|
Iraqi Electronic Library المكتبة الألكترونية |
قصص قصيرة جدآ حب مع وقف التنفيذ |
|
الثلـج
تغوص قدماه في طيات الثلج المنفرش على امتداد الارض حوله ، يتوقف ويلتقط أنفاسه المتهدجة . ينزل الجسد الممدد على كتفيه وينيمه برفق فوق الثلج فيتشكل متخذا وضع المسدس ، يفرك الرجل أذنيه المتصلبتين بكفيه فتسرى فيهما حياة دبيبة ، يشعر بتخدر لذيذ فيغمض عينيه ويغرق في غرفة موصدة الابواب وقد نبتت في جدرانها مدافيء تهمي بنيرانها وتشيع حرارة يافعة في جسده المكدود . يخزر رفيقه الممدد الذي لاينم عن أية حركة سوى هبوط وصعود صدره فيهمس . - لا بأس يا صاحبي ، لم يبق سوى تسلق هذا الجبل ونصل القرية . & & & الخطوات الاخيرة للوصول الى القمة ثم ينحدر نحو القرية النائمة بوداعة صبية مجدولة الضفائر على سفحه ، تذكر الزوجة الواقفة وراء النافذة ترشق السفح بنظرات زائغة فتملكه رغبة حامية في تسلق البقية نطأ مثل ماعز جبلي نزق ، الجسد الهامد على كتفيه سرت الحياة في خلاياه فأنشأ يئن ، وبعد حين شعر الرجل أن القمر أشرق في قبة السماء منيرا فضاء الجبل . الخطوة الاخيرة … حسنا ها انت الان في القمة ، .. آه ، يا قريتي ها اني اغمر وجهي الاسيان في شعرك الليلى فدفئيني .. ولكنه حين قذف نظرة مذعورة الى المنحدر لم يجد الا الثلج المكدس ووادٍ سحيق ، فأحس ببرودة قاسية في عروقه وببطء أقعى ينظر القمر الذي بدأ نصفه المضاء بالاختفاء وراء سحابة رصاصية . & & & اندلق القمر ثانية يغسل الفضاء بنوره الفضي ، صحا من تأملاته على صوت واهن . - هل وصلنا … ؟ - تقريبا الاخر يتحرك ببطء شديد - أحس بفقدان نصفي السفلي . تمعن في الوادي المنبسط تحته وتسلقت نظراته تتفحص معالم الجبل الباسق أمامه ، التمعت عيناه وسرى الدم في عروقه، هتف . - هيا .. تمدد على كتفي جيدا .. هكذا .. ، لكي تحس بالدفء ، ماذا تقول .. ؟ انك مقرور .. لا بأس لم يبق سوى تسلق هذا الجبل ثم ننحدر نحو القرية .. صدى
يأتون ويذهبون هكذا ، أغنية الحياة الازلية ، من التراب الى الثلج .. كانت واقفة امام النافذة تتأمل الوادي والجبل المعمم بقبعة من الثلج البض البكر . كل شيء في الغرفة كان يفصح عن أحاسيس المرأة ، المصباح الواني ، الفراش المسفوح ، الاواني الملتمعة ، .. ووجهها . تذكرت كلمات أغنية قديمة . عندما تغطى الثلوج قمم الجبال ويهبط الليل ، الليل الابيض .. يتناجى العشاق .. وتدندن الاغصان العارية بالاغاني الاليفة.. يأتي فارسك الثلجي على صهوة القمر الفضي .. الفراش اكتوى بالنوى ، أمس موحشا يصطلي بالرغبة لعناق جسده المسكون بالثلج البض الدافئ .. (( في المرة الاولى جلب جوزا وبلوطا وزعرورا ، وأشياء اخرى ، كان يضحك وهو يحدثها عن الجبل والثلج والدببة التي تخطف الرجال الى غيران قصية في قمم رهيبة ، كانت تهيم في رنات صوته وهي تتأمله ، ورويدا رويدا كان صوته يغيب في فضاء الغرفة ، ولا تفقه بعدها سوى انفتاح وانغلاق شفتيه الناريتين )) صدى الاغنية يتسرب الى حناياها سياطا تلهبها فتحس أن الاشياء تستحيل الى نار ذات أسنة برتقالية . ويهبط الليل ، الليل الابيض … تتحرك أصابعها تبحث في طيات جسدها القابع تحت الثوب عن الاماكن التي حرثها فيه … (( في المرة الثانية عندما أتى ، لم يتكلم البته ، حملها بين يديه بصمت ، صمت صاخب بالحركة والقاها على الفراش .. )) - لو يأتي الان … ! سرت الكلمات في الغرفة كمواء مبتور لقط جبلي ثم تلاشت … لاشيء سوى جبل شاهق ينام بوداعة تحت طيات الثلج، وليل كئيب أبيض يغفو ببلادة في الوادي العميق ، وصدى أغنية قديمة.. يأتي فارسك الثلجي على صهوة القمر الفضي . ذكريات
في هدأة الهجيع الاخير من الليل استيقظ الكهل من نومه وأشعل عود ثقاب ونظر الى الجسد الهرم الممدد بجانبه ، همس... - ايه ، أيتها العجوز لقد غربت شمسنا . - ماذا تقول أيها المخرف ؟ فقال لنفسه دهشا . - انها مستيقظة ثم رشقها بنظرة عاتبة وأسر لنفسه . - مات كل شيء الا اللسان . ومن النافذة المقابلة للسرير تسللت خيوط فضية لفجر جديد فتمتم . - ايه ، لم يبق سوى اجترار الذكريات البعيدة . وبكر اللحظات تعالى شخيرة يغمر سماء الغرفة . الشقوق
على امتداد أفقي للبصر ، وفي مواجهة عيني العجوز المستكينة على كرسيها الممدد على أرض الحقل المعشوشبة ، بان جسدان فتيان لشاب غض يرتدي سروال ( كاوبوي ) عتيق ، وفتاة بضة الوجه . وهما جالسان تحت فئ شجرة اثل عملاقة … غضت العجوز أطراف أهدابها ورأت الشناشيل المشرعة بوجه السماء ، والستائر التي تفصل بين أبواب البيوت وجو الازقة المزدانة بصخب الاطفال وصراخ الباعة … كانت كلما تنتهز فرصة خلو الغرفة من العائلة تنسل بخفة نحو النافذة ، ترفع الستارة وتبصبص بعيون حذره . ولما تراه بوقفته في رأس الزقاق وهو يرتدي ( صايته ) البيضاء و ( دميره ) المقلم وطاقيته الصوفية ، وكان ثمة تيار لذيذ يسري في حناياها وتتصور نفسها بملابس العروس وهو بفتوته يقفل باب الغرفة ويستدير ، يواجهها بعيون خجلى ويتقدم منها بتوجس فيما تغض هي أطرافها ، يمد أصابعه برفق ويزيح البرقع عن وجهها و … تناهى الى سمعها ضحكة رقيقة فعادت الى نفسها وتلفتت نحو الشجرة فوجدتهما ، .. الشاب منكب على وجه الفتاة ، والفتاة تنصت بفرح وتبتسم بين الفينة والفينة ، صرخت .. - ايه ، أنتما الا تخجلان .. ؟ ! يبدو أنهما لم يسمعاها فضحك الشاب وأمالت الفتاة رأسها مغطية النصف الايمن من وجهه ، فيما انتاب العجوز شعور أرض خدش العطش جسدها وأحالها الى شقوق مفتوحة الاشداق . العاصفة
مثل عاصفة هوجاء دخل المقهى ، نظرت اليه بدهشة ، وجه تجاوز العقد الخامس بلحية كثة بيضاء ، يرتدي معطفا مطريا مسربلا حتى أسفل الركبة ، يرتكز في مشيته على عصا غليضة ملساء ، تفرس في الارجاء ثم انزوى على مقعد قريب مني . & & & كان يدخن بشراهة ، يمص الفلتر الاحمر ويكز على حوافه بأسنانه النضيدة ويحملق بقسوة في الاوراق الملقاة أمامه على الطاولة ، جاءه النادل . - قهوة مرة . قال ذلك دون أن ينظر اليه ، وبين الفينة وأختها ينظر عبر الزجاج الى واجهة السينما المزدانة بالنيون ثم يمسك القلم ويكتب . - غريب أمر هذا الرجل . همست لنفسي وأنا أراه يلقي قلمه فوق أوراقه بعصبية ظاهرة وحين وافاه النادل بالقهوة طفق يراقب البخار المتصاعد امام وجهه ، وبغتة تناول القلم ووضعه في جيبه ثم حمل عصاته وخرج . & & & قمت وخطوت نحو طاولته وجلست مكانه … أوراق بيضاء، وأخرى تقتحمها دوائر مغلقة ، وثالثة تنوء بكلمات مبعثرة لا يربطها رابط ، وفنجان قهوة لم يمس بعد . رجل وحيد اما ان لهذا الباب الحديدي ، بصبغته الزرقاء الحائلة ، الذي يخفي خلفه جوف غرفة تستكين بصمت الاشباح فوق سطح بيت بطابقين ، أن ينفتح . & & & ندخل ، … ترصد أعيننا تفاصيلها ، في العمق داخل العتمة يجلس كرسي سافر لونه ، يتهالك عليه رجل أمال رأسه الاشعث بعيونه الجاحظة الراكزة على نقطة بلهاء . وفمه الادرد المفتوح على سعتيه عالنا عن اسنان صفراء نخرها التبغ ، ولحيته المنتشرة على جانبي الفم والخدين الناحلين بشكل غير هندسي . وذراعان ممدودان على جانبي ركائز الكرسي بصمت عاصف … أمام الكرسي ، وازاء العيون المصلوبة ثمة كتاب مفتوح على صفحة جديدة ناصعة البياض ، وفوقها تماما ، على القمة ، يرقد بهدوء قلم حبر تنتشر جملة نستطيع ان نقرأها .. ( سيزيف كفاك تعباً ، صخرتك تعبت ، والجبل أعماه الغضب ، لن تجدي محاولاتك ، أنظر الى الزمن الذي يلاحقك، انك داخل قوسين ، الاول … الصخرة الفاتكة ، والثاني … الزمن الفاتك ، لا جدوى يا رجل ، لا .. ) & & & اما آن لهذا الباب الحديدي ، بصبغته الزرقاء الحائلة الذي يخفي خلفه غرفة يستوطنها رجل أشعث نائم منذ الازل .. ويكتب منذ الازل ، أيضا حكمه الخرقاء ، والى جانبه عيون دهشة مصلوبة فوق دفتر مسود بالكلمات ، أن ينغلق .. الهاجس
ضلت قدمه تضغط على الكابح حتى ارتجت المركبة ووقفت على الجانب الترابي من الطريق ، وطوقته اللحظة التي لم تستمر أكثر من جزء من الثانية ، أقصر من المسافة بين الهدب العلوي والسفلي لعينيه ، فقد حدث كالتيار الكهربائي الصاعق ، ففيما هو منشغل بأدارة زر الة التسجيل أحس بارتطام شيء ما ، جسد صغير ، أو ربما حجر صغير ، او هبة من قش ، ولما رفع طرفه بسرعة عانقت عيناه نقطة دم صغيرة اخذت مسارا رفيعا على الواجهة الامامية لزجاج السيارة ، فقرر مع نفسه ، أو دفعه هاجس عاطفي – ربما لكونه شاعرا – ان يكشف عن هويته فترجل من السيارة ومشى بخطى متئدة وعيناه تجولان في محجريهما مستكشفة معالم الشارع ، بدا الشيء الممدد صغيرا جدا دفعه هاجس حاسم الى النكوص ثانية نحو السيارة بيد انه اكمل المشي ولما وقف فوقه ، همس بحزن . - حمامه ! ؟ ألفــة
بدت يد الرجل القابضة على حبل ينتهي برقبة حصان يحمحم وراءه ، كيد مومياء لفرط تيبس انسجتها . بلع ريقه بصعوبة بالغة ، لم ينسكب في زوره أي شيء ، حتى ولو قطرة صغيرة من الرضاب ، نظر بغضب صوب الشمس التي كانت تلسع الكون بوهجها اللائب ، ثم صرخ باستجداء . - ماء . شعر بأطرافه تنفصل عن جسده ، وانه يطير معلقا بين السماء والارض ، يحلق بين الغيوم الحبلى بالمطر . يمد يده ، يقبض على الغيوم ويصهرها في داخله سواق رجراجة … استمر ينهل من الماء الذي خرش بلعومه في البدء ثم استوى منزلقا الى أحشائه . شعر بالارتواء ، تكاتفت كتل الغيوم حوله واستحالت الى بحر هائج فيما فاحت رائحة الماء تنفذ الى خياشيمه ، صرخ باستجداء . - اني اغرق عاد الرجل الى نفسه وتلفت حوله مأخوذا … لا شيء سوى السراب المنساح امامه فوق الكثبان الرملية اللامتناهية ، وكالحلم الجميل سمع صوت رشرشة فألتفت على عجل وأبصر الحصان فارجأ أطرافه الخلفية والبول يسقط على الرمال ، لم يضع وقته سدى فتمدد تحت الحصان وفتح فمه تاركا للماء الاصفر المالح حرية الولوغ الى أحشاءه . دغدغة احساس ثر بالارتواء فأستوي واقفا وربت على غرة الحصان الذي صهل هازا ذيله. جلس الرجل فوق الرمال وراوده شعور بأن الارض تناديه الى الاعماق فتمدد مسندا رأسه على بطن الحصان ، الذي سبقه بالجلوس ، وسافر ملبيا صدى الهتاف الهادر من أعماق الرمال . اليـــد قلت لها . - سأذهب . هتفت بدهشة - في هذا الليل ؟ - نعم . قالت بدلال . - غدا صباحا أجبتها بحسم . - بل في هذه اللحظة . توقفت زوجتي عن تمشيط شعرها وتأملتني من خلال المرآة الكبيرة الدائرية وزمت شفتيها ، اكملت ارتداء بدلتي وقذفت نظرة حادة نحو السرير ، فوقه تماما ترقد باقة الورد بصمت ، تناولتها وانا امتطي السرير ، سمعت زوجتي تقول . - ابق أرجوك .. - سأذهب . قالت بتوسل . - غدا سنذهب معا . قلت بتصميم أرعن . - كفى . سمعت همسها الغاضب . - عنيد . & & & لم اكن خائفا ولم افكر فيه قط وانا اشق طريقي بخطى واثقة متزنة، لا شيء ينير طريقي سوى مصباح اخر بيت في المدينة .. ها هو سور المقبرة يطالعني كجبل اخرس . صرت الان داخل المقبرة ، استطيع وأنا مغمض أن أهتدي الى قبر أمي ، وقفت ازاء شاهدة القبر ، جثوت على ركبتي ووضعت باقة الورد فوق القبر ، ثم انسحبت بصمت نحو الباب ، خيل الى ان صوتا ما انبثق من غلس الليل لم استكنه معناه ، واصلت المشي ، بيد ان الصوت جاءني الان جليا . - شكرا . وقفت ، أمسيت قطعة من حجر ، استدار الرأس المذهول بحركة لاغريزية حول محوره وحدقت … كانت ثمة كف بيضاء كالثلج تحمل باقة الورد بعناية ، فركت عيني والذهول مطر غزير ينز من سماء حبلى بالغيوم وحدقت ثانية .. لاشيء سوى ليل مظلم، وقبر امي بيد ان باقة الورد لامكان لها على شاهدة الرمس، همست بخبل . - أين الورد ؟ ! . سمعت صوتا واضحا - عندي . كان انثويا رخيما . - عند امك . … بفزع . - أمي .. وركضت باقصى ما يملكه الانسان من سرعة نحو الباب ، سمعت الصوت يهمس . - مع السلامة . وابصرت – في لفتة بصر – تلك اليد تلوح لي ، جسدي صار اقداما تركض . - السلامة يا ولدي .. واشعر ان اليد فوقي ، فوقي … & & & كانت الغرفة تهج بالضوء الاحمر الصارخ وزوجتي مستلقية على السرير ، قالت بحنو حقيقي . - تعال وحين كان السرير يزقزق تحت جسدينا ، رأيت – على حين غرة – على المرآة يدا بيضاء كالثلج ، تلوح ذات اليمين وذات الشمال. حب ... مع وقف التنفيذ عينان سوداوان ، واسعتان ، مستوفزتان ، تنفلتان مثل الزيبق متراقصة في المدى الابيض المترامي للحدقة ، تطلان من نافذة صغيرة ذي اسياخ حديدية متآكلة بفعل الرطوبة مزروعة في اعلى بناية شاهقة ، تهرول الحدقة المصلوبة في اعلى وجه حنطي حزين ناظرة نحو الاسفل ، بيوت … دكاكين … أزقة ، حبال غسيل في الاسطح وقد انفرشت على امتدادها قطع الملابس البليلة، وفي طرفها القصي تلبدان بخجل قطعتان داخليتان نسائيتان ورديتان ، تنسحب العينان في نظرة شاقولية نحو الاسفل حيث تترامى الساحة الفسيحة المكتضة بالرافعات والحادلات وفي أحد أطرافها ثمة دعامة كونكريتية حديثة التشييد واطئة نسبيا ترقد في قمتها حمامة ذات ريش كاكوي وعيون حوراء في دعة وترقب … يأتي طائرا بشكل عمودي ، يقف فوقها تماما في الفضاء ثم ينتفض عليها ويرقى ظهرها بحماسه الذكرى الدفاق ، ينقر مؤخرة الراس ويرفرف جناحيه محاولا موازنة جسده ثم يطبق ذيله المنفوش أسفل طرفها الدقيق . تتوقف الحركة في الحدقة مستقصية تفاصيل حلم بعيد … يعاود الكرة ثانية ، ولكن في سعير محموم ، يشتعل الصدغان الراكنان على جانبي العينين … وثالثة يطير الذكر محلقا في دائرة طول قطرها بضعة أمتار ، ويستكين مرة اخرى فوق الانثى الملتهبة ، تتنمل الجمجمة اللابدة خلف النافذة وتنفتح في المخيلة العتيقة الف كوى ألقه . في جانب الساحة البعيد ، هناك قطة بيضاء تراقب في هدوء المشهد الماثل امامها ، مستلقية على بطنها وواضعة رأسها المثلث بين قائميها الاماميين ، وتذهب في مراقبة لذيذة رخية حاسبة في مخيلتها الايام المتبقية على مجيء شباط .. بيد ان الغريزة الحيوانية العدائية ، أو ربما تعويض الحالة العاجزة والمشلولة التي تنوء تحت وطئتها جعلتها تقفز في حركة صاخبة ، ناسية الطريقة الفريدة التي يتميز بها هذا الكائن في المراوغة والحذر .. مائت بصخب مجنون وركضت كالمسعورة نحو الدعامة الكونكريتية ، انتبه الذكر فحدق فيها بعتب عاجز وثمة في عينيه ، ارض يباب تنوء بالقيظ ، طار عاليا تتبعه انثاه الى ان صارا نقطتين رماديتين ، فيما وقفت القطة كالبلهاء مأخوذة برد الفعل هذا … انسحبت العينان نحو عمق الغرفة العالية المعزولة ، وثمة في عمق البؤبؤ عنكبوت يحوك في المدى العميق للروح النزفة الف فخ . طرزان
كان طرزان ، بعضلاته القوية ، واقفا على جذع شجرة البلوط ، ينظر نحو الاسد الهائج قرب جذعها ، صرخ مع الاطفال. - سيصرع الاسد . يسأله رعد .. - كيف .. ؟ - سيشق فمه . - بماذا .. ؟ - بعضلاته . ضم طرزان كفيه على جانبي فمه وعوى فعجت الصالة البائسة المعتمة بالتصفيق ، وماج فضاؤها بصخب طفولي راعد ، وطار طرزان في الهواء . & & & قال لرعد .. - تعال نمثل فلم طرزان . وبعد صمت .. - أنا طرزان ، وانت الاسد . وافق رعد ، نزع ملابسه ، قلص عضلاته بزهو وتسلق شجرة الرمان الواقفة على طرف البستان ، نظر الى رعد ، رآه صغير مثل كرة ، صرخ . - كشر عن انيابك مثل الاسد . مشى رعد على اطرافه الاربعة زائرا بصوت صبياني مضحك ، وقف الاخر على قمة اعلى غصن في الرمانة وعوى بعد ان ضم كفيه الغضين على جانبي فمه . وطار طرزان في الهواء … ارتطم رأسه الصغير بالارض ، انتفض لبغته واهلة ثم سكن جسده، انتظر رعد لكي يصرعه مثلما فعل طرزان – في الفلم – بالاسد بيد ان الاخر لم يفعل ، فقال رعد … - اذن سأفترسك يا طرزان . وتهاوى عليه .. أحس بلزوجة في يديه ، رفعها الى وجهه، كانت كفاه مخضتين بالدماء ، همس مفجوعا … دم … دم. طرزان ، دم ، صديقي .. طرزان . الساحر
أخذته سنة من الدهشة حين رأى – من خلل شاشة التلفزيون – ذلك الساحر العجيب وهو يبلع الدبابيس والابر ، فسال أمه بحرارة . - هل هذه حقيقة يا اماه .. ؟ ! لم ترفع رأسها عن ماكنة الخياطة حين سألته . - ماذا .. ؟ - هذا الرجل الذي يبلع الدبابيس . - أين .. ؟ - في التلفزيون . تأففت بضيق ورشقت الشاشة بنظرة خاطفة قالت - الا تراه بعينيك . - ولكنه ، … الا يموت .. ؟ - لا .. وبرهة صمت . - كفاك ثرثرة . & & & - سأصبح ساحرا . وسرق بعضا من الابر والدبابيس من ماكنه الخياطة وانزوى في الحمام تخيل نفسه واقفا على المسرح والجمهور يترقبه باعجاب وذهول ، انحنى عدة مرات وهو يطبع على شفتيه ابتسامة طفولية، ثم وبحركة مسرحية مثل الساحر التلفزيوني حشر الابر والدبابيس في فمه وطفق يبلعها ، خيل اليه أن المسرح عصف بالتصفيق وهو يضحك ينحني ، ، يضحك ، ينحني … ثم لا ينحني، لا … شمس
أسير ، المدينة خلفي تسبح في سراب عائم والشمس امامي جنيه عصية المنال أقف حائرا .. - أيهما اسلك .. ؟ طريقان ممتدان ، الاول خلفه تله ، والثاني مستقيم سهل ، أقرر الاخير ، المح شاهدة قبر قديم ، أقرأ .. (( لا تدهش من كونك ستموت فلتدهش من أنك حي … )) - سأمشي في الاول . أتسلق التل ثم أنحدر نحو السهل ، وعلى سفح جبل عال يتفرع الطريق الى اثنين ، يفضي احدهما الى الدوران حول محور الجبل والثاني يتسلق صدره . - أيهما اسلك .. ؟ أتلولب مع الاول ، وبعد خطى يسيرة المح عن بعد جمجمة وعظاما آدمية ( تكون أو لا .. ) لاشي خلفي سوى التل ، لاشيء امامي سوى جبل تجلس عليه شمس ملكة ، أحرث صدر الجبل بخطوى، ثم .. فرعان … - أيهما … ؟ وأختار … … طريقان - … ! ؟ وها انذا أسير ، لا أدري منذ متى ، ساعة ، يوم ، سنة ، قرن ، قرون ، والشمس مقصدي . سيناريو لقطة (1) اسفلت الشارع ينز تحت شمس حزيرانية غاضبة ، ليس ثمة في الافق المغبر شيء سوى سراب يتماوج متوهجا ، وفي جانبي الشارع انتشرت ارض حصدت للتو فانتصبت السيقان الصفراء المذبوحة تنظر نحو سماء مشرقة . لقطة (2) تمشي على اطرافها الاربعة بخطوات واهنة ، ينتصب جسدها متقاطعا مع الشارع ، تقف ، تنظر الى الافق كمن اضاع شيئا . لقطة (3) - اللعنة صرخ الرجل بذهول ، نظر الى مؤشر السرعة . - 150 كم / الساعة فكر … لو ضغطت على الكابح تنحرف السيارة الى التراب وربما يعترضها عائق وتنقلب وان واصلت سأصطدم به فتتهشم مقدمة السيارة وربما تنقلب ايضا . أذن سأضربه على رأسه . لقطة (4) ترجل من السيارة واخذ يتفحص مقدمتها بأمعان- لا باس ، المصباحان مكسوران القى نظرة استياء الى الوراء ولمح الحمار مرميا على قارعة الطريق وقد تهشم رأسه . لقطة (5) الجحش الفتي يقف فوق الرمة التي بدأ عليها الانتفاخ ، يرمق الرأس المهشم ، يقف قبالة الرأس لدقائق ثم يفترس الارض. لقطة (6) الشارع طويل ، طويل ، والشمس جمرة متقدة ، والسراب بحر هادر ، والجحش لا يزال يجهل معنى هذا النوم الطويل للام، وبين فترة واخرى تمرق سيارة قرب الجثة ، ولا احد لا احد ، حتى يفكر في معنى هذا … لقطة (7) كان منشرحا جدا وصوت المذياع يغطي على هدير المحرك . لمح من بعيد نقطة سوداء صغيرة لم يعر لذلك اهتماما ذي بدء ، ولكنه فجأة تذكر الحمار ، مر الخاطر في ذهنه سريعا وتلاشى ، الرمة تقترب من عينيه بسرعة فائقة ، لمح ثمة جسدا اخر يتحرك فوق الجثة ، انشد للامر . اوقف السيارة دون وعي منه وترجل منها ، مشى صوب الجثة ووجد – لذهوله – جحشا يرمقه بنظرة خاطفة ثم يعاود مص الاثداء بنهم غير آبه به . لقـــاء
مشت بتؤدة تضرب البلاط اللامع بكعب حذاءها . الكل جلوس في حالة ترقب والصمت يرين على ارجاء القاعة … احست بالتعب يلسع اطرافها ، ارادت أن تجلس ، مسحت الارجاء بعينيها الشهلاويتين ، ليس ثمة مقعد فارغ … انسلت نحو الباب الزجاجي الدوار ، وقبل ان تحتويها الساحة الفسيحة المواجهة للعربات الواقفة لمحت الساعة الملصقة فوق ألباب ، أسرت لنفسها. - لم يبق على موعد وصول القطار سوى ربع ساعة . اهتدت الى مصطبة طويلة يحتل أحد أطرافها كهل أخذته سنة النوم ( وسط هذا الصخب ؟ ، انه خريف العمر ! ) مسندا جبينه على تكويرة كفه المستريحة على قمة عكازته المعقوفة ، جلست تاركة فسحة تسع لمتعب اخر ، تخيلته جالسا لصقها يرنو الى وجهها بفرح ، تشهق مذهولة وتتهالك على صدره وتحس بوجيب قلبه المتسارع ، ترفع وجهها وترشقه بنظرة تدله ، يحيط خصرها بكفه الغليضة ويساعدها على النهوض ، تنيم رأسها بشعره المتماوج على كتفه ويمشيان . وصحت على لغط قريب ، انسل الحلم متواريا ، رنت الى الفضاء ، كان الليل ملكا على المحطة وكل شيء في رصيفها يتراقص تحت انوار المصابيح الحليبية الشاهقة ، صات القطار بوجه الليل ، هبت واقفة ، و … & & & الاجساد تندلق من الابواب كالسيل ، تبحث في الوجوه بلوعة، الوجوه غريبة ، سمراء ، بيضاء ، حنطية ، بين بين .. - يا كبدي هتفتها امرأة عجوز ، وتهالك جسدها بين ذراعي شاب يحمل حقيبة متأرجحة على كتفه الايمن ، ولما ضم العجوز بين ذراعيه دارت الحقيبة نصف دورة وارتطمت بظهرها . - لِمَ لمْ يأت ؟ تحاول عبثا أن تجده بين الوجوه .. اسرت لنفسها بخيبة . - ولكنه قال في الرسالة بأنه سيصل هذا المساء . وشعرت ان الاجساد تذوب في صيرورة عينيها وتستحيل الى ضباب ابيض . انتبهت كقطة حين سبح اسمها في الفضاء يحمل في طياته رنة صوته الذكوري . وشاهدته بجسده الفارع يقف وينظر اليها، ركضت بكل قواها وهي غير مصدقة ، وفتحت ذراعيها .. العيون
فضاء الباص المضاء من الداخل يبدو كقاعة دراسية، والصمت المخيم على وجوه الركاب يذكره بصمت قاعة التشريح المكتضة بالاجساد الباردة المنتظرة ، وضع كتبه على فخذه الايمن ورشق نظرة متأملة الى خارج الباص ، كان الليل يفتح عينيه على الفضاء فيحيله الى عباءة سوداء ، وقف الباص ، صرخ المحصل. - راكب واحد فقط فاقبلت تميس بتنورتها الرصاصية وسترتها الزرقاء وجلست قبالته، نظر الى وجهها ، التقت عيناهما للحظة وامضة ، حول عينيه وانكب يدق على كتبه بأصابعه الناصلة . & & & للمرة الرابعة التقت العيون ، ابتسمت برفق ، ارتبك ، حاول ان يحك صدغه ولكنه خجل ، فأطرق يحدق في غلاف الكتاب الازرق المزين بصورة صغيرة تمثل وجه فتاة سمراء ، أحس بالاشياء تستحيل وتنتشر على هيئة غابة متطامنة الاشجار، وكانا، هو وهي ، يمشيان في أفياء الاشجار الباسقة ، يقفان بغتة ازاء جذع صفصافة فتية ، يحدق في عينيها ، يبحر في يم لانهائي تشرق على صفحاته الزرق شمس أبدية ، يمد اصابعه ، يلامس الخد اللدن ، يقترب وجهه من هذا القمر المنير، ويذهبان في عناق محموم … وأفاق علي يد تهزه برفق، سمع صوت المحصل . - عفوا ، .. انها المحطة الاخيرة . تفرس حواليه ، الباص فارغ ، المقعد فارغ ؟ اين الفتاة ؟ لابد أنها نزلت في احدى المحطات … حمل كتبه ومشى صوب باب الباص ونزل درجاته بملل وتلقفه رصيف يمور بالحركة .
|