Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

قصص قصيرة  جدآ

الليلة الثانية بعد الألف

هيثم بهنام بُردى

 

الأعجوبة

   هي بقايا أطلال وسط المدينة العتيقة، بعصاه المعقوفة يضرب الحجارة الخرسانية ويحدق عبر عينيه الكامدتين، لم يبق من هذا العالم إلا... يشقل أكوام الحجارة الصمّاء التي كانت في تصالبها وتكاتفها فيما مضى تشكل بنيان داره العامرة التي عصفتها الأيام، فكّر وهو يمسّد لحيته البيضاء.

   ـ سراب... كل شيء سراب.

تدور العينان الحجريتان، يراه في تفرده متهالكاً كأرملة في مقبرة مقفرة... آه... أيها الشيخ يا من ولدتني من رحم أصابعك، يا من زرعتني في أحشاء التبن والطين الحري الصلصالي، هلم إلي...

يقترب من الحائط الأرمل، يلمسه بأصابعه، أحجار على أحجار بينها وسائد رقيقة من طين متقشر، يمد ساعداً مليئاً بالحبال الزرق ويفتت طبقة طينية فينسلّ التراب متساقطاً من بين أصابع ناصلة بأظافر خضراء مصفرة.

   ـ هلم، يا أبي ضعني في حضنك الدافئ.

ويتهالك عليه، يشعر الشيخ براحة جسدية مفاجئة، يتحسس الحائط بالأحضان الدافئة، والانفاس اللائبة للأب/ الأم/ الشيخ... والناس الذين حاولوا إخراج الشيخ من تحت الأنقاض عبثاً كانوا يفعلون، فقد صارا كياناً واحداً: الحائط والشيخ.

 
 

عشبة كلكامش

   جبل شاهق يناطح المطلق، يحنو.. أو يجثم على انفاس نبع رأسه يغفو على أحجار هذا المبارك الحالق، وقدماه تنبسطان، تجريان، تغسلان الحقب والتضاريس، وتنتهي قدماه المعفرتان بالبقايا الإسيانة لأوساخ الساعات والحسك القديمة في أديم يصب في تيه أصفر رمادي... وقرية ذات بيوت متشابهة متواضعة، ترسم الليالي والنهارات. الأصياف والشواتي، الغيوم وجدائل الشمس، على كلسها العتيق حكايات سرية معبأة في صدور رملية صلدة لرجال ونساء مصلوبين منذ أزل الكون في الأفياء والأفنية، وفي الظلام الصائل للغرف السرية وتأبى الشفاه المرمرية الباردة أن تسرد البقية الباقية بعد أن وصلت في آخر سهرة إلى سؤال حاسم هو:

ـ لماذا لم يأكل العشبة حال خروجه من الماء...؟

ثم يهتفون بأسى:

ـ آه... يا كلكامش.

 
 

نظرة قصيرة فقط

   مد ذراعه المتعبة نحو الكراس وفتحه على الصورة الأثيرة إلى نفسه، كان الكوخ يسبح في مويجات الشمس الفتية وسرب الدجاج منتشر في الطوار ينكث العشب بمناقيره الخشبية والحساسين تتصاخب بين اغصان شجرة البلوط التي تحنو على سقف الكوخ القرميدي الأحمر مثل أم ترضع وليدها، والثور الأرقط واقف جنب المحراث الخشبي ينظر بعينيه الواسعتين إلى المدى الممرع بالخضرة حتى سفح الجبل الرابض بعنفوانه الثلجي في اقصى يمين الصورة، ولج هذا العالم الثر، وقف امام الباب الخشبي للكوخ لوهلة، ثم خطا نحو حِبٍ مركون عند النافذة وشرب من كوب فخاري، شمّر عن ساعديه المفتولين، وضع طرف الصاية تحت حزامه ثم مشى نحو الثور المتوثب،شكمه بحزم وربطه إلى طرف المحراث ثم ساطه بصوته الراعب فأنشأ الطرف المدبب يبقر أحشاء التراب... وحين دخل الرجال غرفته وتناولوا جسده ثم وضعوه في جوف قماش أبيض وأنشأوا يخيطونه حتى غاب في ثنايا هذا البياض السرمدي حملوه ووضعوه في التابوت البارد، ألقى عليهم نظرة قصيرة فقط، ثم عاود الحراثة.

 
 

وليمة

   إلتصقت الساقان العاريتان بأسفل عضلتي الفخذين المشعرتين وانحنى الرأس بأقصى ما تسمح به الرقبة المشدودة... اتخذ الجسد المفكك شكله النهائي على هيئة علامة استفهام تبحث عن نقطتها، صارت الركبتان المنطبقتان تحت الحنك المشعر المدبب الذي انفتح فمه عارضاً صفين من اسنان صفرا حائلة، أحاطت الشفتان المتيبستان للبنيان الأنسني المنهوك بأحدى الركبتين وطفقت الإسنان الحديدية تعالج اللحم المقدد.

 
 

تعاضد

إلى الاب د. افرام سقط

   في البؤبؤ نقطة قادحة تشع سناها نحو الأبدان البلاستيكية التي تحتل الدواليب الألمنيونية وفوق المناضد الزجاجية والرفوف الأبنوسية، بأحجام متباينة وسحن متعددة، الشقراء والسمراء والحنطية، والصمت يغريها بنقل عيونها بالتناوب بين الدراجات التي تحتل البلاط النايلوني التبني، والبنيان الطفولي المذهول في وقفته بقامته الندية الرخصة إزاء الساق الطويلة للأنثى التي أوصدت اسماعها للتأتأة المنسلة من الفم المتحرق، إستيقظت في ذاكرتي صورة حائلة أيقظها الزمن الرمادي العتيق لصبي يتطلع بفم مفتوح متحسر إلى مبتدأ زقاق يفضي إلى عالم مخملي يحتل جنباته صبي يماثل سن الآخر بثياب نظيفة وبشرة شفافة وهو يحجل بدراجة زاهية، التأتأة تتحول إلى سياط من ذكريات مؤسية.

ـ اريد هذه الدراجة يا أمي.

يخرج الجسد الأنثوي المتعب،تتسمر العينان الطفلتان على بدن دراجة ملونة ثم تنسل الخطى اليافعة وتمتطيها المؤخرة الصغيرة ويعلن الفم.

ـ فن.. ترن.. فن.. فن..

وثقب الفضاء صوات الأنثى الزاجرة تم تنسل من الفم اللدن آهة جارحة والوجه يتلقى صفعة قوية ثاوية، يتبعها نشيج ملتاع آسر، ولكن الأقدام اللدنة تتجذر متوحدة بالبلاط، تنحنى الأنثى وتحمل الصبي فترتفع الدراجة معه مع نشيج حزين حسبته في البدء يتدحرج من صدر الصبي بيد إن الفم المطبق المشدود جعلني لا أخيب أحساسي بأن النحيب المتعاطف الحنون كان يصدر من... الدمى.

 
 

يوتوبيا

إلى المبدع أحمد خلف 

   عند الغسق لملم الكتبي الشائب كتبه المبعثرة على الرصيف، صار يتملى عناوينها: شتاينبك، ديستوفسكي، بارت، فوكو، كوكتو... إلخ، طفرت دمعة ثاوية من عينيه الكامدتين... لا أحد سوى اصحاب محلات الكوي والحلويات والكرزات يشتري بضاعته، أولاده الأثيرين إلى قلبه، وضعها في كيس (الجوت) القديم، رشق فم السوق المسقّف والمسكون بالغروب بنظرة رصاصية، أركن الكيس على ظهره وانسلّ نحو الزقاق المفضي إلى سيقان الجسر الحديدي، تسلّق رصيفه المزفّت، أقدامه العتيقة تسحل زاحفة نحو القمة، تقرفص على الأرض حين صار نقطة جذب بين طرفي الضفتين، أخرج صحبه القدامى وفرشهم على الرصيف، ورتّبهم على هيئة عمارات وشوارع وبيوت تعج بأنفاس الحياة المتنامية في عوالمها، مدينة يحاول منذ زمن بعيد خلقها في مدى الذاكرة المهووسة بالإبتكار، ثم خلع نعليه ودخل يوتوبياه.

 
 

السؤال

   ضغط على الزر الأحمر فانطلقت الموسيقى، إهتزَّ بدنه متساوقاً مع الإيقاع البرقي لصدى الآلات المصطخبة ثم انشأت أنامله تتراقص على المقود مشكلة رقصة سريعة لا هوية لها، وصارت الأشجار تتسابق راكضة نحو الخلف في توازٍ رهيف مع اسلاك الهاتف من الجهة الاخرى... لاح الجسر الحديدي الذي يشكلّ فم المدينة، انتفض جسده بغتة مستجيباً للصعقة الكهربائية المتواترة المتوالدة من الجهة اليسرى لصدره، حاول أن يُنهض جسده، ان يضغط على الكابح، أن يمسك بالمقود بقوة لكن الصعقة كانت تنتشر في الملايين من حجيرات دمه وأنسجته ليحيلها إلى مخلوقات محتضرة، تصاعد خدر لذيذ إلى رأسه، أضمحلت أشياء الشارع امامه: الجسر، الاشجار، أعمدة الهاتف، الغيوم الربابية، شدو البلابل على افنان الاشجار... إلخ، والان من يستطيع أن يوقف سيارة تقودها... جثة؟

 
 

ولادة

مطر مدرار.. في الأديم الرمادي المعرش بالجدب والحمأ.

مطر............ ووحدي أتلقى حمحمة الغمام اللائب.

مط.............. وجسدي يتمطى محتويا هذا الإنتشاء المتواصل.

مـ................. وتتحرك أقدامي/ أوتادي.. منفكة من الطبقات الصفر ممزقة الأصفاد الأزلية ثم ترسم على وجه الرمل الصائل الأخدود العريض العميق لمساري.

مطر...مط...مـ.......وأصير نهراً

 
 

متوالية

صقر، وحمامة بيضاء. في عمق العينين رجل باشق.

صقر، وحمامة رمادية، في عمق العينين رجل محني الظهر يتوكأ على عكاز ذات رأس ذئبية.

صقر، وحمامة سوداء، في عمق العينين رجل واهن إفترش التراب وإلتحف الفضاء، بعينين زجاجتين مفتوحتين على إتساعهما.

جثتان، لصقر وحمامة بلا لون.

 
 

محطات

إلى الدكتور ماهر خليل ابراهيم

وقف... طفل يحدّق في لوحة تمثّل شجيرة متسربلة بأوراق خضر وطفق يبتسم.

وقـ..... شاب يحدق في لوحة تمثل شجرة باسقة بأوراق داكنة الخضرة وطفق يمعن في تفكير عميق.

و.... ... كهل يحدق في لوحة تمثل شجرة معمرة وطفق ينشج بصمت آسر.

...............؟ يحدق في لوحة تمثل!؟... وطفق....

 
 

الفخ

   ـ وأخيراً...

نطقت بالكلمة جذلاً وركضت بأقصى ما أستطيع نحو الأكمة الرملية حيث يجعجع الرمل وتتطاير ذراته بفعل الضربات الحادة لجناحيه العملاقين، وضعت طرف صايتي في فمي ونهبت الصحراء نحوه، وقفت على مشارف الواقعة الهث، لا أعلم استجابة لمن.... للربو أم للفرح باصطيادي له بعد لأي، وقفت أراقب نهاية الصراع، كانت الأصفاد تحكم على جناحه الأيمن المدمى، والحمامة القتيلة تتأرجح عالقة بمخالبه.. كانت الهالة قد تحددت في مدى الاستدارة الوانية لجناحية المتعبين، وعيناه الوامضتان تتفرسان بقسوة واعياء في الارجاء ثم توقف بؤبؤاه على عيني، شعرت بلظى نظراته فأخفضت رأسي تهيّباً، ثم رفعتهما لتُصدم عيناي بالأظفار الحادة طامسة في عمق الرقبة المغزلية اللدنة وتخرجان من الجهة الظهرية فيما كانت مخالب القدم الأخرى تجهز على الطرف الآخر للرقبة لتفصله عن الجسد وليتدحرج رأسه ممتزجاً بذرات الرمل الفائرة...

 
 

ماراثون

الى عبد الستار البيضاني

   كان يلاحقه قبل أن تشيخ الساعات، يركض بأقصى طاقته، والآخر يناى عنه، طوى الهضاب الجرداء، والأنهر الغرينية المتلبدة، والمدن المغبرة العتيقة، والصحاري المحنطة، ولكن عبثاً... فهو لا يزال في سكونه يعجز عن اللحاق به، ولم يخبره أحد من الذين صادفهم، أنه يلاحق ظله...

 
 

المطهر

الى سالم ايشو

   كانت تزهو بكل اكتمالها الأنثوي/ انها موناليزا القرن/ تكاد تطفر من الاطار المذهب/ انها تنطق / ... الأصوات تخترق الصمت المريب، والكلمات تتراقص امام مقلتيه: مقالات، مقابلات... ربما سيستطيع أن يستنبط مدرسة فنية مستقبلية جديدة. تذكر قولاً مبتوراً لشيخ إستوطنه الخرف.

... عندما يبلغ الانسان ذروة الكمال، ينبغي له أن يموت ويـ...

حملها بيدين حانيتين، يستشعر الدم الحار بين العروق، على الفخذ، في الجبين، تلمّس الوجه الناعم بسكين المرسم، كان يتألم بصمت، ومن ثم باستسلام سادي للشفرة الناصلة وهي تحز الرقبة، ثم تحول الوجه الى اشلاء فتهالك على الكرسي يلعق جراحه.

 
 

المشروع

إلى خالص إيشوع

وصل إلى الثيمة التي ألجمته أمام سؤال يبحث عن إجابة.

   ـ ثم ماذا..؟

كوّر قبضته مسوّراً ذقنه بين كفيه ونفخ فيهما زفير الحيرة والقنوط..

   ـ أين سترسو سفينة الأحداث؟

أحس إن كل العالم الصاخب الضاج بدفق الحياة الذي كان يتسرب من أصابعه يكاد يتشمّع فوق زمهرير الورقة الجليدية المحنطة على المنضدة أمامه.

   ـ سأجعلها تطير في أديم لا متناه...

أغمض عينيه واعتصر أخيلته عله يشحن أوصال قصته بنبض الحياة و...

ـ لا جدوى ستذيب الشمس شمع الأحداث وتتهاوى نحو حضيض العدم.

طوى الورقة طيتين، سمع أنين البطل الخائر...

ـ لم يفلح مشروعي في الوصول إلى الشمس.

طواها ثانية ثم ضغط عليها بقوة.

ـ ويبقى ممغنطاً على الأرض.

رفع الورقة في الفضاء وصيّرها مركبة فضاء وأطلقها في فراغ الفنار فتطايرت أوصال البطل وذاب جسده الشمعي فوق البلاط وتهشمت المركبة على مقربة من الكيان الأشوه الذي كان قبل لحظات بطلاً قصصياً يطمح بمشروع يستحيل على العقل أن يستوعب ابعاده...

ـ لأ جرب ذلك عملياً.

نهض من كرسيه، وضع القلم فوق ورقة بيضاء جديدة ثم مشى صوب الباب، فتحه على مصراعيه وابتلعته السماء.

 
 

القرد

الى جمال نوري

   هم بقايا قرن مضى، عتيقون جداً يضاهون عتق الاسرّة والمناضد والدرفات المحطمة للنوافذ الخشبية المتآكلة، حتى الشمس التي دخلت تواً من خصاص النوافذ تبدو منهكة بحاجة الى رمس يثوي مفاصلها المائتة، كانوا يفترشون البلاط القديم المرشوش تواً، يضحكون بصمت أخرس وهم يحدّقون في دمية على هيئة قرد يرقص دون كلال ويدور حول محوره واضعاً يديه، إحداهما على قمة الرأس والأخرى في الدبر الدامي، يضحكون دون توقف متجاهلين النداءات اليائسة لزميلهم الذي يحمل قرناً وبضع سنين على كاهله لكي يغني لهم الأغنية الأخيرة.

 
 

كتاب

الى نامق سلطان

   كل يوم عندما يغلق الباب ويستدير مواجها ًالكتب المتراصة في المكتبة تصطدم عيناه بالكتاب المتهريء الذي وجده فجأة ذات صباح مطير في مكانه هذا بيد أنه لم يفكر منذئذٍ في فتحه... هذا الصباح وجده ينظر اليه باستفزاز جعله ينقاد اليه ويخرجه، نفض عنه الغبار ثم جلس الى المكتب وبدأ قراءته... لما دخلت عليه زوجته في الضحى صرخت ذاهلة حين عاينت مكتبة آيلة للتداعي وسجادة عتيقة قضقضها العث، وجرذان رمادية عملاقة منهمكة في احالة الكتب النفيسة الى بقايا سليلوز حائل، وشيخاً يشبه زوجها قد ألصق عينيه الغائرتين خلف حاجبين أشيبين في ثنايا الصفحات الصفر النارية.

 
 

الليلة الثانية بعد الألف

إلى ريكاردوس يوسف

   يجرجر خطاه مشحوناً بريبته وخيبته القديمة متمنطقاً حساماً خشبياً، يصدح في الفضاء عزف ناي حزين وصوت موجع.

ـ إنه أسير نفسه، كائن أصفاده، شك وأنوثة..

ويختض جسدها فَرقاً، تغطي عينيها النجلاويين بكفها الزاخرة بالأنوثة والرعب الأبدي، وتتقصى عبر أصابع كفها تلافيف الفجر الأعجف الرمادي وشكل الجلاد الأقرع العضل وهو يسحلها إلى عالم.. الفراغ والعدم والضباب... الثالوث المهيمن على فضائه.

يشبك ذراعيه حول صدره العاري المشعر، ويرفع وجهه الأسمر الشائخ، ينتشر الحزن في قسماته ثم يلهج.

ـ من يعتقني من سحر الحكايا، ومن يطلقني من أصفادي الأبدية..؟

... وفي الليلة الثانية بعد الألف:.. نامت الحكاية.

 
 

دعموصة

الى صباح مجيد

   تفتحه على سعتيه، فم ادرد متشقق يستجدي بقايا رطوبة ارتحلت مع خيوط الشمس اللائبة، انحني عليها، تصير ازاء عيني تماماً، تتحدد مساحة الرؤيا بمساحة متقشرة لأثر حذاء قديم تيبست حوافه وانفتحت على أخاديد غائرة، تفتح فمها أكثر وتتوسل الحياة الراحلة بالبقاء فترة أخرى، أمد أناملي وأمسد ذنبها الأسطواني الكالح، تنتفض بوهن وفرح مَن استشعر نجدة آتية ثم تنقلب على ظهرها عارضة للشمس بطناً رمادية، تسافر الذاكرة مستقصية صوراً شتى لبنى انسنية غضة محتضرة تنتظر من يمنحها فرصة لشهيق اضافي، انهض، أتملى الأرجاء.. هياكل سيارات وأكوام من الحديد الصديء، فتحت أزرار بنطالي وأفرغت مثانتي في الحفرة ثم.. رأيت الجسد المغزلي يسبح في الماء الرغوي بفرحٍ طاغٍ بان في حركات ذيله اللولبية.

 
 

المخاض

   السماء أعلى الصاري المحطم تشابك لوني بنيانه أسود ورصاصي وبياض فريد، والبحر كائن سكنته العفاريت، والسفينة تئن متوجعة تتلقى صليل الأمواج الممسوسة بأستسلام، والليل يبسط ببلادة عباءته فوق المهرجان، وحين استحال الكون في عيني القبطان اليائس توابيت تعقب توابيت تسعى بالتتابع إلى عمق اللجة. في تلك الهنيهة فقط وفي إحدى غرف السفينة كانت هناك إمرأة ممددة وقد باعدت ساقيها وهي تئن بتوجع قاتل وتضيع صرخات الطلق الحادة في ثنايا أنين الأمواه.. ولما غرقت مقدمة السفينة وغطى الماء كل ما يمت إلى الحياة بصله. أطلق الطفل الخارج من رحم المرأة صرخته الأولى.

 
 

الفراش الأبدي

   يلسعها السعار المحموم، تفتح مآقيها، الملايين من مثيلاتها يغطن متخدرات في نوم أبدي والساحل ينوء بحمل الثقل الرصاصي الناث من السمت، تحدق نحو الأفق الآخر: بحر وسماء، تهمس....

..لو...

فتحس بأيدٍ لدنة تمسك بها، تصير مع صويحباتها في الكف الصغيرة، تتكور، تتزحلق في ثنابا الجلد ثم يتدحرجن بسرعة نحو الخط الفاصل الذي يحدد العالمين.. تأتي مويجة صغيرة وتعانقها باستحياء فتشعر بارتعاشة، تهمس.

..آه...

وقبل أن تستطرد مكملة العبارة تحملها أخرى نحو عالم سري يصير القاع المحصب فراشاً أبدياً لها.

 
 

الصمت الفارغ

   أدار الأكرة ونقل الخطوة الأولى، أنفتح المكان أمام مقلتيه هلامياً يغرق في عالم ضبابي،احتواه الفراغ الرصاصي لهواء القاعة استدار حول محوره وصار يتملى الأرجاء؛ كل شيء في آتون صمت فارغ، مشى نحو البيانو، جلس على الكرسي الباذخ، رفع كفيه المتصالبين فوق الصف المتراص الملون ثم داعبه بحنو ابوي فأنشأ البيانو يئن بنبرة لبوة ملتاعة ثكلى فأخذ الرجل يشارك الكراسي والستائر المعدنية واللوحات وتماثيل الأبواب الموصدة بكائها المرير..

 
 

حين

   حين أخرج الصياد الحسون من الشبكة وأعطاني أياه كانت الفرحة في عيني قطعة سكاكر لذيذة، وحين كنت أتنكب الأزقة الظليلة في طريقي من السوق إلى البيت كنت أفكر في شكل البيت الصغير الذي أبنيه لحسوني الجميل، وحين وصلت إلى فم الزقاق الذي يفضي إلى دارنا نقرني الحسون نقرات متتالية مؤلمة في ظاهر كفي اللدن، أرخيتها من شدة الألم فطارت أحلامي كلها.

 
 

الصقر

   تيقنت قطعاً إنه ينتحر، اليوم الثالث على هذا الديدن، إسترخاء كامل، إطراقة صامتة وفي الزوايا القصية من القفص الحديدي ترقد حمامة تتفجر رعباً، همست... سيموت لامحالة إن لم أحرره.

فتحت الباب، مددت ساعدي الملفوف بالجورب الجلدي وامسكته من مخالبه، إرتكن باستكانة في راحة اليد، أخرجته... وضعته على الأرض.. على الأرض نفسها التي وجدته مضرجاً بدمائه، رفع رأسه المدبب، رمق الفضاء بنظرة اشتياق ثم... فرش جناحيه معانقاً صهوة الريح، انتشر ظله أمامي دائرة كبيرة ثم تصاغرت حتى صارت نقطة صغيرة، رفعت كفي أتقي الصهد الناث من الشمس، لمحته يهوي مثل طائرة محترقة، ثم اختفى في الأفق، وارتفع ثانية في السماء وفي مخالبه أرنب أسلم أمره للقدر، وحين حاذاني في تحليقه الحثيث لمحت عينيه تقدحان بروقاً تضيء عتمات زنزانات الكون كلها.

 
 

توحد

   يثقب بكارة البحر ويغوص بعيداً صوب الجزر المرجانية والصخور المدببة الخضراء، ويدخل تخوماً وبطاحاً واذناه تتعقبان صدى تلك الصرخة الموجعة.. يتعب، يرفس ساقيه نافضاً الأصداف بقدميه ويصعد بجسده الرشيق نحو الأعلى، يصير راسه فوق سطح الماء المترامي حد الأفق الأزرق، يحدق عبر القطرات المالحة الساقطة من شعره المسدل الملتصق على جبهته، يرى الساحل الرملي الساخن، ينيخ النداء الموجع دهليزا أذنيه فينغمر ثانية، يدخل مدينة، فقرية، وعند تشابك هائل لكروم دانية يبصرها بكل رخصها الأنثوي الطاغي تقف إزاء عنقود أسود كلون شعرها، تفتح ذراعيها العاريتين البضتين، تتقدم، وحين تأخذه بين ذراعيها تغيم الرؤى في بؤبؤي عينيه ويصير للماء لون الرصاص المصهور.

 
 

    قالوا في...

حب مع وقف التنفيذ

   كتابي السابق

⌖ حب مع وقف التنفيذ إضافة جيدة لعطاءات القاص المبدع هيثم بهنام بردى بعد أن منحناه ثقتنا واعترافنا بعطاء سابق له تجسّد في روايته الجميلة (الغرفة 213) ونحن بانتظار وتلهف لقراءة المزيد من فنه الابداعي الممتع.

   يوسف الحيدري

          جريدة العراق

⌖ وإذ يعرض القاص قصصه بلغة سلسلة عذبة، موظفاً مرجعيته المعرفية بهذا الخصوص فانه يقصد في ذلك إرساء دعائم نمط قصصي أصبح يشغل اهتمام المعنيين لأهميته وخطورته.

          جمال نوري

   جريدة العراق

⌖ عموماً... إن أهمية مجموعة (حب مع وقف التنفيذ) لا تقف عند جودة نماذجها، بل تتعداه كونها من المجاميع المحدودة جداً في هذا اللون القصصي، كما أنها تاتي لتثير الأسئلة من جديد عن جدوى القصة القصيرة جداً ومشروعية وجودها.

   عبد الستار البيضاني

          مجلة الطليعة الأدبية

⌖ إن عوالم قصصه هذه زاخرة بالأحاسيس والمشاعر التي يمكن أن تنفجر بين لحظة وأخرى متمثلاً أمام الخزين الميثولوجي والأسطوري في نسق رؤيوي أضفى على قصصه قدراً كبيراً من الجمال والحب... الذي لن يتوقف تنفيذه أبداً.

   شاكر مجيد سيفو

         جريدة الحدباء

 
 

 الفهرس 

الموضوع الصفحة

رؤوس اقلام 5

كيف دخل بردى مدينة السحر 8

الأعجوبة 11

عشبة كلكامش 13

نظرة قصيرة فقط 14

وليمة 16

تعاضد 17

يوتوبيا 19

السؤال 20

ولادة 21

متوالية 22

محطات 23

الفخ 24

ماراثون 25

المطهر 26

المشروع 27

القرد 29

كتاب 30

الليلة الثانية بعد الألف 31

دعموصة 32

المخاض 33

الفراش الأبدي 34

الصمت الفارغ 35

حين 36

الصقر 37

توحد 38

قالوا في.. 39

رقم الإيداع في المكتبة الوطنية (189)

لسنة 1995


 

(1) فن كتابة الأقصوصة: وولتر كاسبيل.


 

(2) فن كتابة الأقصوصة:ترنتويل رايت.


 

(3) رحلة مع القصة العراقية: باسم عبد الحميد حمودي.


 

صدى هي القصة الثالثة في مجموعتي القصصية (حب مع وقف التنفيذ ـ قصص قصيرة جداً) الصادرة عام 1989.

<

>