم وردية تعطّر البطولة المتصدعة التي ننام في يأسها ،

وحرّيتنا تنطفىء في ندمنا الذي نتقدم اليه ويقتلنا بلا ايماءة .

تنحني علينا النجوم المريضة للأيام ، ونومنا تثقله حجارة

اللاحقيقية المستولية على كلّ فكرة . نحن مرضى اشارات

تسهر في الريح والمحنة الهائلة ، يفصلنا عن الشموع  صقيع

مليء بالأسى . لا أجنحة لفجرنا في صراخ الفريسة ، ولا

باب لطيف تتلمس فيه الأغنية نسمة البرهان . يوّسع الاقتران

الطويل للظلام بالسنبلة ، جروحنا المتفتحة دائماً .

 

 

 

39

 

 

فراغ يخلخل الرائحة الناضبة لعسل نومنا في تصدعات النهار ،

وتفيض علينا الأمراض المزمنة في السلالم المجزأة للسكينة .

صفوف طيور لا تترك شيئاً في الظلمة ، للمذنب الذي

يمرّ ويدمرّ القبور التي ضمّدناها للموتى .

ما كان ينتظر الظهور في لهفتنا المهتاجة والمضروبة ،

اختنق في زمنه المرتاب . نشرعُ في الرحيل من لزوجة محارات

هذه الأرض ، لكن مسيرنا تحت الظلال الظامئة للماضي

تتقدمه أشجار شاحبة لموتى تعبنا طويلاً في السهر على راحتهم .

كلّ عندليب ندفنه في أرض الماضي ، يطفو في الزمن

المصروع لكوكب الطفولة . ثمارنا الطاهرة تجفّف دموعها

فوق الأشرعة الممزقة للسنوات التي حجبناها ، وكلامنا عن

العيش في العصمة الغانمة للطمأنينة ، يجردنا من آخر فجر

يعزّينا في الاحتماء الأجوف للشيخوخة .

 

 

 

40

 

 

يتوارى الزمان في لحظة الشفاء من العناق الحارّ للأبدية .

اشارات يتغيّر فيها الطعم العذب للوردة ، والساعة تدور

 سهرانة في ليل الله الرزين والمبحوح من زقزقة العصافير .

القنّاص والقوّاس يطفئان نار الايروتيكا

ويغلقان الباب على الفطريات .

ظلال نوم عملاقة تتقافز فيها إبر النسيان ،

متحرّرة من المرايا المشؤومة للماضي .

في الطريق تتمدّد النجوم على الرماد الطاهر

للظهيرة . هل يمكن للموت أن يجردنا من القدرة

على صعود السلالم ؟ يشاركنا الحبّ التنفس في

الكهوف التي تصاهرها الشمس ، وفي فراديسه

التي تتجلى للغريب في شواطىء موته ، تحنو

ويسيل رضابها ، أشجار السرو . لا أريد أن يحمل

جثتي القنّاص والقوّاس ويمشيان طوال الليل بين الأنقاض .

سيموتان بعد دفنها وقد خدّرهما برد الأسرار المحفوظة .

عليَّ الآن أن أتقبّل حقيقة نومي في الميزان الباقي للعتمة .

كلّ تفكيري ينحصر الآن في مشاركة البذرة سهرها ،

لكن الترّدي في الحركة الوقورة للهاوية ، يجردني من

كلّ قيمة انسانية . اخوتنا الموتى الذين يمشون في الريح

وتوثقهم الأغلال ، لا أضواء لأصواتهم في القبور المخرّبة .

 

 

41

 

 

يقرّبنا الفعل والحركة اللمّاحة ، من الميتة المحتّمة لرغباتنا

في الحضور اليقظ لأضدادنا بين خرائب المستقبل . ما نحنو

عليه في المصاطب المتهرئة لسنواتنا الشاحبة ، يتفكّك ويسيل

بنعومة صوب أسقامنا المترنحة . نمشي في طرق موصدة

تؤذينا فيها التلميحات المشفقة للأصائل في الوجود . حيّلنا

الشيطانية في التحالفات مع سراب جرائمنا المتأصلة ، يزيح

القناع عنها الزنبق والأضواء العطرية للحجارة الكريمة .

طوال الرحلة ، أدركنا أن غربتنا تفرض علينا أن لا نضع

القدم في الضفة المفهومة للماضي . موتنا يغادر أرضه في

برق البركان ، والحبّ يتخلّى عن الصبر والفضائل المحتقنة .

جغرافيات أشخاص موتى ،  تستمد الهامها من الهمس الصامت

للازمان . نقطة الانطلاق ، يغرد فيها طائر الوقواق ، والذاكرة

الحسناء ، مغناطيس يشعل النار للعدم في الظلمة المغفلة .

 

 

 

42

 

 

نباتات سامّة تخنقنا في تقلباتنا بين النوم واليقظة .

الحفاظ على العادات وتمائمها البائسة ، زمن صمغ

ممتلىء يسيل على الأشواك المطمئنة فوق شفاهنا ،

لا ندير له النسيان ، ولا نرصعه بنعومة الهدم . في

المروج ، يلّقح القمر الأبيض فوهة البركان ، وتنفجر

الالتواءة المريرة في طريق البشرية . ظلال العادات

رتيبة ومتثاقلة ، تحاذي الضنك الثقيل لفجرنا في حديقة

البعوض . رغيف خبز ينشر قوس قزح نعمته الأصيلة

في الضواحي المعتلّة لأيامنا ، والممرّات التي نعبرها

في الليل صانتة ولا نبضات تُسمع فيها . كلّ ظلّ نقارعه

في العمى الطويل لحياتنا ، يمتنع عن مجابهة الخبرة

المتكئة على السنوات البنفسجية لحيّرة الانسان ، وفي الهدف

لولا الفعل ، لما تحرّكت الحجارة الصلبة لقبورنا القائمة

في النسيم الحافظ للظهيرة . لصلاة النحلة في الاقتراب

من موتها ، مغزى كبير تضفيه على التجربة ، والحركة

وسيلتنا الوحيدة للحاق بطقوسنا المريضة التي تستلب منّا

الشعلة الفائرة للكينونة . شرارات عظيمة تتدلى من الشجرة

المنفلتة للتاريخ ، تدلنا على ما هو رحب في قنديل الهجرات ،

وتقذف بغنائمنا الى الجانب الآخر للموت . كلّ لحظة نعيشها ،

حجارة تنصت الى السرّ في ليل الينبوع ، وما يتصدع في

أغلاله المّمضة ، جماجم عاداتنا المربوطة الى الأمراض

المزدوجة لحاضرنا العاطل عن الحركة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الاطباق العظيم لظلمة العالم

 

 

الى فاضل العزاوي

 

 

 

 

 

 

 

1

 

 

 

رائحة التراب شديدة البرودة فوق الساعات المصلوبة للنهار .

كلّ طائر تطهره دموعه ويستلقي فوق الأغصان المتمايلة للنعاس .

نارنا المربوطة الى الأعشاش المغلقة للغيوم ، أطبق عليها

الزمن الماضي خرائبه . تنام بيأس بين التجويفات الهادئة للأصداء ،

وأكثر الأشياء خمولاً ، تحدث ضجّة عظيمة في الشقوق الخضر للعالم .

ما يثير الاشمئزاز في هذه اللحظة التي تتلاشى ، هي التحجرات

 الفظيعة التي تترصدنا بلهفة مشبعة بالثقل . حضور أكيد بين

الحجارة المحبوبة للزمن ، هو ما نحاول أن نمدّه بالترتيلة الأخيرة

للأصيل . يهشم الفراغ العظام المبيّضة للنجوم ، ويطفىء القنديل

في البيت المتصدع للكينونة . كلّ جرح نرسله في زعفران النوم ،

يرتدّ صوب عوالمنا الشاحبة ، ويهدم الحصون التي سهرنا عليها

في أرض سنواتنا المشدودة الى الحبال المحترقة للموت .

 

 

 

2

 

 

 

هناك صُيّاغ مستعدون دائماً الى الخصومات ويصعب علينا حلّ أحجيتهم . يطاردون

في أحلامنا طائر النقّار ويهدمون الحجارة المجروحة لقوانيننا . في الاشارات التي

لانزن اكرامها في تحالفاتنا مع الانجراف المرهق للعبودية ، يتفجرّ عنادنا مثل أسرار

تمضغ نعناعها الزلازل المعفّرة . كلّ اذلال نصعد ريعانه ، يدعونا الى اعادة النظر في

الوعي . الاتحاد بجروحنا الظافرة يخلصنا من الآفات ومن النضوب المترع بهاويته .

صداقة اشارات مرجومة وأصياف قرمزية . لا الخزامى ولا المسالك المظلمة لشواطىء

الصيد . ما يعجّل بتشغيل عواطفنا التي تعتمدها الوحشة ، هو الخلاف الدائم مع الرضوخ

للاختراقات والتحطمات . تعثرات مفترضة تقنعنا بتحكماتها المقنّعة ، وننسى الصعود

برضا العوسج الى الأقاصي .

 

 

 

 

3

 

 

 

غرباء يصاهرون الوعود المخفورة تحت الشواهد المتغيّرة لحيواتهم الصامتة .

 يرزحون تحت تماثل ثقيل للسأم الوضّاء ويغنون

في الشعاب المنجذبة للشحنة العظيمة لغرقهم .

 يُنمّون في  أزمنتهم المتصدية الى السخط ، زيزفون

دموع تتمايلُ على العتبة المبدعة للماضي . كلّ غريب

والسند العنيف لشهاب ميلاده ، ينحدران صوب

 اللحظة مفرطة العذوبة للديمومة ، والوعد

الجميل يتواءم مع حركته في طليعة البروق الحانية على السرّ .

 تتمرد الطريدة وتخفي البراري

القاحلة في عصيانها ، والغرباء يصرخون بين الأدغال

 الخاطئة لليل محنتهم : { لا تتململي أيتها

الطريدة النيزكية المقمرة في الجاذبيات المضطرمة للعالم }

 لكنهم يعقدون رباط موتهم في

النصل الحادّ لسعيهم المريض ، ويموتون دفعات ، دفعات .

عيدان قش يخدعها إحصاء الغربان

المتوازنة بوضوح ، وتنأى عنها الآبار في

الصيف المرهون للمرايا المتضادّة .

 

 

 

 

4

 

 

 

لا يسعفنا نسيم مقاصدنا المدمّرة على ازاحة الهلع ،

 في عبورنا للحواجز المتعذّرة في زهرة الزمان ،

وفي النقائض المترافقة مع عذاباتنا وتحطمات مراكبنا المترعة

 بالتعطرات الشهمة للنوم ، نخاتل موتنا

ونفرط في الحنوّ على الرمق الأخير للحياة العطشى .

مصير متناوب بتعجلاته التي تغني بيأس على

الهاوية المستسلمة للانصعاق المتأصل في العدم .

لا المعرفة الأصلية ، ولا الضربات المنعشة للزلزال

ولا الارهاقات العاكسة ضياء نذورنا ، تنجينا من حدّة

التوترات وابهاماتها المتعاقبة . في اضطهادنا تحت الكواكب

المغربلة مصائرنا ، نكبح كلّ مأثرة للمرايا

ونسير بلا ضوء مع الساعات الجافّة

في الإطباق العظيم لظلمة العالم . خلفيات رصينة خدعتنا

في اتزاننا عليها ، وضيعتنا التصديات اللامتكافئة للخراب

وملوحته الحامضة في ينابيع شغفنا بالنهار .

 

 

 

 

5

 

 

 

تحفظاتنا النابضة في جلودها المعطاة للأسرار

المنفصلة عن اعصار القنديل ، تعظّم طعم

براهيننا التي تفتقر الى النباهة ، والغرام يطلق

 للانسان حجارة براكينه المصقولة . في كلّ

غرض نكمن له ونخرّبه بايقاظاتنا الخارقة ، ننسى في

 أصقاعه المحرقة قرابيننا الأشدّ فاعلية من

صلاتنا المشتركة . طيّات كثيرة محكمة في

 سهول المأساة ، تسبّبت في تحطيم الأمشاط

المتفاوتة لرغباتنا بين عصيان الثمار التي تعضدها

 الطرائد المتنزهة . ما نقطفه في تشكياتنا

النذرية لجرائمنا المتوانية في بذارها الصامت ،

 يهدم النشوة العليلة والمخدرة لمرضعات

قتلانا في البراري المأتمية المتنبئة باشراقة لؤلؤة الضمير .

 أشجار ضارية يلائمها فقداننا

للرشد ، نجهز لها شائعات الاعتزال ونتذلل

 لحكمتها المغرضة . كلّ تمرد ضد الفناء ، يركز

بروقنا في لحظة افناء التفويض الممنوح للموت .

يعوزنا الآن تخمين القنّاص لتعقب ضفائر

موتنا المرتخية ، والخروج من آبار الصدمات .

التوسل للغفران يجهز علينا برماده المفصول

عن طمأنينة مدّه وجزره .

 

 

 

 

6

 

 

 

صيف طويل يتقدم بندى يحطم ابر حاجاتنا المفرطة في عصيانها ، وتتمطى في ريعانه

شهب الأشجار مذعورة . أغاني الأدلاء نسمع صداها المتعجّل في سهادنا المترنح على

الهزائم اليقظة لأشباهنا الحصّادين . من شاطىء الى انصعاق بلا وصية ، نصعد أرض

أفعالنا المتغضنة وتعوزنا قداسة التشاؤم . كثيرون منّا تحجّروا في عسل يأسهم وأضاعوا

المشعل الغامض للقصيدة ، والمشعل لا يشيخ اذا حافظنا على أسراره المبذورة في ينابيع

محنتنا . كلّ تناوب في النذور الكبيرة للكلمة ، ينجّينا من الصدأ والامتهان . شرور خلاّبة

يخفق لها فجر السجن ، وتتشبث مترعة بعاهاتها العتيقة . يلزمنا الهدف لنتسبب باطالة

نسمة الأبدية .

 

 

 

 

 

7

 

 

 

منحنياً لظلال وخرائب موبوءة في حاضري الهرم  ،

 أتنفسُ الندى البليغ للهلع تحت الحجارة

المتداعية للكوابيس . مرايا الماضي ندامات تتفجرّ

 في الحلم المحمّى ، وكل لحظة ، اشارة تنصهر

في التنفسات الناضبة للظلمة . المهمات الغائمة لرغباتنا

 التي تفصلها الملائكة المستبدة عن

بعضها ، نلمّ شذراتها بحنوّ ونرشدها الى الطريق

 الموصل لعطر الطريدة .

 يدعونا الواجب الى

أن نفسح الجروح للطمأنينة وشقيقها المصباح .

حجارة راهننا محجوبة عن كلّ فضيلة ، وطموحنا

ينأى عن الانجراح الذي يجذرّه حمقى الأنانية في

 الساعات المرهقة لامكاناتنا الخالية من البراهين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرنّات الحادّة لسهاد المنتحرين

 

الى جمال جمعة

 

 

 

1

 

 

جهات كثيرة تفصلنا عن الشواطىء ونحنُ نتهجى أسرار العطش

تحت أمواج النجوم . نهاية الاسطورة والسرّ الذي احتفظنا به

طويلاً . لايفصحان عن الخاتمة القاسية لمصائرنا .

ما نأملهُ يتداعى ويتهشم في التراب . نحتاج اشارات يتصاعد

منها الأريج الغريب الى اللامرئي الفاتن ، ومراكب صيف تعبر

المرايا المظلمة لأحلامنا المتجمدة في أطلال الحجارة الشاملة .

الرغبة في المرتفعات المتحركة لمخاوفنا وآلامنا ، فراشة زرقاء

تتلألأ في شفافية الفجر ، وتدلنا على الكمائن المتعانقة والمنصوبة

لمصائرنا التي خاط لها الموت ثيابها منذ الأزل . يخفي القنديل

عطره بين صخور التحلل ، كلما تقدمنا في العمر ، وحجارة الريح

تطبق على الترنيمة الأخيرة للحالم وسط العناصر المتشابهة للعالم .

 

 

 

 

2

 

 

لا ورقة تتحرك وسط أشجار لعثمتنا ، والليل الآن أكثر نداوة من الأصوات

الفاحشة للسأم . أغنية طاووس بيضاء مجبولة من أرض تئن تحت ثقل

المصابيح ، نسمعها تتضور حبّاً لجفاف مرمر بين الجسور المنعشة .

الاله الشاحب { شيفا } ، وزوجته ذات الجدائل المختلطة باذرع الاخطبوط .

يرصدان ذبذبات تائهة في ظهيرتنا المتلاشية . يخترق السرّ الصمت

الأسير للساعة الأسيانة ، وتهيم طيور طاعتنا في التوحشات الهائلة للنفي .

كل سنبلة تترصد نارها في الشوك الذي يحنو على النبع ، وكل موجة

تمحو ظلال الضفاف من نهديها . لا شجر يرخي ثماره في الغروب ،

ولا علامة تؤكد فرضية عودتنا الى الحديقة المتآكلة .

 

 

3

 

 

تصقلُ الأيام ما أخفيه ، وما أوسده طراوة الغصن . درجات كثيرة أصعدها

باتجاه الخلوة الفقيرة لطفولتي ، والسكون لا يعينني على التقاط حجر في أرض

اللحظة الفارغة . كلما طويتُ فضاء لحظة ، امتدت الآفاق وبعثرت مرآة الزمن .

الضيق واللزوجة التي تتخطى موتي ، هما ما ينميّان السأم في أغنيتي التي يغرقها

الطوفان . لا تشبهنا الملائكة ، وأفكارها ليست مثل شيوع أفكارنا لحظة الزوال .

استراحات كثيرة أخفينا فيها الخدع ، ودفنّا مشاعرنا في تنفسات البعوض .

في النهاية المتفرقة ،  يتصببُ العرق من جباهنا تحت القبور المتهدمة .

ما نحتاجه دائماً هو القدرة على الطواف في أرض محنتنا .

 

 

 

4

 

 

جبال كثيرة نعبرها في الأحلام ، بحثاً عن ضفة يتأرجح فيها مستقبلنا

المتعفن في لحظته . يبهرنا السيف المشحوذ للماضي ، ويعرّي سعينا

المريض بين الخرائب المتصدعة صوب اشارة ما ، وصوب الانطفاءة

العليلة للزمن . كل شجرة تتوق الى العلو ، والى مايزكي غفوتها في ليل

الحبّ ، ونحن نذبل في المتاهة المنتصبة ما بين اللحظة واللحظة . الميت في

هشاشته ، ينصت الى نبض النحلة في فجر ابرته ، ويدخل فراء الديمومة ،

دخول فكرة في ميزان الاعتدال .

 

 

5

 

 

تتهشمُ بين الولادة والموت ، أمتعتنا التي ندّخرها لتدفئة دموعنا في لحظة

زوالنا المحبوك . ما تنصت له الجذور في استمرارية تحولها ، يجرح الصدفة

التي تفُشِل فكرتنا عن طمأنينة زهرة اللوتس في نموها تحت شمس بابل .

صمت طويل يخترف تمتمة الموتى في رياح السجن ، والعناصر يتملكها

الفقدان في الظلمة العميقة للمحنة المتعاظمة . أشياء كثيرة يؤوب منها الانسان

مقوّضاً لحظته في صراعه مع الدودة المحدقة بحياته الخاوية .

 

 

 

6

 

 

كتل صخور ضخمة تنزلقُ وتتهشمُ فوق رأسي في ظلام الظهيرة القاحلة ،

ولا جدار يحميني ولا شهاب . حاضناً خواء مصيري في السأم العظيم ،

ينتظرني ما ينتظر البشر والحشرات . ضوء أيام شقائي ، خفافيش تطير

في الآبار الجافة ، وتعوي في ليلي الذئاب . أزمان كثيرة ناحت نواح الناي

في الأفياء الحارّة لتحطمات آمالي ، ولا انعكاس لرماد الصيرورة في الحجارة

الصلدة التي تحنو على الظلمة المتداعية لوجودي .

 

 

 

 

7

 

 

طائر السمان النحيل يعنّفُ بصوته الغالب ، السهاد الطويل لحياتي بسهول

الموت المدوّخة . أشجار متحجرة أرتقيها في السكون العظيم للّحظة في

شحنتها ، وهي تنتصبُ أمام الاتساع المصفّح للرغبة . نجمة وحيدة تشحذ

نفسها في صخور جزيرة نومي ، وتدلني على الايماءة البطيئة لموتي .

صرخات بشر طويلة نسمعها في الليل الذي تدوسه الصاعقة . كل صرخة

تومض على العظام . لا الكلمة ، لا الشجرة . يأتينا العون دائماً والحصانة

من الموجة التي تقطر شفافية .

 

 

 

 

8

 

 

تتحطمُ اللحظة كالحجارة على الضفة المسيّجة لشواطىء آمالنا ،

ويرتطمُ عطر الذكرى بأغصان الموتى الذين دفناهم خارج نوافذ

السنة . الساعات في برد أيامنا وأوراق صنوبرها الجافة ، تتسللُ

عبر الهيجان الثقيل للحركة ، وتوقظُ ظلالنا المقتفية آثار الثلوج .

كل وصية ندوّنها تحت الغيوم الشقيقة لفراغ المعجزة ، تمحي في

الموازنة بين الفضيلة ولقاح الجريمة ، وشدّة الحرص على ما يفصلنا

عن الوجه الجميل للفراشة ، تجبرنا على العيش في الظلمة المجهولة

للفناء . لا يتنفس النجم في صواري مراكب نومنا ، ولا الطيور الدائخة

في الانصات وأجراسه المتدلية ، تعقد صلحها مع حجارة الاهرامات

المصرية . كل اغفاءة تنمو في مرآتها السوداء ، رحلة طويلة عبر

عجائب يوازن الموت فيها عودتنا الى أرض النهار . ابتهالات

طيور تفترق في هجرات كبيرة ، نسمعها في الجزر التي تتعاقب عليها

النجوم في فضة النحل ، وتسقط فوقها شهب القانون . اللحظة المدوّخة

لرامي الشجرة في نعومة الفجر ، وندف الموت التي تسقطُ على جباهنا

الرمادية المتجمدة . كل شيء ينعطفُ باتجاه البوّابة العملاقة لضجرنا

تحت الحجارة المقوّسة للشمس . الأمل الآن ، أو ما نظنه قنديل السفينة ،

هو الخوف الذي نعيشه عبر سهول حيواتنا الفقيرة ولايمكننا صعود براكينه .

 

 

 

9

 

 

تُسمعُ في البيت الصامت ، تحطمات أغنية تتغلغلُ في الفؤوس الداكنة

لتوديع الميت ، والعظام المرتجفة تطقطقُ في المدى المفتوح على انفجارات

الحشائش اليابسة . تخفي الطبيعة المتعصبة خموداتها في الحضور الصائت

لنسيان الفصول ، والأرض لا تحتفظُ بحدائق الموتى الذين يخرجون في الليل

ويرضعون أثداء الزمن بحفاوة من ينبثق من صخرة ، ينتحبُ في شرفاتها

غطّاس النار . رموز غريبة مطوية في ذاكرة المنجل التي لها معاصم شبيهة

بمعاصم زهرة بوذا وعطورها المندسة في فراغات العالم . في سهول السهاد

المتراصة ، في الثوباء التي يطير منها طائر النسيان . أكملنا تشيّيد السقوف في

الأماكن المبالغ في قداستها ، واحترق طلاء كوخ الميت في الحافة الحادّة

لظلام العدالة .  قضبان عالية ينتهي عندها الضباب ، ويسترخي الكوكب

في تهشماته .

 

 

 

 

10

 

 

 

كل تماثل بين زهرتين ، يغلقُ الطريق ويحطمُ سعينا في ادامة مانطمحُ

للحفاظ عليه وصيانته من الضفاف السود للجحيم . يتممُ هؤلاء الذين

يسرقون ماشيتنا عملهم وسط فوانيس ضريرة ولايكترثون لأصوات

الزيزان التي وضعناها كمائن لهم . بوهيميون ورجال دين يسلخون جلود

الأيائل تحت الشموع المنغولية للغابة ، تبجيلاً لتشريع حمورابي ، والابادات

المتلصصة في دهاليز سجونه ذات المراعي كثيرة الخيانة . ما نسمعه الآن

في العصف المستقيم لظلمة الأنهار ، يترددُ في الانصات الى ما يقوله العصفور

الدوري في جزائر النوم المطهرة ، وتنزوي ابر الريح في احصاء طويل لجثث

القتلى على الشواطىء الممتقعة للنهار . مزية أخرى من مزايا هلاكنا المصفوف

على الرواق العالي لنحيبنا المرصع بوعود قوس قزح وحجارته القهّارة . كل الذين

رافقناهم الى مشط الراحة ، تغلغلوا بعيداً في كستناء الزمن ، وغابوا في هجرات

دوّارة للاشارات التي لاتفصح عن التمثال المتهشم للنوم .

 

 

 

 

11

 

 

في الثمار المتلألئة لصيف الوعود التي ننتظر انجازها تحت الحظائر المعلقة

لمرض الغرقى بين آبار البطاطس . يصعدُ صوب نذورنا الملحية الانزلاق المخيف

لقناطر سرير الواجب والتضحية . مرايا زئبق أثقل من سراج له ظلال مثل انحناءة

أيامنا المجوّفة . زمن الانسان يتفكك وينطفىء في الكلمة التي تتثاءب في الحجارة

المدوّمة للسنوات . يلجأنا الحال الآن الى رمي المفاتيح وتغطيتها في رمال دموعنا

العطرية . يمكن للنائم بين جراثيم ديونه ، أن يتخلص من أثقال عبوديته عبر ترطيبه

للنجوم المتشنجة في نومه ، وفي لايقينه الذي يقوّض انفجار غرائزه وغلالتها الحارّة .

شعوب كثيرة ضاعت في الرمال المحرمة للحصاد ، وكل تمايل لصلاة السنبلة ،

يثبّتُ النظرة المصونة لملح تعاطفاتنا بين الرتبة المرتفعة للمأساة . آلهتنا لا تزن

الضرائب الثقيلة لمحنتنا في سقوط الجرح على الساعة التي نصاهر فيها الموت .

 

 

 

 

12

 

 

 

أشرعة مراكب بيزنطية محمومة ومتصالحة مع أمراضها ، تحنو على أسلحتنا

المحطمة وتقوّيها في التقرحات الهائلة لرياح البحر ، والحمولة التي نقتربُ

منها تفرُّ طائرة ، ولا نضمنُ الانتفاع من قناديلها المرتكزة على أشجار خيزران

الشواطىء . الليل والنهار يتعاقبان في المرايا المهجورة لقتلى حروبنا العقائدية ،

وليس بوسعنا أن نمدّد النظرة اللامرئية صوب التماثيل المسوّدة في الشمس لآلهتنا .

تحولات طويلة تتعدّدُ فيها ظلالنا التي تغطيها البروق ، ونجاهد عبر اصاباتنا

الدائمة بالأعياء في الخلاص من السيف الذي يفرد أجنحته على الوردة المجذومة .

 

 

 

 

13

 

 

مناحات عظيمة في أراضينا المتعفنة في الطاعون ،

 يموت فيها أشقاؤنا في الوحشات

الأشدّ ظلمة من الشعلة المنتحبة في همالايا الغروب .

الليل وتماثيله المنخورة ، والرائحة

المطمئنة لتيارات النبيذ في النسيم المتعصب

 لوميض أسلحتنا ، هما ما نملكه الآن بين

القصب المطحون للسنة . تمثلات أشجارنا

الايروسية في الأعراق المغتبطة بالورد ،

والحجر الذي يزيح الأبواب عن ملح نومه في

 الامومة المتنفسة للمياه الجوفية . ما نعيشه

في اللحظة الراهنة يتصلُ ويتشابك مع الماضي

 والمستقبل . كل لحظة تقربنا من الهاوية

الموشحة بعليق النهاية . غيوم حارّة تنفصل عن

 الحجارة المسنونة للأنهار ، وتمطر فوق

قبورنا عظايات ومسامير تثقبُ العظم والشجرة .

 ميثاق دموع تختلطُ فيها عصائر الفصول

مع الانعكاسات الممحوة لحموضة عسلنا في صيفه

 المحصن بالجروح التي تخنق السيول .

 

 

 

14

 

 

 

ملاذات – كمائن في شواطىء الكوكب العتيق ،

 نلجأ اليها في صرخاتنا الشائخة ،

والموتى لا ملامح لذكراهم التي تتكفل السهر

على الخلايا القوطية للنحل . كل خيبة

ولها ذاكرتها التي تتحسسُ الاثبات الذي نقدمهُ

في عبورنا المنحدرات المتعرجة لرماد

الموتى الذي تطبقُ عليه الأصداف المتلألئة في

اعترافات القنائص . قناديل كثيرة أمكننا

تدبرّ أمرّ انزالها الى مغاور الجزر الساهرة ،

 لكن تأخر نضوج العناقيد ، لا يمدّ

صلاتنا الى الرغبة بالزيوت المعوّضة .

 يحرق الموتى لفائف أيامهم ، ويعودون في

الفجر بنعمتهم الفيّاضة للهيمنة على ملاذاتنا كثيرة العذوبة .

 

 

 

15

 

 

لا يكتملُ سعي الانسان الى الكمال ، إلاّ بالتخلص من زهرة حياته النائمة .

مصير بائس ، وخرائب يموت فيها العليق الأصفر للنجوم . الأشخاص

الذين واسيتهم في الماضي ، ماتوا بعذوبة في انخطافات محمومة ، وما

عاد ملمس نومهم وسط الحجارة المهشمة ، يوقظ الجروح الحانقة للذكرى .

كل سعي الى نصر ، يتغطى بالتصلبات الضخمة لنجوم العناكب ، وكل

طريق يوصلُ الى الفردوس ، تسدّهُ ابر مصفوفة من لحاء الليل . أنهار

كثيرة غاصت في الرنّات الحادّة لسهاد المنتحرين ، لكن الشجرة التي تحطم

مراكب الصاعقة  ، وتخفي قناع الزمن في أغصانها . تحنو على الاله الكئيب .

متاهات تتطاير فيها فوانيس الألغاز ، نعبر أرضها غير الموطوءة ، من أجل

الذهب في منازل الأيام ، وعلى الرغم من احساساتنا باللاجدوى ، نواصل

التعاقب في الأروقة العالية للعلامات .

 

 

 

16

 

 

يكافحُ ضوء وجوه الذين يموتون في نومهم ، في الاشارات المطهرة تحت

صنوبرة الشمس ، ويخفي النظرات الشاحبة في الجادات المسوّدة للأفق .

تنزلُ الأجفان نزول الخطّاف في الشقاء ، ويتسللُ عبر المسامير المتفتحة

للانصات ،  التغريد المعتم لاعتدال الرياح . الانسان يصلي في نافذة الخدمة .

صلاته يضبّبها الافتقاد الى الايمان بشيء ما . تقوى بديلة يحفرُ في أرضها

طوال الليل ، بحثاً عن نسيان ترفعه الى الهاوية سكاكين مجهولة .

 

 

 

17

 

 

 

يمنحنا الانتحار الوقت للوصول الى الهضاب اللازوردية للعدم . الظلال

الداكنة للسنة ، استعارة سوداء نعلقُ على شجرتها الصامتة عبء حياتنا

المربوطة الى الفراغ . حشرات وطحالب تتدرب فوق أجفاننا المنسدلة على

الشعير المحترق للظلمة ، وكل لحظة تمرُّ . تتمزقُ مخالبها بلا حراك .

صخور معقودة تنزلقُ بخفة وتطمرُّ الشعلة التي تدل على أصواتنا المشنوقة .

كل نبع يوثقُ الغرقى الى ثقل سهاده ، وفي مرايا السأم ، يشعلُ العدو النار

في حقول خشخاشنا . ظل قليل هو ما نفتقر اليه في خلاء الصيف ، قبل

وصولنا الى الغيمة السامة للنوم . طراز جديد يشهر أسلحته صوبنا ويهشمنا .

 

 

 

18

 

 

المنتحرون يتلمسون في أحلامهم فراء النجوم . يتقدمون في صفوف تبارك

ظلالها المواقد العالية لمؤاساة الخزف الانساني . حزن العام الماضي ينعطفُ

في التجاويف المغمضة للأشجار ، ويتبدلُ في الاستعادة المزودوجة للاشارة .

حديقة يتيمة من خرائب النهار ، يجرحها سهر الوقواق . نغفوا بين مراياها

الزئبقية ، وننصتُ الى الضمادات اللامعة في الفضاء . تحومُ حول شواطىء

أغطيتنا ، رياح محملّة بايمان لا يسندنا في عبورنا للجسور .

 

 

 

 

19

 

 

مؤلمة حياة من دفنوا في الاهرامات .

 في انتظارهم الطويل بين الهياكل الغامضة

لدخان الفناء ، استمرّ سقوطهم في الوحشات

 الليل كله . الملل يغطي مباخرهم في

الصلاة ، وقططهم تتكاثر في اللآلىء

المستفسرة عن أصدافها . كل قربان يتناثر في

الضفة المهتزة لأوهام الخلود ، وكل سعي

الى البعث ، أحلام لاهبة تتدثر بالأحاجي .

دويبات مزهوة ، أكثر صفاء من تعجبات أعراقنا ،

 تنتظر سقوطنا ونومنا في الاهرامات .

 

 

 

 

20

 

 

 

امكانيات عظيمة نضيعها في زحفنا وراء اللواحم الغطّاسة على امتداد النهار ،

وأحلامنا المتعفنة والمتماثلة في سجنها ، توهنُ كل أمل ، ولا شيء يرتجى من

ملاقاة اللهب في أريج صيفها الطويل . تشعبات . رجّات تضاعفُ آلامنا في

ضغائن الهاوية وظلمتها الصيّاحة . كل لهفة للساعة المغزولة لغصينات الشمس

تحطمها خياناتنا لعهودنا الموزونة . تواطؤات مع الملح ، تحجبُ عنّا موتنا

المحضون بسنبلة التضحية .

 

 

 

 

21

 

 

 

أجيال كثيرة حررتها من مناحاتها الخائرة مذابح الحروب ، والأنهار المعادية هشّمت

العظمة المنقبضة لقبورنا المتطايرة في الوحشات الطويلة لليل . ينغلقُ عمل الانسان

في أرض تشعل العظام ، ويطبق عليه فراغ اللحظة المتكلسة . غبار عظيم في ثيابنا

القربانية ، يسند  أوراق موتنا ومداخن الأحلام .

 

 

 

 

22

 

 

 

افتقارنا الى البراهين ونحنُ نحمل قرابيننا في أعقاب كل معركة ، يجعلنا ننسى

التبجيل الضروري لمصيرنا الحتمي في رحائبه اللانهائية . الخليقة مبتلاة دائماً

بخمائر عفونتها ، والعظمة التي نتبجح بها ، ماهيّ إلاّ شهادة مزوّرة نقدمها مع

أسانيد تنكشف منذ اللحظة الأولى في محاولاتنا للتخلص من الشقاء . لا مجد

للفاني في ميتته التي يدرجها تحت أسفل شجرة صمته الذي تتولاه الاهانات .

 

 

 

 

23

 

 

 

متحرّراً من بليتي ، أتبعُ طنين نحلة موتي التي تكافحُ ضد براثن {  لا هيّ حيّة *

ولا هيّ ميتة } . انفجارات أنهار تحت أشعة الشجرة ، تحرّك كل مالا يتغيّر في

اللحظة الخالية من مظاهر الديمومة . جرعة ناتئة من ثقل الصخرة ، أتنفسها في

الهياكل المنتصبة لليل وأذوبُ في جلال البرق . أزمان طويلة ملقاة بمحاذاة

المشاعل المنغلقة للظهيرة ، نضطجع بين أطلالها بانتظار الغبطة المرجوّة التي

توصلنا الى القناديل اليقظة للأبدية .

 

 

* اوكتافيو باث . قصيدة { امتحان ليلي }

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حطب يتوق الى النار

 

الى جليل حيدر

 

 

 

 

 

1

 

 

في موازين مصنوعة من خشب الساج ، نزن أفعالنا في الظلمة اللؤلؤية للنهار

لكن ترتيباتنا غير المتماسكة في التعزيات القليلة لنومنا بين قيثارات الحجارة ،

تجبرنا على الغوص البطيء في المغلفات الضخمة لسموم العيش بين العظام

المصفرّة .

 

 

 

2

 

 

 

أتحسسُ في سقوطي على مرايا النهار ، أملٌ تمحوه حاجتي الى الواجب .

تأهبات جريحة في ساعة الوطواط ، تقصّر الألم لتعذبه ، وسقطتي الطويلة

تتوطدُ على الأشجار المحترقة للطريق ، وفي المفاتيح . مليئاً بندوب

صقيعية لايمكن ردمها ، أسير مع حشرة موتي في لحظة السرور المنتفضة ،

ولا يمكنني أن أهبها خلعة أو أعالج صراخ بيوضها في التعفنات الضخمة

لجذامات قمح أيامي .

 

 

 

 

3

 

 

تصعدُ تعاسة المحكوم في المقارع المضمّدة للحظته ، وفي انصاته لتعاقبات

الظلال المتفككة على نوافذ سهاده ، يتعفَّنُ قنديل فجره عبر اختناقات مُسهّدة .

عشبٌ قزحيّ من الماضي ، يقوّض الأحافير المتجمدة للجريمة . حياة متصلبة

يلتبس عليها صيف الميثاق مع الارتواء ، ولا يمحو العواء فيها التخطيط

المسبق للشنق .

 

 

 

4

 

 

حقول ذرة بيضاء رفعنا فيها نذورنا في الليل ، وطاردنا عبر ضفافها عصافير

الآبار . كل تلقيح ضد عظمة بابل ، لا يسهل المهمة في صلاتنا بين الأشجار

الضامرة للعزيز المتُوفَّى . أسلحة كثيرة دفناها تحت العصّارات المنسدلة على

الغروب ، ولا نتذكر ملامحها الآن في نفخنا للرماد الذي يسيِّج عسل نعمتنا .

 

 

 

 

5

 

 

يصدر كل مايعتقدهُ الانسان في خوفه من الفناء ، من ضعفه ومن خبله ، وتنحدر

في تلاشي أحلامنا ، كل عباداتنا الى الخرافة . هل لنا أن نفك الاشتباك بين المعدن

الأصيل للتقوى ، وبين التشنجات المتغضنة لأشجار مشمش قرابيننا وطقوسنا ؟ نريد

الآن شرائع وقوانين أكثر عدالة من الأنظمة الراسخة للغفران ، ونريد براهين لا

ترتكز على الحمولة الخفيفة لكل ما آمنّا به طوال التاريخ

 

 

 

 

6

 

 

قناديل كثيرة تنفصل عنّي في المتاهة ، وأضيّع الغابة المرتجفة والعليلة

لنجوم موتي في التعرقات الشديدة لأشجار الصيف . كل ما آمنتُ به في

الماضي ، يتفطرّ وينسدل في تفككه على الرماد . هل لي أن أوقف ضوضاء

الانفجارات في أحلامي وفي اللايقين ؟ . دخان كثيف يصخبُ في التعاقبات

المتعثرة لأيام حياتي ، ولا رفرفة جناح أسمعها فوق الأغصان المتصلبة

لأشجار عقيق نومي . الحجارة في ثقلها وفي فورانها ، تهتز في المركب

الذي يحملني الى مثواي الفقير . طقس مطرقة يلطخ الفراغ ويمعن في

تدمير مرايا شقائي وصخوره الجامحة .

 

 

 

 

7

 

 

لا يجبر الغبار الموتى على الاعتراف بأسرارهم في نحول الريح بين أشجار

التحطيب . كل بذرة ترخي عاصفتها المضمومة صوب الفريسة ، وتتوسد

الغرانيت الألواح المنفصلة للسنة . عميقاً في الطيران الجاف لفراشة ماضي

الميت ، ترتعش رائحة الصوان المحمومة وتنشر أريجها بهدوء في شواطىء

نحيبنا المرصودة . كل مانحبه يتبعثر في الريح الممزقة وتطبق عليه الهاوية ،

وكل مانأمله ، لا نجروء على الحلم به . خدائع طويلة تتوثب في تململاتها الحادّة

وتتركنا أسرى صقيع حيواتنا الحجرية . ،

 

 

 

8

 

 

أشياء كثيرة يتعذَّر علينا الفصل في مابينها ونحن نقود الرهائن الى الأرض غير

المنطوقة ، ولا أمل لنا في اشارة نخفي في جفاف نهرها مرضنا العضال . رحلات

متحجرة صوب الممرّ المجهول ، ننسى فيها أن نغفوا تحت ظلال الفأس ، والنجوم

تتهاوى وتختطفها مخالب المراكب في خلجان نومنا . سهادات مسعورة تقربنا من

جغرافيا تحليقاتنا ، وتحصي التفككات الرخوة لمشينا على المعادن القاتمة لبراكين

العطش . نسيم مفتوح في فراغ العالم ، لا نتلمسه ، ولا يضيء ظلال قبورنا المهجورة .

جرائم فظيعة تتملص في ندامات ، نترك فيها اذلالات خوفنا من اعصار الصيف .

 

9

 

 

شفق بطقس ثقيل ينحلّ على الضفائر المذهبّة لأوراد البنفسج . يعمي عينيّ ويرهن

حياتي للّحظة التي تتجمّد في نوم الحمامة . في الحديقة ، خارج البيت ، كانت شجرة

لوز هرمة تنفخ نفسها وتزيل الشامات . العواصف تتوالى في الضمّادات المحمّرة

لماضي حياتي . محاولاً أن أوقف الشلل وأثقب فقاعاته في نوم الكلمة ، يصرعني

نزيف طويل في العويل . انخيدوانا بنفسجة موتي السوداء ، يراعة تحوم حول جروح

أيامي ، وضوؤها شحيح في ليالي الغياب المترنحة على الأكفان والزنزانة الكلسية .

زمهرير من زمن الظلمة والرصاص ، من دون أغنية رنّانة ، يخنق العندليب ويجفف

الينابيع الفقيرة للرغبة .

 

 

 

10

 

 

كثيرون لا يجرؤون على صعود الهضاب في نومهم الخالي من الوميض الأزرق لأسلحة

الملائكة . كل انحناءة تامة أمام المناقب الجليلة لطوفان النجوم ، تنسينا السطوة الغاشمة

لشيخوختنا التي تسقط مائلة على الغبار الناعم للشواطىء . حفريات في الأسفل نكّسر فيها

العظام ونمجّد العنف في الخطيئة ، وفي الرضوض العميقة للأغصان . ما يرضينا لاضرورة

له ، لأننا نطفىء النسيم بالتدريج في المنازل العالية للمرايا . كل ثقل للمقدس ، ينبغي

تحطيمه وفضحه بشجاعة . سور الصين يفتح في الصيف مخازن القمح لجياد الملائكة

بشهامة ، وتنتصب خلجانه فوق أشجار المراكب التي تضيء القيثارات العتيقة لموتنا .

 

 

 

 

11

 

 

ابر محاطة بتشائمات متحمسة لتعاقب القحط ، تتناثر في وديان حظوظنا المتصدعة ،

وتجرح الساعات الحارّة لاجاباتنا المضطربة . البحارة الذين ودّعناهم بعد حربنا

الأخيرة ، ماعادوا ولاعادت اشاراتهم المزنرة بالبزوغ القويّ لمحاريث الشمس .

شفيعتنا التي هجرتها المعجزات ، توّثق عقود خياناتها عند كاتب المصرف ، وتخفي

رماد خزاناتها تحت البراكين المتوثبة للخسارة . كل شفيعة شجرة متورمة في جزيرة

مهجورة . احساس صدىء يرخي فيض نعمته على الغبار الصيّاد للزمن والوديعة العليلة .

 

 

 

12

 

 

كل مناجاة هادئة في الليل لمشط الموت ، توّسع الظلال المحيطة بفجر أملنا ، وتزيد في

العطاء . هناك انخيدوانات كفيفات يتوغلن في الفراديس العفنة للجذام ، ولا يمسحن بصماتهن

المتضرعة فوق التوابيت . العصافير بوسعها أن تخبرنا عن أولئك الذين كافحوا طويلاً ولم

يصلوا الى المداخن الستراتيجية للجريمة . ضفاف النحل لا تحتاج الى ترميم بعد الاعصار ،

والخشونة التي تحيط وسائد حماقاتنا الطفولية ، تجبرنا على ايجاد كمّامات من أجل صهر

حجارة ضعفنا والعكاكيز . وقواق حصيف يضيّف السائح على العشاء في أعالي شجرة

التفاح ، ويضمّد أغنيته المريرة بكتّان الافلاس .

 

 

 

 

 

13

 

 

أشياء غريبة كرحلة بحرية لا نصل فيها الى أيّة ضفة ، توائم رغباتنا وتغوي عدالة الأقفاص

في النيل منّا . نزحفُ على الاخلاقيات المتقشفة للنواقص الكثيرة في ثقافتنا الداكنة وطمأنينتنا ،

ونهدم ما تعودنا على تقديسه بضربات متعمدة . الطفيليات التي تبحلقُ في قذائف مدفعية

معابدنا ، تلحق خسارات كثيرة في أعشاش ايماننا . في الحروب عانينا من روائح أخوة ،

وأضعنا الثقة بالقناديل التي نلجأ اليها في صلواتنا . هل يتفحصنا الاله حين نعبر سهول

غفرانه المليئة بالديناميت ؟ نحن أسرى عاداتنا في قتل السنونوات ورمي أشلاء الجيران

في الانعطافات الحادّة للأنهار .

 

 

14

 

 

ينابيعنا محطمة وتطير فيها الحشرات بلا فجر ولا مذنبات . صرخة اعتراضية هي ما

نحتاجه الآن ، وفرساننا يزيّتون البنادق . كلّ ماشيّدناه في الصيف ، نقبره الآن تحت الجلاميد

الضخمة لعفن عقولنا . لا أشجار تين ولا صمغ آلهة في السقوف المتهدمة لأضرحة أجدادنا

الأجلاء .

 

 

 

 

15

 

 

سنوات طويلة نترقبُ في ليالي المنفى العودة المأمولة لحمامة السيدة الشفيعة .

منازلنا التي تتغطى بمخلفات الاعصار ، تنعقد فيها مواثيق لربط الماضي

بالحاضر . سفينة نوح غائصة بالوحل ، والشفيعة لا تفرد نهديها لطيران

الحمامة . حلمها المحصود بين المقابر التي تبللها نجوم الخريف ، تضج فيه

أصوات بلا قطن . الحبّ أكثر مطراً من الطوفان ، والعاشق في حلمه المعطّر

بالنسك ، يوثق نفسه بأفلاك السنوات فداء لنهر المحبوب الذي يروّي بفجره

الأزرق أرض الغياب والتشققات المظلمة للأمل .

 

 

 

 

16

 

 

كلّ ضفة نعبرها ، نترك خلفها غيوم رفيعة من حاضرنا المضطرب ،

ما نتركه هناك ، يصعب علينا التقاط أسراره المغبرّة .

كلّ طقس وكلّ قربان نحضره عند الفجر ، ينفخ النار

في ايماننا المتصلب ، لكن سقوف السنوات التي نعلق

فيها كواكب أحلامنا ، ترتجف في جليد حيواتنا .

مرايا كثيرة تتحطم في حصاد الليل ، وتغرقنا في شحوب

الغابة الحشرات . العندليب يغرد في الظلمة . ممرّ حاد

نتسلل عبره صوب رطوبة الذكرى ، وننزل الى الخاتمة

الساكنة لمصائرنا . الزمن يسحب نفسه باتجاه التنفسات

اللافحة لصوّان الشمس .

 

 

 

17

 

 

 

تنهضُ الومضة الميتة لذكرى الحبّ ، كلما اقتربنا من الموت . سأم السنوات

يختفي خلف الجادات المحترقة وراء الأبواب ، والصمت العجوز يزيح عن

عينيه النعاس ويلوّح للفراغات والغيوم الشاحبة لصيف الفجر .

سيدة عجوز تطرز في عزلتها العميقة . أوراق الذهب المتجمّدة للعمر ،

تتحرك في انخطافات تتمدد على المصابيح المهتزة بالنعومة . نور الحبّ

ومرضه المتوهج ، يدفع برفق أملاك جمال يسقي جذور الزمن المظلمة .

السيدة المتغطية بالغاز جمالها ، هي الحبيبة الشابة . تعود من رحلتها الطويلة

وترتقي النجوم المكتوبة في الجسور التي تكافح الهجران وصمت السنوات التائهة .

 

 

 

18

 

 

لدينا خطط كثيرة نجتاز عبرها التلال المهدمة لأرض الكراهية . معظم من ودّعناهم

يعانون الآن من مرض النقاش مع الذئاب . البيوت ترخي فضة أشجارها الى

الأسفل ، ونوافذ الصباح تشوّه قناديلها الصليات المستمرة لعديمي الضمائر . كلّ غصن

بالعراق يضجّ الآن بحراشف ثارات قبائل ، ولا مصل يمكننا من خلاله ازالة السم

عن الينابيع والميادين المحفرّة . نحتاج الى ملح يتغلغل في الأشجار الميتة للمجتمع .

كلّ تنصت على الاحتضار المتمايل للثمرة ، يحجب عنّا الأفق الدامي للتاريخ .

خدعتنا النخب العاجزة في ايماءات الشمس ، وخدعتنا ثقافاتنا المتبجحة ومذاهبنا

التي أطبقت ظلمتها الجنائزية على أحلامنا المجروحة . تسقط اليراعة في سماء

أنهارنا ميتة ، ولا لحظة مؤنسة تخاط لدفلى من غدرنا بهم في الأصياف الملتهبة

للطائفية . نظرات كراهية تتقدمنا في الانفجارات التي تجمّد الندى في السقوف .

زمن شقاء يقطر اعصارات تحطم الأبواب الرخوة للمستقبل ، والوميض الأزرق

للعافية .

 

 

 

19

 

 

ناهضاً من القبر الثقيل ليومي المليء بالتشققات ، أحاول أن أمنح الأشجار

ظلمتها الحارّة . كلّ نظرة الى الأسفل تشدّني الى الأغلال والأبواب الموصدة

للماضي المثقبّ بالعظام والنجوم المتشظية في ضفاف الأنهار . الطقس هذا

الصباح أكثر اضطراباً من ظلال نخيل في جزر مجهولة ، وما أود الهروب

منه يلاحقني كما يلاحق البكاء قتلى الحروب . في يدي وردة زرقاء تقطر دماً

ولا يسعني أن أنسى تنسك من أحببتهم وغاصوا في الأملاك الكبيرة لليل الغياب .

حقول كثيرة نسينا فيها المهمات الجليلة للحصاد وانشغلنا في العويل على من ماتوا

حزانى ، وعلى من خانوا ومن تهدمت أعصابهم في الطرق الغريبة لأرض الطفولة .

الأصوات متحجرة ولا نميز تحركاتها عبر الحريق في الظلمة الكثيفة للمياه ، وكلّ

شعور بالمأساة يرسخ تلويحته في الابرة الحادّة لشجرة الزمن .

 

 

 

20

 

 

هل يتوجب عليّ أن أطلب من الله الاهتمام بحياتي التافهة ؟

أود الصعود الى الذرى السامية للوجود ، لكنني معرّى من

الشعور بالقداسة . فكرة الامتلاء باله ما ، تكبّل ضميري

ولا يمكنني الصلاة الى وهم نكيّفه عبر معارفنا وسعينا المتعثر

صوب خرافة تحتاج الى تبنّي معتقدات اصولية . دراسة

أساليب التقوى ، تشغلنا عن محاولاتنا للتخلص من الانحطاطات

التي تسيّج أنفسنا وحيواتنا .

 

 

 

 

21

 

 

الأشياء التي امتلكتها في الماضي ، اختزلتها في خرائب تتداعى على الفراغ .

مرايا الزمن الفظ والشائن ، القشور المبتلة للوعود في الهبوط المتشظي لعناكب

صوت الحبيبة . يلزمني الآن أفكار معادية أصيخ السمع لها تحت الأخاديد

الجامحة لضفائر الماضي . الانخطافات لا تغيّر ما أريد أن أدفنه . اذلالات ،

رجّات يدسّها النسيان في النار الشاذّة لتنامي الأحافير في السهاد . الانشوطة

الارجوانية للنوم بين نجوم الصيف ، تفتح الأزمنة للطفولة المتمايلة بين الاهرامات

وبين مناحات الينابيع .

 

 

 

 

22

 

 

اصوليون يصطدمون بحجارة تعصباتهم ، ينزلون المقدس

من عليائه ويرمونه في الصراعات { السياسية والقومية } .

كل ايمان نازية سوداء ، والطقوس

العاب شيطانية نقتل فيها آلهتنا بالسيرك .

تحتاج البشرية الآن الى نفخ طويل في رماد ضعتها

التي تعزلها عن المطهرات الموصلة الى وميض المطلق .

اصوليات ، هيجان مجانين في أمكنة العبادة

سخرية مشبّعة بالعته تسقط كل قيمة حقيقية لما

تبجحنا به طوال التاريخ .

 

 

 

 

23

 

 

عبدنا بين الأزلي والكوني آلهة كثيرة

بعضها منحنا الافق العميق للرأفة

والبعض الآخر كان وسيلة للابتزاز .

هناك أشياء ملّحة نُسرِع للتعلق بادواتها الناتئة

من أجل كلمة رؤيوية تلهمنا التحول ،

وفي محيط من البلبلة أدركنا متأخرين

أن في كل نفاية

وفي كل زهرة ،

تنثر غيمة الله عطرها وتحنو على المقدس والمدنس .

النشوة ، الطاعة ، الولاء ، نيل الاعتراف في صيانة

اساطيرنا . أشياء لها أهمية كبيرة في الحفاظ على الخلاص .

هل تُسكنّ مخاوفنا فكرة اختراعنا لمتعال واحد في العالم ؟

 

نتجنب في كل عصر عبر تصورات براغماتية

نزعنا الخوف من الفراغات السحيقة للحظة الموت .

 

 

 

 

24

 

 

كلّ شهاب يعبر الفضاء ، نتلمسُ في مدخنته انذارات عن الأسرار المصلصلة

للموتى التي أودعوها عند الذين دفنوهم في المنحدرات المهجورة . شهبٌ كثيرة

تخرّ مستقصية مصائرنا ، وتترصد الغفرانات الفقيرة التي ننتظرها في ليل جرحنا

المتناثر . كلّ قبر نردمه ، يتهيأ في لحظته الجائعة ويقضم أغصان أيام من أحببناهم .

حراشف كثيرة في القبور التي تخلو من الأقنية الصافية للنسيم . أرض النسيان

تتدلى مجعدة فوق الأشجار التي تمرض فيها العصافير في الليل . ما تحت الكواكب

الراشدة للقضبان ، نغلقه ونزوّده بصناديق ضخمة تتمايلُ بين جدرانها السراديب .

 

 

 

 

25

 

 

الهي أعنّي ، تضرعتُ طويلاً بين ضياء الأفلاك الموصلة اليك

ونفضتُ بين الأشجار السم عن حياتي ، وأنصتُّ الى رنين آياتك

الجليلة . راكضاً كانت حياتي تتعاقبُ في آلام تخاط دائماً ، ليستمر

الأنين المحترق بين أجفاني .

الأنهار العراقية

النخيل

الأصائل الواثبة فوق غمام بغداد

الخرافات التي يحنو على سلامتها الأجداد

تنحدر وتصطدم بالظلمة الطويلة لأمراضنا

وشعورنا باليتم وسط محاريث حروبنا الطائفية .

حيواتنا فقاقيع

والماضي اكراهات

يتخفى فيها فجر الهديل

والمعجم المجوّف لصليل أسلحتنا

التي نشحذها في المخالب الشهمة للشرّ .

الهي أعنّي . سأنزع من أعماقي حصيات

الحمق وأنحني على شمسك المتلألئة

وأحنو على التراب والطيور والبشر .

 

 

 

 

26

 

 

منصتاً الى حمّى الساعات وأشعتها التي تطلق الحدائق على ضغائن الانسان ،

أتحسسُ في الجغرافيات السهادية للأشجار التي نسى فيها المرض ميثاقه معي ،

الاشارات اللامرئية لانحطاط الجنس البشري في الخرائب الموحلة للعالم . سعي

خائب بين شروق الشمس وبين الظلمة المتلاشية للحظة الدفن . بلا عطور ولا

نعمة ، ننزع كرامتنا ونمشي الى موتنا حزانى وسط الظلال الفظة للبرد  . ندامات

لا يمكننا أن نجد فيها العزاء ، ولا الجذوة العليلة للأسرار التي نخلّفها مصفوفة

على الألواح العطشى لكوكب الأرض .

 

 

 

 

27

 

 

كم صاعقة نحتاجها لننزع الفقاقيع المريرة والغبار عن توابيت لحظتنا ؟

أشياء كثيرة على وشك أن تنقضّ وتتهدم متراصّة فوق مستقبل البشرية .

التفسخ في العقلانيات المغسولة بالضوضاء والتبجحات ، الزمن الذي يتعرّى

من حواسه ، اللوتس الثقيل المقطّع على حجارة الطريق . الأشياء الفظّة

والهشّة تتسمرّ ضيّقة مثل ابر في المدنية المعاصرة . ظلام يطبق على النَفَس

ويحفر ثقله في نظام النحلة الخالي من اشارة الفرجال . تفنى اللغات في الخلفية

التي يمشي عليها النمل ببطء ، والادخار في حوض السمك ، لا يحقق ما نصبوا

اليه في عفن الحاضر .  أعمالنا المتسلقة نفاية الأنهار ، تتلألأ مفصولة عن كلّ

فعل . لا نزال بحاجة الى الاحتكاك بالصاعقة ، من أجل أن لا يمحى علونا في

الانذارات المنتظمة للمرض . يقودنا اللاتسامح والكلمات الخاطئة الى عثرات

تطرد الفن والعلم وكلّ ارث الماضي . الله يغلق على الحشود البشرية مناخات

عصر جليدي جديد ، تتمرأى في صقيعه الحيوانات المحلوقة ووحشية الفطر السام .

 

 

 

28

 

 

 

يسهرُّ جرح الحبّ في الشواطىء الملحية للزمن

وفي العتبات العالية لأريج مرض العاشق ، تلتف

ضفائر الغياب نائمة في عذوبة الذكرى المرصعة

بالحجارة الكريمة للماضي .

الزمن يعتاد نسيج تحالفاته الطويلة مع

اللحظات الموزونة والغائمة في الانحناءة

المحمومة لظلام الوحدة . الوداد في فوران

ينابيعه ، يرفع رتبته الى الأعلى وتختلط

به الأصوات الحارّة للرغبة المغلفة ببروق

الصيف . التهلل ، النبضات المولهة لوردة المحبوب ،

اللهفات المجمعة بلألائها . لهب مجهول يضربنا

بسهامه المحرّمة ويضمن لنا الطريق ، حيث نعبر

خدعة شكوكنا بغفران عظيم للحظات الهجران .

 

 

 

 

 

29

 

 

تنامين بندوبكِ تحت أضواء قناديل المراكب في جلال وحدتك وأسرارها المعلنة ، وتضيِّق

عليك الذكرى بين القبور المعتمة لليكِ ، الظلال والنجوم . يطرح الحبّ نعمته في غبطة

الأحلام ، ووجهك الحلو القرباني يغطي الشطآن العراقية بجواهر الأمل والقناديل العتيقة .

كل شيء الآن يتغضن فوق اثم سهادكِ ، وتتفتح اللحظة المضطربة للرأفة  بعيداً عن أيامكِ

الأسيرة . لماذا ترزحين يا شفيعتنا الجميلة في الفاقة وفي ضراوة الاستعباد ، وأنتِ المجاهدة

بين الصخرة وبين المرايا المأهولة للغفران والعطور ؟ كنتِ تهبين العالم ازهارات تغيراته

وفراديس غبطته القصوى ، وتكشفين المعمَّى في الأسرار وانعكاس الفولاذ على الأضرحة .

لماذا يستوقفكِ الاثم الآن ؟ تسافرين في ايمانك الذي تحيطه الشوائب ، ويحرس جزركِ العشاق

في زمن التفّاح وهمسته التي تسحب الأمطار الى الينابيع الضامرة في ظهيرة الفجر وبشائرها

التي تتلاشى فوق البروق الندية لصفصاف الحبّ .

 

 

 

30

 

 

بعد الحرب ، قنافذ كثيرة رفعت رؤوسها وصعدت المياه الشاحبة لخرائبنا .

الأسلحة المحطمة بغرقها الذي تنبشه الطيور تحت القناطر ، صامتة

في الريح المضاعفة لشباط ، وحطام من قتلوا يتحرك في اصطدامات

طويلة ، ولا تضفي بحيرات الشمس أيّة أهمية على ملاطفاتنا المنوّمة

لصدى تألمات الجنود ومخاوفهم . غزال الرنّة في لحظة شعورنا بالفقدان

يطبق شفتيه على الحجارة المعشبة التي يتفجر تحتها الميت ، ولا تمحو

جشعه الشظايا السود للسأم . تنتهي الحرب وفي نهايتها تسقط على أسرّتنا .

كراهيات خشنة نتمرأى في ضرورتها ، ونفصل الأقنعة عن ضفاف حياتنا

المغلفة بالفراغ .

 

 

 

 

31

 

 

 

 

أجناس عديدة صعدت معنا في هجراتنا صوب النهاية الأخيرة للكوكب .

كل جنس يعلّق قرابينه على أشجار تمتدُّ من الميلاد الى الموت ، ونقوش

البرد المستذئبة في قواعدنا الخلفية ، تحجب عنّا الأضواء التي نتلوى تحت

مخالبها الراشدة . اشارات صامتة نندمجُ فيها مع الاستغاثات والاكراهات .

غمغمة ربيع يغص فيها القرص الأسود للشمس . الانسان وحده من يتخفّى

تحت الغيمة الرخامية لموته ، يشم غبار صارية ، ويحفر حريته بجليد يأسه .

في عبورنا الطويل للأرض التي فاضت بالآفاق المخنوقة ، اختلط نومنا

في ظهور رتيب مع الجذور في وصولها الى النجوم وفراشتها المتمترسة

على الشواطىء التي تفيض بالنعناع . النظرة المتزنة لصقورنا في الشموع

الصافية للصيف ، تكشف تحولات الثمرة ، والنهاية المرحبة لمصائرنا المحروثة  .

 

 

 

 

 

32

 

 

ساطعٌ مثل مراكب مدعومة بمرايا وقناديل ،

وجه الغريب المحمول على مدائحنا الاخوية ،

ومحبتنا تتنفس في تمضية الآبار لعطلتها .

 نتزاحم في متاهة كبرى من أجل أن نقتلع الأشواك

ليمرّ العابر في علوّ جليل . في كل سلالة ننزل

 بنفسج الطمأنينة على المحراث والجناح ،

وتتجمّع مصائر وتنحني على التماثيل الطاهرة

 لاخوتنا في الصخور المشتعلة للمنفى .

 

 

 

33

 

 

مطر غزير يتدفق على التفككات الطويلة للمقبرة ، ولا قدرة لي على التحكم

برهاب الموتى . طاولاتهم المتلاصقة ترتجف تحتها العقائق ، واشارات

مقطوعة لا فائدة ترتجى منها . امرأة عجوز بلباس شيطاني تسير بين الشواهد

المصفّرة ، وتترك خلفها طوربيدات تكافح ضد التيار . يتلوى الموتى في

أسرّتهم طاردين النوم على مصراعيه ، ويمدد الظلام نحلته الضعيفة . الدبور

الأخضر مديراً وجهه يتبختر  فوق أشجار الذين ماتوا غرقاً في التصلبات

الحارّة للخطيئة . يخفي الصدى المسموم قفازاته بالفتحات . وضعيات غريبة

لأجنحة تطبق بصمتها على الساعات المحقونة للسنوات . المطر وبوصلته يعزفان

عبر احتكاكهما بفضاء العظام ، ما نرثه من الذكرى المتشققة للموتى .

 

 

 

 

34

 

 

ناهضاً من رماد وأقفاص حياتي الهرمة ،

 تواجهني الطائفيات التي يحرك أسلحتها

العراقيون . نحنُ الذين فجّرنا الأبواب في طمأنينة

 السنبلة  . لاظلامنا يتلاشى تحت

تعهدات الله ، ولا أهدافنا يسترّ اباحاتها نوم

 اللاعدالة . تغلق الحياة أورادها بوجوهنا

المكفهرة ، ونتوق دائماً الى الأحلام الغائصة

 بدماء من غدرنا بهم بين المنعطفات

المتكئة على النسيم .

 

 

 

 

35

 

 

 

كل حبّ شرٌّ في شباكه المخضبة بالنظريات المدحوضة . لا وفاق للعشاق

مع القرنفلة النحيلة المتدلية لماهية الحبّ . تستلقي العاشقة واهنة في صمتها

والعاشق يصّفرّ بين برد السنوات ، ولا دفء ينسدلً على أغصان محنته الأكثر

شراسة من النار العظيمة لثمرة الموت . يقول المحب للمحبوب : { حبيبي }

يصدر الحكم ، وتشيخ وتتألم جمرة الحبَ ، وتدبّ فوضى التملك كشجرة

مثقلة بالنجوم تذهب الى المنفى وحيدة . ينبغي أن نجهض رغباتنا في امتلاك

ما نحبه ، وما يموت ، وما يفرّ بسرعة من بين أيدينا . وحده الذئب ، رفيق

العناصر الذي يعضدها في تتويج طويل للضحى ، يتأملُ ثقل أحلامه من دون

خسارة تتلألأ في ندمه .

 

 

 

 

36

 

 

كان حدثاً غريباً ، تخلت البشرية فيه عن حجارة ممالكها المعمّرة وأحرقت

الأشجار . أزمان كثيرة غاصت في الخدر وانصهرت مطأطئة من الأدوية

الوحشية للكراهيات . القنديل السماوي بلحيته الزرقاء ، انزلق برفق على

الرسائل الممحوة للموتى ، وصعقته نعومة الأسرار . هاهم الملوك وعاقبة

شوائبهم المتحدية ، يتخلون عن كل طموح انساني ويندفعون في رحلات

مكشوفة صوب العوارض المبجلة للحرب . الرغبات مطمورة تحت البحيرات

المدخنة للأصيل ، ولأضفاء الرحمة على من ماتو احتراقاً ، وهبت الغابات

ما وراء الطبيعة للخطّافات ، واقتُلعت الشواطىء في شرك طويل يقرّب العطش

للنار وللأرادة والفاجعة العظمى . انطباعات تتشبع بجراثيم تنوّم النهار على

الخليقة .

 

 

 

 

37

 

 

عوامل كثيرة تجبرنا على الثقة برجال المدفعية ، وننام باطمئنان أسفل

شجرة القيامة . أصوات القذائف تجزّ صوف الأفق ، وأطفالنا يمرحون

مع الماشية في الكارثة الجهنمية للحقول . كل شهقة تجريبية نشهقها ،

يطير فيها نشيجنا في سيبيريا الفك الأعلى للأثم . الخزانة الممدودة باتجاه

الملح الذي نحتفظ به لنقتات على ثماره المغبشة ، نسميها اخلاصاً للتعريف ،

استعادة القتلى . أطفالنا يهدمون أبنية مستقبلهم في ثقب الابرة ، ويمشون

بأقدام حافية الى الزلات التحتية للحرب .

 

 

 

 

 

 

 

38

 

 

العناية بالأغصان المتحركة للنجوم تحت نسيم المعاهدات الحارقة ، تشجعنا على

التقدم أكثر صوب الرغبات وقريناتها . كل انسان يحتاج الى انصات تنتصب فيه

تلافيف معيّنة ، من أجل ارواء المصباح في الانفجارات . ساعاتنا التراجيدية

التي تتوسع ما بين قبضاتها الموازنات ، لا نجروء على النوم في عدالتها المغرضة ،

وتتعطل بين المجموعات الغريبة التي تقود أحلامنا عبر تحضير طويل ، كل نعمة

نحوم حولها . في ردّ الجواب ، ينزلق الظل الداكن على أرض لهفتنا اللامأهولة ،

وننسى في هوادة العزاءات رغباتنا الورعة . في دعمنا للتقوى ، نعاني صعوبات

في التقاط حصى الحقيقة .

 

 

 

 

39

 

 

عرفتهم بين ظلال الوطن ، وعرفتهم في ظلام المنفى

يحفرون هاوية غليظة في أحلامي ، ويوسدونني تكوينات

مضطربة الاسلوب ، ويذهبون متكئين على الحشرات .

في تجنبي للترددات الطويلة ، أقفز عبر جدران تهتزّ في

ضراوة البركان . المجهولون والذين أعرفهم ، والذين

غرقت حياتي ونمتُ معهم في الأرضيات المحفرّة للوطن

يتقاطرون في تنويم مغناطيسي ، وينسون سياسة المداعبات .

لماذا يجفلون حين يغدرون باوكسجين الكتابة ؟ حيواتهم العجلى

تتضررّ من جرّاء ركضهم خلف اللصوص أصحاب التيجان .

لانارة قصيدة ، ينبغي للعندليب أن يتجرد من الحمق ، ويحنو

على النغمات في عزلته عن مرحاض السلطة الذي تتبادل

فيه الجيّف والعفونات المتعرقة للعطايا الحقيرة .

 

 

 

40

 

 

خارجاً من الايقاظة المعذبة لقوس قزح ماضييّ ، تجرفني سيول الجثث

المتنزهة ما بين الليل والنهار .  كل ذكرى عن الألم ، تتوهجُ تحت الحمّالات

الحائلة للزمن مثل حباحب تسهر في غابة الجروح . نظام للايمان لا يمكننا

أن نسترد في كارثته سهاد الأرض التي انغلقت علينا في دفء الصمت

ومرآته المضطربة . تشظيات صيف وشوائب كنّا فيها شهوداً على الامتثالات

الصامتة لخلايا نحل الموت . تهدمات ضخمة في الجروف التي أطبقت علينا

وكنّا نموت بثبات في التعفنات التي تغطيها الندامات . النسيج الحرباوي لجحيم

السلطة ، تمزق في تألمات أرخينا عليها اختراعاتنا السامية في تشيّيد الضرائح .

 

 

 

 

 

41

 

 

ما أحتاجه الآن وأنا أتوسد عشب الضفاف المتصدعة لماضي حياتي ،

كوّة تنفتح على الطوفان العقيقي للحظة . أشياء كثيرة عبرتها وتغلغلت

في الطحالب الضحلة لصمتي . في الحقول التي تدربت فيها على موتي

خانتني الطبيعة وانغلق عليّ ليل البذور . ماذا تبغي من جروحي حجارة

الصلوات ، وأنفاس الذين دفنتهم بالواح النجوم ، تومىء لي في الحفاوة

الجليلة لتقدمي في السنّ ؟ هل يتوجب عليّ أن أقيس الأعماق الداكنة

لألمي بالمقصَّات العمياء ، لكي أصعد صوب الخلاء المتخثرّ للمستقبل ؟

كل طائر أطلقته في شبابي ، سدّت عليه الظلمة الجوّ وأنزلته الى الشراع

الممزّق لفراغ حياتي المنطفئة .

 

 

 

 

42

 

 

كثيرون عرفتهم يافعاً وعقدتُ معهم مواثيق جليلة . تغيّر الزمان وتفكّكت ذرى

الأشجار المحمومة للطفولة ، وهؤلاء الذين صعدتُ معهم المرض والعافية

والسنوات الهذيانية للحروب ، لم يتغيّروا ولن يتغيّروا . متعبون من ارث

الشارع ، ومن النوم في انحطاطاتهم الشائخة . ما تزال حيواتهم على الرغم من

كهولتهم ، تمشي في تسطيح طويل للفن وقداسته . أحدهم أضاع الأسلوب في

سيره الى جانب الأكواخ باوروبا ، ولم يتمكن من قيادة السيارة أو ركوب غيمة .

سنوات كثيرة وسط الأبنية العالية والأجناس واللغات المختلفة ، ولم ينزع عنه

ستراتيجية الخوف من الأشباح { هل خلت اوروبا من النساء ؟ } ما يحمله في

عقله وفي أعماقه ، غيلان فولكلور تتشيأُ قبضات عملاقة وتنخفض فوق رأسه .

هؤلاء الذين عرفتهم في آب الطفولة ، أضاعوا الفوانيس في الغوّاصات واندفنت

كراهيتهم للعالم في رماد أفكارهم وعاداتهم الشعبية .

 

 

 

 

 

43

 

 

بردت انخيدوانا في احتضار جدائلها المحمّرة ، بردت في الشجرة التي هجرها

العشّاق ، وتصدعت مرآتها في نوافذ الأيام المحبطة . زمنها الرث نعاه الحمام

الى الغياب ، وتلاشى الشؤم فوق أهدابها المقرونة بصقيع السراج . يرفض الحبَ

الاستعادة الهادئة للحظة ، ويطير سهمه دائماً عبر الطرق البيض للهب . صلاحيات

كثيرة يمنحها ربيعه للعاشق ، ويطير الزعرور البري لذكرى ألمه في جمرة الوجدان .

كل نظرة الى الخلف تمزق الصرخة العليلة للايمان في ميزان الاعتدال ، وتحولنا

الظلال العذبة لما لا قدرة لنا على الامسالك به ، الى أوراد عباد الشمس في التعذيب

وساعاته المتبصرّة .

 

 

 

 

44

 

 

 

يتحدثون عن كارثة احتجز نهايتها في الآبار ، ويشون بيّ الى ممرضات مشفى

الشمس . أيامي العتيقة تنزلق كالخزف الصيني ، وتفرّ من بين يديّ الساعات

والبيوت . في بلاد الجلادين ، ضربتني صاعقة وتفتّح لي بركان . حياتي الهرمة

متواطئة مع قوارب الموتى ، ولا اشارة تحرّك أشجار الجزر التي تسيّجني بمرارة .

أريد صوّاناً أعبر فيه الآفاق الجحيمية لماضييّ ، وأخلّص الآبار من عفن الشائعات .

الكراهيات تتلفع بجلود مدافع ، ولا تستطيع أن تدمرنا بمثاقيلها البدائية . النوم في خلاء

العالم الثالث يجعل الأزهار أكثر شراسة من الجندي في حراسته لطوطم القبيلة .

 

 

 

45

 

 

تغيبين في الفيروز الأسود للزمن ، ونحلة حبّي المعصومة تخترق كواكب السنوات ،

مقتفية أريج الأزهار اللامرئية لوجهكِ الكريم . حاجّاً صوب هيكل جمالكِ الموشوم

بعناقيد الموت والحياة ، أوزع العطايا على المشتاقين الى أنهارالنور . لماذا تعقصين

فجر غفرانكِ بين الظلمة الأسيانة للصمت ؟ نفسي المتعبة وقد أعيتها جبال همالايا

فراقك في التقاطعات المهدمة ، تتلفت في طرقات العالم ، وتنصت الى الاقحوان العليل

لشفاعتكِ الأخيرة . زمن طويل أحكّ في صخوره قناديل صلواتي ، من أجل حماية بذرة

حبّكِ التي تظللها نعمة الله في قفار حياتي .

 

 

 

 

46

 

 

كلّ سلطة أشدّ ترويعاً من المخاوف العذبة للموت ، إلاّ سلطة الحبّ المتحفظة .

نموتُ ونتعفن في توقنا الى الذروة العالية للحياة آلاف المرات ، وفي كلّ مرّة

يوقظنا سهم الحبّ المنغلق على الازهارات المحبوبة لشهب الأبدية . تسترخي

الذكرى طويلاً على الحجارة الناحلة لليل ، ويمنحنا فيضها المناقب المتقزحة

للأغنية الظمآنة للحبيب . نحضنه ، نعانقه في التضجرات المفسوخة ، والنجوم

تتعرج مهفهفة وتنثر الأرض في مغالق حجارتها الكريمة السمسم للطاووس .

ما أجمل نسيم طيران الغرانيق على نوم العاشق والعاشقة ، ما أكثر البذار في

ضفاف السرير . كحل العاشقة ثمار لكوكب الزُهرة ، والايماءات حطب ُ يتوق

الى النار .

 

 

 

 

 

47

 

 

تنصتين محبوسة في زمن شبابكِ ، تحاولين الامساك بطيور النجوم التي لوّثتها

تدفئتكِ للمال وثقل الذهب . أنتِ غدرتِ بالفن ، وتعرفين أنّ قصائدك ِ الغنائية

أضاع نسيمها عشاقكِ الغيلان العجائز ، ولم تعد لكِ أيّة مغالبة ضد الجوع والطغيان .

سنوات طويلة جاهدتُ فيها من أجل أنّ أدلكِ على الأسرار الكبيرة للكلمة في ارث

المستكشفين ، وكتبتُ لكِ : { ابتعدي عن الجسور التي يشيّدها الموتى للوصول الى

ضفاف شبابكِ } وقلتُ لك : { الانقلاب على الحرّية فعل شائن وغير سارّ } . تنصتين

محبوسة الى الطنين المحتضر لمتاعبكِ ، ولا تسمعين إلاّ الصدى البعيد لسعال العجائز .

 

 

 

 

 

 

48

 

 

تتجمّد حيواتنا في الأرض المغلقة والهازئة للشيخوخة ،

ونتصفح تحت تراب أسرّتنا رسائل الضحية .

نكّسرّ أبواب شجرة الليّف ونبحث عن الصنّاجات

التي نسيناها متذكرّين في النبع الصافي .

الماضي والحاضرّ لا يزيحان عن أياّمنا

شعورنا بالتمييز العنصري

وكلّ شيخ منّا لا يبالي أين يفرغ رماد تشظيه .

الرغبة والسعي ضاعا .

ندير وجوهنا ونتبجح في ملاجىء منعزلة .

 

 

 

49

 

 

ما تبعثره الريح خلف خنادق طموحنا ، يرتدّ بقوة ويقوّض

التمائم الواقية لفجرنا المحتضر . لا النسيم يتمددّ فوق

شواطئنا ، ولا الربيع يطرح آلاته المجلجلة على قناديل

رحلاتنا الضنينة الى المدارات المهتزّة للعالم .

القانون في اضمحلاله العتيق ، لا يوّثق ما نتضجرّ

منه ، ولا يزيح التعديّات المحكمة لما يطيل التحلل

في قبور أسلافنا الذين احتفظوا بالاجهاضات المحمّلة

بكلّ ما يوصد الباب أمام سعينا في الوصول الى المرآة

الزرقاء لما وراء الوجود . ظهيرتنا المستندة على قداسة

ظلمتها ، تلهث في نهاية منتنّة . أحلامنا تتغطى بالطحالب

وأنهارنا تتطاير في صمغها الأفاعي والحشرات المهرطقة .

 

 

 

 

 

50

 

 

حياة صعبة تقترب من الملامسة المريرة للكارثة

تصبح النجمة مثل رحلة تغيب عنها الملائكة والعصافير .

كثيرون يريدون العبور الآمن في تحركاتهم الهشّة التي

يهزّها الهواء فوق وميض الحدائق ، والمسافر لا ينسى

الفانوس في الغيوم المتكوّمة للضجر . تسوّد حياتنا من

خلال الوزن اللامغسول للرتابة ، ولا نكافح ما يلوّث المرايا

وما يشكّل التقوى الزائفة لتبجحاتنا اليائسة في مجاورة الحياة

الغاشمة . زوجتي التي أضاعت بمكرها مفاتيح تنفساتها ، تصرّ

على الطلاق ومغادرة البيت . ملامح الغضب في وجهها كثيرة

ومن الصعب اعادة تركيب اطر الماضي والمستقبل معها .

هل يتعلّق الأمر في عدم قدرتها على احتمال الثقل معي ؟

غداً حين ينتهي كلّ شيء ، وتجذف وحيدة في مياه انعتاقها

بعيداً عن البيت ، ستحاول النوم بصعوبة في ليلها الجيولوجي

ولا يسقط فوق مراياها المختومة نور نجمة . بعض الزوجات

الفاضلات ، لا يتلمسن العذر للسادة أزواجهن ، وزوجتي تتردّد

دائماً في المغفرة ، وتخفي رأسها في الظلمة المتعصبة للتناقضات ،

تكرّس يومها لمراقبة الأسرار والانصات الى ما يقوله الموتى في

نسيم الحجارة المسودّة ، وتعوّض الضغوط التي تتعرض لها

بتدمير جذور زيزفون حياتي . مداعبات أثقل من صخرة سيزيف ،

لكن حياتي الدائخة لا تكفّ عن اللمعان بين صفوف شتلات البصل .

ما يرهقني ، أوسده أعشاب اجابة مقتضبة ، وأواصل السيرّ مشبعاً

بذاكرة ناجحة .

 

 

 

 

51

 

 

 

منصتاً الى الجرح الثقيل في الحكاية ، أزيح الرماد عن ماضي حياتي .

مواثيق كثيرة تتم التغطية عليها وتُنتهك الوعود ، ولا مراكب للابحار

في ليلنا الذي هدمّت شواطئه الحروب . عبادات طويلة وشعائر خافتة

قدّمتها الى آلهة كثيرة ، ولم يحط فوق شجرة يأسي طائر واحد من الايمان .

الصيف الذي أودّعه بصدى لاتجيبه حجارة موتي ، يتلوى في جريمته ولا

يمحني فرصة التنزه مع الوقواق . كلّ التلال التي عبرتها في شبابي ، تغطّت

آفاقها بضمادات ضخمة تحت الحطام المضبّب للماضي ، والشمس لا تعينني

على انارة الرواق الأخير للسأم . ما أريده الآن وأنا أحاول تضميد جروح

حياتي ، لحظة صمت أجهد فيها القنديل المحطم لنفسي المترنحة فوق الأنقاض .

الأيمان بالمعجزة يختطف مني العلامة الخضراء للتنفسات ، وكل ما أدخرته

في الماضي ينزلق بوهن الى الأسفل ويسيل فوق الخرائب القديمة لأفق حياتي .

 

 

 

 

52

 

 

أصوات الصيف في أرض الماضي الهادئة ، أكثر وضوحاً من المناجاة

العليلة للميّت في صعوده العتبة السوداء لمرايا قبره . ظلال نعمة نفتقدها

أعمق من الثمرة التي يثقبها سهم الصيّاد في تحايله على القانون ، لكننا

نجرجر جدائل محنتنا الطويلة في الليل من دون مؤاساة . الدموع التي

 صلّيناها بمحاذاة حجارة العالم على القتلى ، تتهجى حشرجاتنا في الفراغ

الذي يحيط أنفاق حيواتنا الداكنة . كلّ مانعوّل عليه في سعينا صوب اللحظة

الفارغة لموتنا ، فحم متصدع في مناجم هزيلة ، يضيّق عليها النحل ظلالها

المكشوطة والرواقات . لماذا كان موتنا في أرض الأنهار أكّالاً ومن دون

غفران نتورط في غمامه المحمّى بقصف أسلحة جافّة ؟ دويّ عاصف ينتصب

في الخطوات البطيئة لتحركاتنا بين الضفاف وحجارتها المعتمة ، وتيقظات

موتنا لا تمنحنا السلوى الانسانية . رحلات كافحنا بين ظلالها السود الأرض

التي تتخمّر بعجائب اليتم ، ولا تنخفض سمواتها على اللحظة الأخيرة لاحتضار

الغوّاص . كل قتلانا الأجلاء يطغى على وجوههم الكريمة الورد الأزرق للفردوس

والذكرى المتنهدة ، وجروحهم الهامسة في تلألئها لا تطهرها شمس الله في

التهشمات المديدة للزمان .

 

 

 

 

53

 

 

 

ليل حرب مصفّح ، يردم ينبوع حياتي في الأفياء العليلة

وبين التحولات المتعددة لرماد أيامي المتصلبة في الفِناءات

العالية للحصاد . كيف أتقدمُ في حمّى الظلمة صوب موتي

وفضة حبّكِ يخفيها الغياب الجاثي على نفسه في الايكة

المتهدمة للزمن ؟ سنبلتكِ التي انتظرتها لتقاسمني عصمة

الصمت في نهر محنتي الجاف ، تمحوها وعودك المختنقة .

حجارة ليلي تخلو من المذنبات والمرايا ، وفي فجر قبركِ

بنفسج كثير يصرعني برأفته الموشمة بالفراغ . ضباب

يندفع ويحيط بالقنديل الأسود لأغنيتي ، ولا ملاك في صيدلية

النهار . للثمار البرّية في جبيني لون وطعم المعطي ، وضفاف

الحبّ توطد انارتها للعشاق والمنتحرين ،  وتثقل الأبواب بأشجار

رمّان تشتعل في كواكب القرون . لا يطلب الحبّ شفاعة في

تسلطه ومعه الجمرة المتضررة ، والظلال لا تطرد العصافير

في نومها المتلألىء . ينبوع عقرب الساعة العشقية يضيء

في صلاته وجوه الموتى في الاياب . مراكب ثقيلة يلجأها

الاعصار للرسو في نومي المرهق ، ولا اشارة عريقة من

غفرانكِ المتمدد في أصائله الرطبة . صوتكِ المشنوق والمعفّر

بالألغاز المسوّدة ، تسيل منه الجثث سيل الخلاء في الغابة

الموطوءة . يزعزع النسيم عطر الظهيرة ، ويبعد الفراشات

عن الطيران في صيف شواطئك المخربة . لهفة لا تنتهي ،

وفي كل متاهة فكرة مجدولة من نضوج ثمرتك الوسنانة .

 

 

 

 

 

 

 

54

 

 

أشجار السنوات التي مرّرنا بها في الماضي ، تتعرّف في تململاتها المرتعشة

على أنهار الصيف ، الى جدائل موتنا المتجمدة في تصدعاتها الطويلة . نجوم

كثيرة تتعطّل في مسيرها من أجل مؤاساتنا ، لكننا لا نبالي ونحن نغوص في

الاعياء صوب الشفرة الحادّة للهاوية . براثن ضخمة تتلمسنا ونحن نضطجع

في الضفاف المهجورة للعالم ، لا علامة تدّلنا على الوميض الحيّ للنهار ، ولا

ينابيع يصرع ثمارها عطشنا الى الظهيرة الحائرة لفجر الصيف . نحن البشر

الفانين والمنعزلين في متاهات عدوّة ، سال منّا ملح كثير ونحن نحرث أرض

ظلمتنا وندفع عنها النسيم الجاف للطوفانات . نحيا حيوات مضطربة يلفها الرماد

والديدان المخيفة ، وأحلامنا المتصدعة والمتآكلة ، تسيّجها المروج المسودّة للحظة

موتنا ، ولا صلاة تعيننا على انارة القنديل المتهدم في تقدمنا الى الشواطىء السود 

للفناء .

 

 

 

 

55

 

 

 

البركان خامد الآن . تحذيرات كثيرة تطوقني ولا صدى يعينني على الوصول

الى شواطىء شفاعتكِ المرجوّة . شعور باللاجدوى يدخنّ في أغصان حياتي

ويأس عميق يصلصل في ما أغلقه وما أوسده حجارة الضفاف البعيدة . مرأى

البركان في الليل يمنحني معرفة أكيدة في الابحار الى الجزر المتناثرة التي

تتصادم فيها سنوات غيابكِ عن الأحلام . هل كانت حياتي بانتظار الأمطار

المنعشة لشفاعتكِ ، مجرد مدينة متهدمة تملأها الرمال والحشائش المتغضنة ؟

أمام البركان الشقيق ، أعدّ أغصان حياتي وأشرب من منهلكِ الملوث بالاكراهات .

لا موتكِ يقاسمني ثمار العافية ، ولا عناقكِ يحكم عليّ بالنسيان . كلانا يحيا في

هاوية انطمرت فيها النجوم وحجارة الغفران .

 

 

 

 

 

56

 

 

تصعب علينا ونحن نفتح النوافذ المضببة في الأصائل ، قراءة الرسائل التي خلّفها

لنا الموتى في موعظتهم الأخيرة . أصوات أحلام تتكىء بثقلها على حجارة نومنا

وتطفىء القنديل المتجول للنائم في التعفنات . لا قوّة تسندنا في تعثرنا بين النعوش

المنتصبة في الأحلام ، ولا طمأنينة تزن مراكبها في الأصيل الأخضر للغياب .

يتوحد الانسان في غبار مخاوفه للحظة قانون تعفنه ، وتدويّ في ماضي حياته

يراعات أعماله المضيئة في الظلال المظلمة لسعيه الخائب . أيّ حطام ، وأيّة

حجارة سوداء ستحاذي ما حاولنا صيانته والسهر عليه من الفناء والنسيان ؟

نراوغ في ايماننا الليل والنهار ، والموت والولادة ، ولا تحمينا قرابيننا من السقوط

في الهاوية . غطرستنا تتشبث بعبوديتها ولا تنبىء إلاّ بتوثبنا للسقوط في الأمراض

المحيقة بأشجارنا التي تعصف فوقها النسمة الجافة للفناء .

 

 

 

 

57

 

 

 

أشجارنا المحملّة بالساعات ، تنصت متلهفة الى النشيج الطويل في شموعنا

التي نرفعها الى الصيف ونجومه الطنّانة . نغمض عيوننا أمام عطش المرايا

ونقدم شهادات لتسلية المتوحدين في آبارهم المعاقة والتي تضمّد الإسماع .

الريح تبحر صوب بلدان مفلسة ، ونحن نحتاج مهارة التلصص لنحرث ضفاف

من أضاعوا بين مخالب الزمن مراكبهم في الرهونات . الاحساس بالنهاية يحتّم

علينا أن نرفق بالظلام والفراغات ، وننقاد بحذر صوب المجهول وهو يمهد لنا

الفانوس المتهدج لضباب الشيخوخة . نهايات مقطوعة تضطجع في ذهن المغامر

ولا خطط عنده للمسافة بين شجرة التفاح ، وبين الخطيئة التي يحاول أن يفتديها

بخلوده .

 

 

 

 

58

 

 

 

للمتعصبين أغلالهم العميقة والمنعزلة ، تطوّق في التقاليد الألم الرصين للحركة

في الطبيعة . فكرة ظليلة في الحقل ، تنبىء عن خسارتنا لأسهمنا وماشيتنا اليائسة

ونحن ليس لنا إلاّ ازاحة الله عن طرقنا الانسانية الأسيانة . تسيّج الغفران عادات

مريبة ، وطموحنا يتصارع في استلابه مع اللحظة الحتمية لاحساسنا بثقل الرغبة .

كل الذين لا يغبطون النبضات الحيّة للعالم ، ينسون أسرارهم الظاهرة في نفايات

الماوراء . الحشائش الواهنة في شواطىء الراديكاليين ، يغلفها السكون وتخلو

من الجمرة المتملكة للكينونة . نبرات خلاّقة ننصت اليها في الأعماق ، تدعونا الى

اعادة صياغة أغصان حواسنا في كل حين . التجمدات شيّم الكائنات التي يعوزها السمو ّ .

 

 

59

 

 

 

المنتحرون خلف أبواب الآبار يسمّون أشباحهم ويغوصون في نسيم النجاة .

خواء كثير يتسلل بحذر بين التغريدات الصدّاحة للنجوم فوق الأشجار .

يلزمنا السير بحذر فوق ظلال الأبنية التي شيّدها أجدادنا وهم يحلمون

بالنشور . أجنحة الغيوم تتكسر فوق حقول قمحنا وتحطم القناطر . أصداء

تجريدية لشرانق مرضى نتجاوب معها ونركن صلاتنا في جحور الخنافس .

أنهار طويلة تتباطأ في نومها ، سكبناها في المناجم ولم نفلح في الحصول

على أبجدية تعيننا على ردم الهاوية المنقلبة بيننا وبين ثغاء الصخور . حلم

كل انسان أن يراوغ ميزان موته في الظلال السفلى للهباء ، وغزلان الرنّة

لها نفس الحلم ، لكنها لا تستطيع العبور من مخرج الطوارىء الذي يلغمّه

الصيّاد في الجدائل الرهيفة للغابة . نتثاءب في سهادنا الحامي ونرمي القناع

على الصوان العميق للظلمة ، وتغرقنا حرارة السهم الأشدّ وطأة من التلقيح

الأسود للفريسة في بركانها المضمّد . علل صامتة نسينا في أسرارها العثور

على الوميض الزنبقي للبساتين ، وشغلتنا عن موتنا المحاذير .

 

 

 

 

60

 

 

 

ينامون بأحلامهم العتيقة تحت نيران الشواطىء المضيّقة ، ومرضهم العضال يعذبهم

في الأعالي المتلظية للأمواج المتصارعة . مراكب عظيمة انصاعت لزمردات السيف ،

وهم في سهادهم المتضادّ أضاعوا الملامح الحادّة لرعشة الماضي في شفق المنفى . لا

يعلو المنفي على ركيزة ماضيه ، ولا السنوات المشدودة الى شراع قبره ، تبرق في أمله

الخشن . كل بلاد خاوية من الرحابة النقية ، والميتة المتجلدة للغريب تحت الأفق الكالح

لهزيمته ، لقية فقيرة بين خرائب تتداعى في الطوفان . تحطمات كبيرة تمزق أشلاء

التائهين في المضائق المطمئنة للعالم ، ولا باب نسمة يتجلى فيه العطر بلهاثه الصديق .

تطير عند كل شاطىء الملائكة والوعود ، إلاّ شاطىء المنفي . ملح ليل لا يقاس وتراب

يائس من الأمطار ومصارفها المغلقة . أيام سجن مهلكة لا تنوّرها النجوم في القوارير

ولا الذهب في صناديقه الكبيرة فوق الأشجار ونهودها المنحدرة صوب أحواض الينابيع .

 

 

 

 

61

 

 

 

يلزمنا في سهادنا المتعثر بين الأنقاض المتخمة ، حفر نجوم في انشادنا المرير ، والتخلي

عن الاشارات الغامضة للمحاربين وعن تصدعات أسلحتهم في الظهيرة . ما نؤمنه قطافنا

وحجارة موتنا الصلدة ، يغفو في أول برق تغسله الريح ، والميتة الوشيكة لحمامة الطوفان ،

تتعرج في مشيتها باتجاه الكوكب الذي يعافه الصيف . شامة كبيرة من الفضة فوق جبين

الشجرة ، تحدق في جلال القمر وتدلنا على السلّم المظلم للساعة المتذبذبة . كينونة تصدح

في زرقتها ، وأصائل متراصّة تتغلغل في سنبلة الوجود .

 

 

 

62

 

 

 

سلالتنا براياتها المتباينة والمنتصبة فوق الجذوع المبعثرة للمنفى ،

تبدّل النجوم المضمومة للقتلى ، وترخي البريق الغطّاس على دم

القرابين المنذورة الى آلهتها . حروب كثيرة تورطنا في شواطئها

 المحظورة ولم يغرّد في النسيم الغائم لأرضنا العندليب ، لكن شرّاح

مأساتنا يزيّنون بأسلحتهم المغمورة في بحيرات العنف ، عذوبة محنتنا

والحجارة الشائخة لأطفالنا الذين ولدوا في المسالك العاصية لأحلامنا

في الشتات . شهب مزدوجة لا تنضب ، مشينا على ضفافها وحطّمنا

الصعود الى المجاعات . كل تطواف أضعنا فيه الاشارة الالهية للينابيع ،

انغلق على أسراره وولدت فيه نجمة ، وخيامنا التي يتمرأى فيها القمر

، تنثر صمتها على الثمار المقطوفة وعلى العوارض المتلألئة لليل .

 

 

 

 

 

63

 

 

 

وحيداً تحت الغيمة المتشظية للماضي ، تغوص جروح كثيرة آلمتني في الغبار

الضنين للحروب التي غدرت بيّ وهدّمت المأوى . عصيان طويل للغيلان ولا ينتزع

سهام ذنوبها الله والشيطان . نحل أزرق يحك ذهبه في الظلال الصامتى لعزلتي

ويديم نشاطه فوق الأشجار المحصنة للصمت ، ولا اشارة لمجيء الزمرد المجنون

في سهره بين النجوم الحانية على القتلى . لحظة فائقة الشفقة نغمض فيها الكراهية ،

ويعذبنا صعودنا الى الشاطىء المجهول للماهيات . تسليات عنيفة أضعنا فيها أهدافنا

ونسينا ترميم الهدنة الطويلة للمصابيح في محنة صلاتنا . نتعثر بين الجمادات ،

 ويضيع منّا الفضاء الأخضر للزمن ، وكلّ مكان نمتلكه تحت التوهجات الشديدة

للبركان ، نخسر الرهان في الحفاظ على فراديسه . يلزمنا اغلاق ممرّات الأحلام

في ليل السفينة ، والانحدار مع القبور صوب الأرض المحبوبة والمعشوشبة بالشمس

والمناجل . طيورنا بعيدة ، تتغطى بالضباب الذي يهدم الجسور ، ولا رسالة ننتظرها

يأتي بها النداء المحترق للشهب . نرقد بتوازن في الأسرّة المتأرجحة لصخور الجزر .

 

 

 

64

 

 

 

تبحرُّ مراكب السنوات في الأصداء المنهكة لحياتنا ، وخرائب الأحلام المحتفظة

بأقنعتها الحائلة ، لا ترخي صيفها على أرض المنعزلين . شواطىء مسمومة تطيل

خطيئتها وتلامس الأغصان اللامرئية لحواسنا الصامتة . كل طائر نستنشق هجرته

بالاعتماد على خبراتنا في التعزيات المعهودة لمغلفات الخريف ، يدلّ الآلهة على

التصدعات العميقة في قرابيننا وايماننا . لحظات مذهولة نقاسمها تنفساتنا للفناء ،

ونغيب تحت الحجارة المتقوسة للغياب . يرزح الفاني في علوّه أكثر ظلمة من النقود

الفوسفورية للملائكة ، وتعوزه العلامة الجافة للأفياء . حجارة ميراثنا المجدولة في

الأشجار المصفرّة للقرون ، تقوّض الكلمات المحقونة بالغفران وتزيح العصمة عن

ليلنا المثقل بغرقى أنهاره متصدعة الضفاف .

 

 

 

 

 

65

 

 

 

يضيّع المتردّد في الاعصار الجميل لفجر الحبّ ،

 بريق النجوم على طرق الغدران ،

ويفسح للأعشاب الضارّة أن تخدّر مرآة حياته المتكسرة .

 كلّ تردّد في الامساك بعلامة

الحبّ المقرونة بالموت ، منطقة هدم أبنيتها جيش عدوّ ،

 ولا ينعم الربيع فيها بقيلولة

الملاك . كلّ منّا يتوق الى الانعتاق من الآلات

الحادّة للفراغ ، ومن التحركات المهمومة

للماضي وحجارته المنخفضة في الصدمة القوّية للابادة ،

 لكن الكثير منّا يتأخر في اللحاق

بالعقيق الأزرق للطوفان . المتردّدون في الحبّ ،

 تعوزهم التدفقات الحيّة للينابيع الحانية

على الوجود ، وينعزلون تحت الصوّان

 الأسود لاضمحلالاتهم التي يحركها العفن .

 

 

 

 

66

 

 

أعمالنا هائلة في أرض الآباء المصغية الى

غناء الموتى في مقالعهم الموّقرة . ما تنسجه

فتياتنا تحت التصدعات الممضّة للسهاد ، نعلقه

 فوق حجارة انفعالهن الدؤوبة ، ونعتصم من

الكهرمان الأسود للوحشة باعتدال المدارات .

 في الوطن وفي المنفى ، نحاول الحياة بتجلد

ونصاهر ظهيرة الينابيع المغردة للأبدية .

 الطيور هي نفسها في شعاعها واستمالتها للحبور ،

لكن ما يعوزنا في مسيراتنا الطويلة تحت

 الأغصان المتحرقة للغرق ، هو ندى الصلاة في

فجر أرض الآباء . كل الأشجار التي دفنّا فيها

 قتلانا في ليل طموحاتنا الغائمة ، استطالت

وصعدت الى ما لانهاية الواجب ، وأسرارنا

 المنهكة تتحرك عبر الانعطافات المنحنية على

ثمار النجوم التي تحجب عنّا القنديل الظريف للنهار .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كل شيء ينتهي الى حجر وصاعقة

 

 

الى شفيعتي في الحبّ والموت  آنّا اريكسون

 

Till Anna Eriksson

 

 

 

 

 

العتمة . الفناء

 


الراحة والنوم، ما هما إلاّ صورتان منكَ

جون دن، قصيدة " يا موت لا تتباه بنفسك "

 


1

 

 

سنوات طويلة أمضيناها بصحبة { ايبيس } في أنهار فن التنجيم .

لم نعثر على وجه الانسان المتقوض في ضوء الشمس ، ولم

نعثر على سوسنة الرجاء المتفسخة . في الممرّ المنخفض الذي يوصلنا

الى ليل وأبواب بحر الموت . اختفت أصواتنا وتلوّت الأشجار صائتة في

الطريق . كل ما نراه الآن . صراصير تترنح في طيرانها عبر

اللهب الأسود لجهات الأرض المهتزة دائماً . لماذا لحظة الرغبة

مليئة بالاشارات التي تفصل الثمرة عن شجرتها ؟ الحشائش

الجافة التي يجمعها الانسان في الليل ويركنها قرب قفير عسل

حياته . تطيرها الريح المسوّدة والمثقلة بمعطفها عليل الأجفان .

الى أيّ حدّ نبقى نصيخ السمع الى شجرة الزوال المثقلة بالأعطيات ؟

ينبغي لنا أن نتخلص من الظلال الداكنة والمشرئبة لموتنا ، ونرمي

شفرة الصلاة في الأسرار الطنّانة للطبيعة . يحتاج الانسان الى فجر

جديد يتجادل فيه مع الملائكة حول الأدوية والأقراص التي تخفف

الصدمة المسبقة لموته . الى متى نبقى نستعد ونرحب في العناصر

الأكثر ترويعاً في موت الانسان ؟ وحدها مصائرنا التي لم تستنطقها

تماثيل الآلهة . معلقة من دون حصانة في أسفل الشجرة التي تصاهر الجذام .

 

 

 

 

 

2

 

 

حياة كلّ منّا تستمدُ بذرتها من الكلمة التي تنمو في فوضى الماوراء

ودائماً نخفي صمتنا قبل انطلاق المراكب في قناديل الفجر الصافية

ونؤجل رحلتنا الى الينبوع الضامر للحظة الانبعاث . حياة كلّ منّا ضفة

شديدة الانحدار ، لكن احساسنا تحت العوالم الخبيئة للقلق هو ما يمنحنا

بداية جديدة لطقوسنا المتحفظة في عبور اللحظات .  أحلام الانسان تمرّ

كنسمة جافة في الجزر الطحلبية لليله ونهاره ، ويتدفأ موته في التهيجات

المرصعة لحصاد قمح أيامه ، وفي الرنّة المتصلبة لصرخته تحت الجذوع

العتيقة لشجرة العالم . يكتمل البرق وتنتصب في يقظتها أشرعة رغبته في

الوصول الى النيران المفتوحة على الحافة المتلألئة لشواطىء الأمل .

 

 

 

3

 

 

عابراً حمم بركان حياتي . أقيسُ الظلال المشنوقة للوردة في الضغائن

الشائنة للحظة موتي ، ومثل تفككات لا مرئية في الأعماق المتكتمة لجروح

الجنس البشري في ينابيع القرون . تتقدم صرختي بين المرايا التي توّسع المتاهة .

هل لي أن أشهد مآثر الصاعقة المجدولة فوق الصواري العظيمة لأحلام

الانسان النائم ما بين الموت وما بين الميلاد ؟ غاباتنا المتحجرة الآن بلا بروق

ولا صلاة ، وفي بخار تطوافاتنا يتناسل الضجر الطويل لقرابيننا المرفوعة .

كل شيء ينغلق علينا في المياه الآسنة لمرايا آمالنا .

 

 

 

4

 

 

خلاص الحجارة وتمائمها من الفناء ، خلاصنا نحن وخلاص العشبة المستجيبة

لنداءاتنا تحت القلاع الضخمة للخوف وأناشيده المحرمة . هل ينبغي لنا

أن نحضر التاريخ في الانفصالات التي نغريها بالقدوم لصعود الديمومة ،

من أجل أن لا تفلت منّا اللحظة الأخيرة المطبقة على الانسان الميت ؟ كيف يتسنى

لنا أن نتسلل بهدوء من الأفق المعتم للعالم ، صوب أفق آخر أكثر رحمة ورحابة ؟

حيوات تنفست هواء الأرض بالمليارات وغابت . خطّافات مصوّتات .

ديناصورات وحيوانات ثعبانية مالت فيها الرياح العظمى للفناء صوب الهاوية .

كل شيء ينتهي الى حجر وصاعقة . حيوات أخرى قادمة تنتظر عند الجدار

الصريح للصلب . هذه المنظومات التي يسير في فوضى شرائعها العالم . اهانة

لوجود الانسان . ينبغي أن نسقط رهاناتنا الصدئة في بئر النجمة الكبيرة ، ونحيا

في فراديس الأحلام والسطوعات الأثيرية للفكر .

 

 

 

5

 

 

ندفعُ في كل آنٍ مجاذيفنا صوب التدميرات التراجيدية للشيخوخة ، وتتحطم بين

رمال تنفساتنا قناديل الزمان . هل لنا أن نصالح ما بين موتنا وما بين الصخرة

التي تشعشع في مجدها وغبطتها السرمدية على الشواطىء المتكشفة للطبيعة ؟

طائر الطيطوى بشير الكارثة العظيمة وشاهد اللحظة المنحنية على الهاوية .

يصرخ تحت ثقل الرياح الثلجية اللاتطاق فوق رماد مصائرنا وينذرنا : { لا ثمرة

شهاب تباغت ليلنا في الماضي والحاضر والمستقبل ،

ولا ميراث عيد ينوّر شفاهنا المتورمة في انفتاح الرماد على الأغنية المختنقة ،

ولا صلاة تترك ملحها على الرغيف المتعفف لصيفنا قليل الحمولة ، ولا الأنهار

تصبّ في التسليات المتغضنة للحظتنا الراهنة } . علامة بلا شكل تتلمس بانتظام كل

ماهو حيّ في أصواتنا ، وتغرقنا في العتمة اللامتناهية للفناء .

 

 

 

6

 

 

يخاطبُ النفرّي ويتضرع في نار محبته المريضة ، الى فكرة اخترعتها الشعوب

السامية ، من أجل خلاصه المرتجى . هل نحتاج نحنُ الجراد المريض في السل

الى ايمانات وشعائر وأساطير ، أم نحتاج الى الاخوة والحبّ والجنس والطعام

والموسيقى والأحلام والمعرفة ؟

اخترعنا في حيرتنا وضعفنا ولعثمتنا الفادي ، واخترعنا الهادي  .

لا الفادي نوّرت في ليل العالم أضاحيه ، ولا أينعت وردة الرجاء

ولا الهادي رست سفينة نجاته في مرافئنا التي زلزلتها الأعاصير .

حقيقة . حقيقة واحدة يجب أن نتقرب من مصاهرتنا ونتقبلها بمحبة عظيمة .

ما نحن إلاّ حشرات زاحفة تتماثل مع كل المخلوقات في الطبيعة ،

والأجمل والأكثر قداسة منّا ، هي الرخويات ، والطنّانات في خلاياها المستلقية

على العطر اللازوردي  للنذور والأشجار الصاعقية للحياة .

 

 

 

7

 

 

أيها الموت يا خليلي

يا خليلي الذي يكّسر مصابيح وغُصينات حياتي

ويقرع للعدم ندى أجراسي

ويسهر بثقله الجبّار على الأريج الزعفراني لرغباتي وآمالي .

منكَ لا شفيت من ألمي العضال

ولا دوّيداتكَ الذئبية التي ستجيء

تحنوّ على فضة جثماني وخزامى أنفاسي .

 

 

الشواطىء المهدمة للزمن

 

 

 

يحفزنا القلق من تهشم المرايا الصدئة لمصائرنا، على أن نتنفس

في كل حين، النسمة التي لا حدّ لها، وبيوض جروحنا تتغطى

بعفافها فوق أعلى شجرة صفصاف الذاكرة .

لا ملجأ لنا في ليل الحاضر

ولا علامة في القرابين المحتضرة للريح .

تتعفنُ قرابين أعيادنا في أنهار بلا أجنحة

ويمرّ الزمان حاملاً جذوره المفسدة ، ويتسلق الزجاج المظلم

لسنوات حصادنا في أرض الرماد .

أيّة علامة منكّسة تحجبنا عن النار الوردية للمطلق ؟

- صحراء الموت والميلاد التي توازي الينابيع المسلحة للحياة .

لماذا نخلط في قطفنا للثمار بحقول محنتنا الفقيرة ، بين الخير والشرّ

وفي وعينا لموتنا تضيع منّا اللحظات

وتنسدلُ مصائرنا على الظلال المغلقة للهاوية التي لا ضفة لها

في الحلم أو في الغياب .

ليل انتظارنا في خريف الجرح ، يمتد كهجرة طيور في شواطىء

قاحلة، وفي تضرعاتنا الى آلهتنا تحت سماء رغيف المنفى

نعاود الخديعة في كل لحظة سأم، وفي الظلمة الجنائزية لمفاوضة

المرتجى ، نبحث عن الأنين الطويل لعلّة وجودنا المثقلة بالغياب

وتتشابه في أحلامنا أضواء القناديل والحدود الشرعية للظلام .

لماذا تصمت قبل الارتواء تنفسات مواثيقنا في الانخطافات التي تدمرّ

العالم ووحدته الكلية ؟

لهفاتنا ثمار متعفنة على الشواطىء المهدمة للزمن

تنخرها الدويبات اللزجة للّحظات المهمومة بعدالة زوالها .

 

 

 

 

 

النوم الأبدي

 

 

 

في الرواسب المتصدعة للفكرة

في التنفسات البطيئة للعدد

تخترق نظرة الانسان النور، وتبعثر الأنقاض العالية لفراغ حياته .

آلهته الميتة تحلم في قبورها

وتطوي أسرار صمتها .

لا زمنها يمتلىء

ولا امتدادات رحمتها تتشكل في الظلمة العارية للأبدية .

في اقتراباتنا البطولية صوب السقطة في لحظاتنا المتشابهة

نتابع صراعنا مع الغبطات المرعبة للموت ، والحانية على

المكان اللامسكون لثمرة الميلاد .

يضيء لنا العصف الشطآن والهياكل السرّية للزمن

لكننا نأملُ في حياة طويلة من دون أن نعرف الطريق

ولا ظلال الماضي

أو هنيهة الأمل .

لا مجد لنا إلاّ بالاندفاع العظيم صوب الصمت وثمرته، الحشرجة .

أسرارنا مضاءة بايمانات عابرة ، واللحظة تفصلنا عن العدم الجميل

لعتبة الالوهة . في اللامرئي تعجز نظراتنا العتيقة عن الامساك بحرارة

الوعد، وعطر الصيرورة . نتحمل ثقل الغياب تحت أضواء النجوم في

السرابات الكبيرة لآمالنا ، ونتحمل الصخور الضخمة للصمت، لكننا نضيّع

صرخاتنا في الأعماق الشاطئية للفراغ .

أيّة أسرار تقود في الخريف كينوناتنا الى اللاشيء ؟

هل ينبغي لنا أن نحيا في الزمن من أجل العبور الطويل الى اللامرئي

والى ما لا يسمى ؟

لكن لماذا يتوجب علينا أن نهجر البيت

وأن يدهمنا النوم الأبدي ؟

كل صلاة ، صرخة لا جدوى منها .

نتقدم في أرض المجهول بعناد قوي ، ونحاذي الظلمة المنزلقة للهاوية

لا نذير يدلنا على مرصد، ولا نجمة تدلنا على فجر السنبلة .

ينبغي للانسان أن يفسح المجال دائماً للطوفانات ، حتى تتقدم أعراسها

المجيدة . ما يهمنا الآن هي العلامة الجديدة التي تفتح لنا آفاق العالم

والعتبة الخفية للمادة . زمننا يمرّ ، وأجنحة موتنا تتهاوى في الحمم

الضخمة للعصور . وحدها الشواهد الحادّة للشرّ التي تصعب رؤيتها في

ما وراء أبواب محنة جنسنا المنذور للفناء، هي السيل الذي يتقدم في

مدى ساعات لهفتنا العتيقة . كل ايمان يقربنا من الآلهة، يعجل بموتنا

وكل برهان ، ذكرى باهتة لنشوة يغمرها السراب .

تقبل الضجّة الطقوسية لملح سهراتنا في لحظة الأمل ، ويبهرنا سديمها

المتحرك في الصبّار المعرش في جباهنا . ليلنا تثقله الصخور والجليد

وفي برودة الاحسان

يصعب علينا العثور على أيّ سراج .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الحب . الزمن

 

 

الحبّ نغم عميق في الصخرة العالية للزمان 

والحبّ مرض عضال ، تنعش غدرانه الجليلة النار والطبيعة 

لا يموت ولا يغوص في أجفان النسيان 

وأحلامه المتماثلة والخاشعة لا تنفرد بالنواح

على ذكرى من ماتوا ومن غابوا

مقاصده المتتابعة في تجدداتها ، تشبك أناملها دائماً وتحنو

على جروحنا وعلى النبضات الحيّة للسكون والحركة في الخليقة

تستند انخيدوانا شاحبة على الوردة الأخيرة في حلم موتي ،

 وتعبر برقصها الفلامنكو المتعثر الضفاف الجافّة لليل لهفتي

تحترق في غبطة عريها تنهدات الغابات ، والضفاف المحجّبة بفورات القناديل ،

 والمساء المرصّع برحمة القرب ، يفتح لجبينها شواطىء أبوابه المأهولة بتضجرات

الجمال ، وتدخل العصور كلها بودائعها والانخطافات

يعرّي صمتها شطآن

 البروق ويغطي الزمن بالأغصان المتوسلة

  ذاكرتها شجرة تين تتمرأى بين سقوفها الخطاطيف في أعراسها

وفي تتابع الهجرات . حَملنا لها جمرتنا الغافية في وميض الفضيلة

 وكانت تغرق في التشابهات الفقيرة للمرمر ، عارية الصيف كله

تحت نجمة اللاشيء ، وتتعاطف معها الانصاتات المعذبة للثمرة النعسانة

يحيا الحبّ في زمنه الأزلي عبر الحضور والغياب ،

 وتظل فضة شرارته راسخة في الديمومة وهياكلها المتكئة على رياح الأزل

كل ذكرى حبّ في دالية الزمان ، هي اشارة غرق عتيقة

 لهنيهة نامت في رماد البيت ، وللعاشق ينبوع سرور دائم لا ينتهي ولا يتغير

تغطي قبري في أريج الفجر لبلابة من نسيم العصور

ويركن الليل مذنباته الشراعية فوق الغبار المشؤوم لتهدمات نومي ،

 وتشعشع الرأفة الصديقة في مدخل السنة

كل عصف يسبقه عصف

وكل موت يسبقه موت

وكل يوم يسبقه يوم

وينعطف المستقبل على النحلة المحتضرة للحاضر ،

 وما بين أصداء التويجات المحترقة للحظاته

يذوب فيه ، والعاشق يقطف في كل آنٍ تفحمات برهته ويركنها

على الشمعة الذائبة للماضي ليس للحبّ ابتداء وانتهاء

ولا وجود لزمنه إلاّ في التيهانات المترجرجة والدائمة للعاشق

لكن احساساتنا المنعطفة في الجريان السريع للّحظة

يسرّع النبضات المنقادة وعلاماتها صوب الزوال ،

ويترك رصائع أيامنا تذبل بسرعة في حرائق أدغال الساعات

هل تضمحل حواسنا في الملامسة البغيضة لسنبلة النهار

أم انها الجروح المخرّبة للانزلاقات الرخوة للشيخوخة ؟

حدائق انخيدوانا العقيق

حدائقها العالية العليلة

تَعلمنا ما بين شواطئها أسرار الحركة في المتاهات والعذوبات النقية ،

 وَتعلمنا الفضائل المضحّية للسهر في زنابق الأسرار

هذا الزهد الذي اصطفته الكآبة ، هو زهدنا لانعاش سهادكِ انخيدوانا

هو تضحياتنا بخيوط مصائرنا في ظلال عبّاد شمس الوجود من أجل مجدكِ

وثغاء عطوركِ وضياء أمشاطكِ المبشرة بالربيع

لا نوبخ غموضكِ أيتها السيدة الشفيعة الجميلة ، يا من أضاع ليمون

روحها المروّع وجودها ، وانخطفت وتجمدت في ما وراء العدم

لا نوبخ الخزامى يا حبنا الشراع ، ولا نعانق صفاء الندم . في شقائنا نحتاج الوداعات

من أجل صيانة وجودنا في هذيان العوالم المطبقة على جحيمنا المأتمي

لماذا يسرّع الزمن خطواتكِ كلما تقدمتِ صوب الهاوية ؟

يتلألأ القمر الجنائزي في أنقاض وجهكِ الشاحب

ويتعثر في الأشجار الزرق لظلال صوتكِ المدلهمة

لكن زمنكِ يتحدّ مع الفراغ في الحجارة المنتظرة عند عتبة الزوال

ولا تستطيعين اجتياز التحديدات المنتصبة لهرمكِ مفقوء العينين

سهادنا كله في أعماق ذرّات الرمل المرتعشة  ،

من أجل نهوضكِ من التغضنات الصلبة للماضي .

 

 

 

المحتوى

 

1 – ما يتعجّل الزوال

2 - الاطباق العظيم لظلمة العالم

3 - بين الأشجار الضامرة للعزيز المتوفّى

4 - حطب يتوق الى النار

5 - كل شيء ينتهي الى حجر وصاعقة