Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

قصص قصيرة  جدآ

الوصية

هيثم بهنام بُردى

                                

              الوصية

 

 

سمعت أبي يهتف دهشاً.

- إبراهيم.

- مساء الخير.

وتناهى إلى سمعي صوت خطواتهما الرتيبة، اتجهت نحو باب الغرفة وأطللت من عل نحو جسديهما المغتسلين بضياء القمر، لمحت سيماء وجه عمي، كان تعب السفر المضني يبدو جلياً في عينيه وكأن السهاد قد امتص ضياؤهما أو ربما البكاء المتواصل.

- ولم لبكاء.

همست لنفسي بحيرة، داهمتني رغبة مهمة فاجعة لا أدري لماذا- للتلصص فاستندت بيدي على سياج الطابق العلوي للبيت، سمعت شهقة حبيسة مكتومة تنطلق من حنجرة عمي تسمر على أثرها أبي مصعوقاً وأمسك عمي من كتفيه يهزه.

- إبراهيم؟

- ...

- هل ...؟

أشاح عمي وجهه ونظر إلي، فوجيء بالموقف حين رآني قد أمسيت عيوناً تكبله، كانت عيونه دامعة وثمة ارتجاف خفيف تحت شفتيه القرمزيتين، تماسكت وسألته.

- جدي...؟

وأومأ لي برأسه بحركة يائسة خاطفة، شعرت بالدوار وبوجع في يدي القابضتين على حديد السياج، وكان ثمة خيط رفيع من الدم يتسلل من أصابع يدي اليسرى وهرولت صوب غرفتي...

*          *                  *

شققت طريقي نحو تابوته المسجي على بلاط الممر، ساد صمت مهيب وجوه المحتشدين وطفقوا يتطلعون صوبي بفضول وترقب من ينتظر معجزة أو كارثة. وهم محقون في ذلك، لو وضعوا في أنظارهم مدى تلك العلاقة الصميمية التي كانت تربطنا نحن الاثنين، أنا وجدي، تابعتني العيون وأنا أزيح غطاء التابوت، تبينت وجهه تحت ضياء مصباح الغرفة ساكناً كتمثال... أيمكن أن تصمت كل هذه الحيوات المتقدة الضاجة بالحيوية والعراك في سبيل البقاء والاستمرار..؟ أيمكن أن تخبو وتعدم في لحظة لا مبرر لوجودها إطلاقاً اسمها الموت..؟ حيث يتبدل كل شيء وتنطفيء تلك الجذوة المستعرة في الجسد وتمسي عدماً. كان وجهه هادئاً على غير العادة.. أين ذلك الوجه المليء بالحياة حتى في حوله الثمانين؟ لقد اضمحل وتلاشى وحل مكانه لون باهت بلون الطين، أين ذلك الوجه القاسي الحنون الجاد المرح الغاضب المتشابك بالأحاسيس والانفعالات؟ أين؟

- لقد طال صمته.

وآخر.

- لم يرف له جفن.

وثالث.

- كان يحبه كثيراً.

شعرت أن عليّ أن أفعل شيئاً، حاولت أن أبكي ولكني لم افلح، يجب أن أتصرف، خيل إليّ بأنه ينظر إليّ من تحت أهدابه الناعسة بنظرة صارمة ويهمس لي.

- قبلني يا أسعد.

انحنيت عليه وطبعت على جبينه قبلة لائبة ولكن قصيرة ومضيت كما جئت بصمت والعيون الدهشة تلاحقني.

*          *                  *

خضر مات أخيراً، ما أصعب أن تنال الأماني وما أتفه الآمال التي لا تبنى ولا تتحقق إلا في الرؤوس، أية مفارقة مضحكة يا جدي، بين الأمنيات التي لم تتحقق وبين موتك المزري
-حسب تقديرك- في فراش وثير أمام إبراهيم وأحفادك وليس كما كنت تتأمل في غوابر الأيام مع يوسف وسليمان ويونس وفاضل الذي كان آخر المودعين، لازلت اذكر ذلك اليوم يا جدي، اذكر بقايا غضبك وحزنك وفرحك حين قلت لي:

- اسعد، اسمع صواتاً نسائياً، ما الخطب.

- كنت عازماً ألا أخبرك ولكنك قطعت عليّ صمتي بصوتك الثاقب.

- لم تجبني...؟

ارتبكت، تلعثمت.

- لاشيء يا جدي، لا...

ولكنك اكتشفت ارتباكي فصرخت بوجهي.

- ملعون، أنت تخبئ شيئاً.

وكان لا مناص من إخبارك فقلت بشفاه راجفة.

- فاضل...

رأيت جسدك المتعب يرتعش وعيونك تقدح بوهج غريب ويدك تمتد نحو شفتيك وتهتف بصوت ذبيح.

- كفى، لا تكمل...

كانت عيناك تدوران في محجريهما كالزئبق، ثم بصوت كالوشوشة.

- يرحمه الله.

ثم غمغمت باستياء.

- الواحد لحق بالآخر، ليس كما كانوا يتمنون، مثل يوسف.

توقفت ريثما تستعيد أنفاسك واستطردت بهدوء.

- لم يتبق إلاي.

وحتى أنت يا جدي لحقتهم ولكن ليس كالشجرة مثل يوسف.

*          *                  *

- يا بني، إن كل الناس وبكافة أجناسهم يولدون عراة، لا أحد ولد وعليه كسوة، السلطان عبد الحميد ولد وهو عار، يوسف كذلك، لا مفاضلة عند ربنا بين إنسان وآخر.

قلت له وأنا ألقي عليه نظرة بها خبث.

- جدي، أراك تكثر في ذكر يوسف، لم هذا الحب اللامتناهي له؟

تألقت عيناه بومض صاعق ومسح أرجاء دار جدي- الكبيرة والذي لم يبق منها سوى الكوخ الأيل للتداعي وبقايا تنور وبضع أطلال طينية، وتمتم.

- انظر الى هذا الكوخ، إن به كافة أسرار العلاقة التي كانت تربط بيننا، لقد دونتها جميعاً وبأدق تفاصيلها وأودعتها الصندوق الخشبي..

سألته باهتمام.

- ومن أين تعلمت الكتابة؟

- لقد علمني أبي رحمه الله، كان باشكاتباً في شبابه المبكر في دائرة الولاية بالموصل.

- حدثني عن تلك الأيام.

- سأفعل، ولكن ليس الآن.

- متى إذن..؟

- في المساء.

- أوعد هذا؟.

نظر إلي بعتب وقال.

- بالطبع.

- وإن أخلفت.

ماجت قسمات وجهه وهتف.

- خسئت يا ولد.

ورفع عكازته يهم ضربي ابتعدت عنه وأنا أقول ضاحكاً.

- اتفقنا إذن يا جدي.

*          *                  *

الصوات الممطوط يغسل القرية الصافنة ويتسلل إلى أذني كأسطوانة مشروخة، نزلت من غرفتي، كانت ملامح الفجر الأولى تنساب من الشفق الشرقي كطفل يحبو، والديكة تتناوب بالصياح، والرجال والنساء يتوافدون مع الخطوط الفضية الأولى لفجر تشريني جديد، ألقيت نظرة مؤسية نحو الحجرة التي يستلقي في أحشائها ذلك الرجل الذي أحببته منذ نعومة أظفاري حد الهوس، استحضرت في ذهني تلك القامة المديدة المستقيمة العملاقة، العيون السوداء الغلسة، اللحية البيضاء وتلك العنق العتلاء، دفعني هاجس مفاجيء وحميم لاقتحام الغرفة والاستلقاء بجانبه، أوقظه -كالأيام السالفة- لكي يقص حكايا رجال المقلوب والانكليز والخائن حتى يحلقني الى عالمهم المندثر الحي في رأسه، والجميل حد الخيال ويجعلني أعيش دقائق تلك الحياة العصيبة والرائعة أيام انسحاب الأتراك ودخول الشياطين ذوي العيون الزرق، والبيادر، والجبل، ثم ينتابني النعاس فأغفو تحت أقدامه بينما يتابع الحديث بذياك الحماس المتدفق حتى ينتبه فيهز رأسه أسفا وحباً فيدثرني ويخرج إلى الليل والقمر والنجوم ولف السكائر،... صوت ما أيقظني، أرهف سمعي، كان الصوت يقصدني تلفتت أبحث عنه بين القامات الملتحقة بالاحتفال الغجري، ثم انفرزت من بين الأجساد قامة عمي.

- تعال يا أسعد.

وتنحى بي جانباً وقال.

- لك وصية من المرحوم.

هـه همست لنفسي، وصية، أخرج عمي مفتاحاً كبيراً أكله الصدأ من جيب صايته وناولني إياه، قلبته بين أصابعي مأخوذاً، أهذه الوصية..؟ ما معنى هذا؟ لاحظ عمي ارتباكي فخاطبني.

- تريد التفسير

وتذكرت، ولكن عمي استتلى.

- هذا هو أرث جدك، وقد أوصاني وهو يحتضر بأن أسلمه لك.

تأملت المفتاح بدهشة المكتشف الجديد، وثمة هاجس أثيري يرتديني، وعرفت معزتي عند جدي، شعرت بالفخار، طال صمتي وتأملي، بينما استطرد عمي بحزن أسيف

إنه مفتاح الخزانة الخشبية التي لا يعلم ما بها إلا الله تعالى، وجدك.

*                             *                                     *

- كانت عصيبة تلك الأيام العجاف.

قال جدي وعيناه الألقتان تحاكيان ألق القمر السامق فوق الكوخ، فيما كانت أصابعه ترتعش كورقة شجرة تحت رحمة خريف أصفر، ورأسه يهتز كالبندول وهو يجاهد في استجلاء ذكرياته البعيدة، اعتدل في جلسته ولم عباءته الجوزية اللون حول جسمه ومد أصابعه نحو نهاية لحيته المتهدلة وسرح في البعيد، سها للحظة طويلة ثم قال... كشفوا مخبأنا أخيراً، تهنا في شعاب الجبل، أصبحت كهوفه المعتمة ليلتها حرزنا الحريز، من هذا الجبل الذي تراه الآن على يمينك كان الابتداء وفيه توقدت الشعلة التي أيقظت رجولتنا الصميمية، والغضب الذي استعر في دواخلنا للانتقام من قتلة يوسف..

قتل يوسف ونحن في مهمة في قرية (ك) المجاورة كانت مهمتنا ناجحة حيث أقنعنا أناس القرية بالتعرض لمؤونة الانكليز من الموصل وتدميرها وعقدنا اتفاقاً بالدفاع عن القريتين في حالة تعرض أي منهما لاعتداء الانكليز، وبعد أن وصلنا سفح الجبل لاحظنا أن المصباح الذي ينيره عادة سليمان في الليل كعلامة متفق عليها، كان مطفئاً، توقفنا والحيرة والتساؤل والتوجس تعقد ألسنتنا، كان القمر يبحث عن الانعتاق والمطر يهمي مدراراً يصفح وجوهنا، احتمينا تحت صخرة عملاقة والصمت يصفد حواسنا إلى أن همس يونس.

- سنصعد الجبل

- ولكن فرادي

قلت لهم فيما اسر فاضل وعيناه تجولان في رأسه بجنون.

- والتجمع عند شجرة الزيتون.

بينما استطرد يونس.

- قبل أن نتفرق يجب أن نتفق على كلمة السر، كيلا نصطدم الأحد بالآخر.

أجبت على الفور

- لتكن كلمة السر زيتون.

وتفرقنا على ثلاث جهات، يونس من جهة الساقية، وفاضل من الجهة الغربية، وأنا من التل المطل على القرية من عل، كانت الفوانيس المعلقة بجدران المخفر الخارجية مضاءة على غير العادة، تعجبت من هذا وتساءلت في سري، ما الأمر..؟ يبدو أن شرطة الانكليز لم يعد يخافوا غدارة يوسف وتصويبه الدقيق، أين اطلاقاتك لتمحي هذه الفوانيس وتحيلها إلى هشيم وزجاج متفتت، لا أدري كم صخرة تسلقت وكم شجيرة تخطيت وكم من الهواجس المتفرقة استوطنت رأسي المضطرب، ولكني أحسست أن المطر قد انقطع والقمر قد خرج كعذراء خجولة من خلف غيمة سوداء كالحة، فتبدت معالم الجبل وأسراره كناسك متبتل يبحث عن الهدى وسر الكون والخالق فقفزت بخفة وسارعت من خطوي، وبعد أن مشيت بضع خطوات رأيت ثمة سواداً متحركاً يتأرجح ذات اليمين وذات الشمال، احتميت وراء شجيرة وهتفت ثاقباً سكون الليل.

- قف.

رأيت الجسد يمسي كالحجر، كالتمثال تماماً، شككت بنفسي، أيمكن أن يكون خداع بصر؟ ولكن البريق الحاد للعيون جعلني أتيقن أنه بشر أو حيوان مفترس، تقدمت خطوات ثلاث ويدي ثابتة على الزناد، دققت النظر جيداً، إنه إنسان ولكنه يبدو على حالة مضنية من التعب أو ربما الهلع، صرخت به.

- تقدم.

خطا اثنين، ولكني لهجت كاتماً صرخة مدوية.

- سليمان.

هرعت إليه وأسندته إلى كتفي

- سليمان ما الذي حدث؟

عض على شفتيه بتوجع وهمس من بين أسنانه المصطكة.

- أنا جريح.

- جريح!

همست لنفسي وبادرته بلهفة.

- من...؟

كان الإعياء قد أخذ منه مآربه، فتهالك على الأرض متمتماً.

- الانكليز.

ثم غمغم بأسى.

- لقد وشى بنا نوح.

صرخت مستوفزاً.

- ويوسف.

عض على شفتيه، هززته بعنف.

- سليمان.

أجاب بصعوبة وبصوت ذي جرس فاجع .

- قتلوه.

وأغمي عليه، همست كالببغاء، قتلوه، غير معقول، زين الشباب يموت، لا أصدق أمسكت سليمان من زيقه وأخذت أصرخ.

- إنك تهذي، تمزح، كيف يقتل يوسف، قل يا سليمان إنها نكته.

ثم صرخت.

- يوسف.

فردد الصدى

- يوسف... يوسف... يوسف.

وانتبهت إلى نفسي فرمقت سليمان بنظرة عطف، حملته على كتفي وتسلقت الجبل وأنا أشهق بنشيج ووجدت نفسي فجأة أمام المغارة، لم أبال بصوت يونس وهو يأمرني بالوقوف بل صرخت به.

- هلم ساعدني بإنزاله.

- من هو..؟

- إنه سليمان.

- سليمان؟

هتف الاثنان معاً، لم استطع كبح حزني فتهالكت قرب جسده مبهور الأنفاس وقلت للوجهين المحملقين بصوت متقطع.

- رشوه بالماء.

- ولكن ما الذي حدث؟

قلت لهم الخبر الذي نزل عليهم كالفجيعة.

- لقد هجم عليهم الانكليز

- ويوسف...؟

هتف الاثنان معاً، لم استطع كبح حزني فغطيت وجهي وتملكني صمت آسر، ومنه عرفا أن كل شيء قد انتهى، فساد سكون مطبق، وصحونا على نبرات سليمان اللاهجة.

- ماء... قلبي يلتهب، جرعة ماء.

فعمدت إلى المطارة واسقيته، نهل منها حتى ارتوى وانطفأ سعير أحشائه ثم انتظمت أنفاسه وطفق يخزرنا بعيون زائغة متطيرة وقال.

- لقد باعنا نوح للانكليز.

قلت له.

- ما الذي حدث بالضبط؟

همس وكأنه في عالم خاص

.... بعد ذهابكم لتنفيذ الاتفاق لاحظت أن نوح على غير عادته لائذ بالصمت محني الطرف ينكش الأرض بعصاه، بينما كان يوسف يزيت الغدارة باناءة وهو يدندن فيما كنت منهمكاً بمراقبة القرية، قال نوح فجأةً.

- سأنزل للقرية.

سأله يوسف

- الأمر مهم!؟

أجاب نوح.

- لأرى عائلتي واطمئن على الأطفال، وأتسقط الأخبار.

وساق حماره منحدراً من الجبل دون يلتفت وسط ذهولي وهدوء يوسف، راقبته وهو ينحدر كالأرنب حتى استوى فوق التل ثم نزل نحو القرية وغاب عن ناظري عندما دخل بساتين الكروم المحيطة بالقرية، التفت نحو يوسف وقلت له .

- ما خطبه؟

- لا أدري.

ثم أردف.

- من حقه أن يطمئن على عائلته.

- والانكليز؟

قال يوسف بصوته الواثق.

- لا تنس أنهم يجهلون ارتباطه بنا، وحسبهم يعرفون فيه الجوال.

وفي الليل وقبل مجيئكم بنحو ساعة من الزمان، سمعنا صوت صياح نوح وهو يأتينا من أعلى الجبل.

- يوسف، المكان مطوق من كل الجهات، سلم نفسك للانكليز وهم بدورهم وعدوني بالعفو عنك وباقي الرجال.

انتفض يوسف كالملدوغ مأخوذاً بالمفاجأة، ولكنه تماسك ومسح أرجاء القمة بعيون صقرية، تركزت على صخرة "الأسد" لبرهة وامضة ثم صرخ كالرعد.

- خسئت يا خائن أنت وأسيادك، ارجع لهم قبل أن تقتل.

ثم بصوت حاد آمر.

- إني أراك، أنت لابد وراء الأسد، استطيع أن أجندلك الآن، ولكن من العار أن تتلوث غدارتي بدماء خائن...

وقبل أن يكمل انهال الرصاص علينا كالمطر، لبد وراء صخرة صغيرة وانبطحت خلفه أصوب في الاتجاه الآخر، بقينا صامدين ونحن وسط حلقة جهنمية من الرصاص حتى كادت الذخيرة تنفذ، خاطبني يوسف هامساً.

- انسحب أنت، واخبر الرجال قبل أن يقعوا في الكمين.

- وأنت؟

- سأشاغلهم وحدي.

واهتزت الدنيا في رأسي وكتمت صرخة أليمة، عضضت شفتي السفلى وامتدت أناملي نحو حفرة صغيرة في فخدي الأيمن، كان الدم يشخب منها احمر يجلل بياض الصاية ولكن الصرخة أفلتت من شفتي عنوة.

- آي....

هتف يوسف بحرارة.

- سليمان؟!.

- لقد أصبت.

زحف صوبي حتى أدركني، تفحص موضع الجرح وقال بسرعة.

- الجهة الجنوبية غير محاصرة لأن الرصاص لم يأتنا منها قط، تدحرج باتجاهها

- وأنت ماذا تفعل؟

- حتى الموت.

وأشهر رصاصة يتيمة في راحة يده اليسرى وقال:

- بها سأقتل نفسي

وقبل أن احتج دفعني بقوة فانحدرت متدحرجاً ولكن بعد حين استعر الألم في فخدي فتوقفت وزحفت وراء جذع شجيرة وأنشأت أتصنت، كان الرصاص ينهمر كالحالوب ثم انقطع فجأة وساد صمت طويل إلا من اللغط، سمعت بعده صوت الانكليزي وهو يهتف بفرح.

- إنه ميت.

وأخذت انحدر بجنون لا ألوي على شيء سوى ملاقاتكم حتى وجدني خضر... وسكت جدي، انقطع حديثه فجأةً، كانت يداه ترتعشان ووجهه مثل تفاحة حمراء وشفتاه تختضان، انتفض بغتة ولفه صمت آسر مهيب عرفت أنه سينطوي على نفسه إن لم أتدارك الموقف فسألته بلهفة.

- وبعد يا جدي؟

أجابني بهدوء استغربت صيغته الحزينة.

- لم تفتق الرتوق يا أسعد؟

- أتؤسيك الذكريات لهذا الحد يا جدي؟

- لا يا بني، ولكن الذي يحز في نفسي تلك الفعلة التي لا وصف لها البتة والتي أسميت منذ غوابر الأزمان بالخيانة.

- أيه ياجدي، ماذا حدث بعد ذلك؟

أشعل جدي سيكارة جديدة واستنشق نفساً عميقاً أطلقه على هيئة زفرة خاطفة وقال

- ألم يتبادر إلى ذهنك، لم عصينا عليهم؟ لم حاربناهم؟ ولمصلحة من؟ والقصد من ذلك؟

لتوضيح مجمل الأسئلة لا بد لي أن أعرج إلى وصف حياة القرية قبل دخول الانكليز، كانت قريتنا صغيرة ببيوتها محاطة بتل عال من طرفها الشمالي يفضي مباشرة إلى المقلوب، وعند منحدر التل تمتد بساتين الكروم والزيتون على شكل حزام يلوب حول القرية حتى يلتقي بالساقية المنبثة من الطرف الشرقي لسفح الجبل والتي تنحدر من شق طولي في قاعدته حارثة طريقها عبر الأراضي المزروعة بالحنطة والشعير والعدس لتشق القرية الى شطرين كانت قريتنا كما أسلفت صغيرة ببيوتها، رائعة بأفراحها، جميلة بممارساتها التي تخليتم انتم جيل هذا الزمان عن جلها، منها على سبيل المثال الزواج، ففي أيامنا قبل الدخلة بأيام خمسة نجتمع نحن خلان العريس في بيته وننفخ بالمزامير وندق الطبول ونغني من مسقط الليل حتى طرة الفجر، وكذا العروس تجمع صويحباتها ويتسامرن أناء الليل وأطراف النهار، وفي يوم العقد يلم العريس أصحابه واحداً واحداً والطبل والمزمار يدق أمامه والرجال يقافزون بالقامات والسيوف ويتجمع الحشد المهيب عند ساحة البيادر والتي هي الآن بناية المستشفى ونلعب على السيوف وندبك حتى تسلم الشمس نفسها لليل ثم نذهب إلى بيت العريس وندخله على عروسته، ونحن نردد.

- زوجناه وخلصنا منه...

ونبقى ننتظر العريس حتى الفجر...

وهكذا كانت أفراحنا تترى والسعادة الرخية تغمرنا رغم تحرشات جندرمة الأتراك المهزومة، ولكننا كنا نضربهم ضربة رجل واحد فيهربون مرعوبين، وكان يوسف بن عيسى أشجع الفرسان وأدق الرماة، لن أطيل عليك يا بني كان كل شيء على ما يرام حتى استيقظت القرية ذات فجر على صياح هادر.

- استيقظوا يا رجال، لقد هوجمت القرية.

وعندما خرجنا في تجمعات شائهة نحو البيادر، رأينا فرساناً بعيون زرق وسحنات بيض يمتطون سروج جيادهم، ولما انتظمنا إزاءهم، أشار مقدمهم بيده فوقف الجميع، مسحنا بعيون متفحصة وقال بلغة ركيكة.

- من كبيركم...؟

انبرى العم عيسى وأجابه بحزم.

- ماذا تريدون؟

نظر الانكليزي إلى عيسى بنظرة حذرة ثم أطلق ابتسامة مصطنعة وقال.

- يجب أن تعرفوا أننا أصدقاؤكم ولا نبغي شراً بكم، لقد جئنا لحمايتكم من الأتراك

أجابه عيسى برصانة.

- نحن لسنا بحاجة لمن يحمينا، نستطيع نحن حماية القرية وحلالنا.

ورطن الانكليزي بلغة لم نفهمها، تحرك اثنان من أتباعه وتأهبا لعمل ما، ثم التفت إلينا وقال:

- هل أنتم معه؟

قلنا في أصوات متفرقة.

- معه.

- لسنا مع غيره.

- لا نخالفه الرأي.

وفضل البعض السكوت فوجدها فرصة للتمادي فقال.

- ولكننا لا نريد بكم سوءاً كالأتراك.

أجابه عيسى بازدراء.

- نفس الجزة ونفس الخروف.

والتفت الانكليزي إلى النفر القليل الصامت المنسلخ عن الحشد وصاح بهم.

- وأنتم؟

أجابه أحدهم.

- لا لسنا معه.

ساد غضب متفجر عروق رقبة عيسى وصرخ به.

- مهلاً يا صاح، هل قاومنا أولئك من أجل هؤلاء؟

واختلط الحابل بالنابل، أكثرنا يؤيد عيسى، ونفر قليل جداً فضل الغرباء، هاج عيسى وبصق على وجوه الخارجين عن الإجماع وصاح بهم.

- خونة...

وفجأةً، طوقنا من جميع الجهات والفوهات مشهرة على صدورنا، ترجل الانكليزي من صهوة جواده وألهب الهواء بسوطه وتقدم من عيسى ونخر صدره بطرف السوط وضحك ملء فمه ثم واجهنا قائلاً.

- شئتم أم أبيتم، فنحن باقون في القرية.

وهتف عيسى والزبد يتطاير من شدقيه كحصان أصيل...

- أنت تحلم أيها الغريب.

وقبل أن يكمل أحكم جنديان يديه خلف ظهره، ابتسم الانكليزي وشمل جنوده بنظرة ما وقال:

- أو... كي.

الصباح الفتي يزحف ويلون البيوت الاجرية والحجرية، والسماء تلونت بالخيوط المتزاحمة لقرص الشمس، لا أدري لم أبهرني هذا المفتاح العتيق، تأملته برهبة وإعجاب وفكرت... إنه نفس المفتاح الذي أراني إياه جدي في تلك الظهيرة الحزيرانية اللائبة حين تابع قائلاً:-

- هذا هو المفتاح الذي يقودك إلى السر، أو بالأحرى إلى وصيتي، أرجو منك يا ولدي ألا تدفنوني إلا بعد أن تطلع على الوصية.

إذن يتحتم علي أن أطلع على الوصية بسرعة، أجر خطوي وأنسل في غفلة عن الحشد، كل شيء هاديء في صباح قريتي، حتى النساء المتلفعات بالشال النيلي والمتسربلات بالعباءات السود وهن يتابعن سيرهن بتوءدة وحزن يقصدن بيتنا، يغلفهن جلال الصباح التشريني، ورهبة الموت إذ حضر، أما ما عدا هذا فكل شيء يتسم بالهدوء، الكلاب لائطة تحت حيطان البيوت لائذة بالنوم الرخي بعد النباح الليلي المتواصل، والدجاج توزع بنشاط في مزابل القرية ينكش بأرجله الخشبية مخلفات السفر والموائد، والحمائم ترفرف فوق رأسي وأجنحتها تخفق كأنسام الصباح بأصوات مموسقة على حديد مزاريب البيوت، أحث خطواتي نحو المنعطف الذي يفض إلى زقاق قصير وضيق في نهايته ينفتح على ساحة واسعة يتوسطها دار جدي...

... أصبح الأمر واقعاً، استوطن أو احتل الانكليز قريتنا واستولوا على بيت عيسى وسكنوه وأصبح يعرف بالمخفر، أما عيسى فقد أودعوه إحدى الغرف كأول سجين عرفته القرية، وبعد أن احكموا السيطرة على القرية تبدلت أحوالنا قاطعناهم، مثل أي عدو يجثم على صدورنا، لا نصب على أيديهم الماء ولا نجلسهم في مضايفنا، ولكن أولئك الملاعين الغرباء تمكنوا من التسلل إلى قلوب هذا النفر القليل الطامع في عطاياهم، وفي ليلة نيسانية باردة جمعتنا السهرة أنا ويونس وداود وفاضل ويوسف في بيتي، كان يوسف مكتئباً طوال السهرة ينظرنا بعيون لم نفهم بريقهما القادح إلا بعد حين، كنا ندردش في أمور شتى وبغتة صاح بنا يوسف بصوت كالمرجل.

- ألم تشبعوا من ترهاتكم بعد؟

ارتدانا صمت مفاجئ، وأخذنا ننظر إلى بعضنا بحيرة ثم تحولت عيوننا إليه حين استطرد.

- القرية يسبيها الانكليز وأنتم لا هم لكم سوى الثرثرة.

قال فاضل بنبرة عاجزة.

- وماذا نفعل حيالهم؟

شملنا بنظرة طويلة يستحث دواخلنا بعينيه النافذتين ثم توقفت عيناه إزاء وجه فاضل وقال بتحد.

- نقاومهم.

أخذتنا المفاجئة غير المتوقعة، أخذنا نردد كالببغاء، ولكن كيف...؟

كنت على وشك أن أسأله ولكن فاضل سبقني في قوله.

- كيف؟

- نعسكر في الجبل.

يا للذكاء والفطنة المتوقدة، كيف لم ننتبه إلى هذا...؟ أنا ضمنياً وافقت في داخلي، ولكني انتظرت ردود الفعل، وفعلاً قال داود.

- ولكننا قليلون.

أجابه يوسف على الفور.

- القلة لا تقف مانعاً بوجه التصميم والحزم على المواجهة.

قلت مؤكداً.

- فعلاً، أنا معك يا يوسف.

- حياك الله يا خضر.

ثم التفت إلى باقي الرجال وسأل.

- وأنتم؟

أجابوا بالتعاقب.

- معاً إلى الأبد.

انبسطت أساريره بعد العبوس وهتف.

- على بركة الله.

ثم استطرد.

- غداً سوف نصعد الجبل، وفي يوم الخميس موعد وصول أرزاقهم، نستولي عليها ثم نشحنها نحو المقلوب حيث مقر المعسكر، ما رأيكم؟

قلت في حرارة.

- لا فض فوك.

سرح في البعيد البعيد، أبعد من ذبالة الفانوس الوانية، أبعد من كوخنا الواقع في طرف القرية الغربي، أبعد من القرية بذاتها، وقال كمن يبوح بسر خطير.

- ولكم عهد على أن لا أدعهم يوقدون ناراً أو سراجاً ما دامت البندقية في يدي.

قال يونس

- وأنت بحق لست بناكث عهد.

ثم قال يوسف

- ليذهب كل إلى بيته، وموعدنا عند ساقية القرية قرب بيت سلمان في الفجر إنشاء الله...

ها هو بيت جدي، اقترب منه بخطى مرتبكة، أتحسس جيبي لأتأكد من وجود المفتاح، ها هو الموعد يا جدي، الموعد مع الأسرار، مع الكلمة التي تحدد مكان مثواك، مع الوصية، ادخل المفتاح في شق الباب الخشبي، يصرّ الباب كصراخ امرأة تطلق متهيئة للولادة، يتسلل ضوء الشمس الصباحية إلى أحشاء الكوخ، تبدأ الأشياء تتوضح تدريجياً أمامي، سرير خشبي متهرئ يقعد بهدوء تحت حائط طيني والتراب الأحمر الرطب يمتطيه حتى غيب أطراف الحصيرة النائمة فوقه، اتجه نحو النافذة الخشبية الوحيدة للكوخ وأعالجها، تنفتح بعد لأي وتدخل الشمس لتضيء الأشياء حد الألق، في زاوية الكوخ ثمة دلال قهوة التهمها الصدأ والتراب يحفها، وثمة في الزاوية المقابلة تماماً منضدة تحمل فوقها فانوس التحفه التراب حتى غطى لونه، وتحت المنضدة ثمة مصيدة فئران لما تزل منصوبة تنتظر، نفضت التراب عن الحصيرة وجلست، شملت أجزاء الكوخ بنظرة حب وهمست.

- أيه أيها الكوخ، يا بقايا الرجال، ترى أين اجتمعوا...؟ وأين جلس فاضل؟

أين غسلتم جسد يوسف؟ أين

... قال يونس

- ما جزاء الخيانة أيها الرجال؟

- الموت.

- إذن يجب أن يموت نوح حتى لو اضطررنا إلى اقتلاعه من حجر الرقيب جاك.

وطوقنا الصمت المتوتر المؤس، يوسف، يوسف، يا أحلى أغنية كانت تصدح في سماء حياتنا، كيف اخرسوا صوتك؟ كيف تركناك وحدك؟ ولكن المهمة التي كنا مشغولين بها، نعم تضامناً مع القرية المجاورة ولكن خسرناك يا يوسف، لا زلت أذكر كلماتك أن موت أحدنا لا يعني التوقف، يجب أن نستمر حتى الشهادة من أجل ما نذرنا أنفسنا له، نعم يا يوسف سنكمل المشوار الذي بدأناه معاً، وشاء الرب أن نكمله بدونك، قلت بعصبية.

- نهاجمهم في المخفر ونخرج يوسف عنوة وندفنه.

أتلفت في الأرجاء باحثاً عن الصندوق، الضوء البكر يتسلل من خصص النافذة ويعانق وجهي، أتملى الكوخ بتأن، أتبين سقفه الآيل للسقوط، أفكر... إيه يا بقايا جدي، أيه أيها الشاهد على عظمة تلك الأيام الزاهية، إيه يا من عاينت جسد يوسف الممدد على أرضك والرجال يحيطون به بصمت، إيه يا من عاينت السهارى المتطلعين إلى الصباحات المرتقبة الجديدة، طواها النسيان كل هذه الذكريات وبقيت وحدك، وحدك فحسب سرمدياً شامخاً تحاكي أسطورة الرجال، رجال المقلوب...

... احكمنا الحصار حول المخفر، كان الليل غلساً والمطر مزناً والقمر غائباً وكأن الطبيعة تعاضدنا، زحفنا من الجهات الأربع، نحن الأربعة، يونس، فاضل، سليمان المنهك رغم الجرح في فخده، وأنا... كانت مهمتي يتوقف نجاح العملية على نجاحها. زحفت فوق الطين المبلول حتى وصلت الى المدى الذي تبينت فيه الشرطي الجالس باسترخاء على الأرض تحت المظلة الخشبية، والبندقية ملقاة على فخده وهو لاينفك يتثاءب بصوت مسموع، حاولت أن لا تصدر مني أية نأمة سيما وإني أصبحت قريباً جداً منه، وقبل أن انقض عليه سمعت صوت قهقهات تنسل من أحشاء المخفر، همست لنفسي ... فرحون بقتل يوسف، سوف تلقون مصيركم بعد قليل، كاد أمري ينكشف حين صرفت على أسناني غيظاً ولكني جمدت كالتمثال، حتى التنفس قطعته وأصبحت مجرد حجر من أحجار الطريق، وبقفزة عاجلة ومفاجئة، أحكمت يدي حول رقبته وبسرعة القطرات الهابطة من السماء أمسكت فمه بقوة لئلا يصرخ ثم أغمدت بيدي الثانية نصل السكين في موضع القلب تماما، أنّ متوجعاً ثم جحظت عيناه عمدت إلى مقداحتي وأشعلتها مرتين، رأيت يونس يستوي على سطح المخفر، وفاضل يقف بجانبي وسليمان يقف خلفنا ليلتقط الفلول الهاربة بغدارته قفزت وفاضل كالشياطين نحو بوابة المخفر ومن هول فرحتي هتفت.

- جاءكم من يثار ليوسف.

وزخت رصاصاتي، كانت المفاجأة قد يبست ألسنتهم لاذوا بالحيطان، وبغتة رأيت نوح يركض نحو إحدى الغرف، صرخت.

- نوح.

وقف كالقشة يرتجف هلعاً وواجهني بوجه ممصوص وعيون متطيرة تزخ هلعاً، صرخت به.

- ما جزاء الخيانة يا نوح؟

أخذ يلهج بارتباك.

- ولكن، أنا، أنا، أنا...

- ما جزاؤه

- ...

فار الدم في رأسي، هتفت به.

- الموت يا خائن، ستموت الآن يا نوح.

وقبل أن أطلق سمعت فاضل يصرخ.

- لا ياخضر.

التفت إليه وسألت والدهشة تعقد لساني.

- ماذا...؟

- لا تقتله.

- ولكنه خائن، والخائن جزاؤه الموت.

- أنا معك في هذا، ولكن سنقتله بطريقة أخرى، بهذه الطريقة سيموت لمرة واحدة، ويرتاح، ولكني اهتديت إلى طريقة يموت بها في كل إشراقه شمس.

- كيف...؟

- دع الأمر لي.

وانتشر السكون في أرجاء المخفر، اقتدت نوح إلى الخارج، كان رجال القرية يتوافدون إلى المخفر وهم يهتفون فرادي وجماعات.

- هذا يومكم يا رجال المقلوب.

وانبرى فاضل يخاطبهم.

- يا رجال، يا كل دمائنا، يا كلنا، يا لحماً واحداً وجسداً واحداً، إننا لسنا قتلة بل نحن فداء لهذه القرية وقد خان هذا عهد الرجال فما جزاؤه.

صاح الجميع.

- الموت.

- صدقتم يا رجال، ولكني لن أفعل هذا.

سرت همهمة مسموعة في الحشد قطعها فاضل قائلاً.

- أنا معكم فيما تبغون، ولكن على طريقة أجدادنا، هل لي بمقص.

أتاه أحدهم بالطلب، أشار فاضل إليّ فدفعت نوح المقيد، وقف صاغراً أمام فاضل وأوصاله تتراجف، تقدم فاضل نحوه وبحركة سريعة كان عقال نوح تحت مداس فاضل الذي التفت إلى القوم وقال.

- سأجز ناصيته ونطرده من القرية، ما رأيكم؟

ارتفعت الأصوات.

- نحن موافقون.

وانتهى كل شيء، مات الانكليز وذل الخائن، دلف يونس إلى إحدى الغرف وخرج بعد هينة وهو يحمل يوسف، غلفنا الصمت المقدس، تناوبنا بتقبيله في جبينه، ثم حملناه إلى بيتي تمهيداً لدفنه...

إزاء الصندوق الخشبي المستلقي تحت السرير الخشبي تقرفصت أتأمله ساهماً، صندوق طويل نسبياً يبتدئ من الرجل الخشبية اليسرى للسرير ويتطاول حتى منتصف السرير، اسحبه ببطء بكلتي يدي، يطاوعني كطفل يكركر، انفض عنه التراب فيتطاير الغبار منصهراً في حزمة شعاع الشمس الهابطة من كوة صغيرة تعلو النافذة، استنشق رائحة زكية تشبه رائحة الهيل، أزيح القفل الضخم يعاندني وهو ينضي عنه قطعاً صغيرة من الصدأ وتنشر ممتزجة مع التراب الرطب، أولج المفتاح في القفل، أشعر بمقاومة أدفع المفتاح بقوة ولكن بمهارة وأديره بحذر وبعد لأي يستدير المفتاح دورة كاملة حول نفسه وينفتح القفل، أرفع غطاء الصندوق وانظر في أحشاءه، فكرت... وأخيراً مع أسرار المقلوب، أقلب عيني في محتوياته، كان الصندوق مقسماً من وسطه الى قسمين متساويين يقاطع أحدهم قسم ثالث طولي رفيع يمتد من طرفه القصي إلى الطرف الجاثم أمامي. كان أول شيء رأيته بندقية قديمة جداً أكل الصدأ ماسورتها الحديدية، احتويتها براحتي يدي وأخرجتها بلطف وعندما أصبحت خارج الصندوق لاحظت أن ثمة خيطاً رفيعاً يتدلى من حلقة الزناد وقد عقد في طرفه الآخر ورقة مطوية، قطعت الخيط بعد أن وضعتها على الأرض وعمدت إلى الورقة وفضضتها، كانت تخصني...

- بني اسعد.

هذه البندقية التي بين يديك هي عينها التي اقتحمت بها مع الرجال المخفر، أرجو أن تعتني بها، وتبقيها ذكرى أبدية، عسى أن تشم رائحتي من خلالها صباح مساء كل يوم وتتذكر أجدادك،

جدك خضر.

طويت الورقة بعد أن رفعتها إلى شفتي وقبلتها ووضعتها في جيب سترتي الجانبي واتجهت بكليتي نحو الصندوق، كان النصف الأيمن منه مملوءاً ومغطى بورق سميك، عالجته بيدي وأنا أجاهد بإخراجه ولكنه كان ثقيلاً، استويت على قدمي وانحنيت وسحبتها بقوة، لحظة وامضة واستوت الكتلة الورقية الثقيلة في فضاء الكوخ، وضعتها وأنا أتقرفص على أرضية الكوخ، طالعتني جملة خطت بخط جميل عرفته للتو، إنه خط جدي، كانت الجملة تتكون من كلمة واحدة (الأجداد) نفضت الورقة بحذر لئلا تتمزق، وتبين ما تحتها، كانت كتباً ذات أوراق سمراء وصفراء، أخذت أقرا عناوينها تباعاً، المهلهل، عنترة العبسي، سيرة بني هلال، المعلقات السبع، سيف بن ذي يزن، ديوان المتنبي، الطوفان، أساطير بابلية وحكم احيقار وكتب كثيرة أخرى غالباً ما كان جدي يقضي وقته بقراءتها والحديث عنها، عن تلك الرحلات العجيبة للسندباد، عن سلامة ونهايته على يد ذياب، والمهلهل وركوبه على سور بيروت يختال ويزبد متصوراً نفسه يمتطي جواده، وقصص أخرى كان يسردها جدي وينيمني في ليالي الشتاء الطويلة، رتبت الكتب ثانية في مكانها، ثم عمدت الى النصف الأيسر من الصندوق، كان خاوياً إلا من ثلاثة أشياء، خنجر كبير غلافه فضي يلتمع تحت حزمة ضوء الشمس تزينه خرز جميلة براقة فيما كانت قبضته من خشب الصاج ودفتر كبير قرأت عنوانه (رجال المقلوب) ومظروف كبير مغلق، قلبته بين يدي، وصادفتني كلمة كبيرة مكتوبة في منتصفه (الوصية)، ها أنذا أمام الوصية أخيراً، كانت أصابعي ترتجف وهي تفتحه بتوجس، أخرجت الورقة وأنشأت اقرأ...

- بني أسعد.

أرجو منك أن تبلغ والدك وعمك بدفني في الجهة اليمنى لشجرة الزيتون وعلى بعد ذراعين من جذعها، أما سر هذه الرغبة فهو كبير ورائع، لابد وأنك يا سليلي قد رأيت شواهد قبور يونس وفاضل وداود، أليست في فيء الزيتونة وعلى يسار وخلف شاهد قديم مبني من الآجر، إن تحت هذا الشاهد تنام عظام يوسف، أما القبر الذي على يساره فهو ليونس الذي وافته المنية بعد طرد الانكليز بعشرة سنوات أثر حمى شديدة لم تمهله طويلاً، والقبر الذي خلفه فهو لفاضل الذي حضرت أنت مراسيم دفنه، أما قصة هذه الشجرة فعجيبة هي الأخرى، وإن فسرت شيئاً فإنها تجلو تلك المعاناة التي عاشها عيسى بعد وفاة ابنه يوسف، فبعد أن استقر الوضع آثر عيسى الانزواء، وبعد أشهر رأيناه يحمل شجرة زيتون صغيرة ويتجه نحو المقبرة، ثم رأيناه كل يوم يمليء (مطارته) من الساقية ويتجه إلى المقبرة، نعم يا بني، زرع زيتونة صغيرة قرب قبر ابنه ورعاها بحنان حتى غدت هذه الشجرة الكبيرة المباركة التي يتفيأ بها ذوي الموتى عند زياراتهم للقبور، ما أروعك يا يوسف، ما أكرمك في حياتك وما أكرمك في حياتك الأخرى... أيه على أية حال، أوصيك بأن أدفن على يمين يوسف وبذلك تكون يا بعض نفسي قد أديت خدمة كبيرة لرجال المقلوب بأن تجمعهم من جديد في مكان واحد.

قد يتبادر الى ذهنك هذا التساؤل، أين سليمان إذن...؟ وأنا سأكشف لك المكان إنه وعيسى مدفونان تحت الزيتونة أيضاً ولكن في الجهة ألأخرى منها، ما أروع الأقدار، كتب عليك يا سليمان أن تحمي ظهورنا حتى بعد الحياة، وكتب عليك يا عيسى أن ترعانا وتوقد فينا جذوة الرجال الأفذاذ.

وختاماً يا بني، إني لم أخلف لك مالاً وحلالاً، فكل هذه الأمور من توافه الحياة، كل الذي استطعت أن أقدمه لكم حياة شريفة تأبى أن تنكس رأسها وتحني ظهرها للغريب المحتل، لك الخيار في قبول هذا الرأي ورفضه، ولكننا وباعتقادي استطعنا أن نقدم سيرة لا تخجل عن رجال المقلوب...

أي بني...

حبي لكم جميعاً

خضر

رفعت رأسي، شعرت بالفخار، يجب أن ألحق بهم قبل دفنه، ولكن لا، إنهم ينتظروني. طويت الوصية جيداً وأودعتها مظروفها ودسستها في جيبي، نظرت إلى الصندوق صفعتني الكلمات الكبيرة (رجال المقلوب) شعرت برهبة تنتابني، انحنيت على الصندوق وأحكمت رتاجه، لم أغلق النافذة وأنا أخرج، وعندما أصبحت في باحة الكوخ رأيت الدنيا تغتسل بالضوء والشمس في رحلة سهلة لاحتلال قبة السماء.