Iraqi Electronic Library

المكتبة الإكترونية

وقفات في رحاب الثقافة الكرديّة

حمه كريم عارف تقديم  جلال زنكَابادي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وقفات

 في رحاب الثقافة الكرديّة

 

 

 

حمه كريم عارف

 

 

 

 

تقديم

 جلال زنكَابادي

 

 

 

 

 

حكومة إقليم كردستان

وزارة الثقافة والشباب

مديريّة الطبع والنشر- السليمانية

 

2010

 

م/ يقع متن هذا الكتاب المطبوع في 162 صفحة من القطع المتوسط

وقفة

مع

(وقفات في رحاب الثقافة الكردية)

 

جلال زنكَابادي

 

حمه كريم عارف (تولّد 1951 كركوك) أديب ، مترجم (عن اللغتين الفارسيّة والعربيّة) إلى اللغة الكرديّة ، وصحافي بارز في المشهد الثقافي الكردستاني المعاصر، وقد أتحف المكتبة الكرديّة بتآليف و تراجم تربو على الثمانين كتاباً (نصفها لمْ يرَ النور بعد) و سبق أن ترجمت له مجموعة (ظلّ الصوت و قصص أخرى) الصادرة في 2005، كما شرّفني بمؤازرته في تصحيح و تدقيق و تقديم قاموسه الرائد والكبير (كَوفند و زنار/فارسي- كُردي/ 1200 صفحة من القطع الكبير) والصادر في 2006

 

أمّا هذا الكتاب فهو يدور في فلك الفكر الثقافي تنظيراً وتطبيقاً، يتناول فيه المؤلّف المعطيات الموروثة والرّاهنة في مشهد الثقافة الكرديّة بجلّ تشعّباتها الأدبيّة والفنيّة والمعرفيّة، إنطلاقاً من العام إلى الخاص، عبر مقالات مكثفة مضغوطة، باقتضاب مركّز إستوجبته فسحة زاوية(وقفة) وكانت صفحة واحدة في مجلّة(كَولان العربي) الشهريّة، والتي أدار تحريرها وترأسه أيضاً في السنوات(1999-2003) وقد بلغ عدد الوقفات التي نشرها(46 وقفة) في أعداد المجلة(39-84) إلاّ أنّها لم تتسلسل حسب التبويب الحالي، الذي إقترحته على الأستاذ حمه كريم، مثلما اقترحت عليه من قبل أن يجمعها وينشرها بين دفّتيّ كتاب لأهمّيّتها البالغة.

  ولئن إنتظمت الوقفات في تسلسل جديد يقرّبها من مفهوم كتاب ذي وحدة عضوية، لاسيّما مضمونيّاً؛ فإنّه يبتديء بمقاربات مكثفة لمفهوم الثقافة ومفرداتها الأساسيّة، وعلاقتها بالسياسة والمجتمع، ودور المثقف العضوي، وطبيعة الإختلاف بينه وبين السياسي المحترف، وكذلك القمع الثقافي، لاسيّما الفكري، بالإضافة إلى الحرّيّة وأثرها على الإزدهار الإبداعي. ثمّ يتناول ابتداءً باللغة؛ بصفتها عنصراً مهمّاً من عناصر الهويّة القوميّة، وما لها من دور ثقا-حضاري تاريخيّاً وراهناً، وكونها دوماً حجر الأساس في كلّ جنس أدبيّ وكلّ منحى تربويّ... وبعدها يعرج كاتبنا على الأسلوب وتعدّديته، ثمّ يدخل إلى رحاب الأجناس الأدبيّة، معرفاً مفاهيمها، ومستقصياً علائقها بمجمل المعطيات الإجتماعيّة والسياسيّة، ثمّ يتناول أجناس الأدب وفروعه من: شعر، قصّة، رواية، ترجمة ونقد..بل لاينسى حتى دور المتلقي(القاريء بالأخص) وبعدها ينتقل إلى الفن بمفهومه العام، الشامل للأدب، ومن فروعه المسرح طبعاً، ويتناول بالضرورة جماليّة الفن.

  وبعد عشرات الوقفات في رحاب الأجناس الأدبيّة والفنيّة، يتناول الأستاذ حمه كريم مجالين آخرين مهمّين جدّاً في التكوين الثقافي، ألا  و هما: الإعلام والتربيّة والتعليم ، فيسترسل في الحديث عن القنوات الإعلاميّة و دورها المؤثر سياسيّاً وأدبيّاً وتربويّاً، لاسيّما(الصحافة)و(الصحافي) ومن ثمّ يختتم وقفاته السّالفة بوقفة مع التربيّة والتعليم.

  يتجلّى لنا الكاتب عبر وقفاته هذه عارفاً ذادراية نظريّة وتطبيقيّة في المحاور والمفاصل التي تناولها، ولا غرو؛ فهو قاص، روائي، مقاليّ، مترجم، صحافي ومربّي(مدرّس) بل ومناضل وطني وقومي اعتصم بالجبال قرابة عشر سنين، منتظماً في صفوف محاربيّ تحرير كردستان...أجل..إنّ حمه كريم عارف أديب ذو باع طويل ومفكّر ذو نزوع إنساني ثوري ديموقراطي؛ ولذا فقد جاء تشخيصه ونقده للسّلبيات التي تنخر كيان الثقافة الكرديّة المعاصرة، مع طرح الحلول المناسبة لها، من منطلق االنقد الراديكالي البنّاء ؛ ولاعجب في ذلك؛ فهو من نمط (المثقف المشروع) المتعدد والمتنوّع في الإهتمامات المعرفيّة، بموسوعيّة قراءته، وشبه الموسوعيّة في الكتابة والترجمة.، ومن هنا فهو يطرح( وحده) مشروعاً ثقافياً شبه متكامل. فهو(مثلاً) أغزر مترجمينا إنتاجاً منذ ثلاثة عقود، بل لايدانيه أحد(حتى في كردستان إيران) في عدد الكتب التي ترجمها عن اللغة الفارسيّة. كما انّه من أبرز كتّاب (العمود الصحافي- الثقافي) بين مجايليه من الأدباء والصحافيين الكرد.

  وختاماً لئن استجاب الأستاذ حمه كريم(مشكوراً) لمقترحي بجمع وقفاته، بل وشرّفني بمراجعتها وتنقيحها وتبويبها والتقديم لها؛ فلابدّ لي من تقييم مستوى لغته العربيّة ومحمولها من المضامين الأدبيّة والفكريّة؛ درءً لأقاويل بعض المتخرّصين الأدنياء، فأقول بلا مجاملة ومحاباة، انّ الأديب حمه كريم عارف يُعَدّ في رأيي من صفوة الكتاب الكرد المجيدين للغة العربيّة ممّن يكتبون بها؛ بلغته السّليمة إلى حدّ بعيد، والمشحونة بالفكر والمعرفة والتجربة الحياتيّة الغنيّة.ولو وجد ثمّة مائة أديب وكاتب ومترجم كردي ضليعين في اللغة العربيّة ومنتجين بها بمستوى طلائع الأدباء والكتاب العرب(وهم لايتجاوزون هذا العدد في رأيي) فإنّ الأستاذ حمه كريم عارف يتبوّأ مصاف أوائلهم، ناهيكم عن انّه أحد أبرز المترجمين الكرد عن اللغة العربيّة إلى اللغة الكرديّة.

  أمّا تقييمه كأديب ومترجم كردي، فقد جاء على لسان الشاعر الكبير شيركو بيكَس، الذي قال عنه قولة حق في نصّه الذي ترجمته، وألحقته بهذا الكتاب كخير مسك ختام .     

 

 

 

 

 

 

 

(1)

 

  يجب علينا قبل كل شيء ان نحدد مفهوم الثقافة ونعرفها تعريفا شاملا، بحيث يمكننا ان نتخذ منه منطقا للإطلاع على ما يتعلق بالثقافة من آراء ووجهات نظر مختلفة.. لاشك ان هذا العمل ليس بالهين، لان مفهوم الثقافة وتعريفها يختلفان من مرحلة تاريخية الى اخرى، وكذلك من طبقة اجتماعية الى غيرها،حيث تحاول كل طبقة او شريحة اجتماعية ان تصوغه تبعاً لمصالحها المادية والمعنوية.. لهذا يجب ان نبحث عن تعريف موجز جامع للثقافة يشتمل على النقاط المشتركة لاكثرية التعاريف الشائعة.

 كانت ثقافة كل شعب اومجموعة ما عبارة عن مجمل النشاطات المادية والروحية والفكرية والعلمية والدينية والعملية لهذا الشعب او تلك المجموعة عبر التاريخ، وان تكون على استعداد تام لتجديد نفسها حسب المراحل التي تمر بها،وان تعمل وباصرار على اشباع الضرورات والمقتضيات الروحية والمادية لعصرها، فحينها نتمكن من الوصول الى تعريف بسيط لها،الا وهو ان الثقافة بشكلها العام عبارة عن طريقة عامة للحياة وانها محاولة حضارية لترويض النزعات التسلطيةالكامنة في اعماق الانسان، وتحويلها نحو الديمقراطية والمدنية... وهذا يعني انه كان للكرد ايضا ثقافتهم ومثقفوهم.والكل يعلم ان الكرد قد تعرضوا وعلى مر الزمن للأضطهاد وحرموا وبأساليب شتى من حياة حرة كريمة جديرة بمكانة الانسان، وكان دأبهم ومنذ التاريخ القديم ولحد الآن مقارعة الظلم والاضطهاد،مما جعلهم من الشعوب التواقة الى السلم والسلام ولم يتركوا وسيلة إلاّ وجربوها من اجل البقاء والمساهمة الفاعلة في المسيرة التأريخية للبشرية.

*

   كان ومازال المجال الثقافي احد اهم المجالات التي كرّسها الشعب الكردي وسيلة للذود عن وجوده الانساني والقومي.. ورغم جميع المحاولات الهادفة الى تحريمه من ممارسة وجوده الثقافي الا انه لم يترك فرصة إلاّ واستغلها دفاعا عن وجوده الثقافي، وأثبت للجميع ان الحركة الثقافية الكردية هي حركة واحدة غير قابلة للتجزئة، ولايمكن فصل مراحلها عن بعضها البعض وانها في حالة تداخل وتفاعل جادين لايمكن النظر اليها إلا من خلال كونها تشكل وحدة زمنية موحدة.. لأن الحاضر هو وليد الماضي ومنه يولد المستقبل..اي ان الحاضر يكسب قوته الحيوية من الماضى ويوصلها الى المستقبل،وبهذا تتشكل الديمومة التى تمنح الحيوية التأريخية لكل شعب اوامة.

*

   لاشك في ان الحركة الثقافية لكل شعب تخضع لاحكام تلك المعادلة.. وتتفاعل معها تفاعلاً جدلياً، علماً ان للثقافات القومية ايضاً جذوراً ثابتة تتعمق مع مرور الأيام اكثر فاكثر، ولاتطرأ عليها سوى تغييرات طفيفة،ولن تأتي مثل هذه التحولات الا مسايرة لحركة التطور والتقدم اللذين يتطلبان التغيير. ومعلوم لدى الجميع أن  للجذر والساق اغصانا وفروعا تتجاوب مع التغييرات التي تتطلبهاالمرحلة ثم العصر. وان الجذورالاساسية الثابتة اوبطيئةالتغيّر ستحافظ على ديمومتها التي تشكل بدورها الخصيصة القومية، التي تميز شخصية شعب ما عن غيره.الا ان الاغصان والفروع رغم تجاوبها بتناسب طردي مع حركة التأريخ وما تنطوي عليها من تغييرات تبقى محافظة على علاقتها الوطيدة مع الجذور شبه الثابتة اوقليلة الميل الى التحول.لهذا نرى ان جذور حاضر ثقافتنا تمتد عميقا في ماضينا الثقافي وفروعها تتجه نحو المستقبل، وان واقع ثقافتنا في المرحلتين لابأس به، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبارالاوضاع القاسية التي مر ولايزال يمر بها الشعب الكردي. وهذا دليل آخر على مدى اصرارنا على البقاء وحرصنا على المساهمة في المسيرة التأريخية،ونحن الآن نتطلع بأمل الى الآفاق المستقبلية وطموحنا كبير في ولادة جديدة، وها نحن نحث الخطى، كي لانتأخر عن الركب وكلنا اصرار على الدخول في مركب التأريخ كمساهمين لا اتباع!

(2)

 

  لاشك في ان الامة الكردية هي اكبر امم العالم التي لا تتمتع لحد الان بسيادة سياسية معترف بها.. وكثيرا ما نرى ان المحاولات السياسية للاحزاب الكوردية تكرس لضمان مصالح حزبية ضيقة، اكثر مما تخصص لايجاد قيادة وسيادة قومية موحدة لتصبح بمثابة الترجمة القانونية لوجودناالاجتماعي.وهذا في حد ذاته يثقل كاهل المثقف الذي يجب عليه ومن موقعه الثقافي أن يعمل بجدّية لايجاد قيادة وسيادة موحدة تخاطب بروح قومية بناءة ابناء الامة الكوردية.

 

*

   لايخفى على احد ان القنوات الاعلامية تستطيع ان تلعب دورا مهما في تقريب الاتجاهات والميول المختلفة لابناء المجتمع،اذا ما وجهت نحو الوجهة،التي تؤمن التواصل الاجتماعي،الذي يشكل بدوره عاملا مهما في تكوين الوجودالقومي..الا اننا كثيرا ما نرى عكس هذا الاتجاه في قنواتنا الاعلامية سواء أكانت مرئية اومسموعة اومقروءة.

 

*

   ان احدى اهم المهمات التي تقع على عاتق المثقف،هي ان يسجل لنا حياة مجتمعه كما يراها هو وليس كما يريد منه المجتمع ان يراها.فهو الذي يقوم بتصوير شخصية بلاده ونفسيتها ويتغلغل الى اعماق روحها كي يسجل احلامها وكفاحها...وهكذا فالمثقف هو محرض الشعب وحامل رايته وممثله الحقيقي وذلك بحكم ما يتمتع به من رؤية نقدية تمكنه من كشف الجانبين السلبي والايجابي، لمجتمعه ومن ثم العمل على تجاوز الاول وترسيخ الثاني وتجذيره في نفوس افراد الشعب،الذي متى ما اصبح قويا،تطلع الى الحرية اكثر واستعد لنيلها مهما بلغ الثمن،ومن هنا يبدأ الخلاف بين المثقف والسلطوي.

 

*

   ومتى ما بدأ الخلاف،يحاول السياسي بصفته ممثلا للسلطة وحاميا لها ان يكرس جهوده لاصطياد المثقف واسكاته عن قول الحق وابعاده عن الشعب ومعانقة قضاياه والدفاع عنه، ومن ثم اجباره على ترك مهمة قيادة المجتمع للسياسيين،وهذه محاولة خطيرة لفصل العمل الثقافي عن العمل السياسي.ومتى ما اقتنع به المثقف يكون قد ارتكب ابشع انواع الاستسلام!

*

   ان من واجب المثقف ان يزيح العوائق التي تمنع الانسان من ان يكون حرا، لأن الحرية هي صميم الوجود،فمتى ما حرمت امة ما من ممارستها،ستفقد تدريجيا حقها في الوجود الانساني الحر، الذي يمثله وبالدرجة الاساسية المثقف المتلهف الى تعميق انسانية الانسان وتطويرها وتثويرها نحو الافضل والارقى...

   فالمثقف باعتباره شاهدا امينا لما يجري في عصره، يجب عليه مهما كلفه الامر ان لايحيد عن قول الحقيقة وان يشهد لصالح الاكثرية المضطهدة،التي طالما حرمت من ممارسة الحرية التي تشكل جوهر وجودهاالانساني. وبخلافه سيستحق الإدانة وسينتهي دوره كمثقف ويصبح موته مؤكدا،لكونه قد تخلى عن مهمته الثقافية التي لاتقل اهمية عن مهمة السياسي إن لم تبزها وعليه، يجب على المثقف الكردي ان يساهم و بجدية اكبر في صنع القرارات الستراتيجية المتعلقة بالقضاياالمصيرية لهذه الامة.. وان يعمل وباسلوبه الخاص ومن خلال شتى القنوات الاعلامية المتاحة، في سبيل وحدة ثقافية قومية كفيلة ببلورة الاجواء،التي تؤدي الى نشوء سياسة وسيادة قومية موحدة، تؤمن لجميع ابناء امتنا الحياة الحرة الكريمة.

 

 

 

(3)

 

   مما لاشك فيه ان السياسة عملية جماعية من حيث الشكل والمضمون، اذ لايمكن ان تمارس الا من خلال شعب ما اوفئة من الناس اوطبقة اجتماعية معينة. اي ان كل فعل سياسي مشروط بتواجد اجتماعي.حيث لاتوجد اي ممارسة سياسية خارج نطاق المجتمع، فاذا ما افترض وجود مثل هذه الحالة، فحينئذ تتحول السياسة الى ممارسة رومانسية فردية ذات طبيعة دونكشوتية وعليه لاغرابة في ان تكرس السياسة جل محاولاتها لاقتحام وغزو مختلف ميادين الحياة وتسخيرها لخدمة مآربها الآنية والمستقبلية.

 

*

   كانت الميادين الادبية والثقافية وماتزال هدفا من الاهداف المغرية التي شملتها وعلى نطاق واسع ،المحاولات السياسية اكثر من غيرها من الميادين.فهناك كثير من الامثلة حول المدارس والتيارات الادبية التي ابت ان تخضع للأهواء والاغراءات السياسية، فتعرضت للممارسات القمعية وبشكل سافر، وهذا يعني أن الآداب والنشاطات الثقافية الجادة كانت عرضة للتهديدات السياسية في جميع الازمنة والمراحل التاريخية بشكل أ و بآخر.

 

*

   ان الاهمية الثورية للآداب والانشطة الثقافية تكمن في مضامينها الصادقة وامانتها الاستكشافية لما يجري في الخفاء. من هنا تلعب الآداب والثقافات دورها التاريخي ويكاد يختصر تاريخ الشعوب والملل في ثقافاتها. واعتقد جازما انه لامغالاة في القول ان المستقبل المشرق لأي شعب مشروط بمدى اقباله على العلم والمعرفة والثقافة وامتلاكه لها.

 

*

   نحن نعيش في عصر السياسة، ومعلوم ان للسياسة جذورها السلطوية والدكتاتورية مهما ادعت الديمقراطية والليبرالية وتسترت بستارها،اذن فالسياسة اينما كانت لاتريد ولا تستطيع ان تترك الفرد حرا مستقلا من جميع الجوانب.. فالسياسة لا تقيد حرية التعبير فحسب، بل تفرض مجموعة شروط مسبقة عللا أحلام وتفكير الجماهير ايضا،فاذا ما ضربت مصالحها،ستتدخل في كل شاردة وواردة لتحد الحياة بحدودها فاذا كان هذا دأب السياسة القمعية فهل يعقل ان تنتعش الآداب والفنون في مثل هذه الاجواء الموبوءة بالدكتاتورية؟من المؤكد اذا ما استقرت الانظمة الدكتاتورية واستمرت لتشمل جميع مرافق الحياة، فحينها يستوجب الامر قراءة الفاتحة على الآداب والفنون.

 

*

من البديهي ان الآداب والفنون مرتبطة ارتباطا مباشرا بالاحاسيس الداخلية، عليه لا يمكن ان تلجم من الخارج، لأن الاعمال الفنية والادبية تنبع من تلقاء نفسها متى ما شعرت بأحقية وصحة احاسيسك، وهذا يكون على النقيض من السلطات عامة والدكتاتوريات منها خاصة،والتي تسعى دوما الى ان تهمين وتبسط سيطرتها على جميع الميادين، ومتى تحققت لها السيطرة الدائمة وامتدت لتشمل العالم، حينها ستبدأ الآداب والفنون بالتراجع ويفقد الاديب والفنان مكانته الريادية الثورية ويخضع لقوانين عملية التهميش التي لا تليق بشخصية ومكانتة الاديب الاجتماعية والفنية في حين أن طبيعة الآداب والفنون من حيث كونها تشكل التاريخ الحقيقي للأحاسيس البشرية، تستوجب ممارسة السياسة بصيغ ثقافية-حضارية،لاغيرها.

 

 

 

 

(4)

 

  لاشك في ان مرحلة الانتاج الثقافي،مرحلة متقدمة من مراحل النضج الانساني للمجتمع. ومعلوم للجميع أن للثقافة رسالتها،التي لا يمكن عزلها عن مرحلتها التأريخية،وانها في تفاعل وتزاوج مستمرين مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لعصرها..فنحن نرى بأن المثقفين الكرد وبحكم الاحوال والاوضاع الاجتماعية والواقع السياسي للكرد لم يستطيعوا ان يلعبوا دورهم المطلوب في تكوين الرأي العام واعادة صياغة الوعي الاجتماعي.اي ان المثقف الكردي لم يتمكن بسبب الظروف القاسية التي تحاصره في اكثر من جانب،من احتلال وتقسيم كردستان وشوفينية الانظمة الحاكمة للكرد وكردستان،من ان يتحول الى سلطة رمزية تضفي الشرعية على سلطته الثقافية وما يتبعها من ايجاد علاقة متوازنة مع السلطة السياسية وخاصة عندما تكون تلك السلطة دخيلة ومحتلة لكردستان،وقد ادى هذا الواقع المر وبمرور الزمن الى اعتزال المثقف  والعيش على هامش الواقع وان ينحي باللائمة على الاخرين، ويلقي بمسؤولية النتائج السلبية والاخطاء الفادحة على عاتق الواقع وليس على عاتق اسلوب وادوات التفكير وكيفية التعامل مع الحقائق، ناسياًاومتناسياً الحقيقة الجلية ان من لايستطيع قراءة واقعه واصلاحه،لايقدر على قراءة الآخر ثم قبوله،لأن كل قبول مرهون في جانب منه على الاقل،بمعرفة الآخر وقراءته بصورة صحيحة ودقيقة.

 

*

 

   هناك نوع من التضاد بين المثقفين والسياسة.وهو يعزى بصورة غير مباشرة الى الرؤية النقدية التي يجب توفرها لدى كل مثقف. لأن المثقف ليس من انصار التغيير فحسب، بل يعمل وبجدية واقعية من اجل التغيير، وهذا يضعه في خندق الثورة الدائمة،اما السياسي، وخاصة عند وصوله للحكم والسلطة، فأنه يميل الى الاعتدال، ويعمل من اجل تثبيت اركان الحكم والسلطة،ولذا يظهر نوع من التضاد والتعارض ومن ثم التباعد بين المثقف والسياسي.. ومع كل هذا لايمكننا الغاء الأواصر بين النضالين السياسي والثقافي.

   قد لايحسب مثقف اليوم نفسه ممثلاً عن الآخر، وهذا يؤدي الى تغيير مهماته،و عليه فهو يتعامل بصدق مع الظواهر والاحداث الجارية في محيطه وعصره، وبهذا يشكل ايضاً وجهاً مضيئاً من اوجه الواقع السياسي،ولذلك من الطبيعي ان يكون هناك نوع من التعارض بين النشاط الثقافي والسياسي، وان يتفاقم التعارض الى حد التناقض والصدام احياناً.

   وجليُ ايضاً ان النشاط السياسي حقل من حقول انتاج الخطاب الثقافي، وهذا يدل على العلاقة الوثيقة بين الانسان والثقافة بجميع جوانبها ومدى تلازمهما،واذ لايمكن لأحدهما ان يكون اويتكامل من دون الآخر.

 

*

 

   ان مسألة قبول الآخر اونبذه مرتبطة بالدرجة الاولى بمستوى وعي الافراد.وإن مدى التطور الانساني والاجتماعي للمجتمع مرهون بكيفية قراءة الواقع القائم ومشروط بتغيير ادوات فهمنا للواقع السائد، وكذلك تعاملنا معه مرهون بقدراتنا على ايجاد علاقات جديدة مع ذلك الواقع.

   ولسنانجانب الصواب، اذا ما قلنا ان مثقفينا لم يتمكنوا حتى الآن من انتاج خطاب ثقافي كبير بعيدالمدى، بحيث يمكن ان يساهم مساهمة جدية في تغيير الواقع القائم وعصرنة حياة شعبنا.

   من المؤكد أن مثقفينا ايضاً ابناء لواقعنا المعقد،فان كانت علاقاتهم في تضاد مع السلطة السياسية، فيعزى ذلك الى رؤيتهم النقدية ازاء الواقع.. لأن مجتمعنا اليوم يعيش مخاض التغيير، ولذا على صانعي الحياة،كل في مجال اختصاصه،ان يعمل بجد في سبيل تهيئة الاجواء اللازمة ريثما ينتهي هذا المخاض بولادة طبيعية وبسلام.

                                                   

*

 

   على اي حال،لا اعتقد بوجود نمط فكري واحد اونظرية معينة خالصة او ثقافة صافية خاصة في عصرنا هذا ،حيث تداخلت الانشطة الثقافية جميعها وتشابكت مع بعضها البعض في تفاعل تام،وخضعت من غير حرج لعملية التأثير والتأثر المتبادل،اذ لايعد هذا في عصرنا نقصاً اوعيباً وانما هو دليل على الحيوية واصرار على المساهمة في انتاج حياة تليق بالانسان.صحيح هناك صراع فيما بين التيارات الفكرية والثقافية الاّ ان الصراع لايمنع التعايش والتفاعل معاً،وسوف تزكي الحياةالافكار والنظريات والثقافات التي تمحور الثوابت،إن كانت هناك ثوابت، وتوجه المتغيرات،وتلح ومن خلال خوضها عملية التجدد والتجديد على المساهمة التامة في انتاج حياة عصرية تليق بأنسانية الانسان.

 

 

 

 

          (5)

 

 لاريب في ان للقمع تأثيراته السلبية، خصوصا اذا طال أمده،حيث ستبقى تلك التأثيرات كامنة في اعماق لاشعورالمضطهد ،وتنتظر الفرصة المناسبة،كي تخرج من مكمنها وتعبر عن نفسها وتحدو صاحبها الى حذو مضطهده، وماهذا الا انعكاس مباشر للواقع المر الذي عاشه، فهؤلاء كانوا يحلمون باليوم الذي يصبحون فيه بشرا، ويعاملون معاملة الانسان.الا ان صورة البشر في مخيلتهم لم تكن سوى صورة مضطهديهم، فما تقليدهم لمضطهديهم من الناحية السيكولوجية سوى محاولة استعاضية لانسانيتهم المهانة والمهدورة...وهذه الدوامة كثيرا ما وقعت فيها حتى الثورة التي ناضلت وبصورة مستمية من اجل تحرير المقهورين، خصوصا حينما ينظر الثوارالى الثورة وكأنها مكسب لايخص سواهم ولاحق لاحد فيه سواهم.لاشك في ان من يفكر على هذه الشاكلة، سيغلب على تفكيره شبح قاهره، وسيبدأ عاجلا اوآجلا بتقليده. فهؤلاء يخافون اصلا من الحرية ويتهربون منها، لذا تراهم يتقمصون شخصية مضطهديم، ويبدؤون بتقييد الحرية ووأدها على طريقتهم.لأن الانسان المقموع سيظل يخاف من الحرية مادام يحمل في ذهنه او لاشعوره صورة قاهره، وهيهات ان يصل الى الحرية الحقيقية. وهكذا نرى ان الخوف من الحرية هو احدى اهم المشاكل الاساسية، التي يواجهها الانسان المقموع، وعليه ان يمحوه من قلبه ويمسح صورة القاهر من مدى رؤيته وان يجرب بمنتهى الثقة حياته في الحرية وبالحرية،ويدرك جيدا أن لاحرية بلاانسان ولاانسان بلاحرية.والحرية حق مشروع للجميع، وهي ضرورة ملحة وجدية للتكامل والنضوج الانسانين، وبها يتحقق الوجودالانساني.

*

   هكذا ينبغي على الانسان ان يجري قراءة جديدة للقمع ويبحث عن الاسباب الكامنة وراءه، ليتسنى له ان يتخذ موقفا جديا بصدده.مستهدفا تحقيق انسانية الانسان.. رغم ان ظروف القمع هي التي تفرض واقعا لاانسانيا على طرفي معادلة الاضطهاد،الا ان الطرف المقموع هو الاولى بالنضال من اجل استعادة انسانيته المستلبة، وليس هناك من هو اكثر اهلا منه للقيام بهذا العمل،اذ لايمكن للمضطهد الاقدام عليه،لأنه قد تلوث بقمع الاخرين.

   لابد من الاشارة الى ان المقموع يعاني ايضاً من نوع من الازدواجية، فعلى الرغم من معرفته التامة بانه لا يستطيع ان يثبت وجوده بدون الحرية،الاانه يخاف منها بعض الخوف،حيث يقف قلقا في الاختيار بين ان يكون سيد نفسه اوتابعا لمضطهده،ان يكون متفرجا على المسرحية او ممثلا فيها.ان يكون صريحا او صامتا،مكبلا طاقاته الابداعية، صارفا النظر عن إعادة خلق عالمه الجديد.إن هذه الازدواجية هي كبرى مشكاكل الانسان المقموع، وعليه يجب ايلاؤها الاهتمام الجدي في مجالات التربية التعليم، وان تخضع للبحث والدراسة ويجرى الحوار بخصوصها.

*

  متى ما ادرك المضطهد أن العلاقات القسريّة هي حصيلة علاقات اجتماعية غير متكافئة، فانه سيبدأ بالتفكير في التحرر والعمل من اجل تحقيقه.لكن الادراك هذا ليس هدفا في حدّ ذاته،بل يجب ان يوجه نحو الواقع، كي يتفاعل معه،فيتبين للجميع ان الاضطهاد ليس الا عقبة على طريق التحرر من الممكن ازالتها وتجاوزها بالنضال المتواصل.    وهكذا فالواقع الاجتماعي الاضطهادي ثمرة علاقات متناقضة بين اطراف شتى، فالاضطهاد هو استغلال شريحة اوفئة اوطبقة اجتماعية وتدجينها بما يلائم مصلحة الطبقة المضطهدة. فلكي لايصبح المرء فريسة للقمع، عليه ان يرفضه ويتمرد عليه،حتى يحرر نفسه، ولن يتحقق هذا الهدف الا بالنضال الذي يهتدي بوضوح الرؤية واتخاذ مواقف ثورية تساهم في تغيير العالم. ولكي يصل المقموع الى اهدافه، يجب ان يواجه الحقائق بروح انتقادية، مجسدا اياها بصورة موضوعية؛ لان الاحساس بالواقع لوحده ليس كافيا،بل ينبغي ان ترافقه ممارسات انتقادية،لكي يتحول الى عامل تغيير.

(6)

 

 اذا كان الازدهار والتخلف الثقافيان لكل مرحلة مرهونين بشكل اوبآخر بمجموعة من العوامل والاسباب الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية السائدة في تلك المرحلة،فان الحركة الثقافية الكردية بمختلف جوانبها كانت كانت ولاتزال مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحركة السياسة الكردية،تنهض بنهضاتها وتكبو بكبواتها.تتقدم بتقدمها وتتخلف بتخلفها.

*

 ..هكذا نرى ان للأجواء السياسية دوراً مهماً في بلورة الحركات والنشاطات الثقافية،فكلما كان الوضع السياسي جيداً ومستقراًً،انعكس ذلك ايجابياً على الوضع الثقافي والعكس بالعكس.ولذا فإن ضمان الحريات الفردية والجماعية واشاعة الديمقراطيات المختلفة وتعميقها وتأمين حياة حرة كريمة،وضمان حرية التعبير ومنح الحرية المطلقة لأهل الثقافة عموماً والادب خصوصاً،كل ذلك سيكون في صالح المجتمع،لأنه ليس للمثقف والاديب من موضوع سوى الانسان وحريته، فاذا كانت هذه رسالة الاديب فكيف يسوّل له نفسه ان يخون المجتمع الذي ينتمي اليه؟!

*

 ..في الوقت الذي ننحاز في وقفتنا هذه الى المجال الادبي بصفته جانباً مهماً من جوانب العملية الثقافية بمجملها،نؤكد ان حجب الحرية السياسية ومصادرتها عرقلة كبيرة في سبيل الادب وتمهيد خطير لنشوء الدولة البوليسية، التي يفقد الادب في ظلها ثوريته الفنية،حيث يشيع جو من الخوف والتوجس،ويتآلف معه الناس يوماً بعد يوم الى ان يعتادوا ويصبح الجبن الفكري ميزة من ميزات حياتهم دون الشعور بها.

*

   هكذا نجد ان ازدهار الادب وانتعاش الحركات الثقافية وظهور الابداع كله مرهون بسيادة الحرية واشاعة الديمقراطية، التي في ظلها تتحقق آمال الاديب واحلامه الابداعية التي تشكل في ذاتها طقساً خاصاً من طقوس العبادة الصادقة،التي تؤدي في معبد الابداع بصدق لايشوبه  شائبة، والتي هي بدورها محاولة جادة للوصول الى تحقيق نوع خاص من الخلود.

*

   من البديهي ان محاولة الوصول الى الخلود هذه،سوف لن تبقى منحصرة في حدود الفرد، وانما تتجاوز لتشمل المجتمع ايضاً،لأن كل نتاج ادبي اوعمل ابداعي عظيم بصفته عملية تسامِ بواقع الانسان وتمهد الطريق لاندماج الفرد بالمجتمع الذي يمكن للفرد ان يمارس انسانيته من خلاله؛ وعليه لانجانب الصواب اذا ما قلنا أن الابداع والازدهارالثقافيين مرهونان بضمان الحريات الفردية والجماعية،بل أنّ الابداع في حد ذاته هو الوسيلة الاكثر جذرية لتحقيق الحرية ومشاركة فنية صادقة وجادة لرسم ما يليق بالانسان

*

   لاجدال في ان رجالات الحكم وصانعي القرارات السياسية في الانظمة والمجتمعات المتقدمة يتفهمون هذه المعادلة تفهماً تاماً ويدركون عواقبها على الصعيدين الفردي والجماعي،لذا تراهم ومن منطلق الشعور بالمسؤولية وحرصاً منهم على مصالحهم القومية يقومون بتأمين الحرية الكافية لابناء امتهم بما فيهم اهل الابداع والثقافة،ونورد هنا تأييداً لوجهة النظر هذه مثال الفيلسوف الفرنسي سارتر،اذ نعلم جميعاً بأنه وقف ابان احتلال فرنسا للجزائر ،ضد دولته،وقام بحملة توعية واسعة بين الجنود والضباط الفرنسيين وطالبهم بعدم القيام بقمع الثورة الجزائرية..ولقد اغضب هذا الموقف المتعصبين والمتطرفين الفرنسيين،واتهموه بالخيانة وطالبوا الرئيس ديطول بمحاكمته وسجنه،وكان رد الرئيس عليهم ان:"هناك اشخاص فوق الدولة، وجان بول سارتر هو واحد منهم!"لاشك انه في الاجواء التي يسودها مثل هذا الشعور بالمسؤولية سوف يزدهر الادب وتنتعش الحركات الثقافية ويظهر ادباء وكتاب كبار.

 

 (7)

 

 رغم ان اقتباس الافكار والنظريات عملية ضرورية تقتضيها الحاجات الفكرية والثقافية الاّانها لاتقتبس،لتطبق بحذافيرها في المحيط الجديد،كما كانت تطبق في منشئها،فالمادة المقتبسة يجب ان تخضع لتعديلات تنسجم مع المحيط الجديد،اي ينبغي ان تعاد صياغتها حسب الواقع الاجتماعي والثقافي الجديد وان تحول الى قوة اجتماعية وثقافية فاعلة تشارك في بلورة الآاراء وتمنحها حياة خصبة ينمو فيها خطاب فكري اوثقافي ثر متعددالابعاد يخاطب من خلال خصوصيته،الانسانية جمعاء.

 

*

 

   ان كل جيل يستمد صوته ولونه من مرحلته التأريخية والشروط الاجتماعية السائدة.فهو امتداد لسلفه وليس تكراراً له.اي ان هناك عملية تربط الحاضر بالماضي في اتجاه المستقبل. ومع هذا هناك نوع من التضاد بين الاجيال،يكمن فيه سرالتطور والتغير،اذ لولاه لكادت الحياة ان تتوقف،لان جذور الحياة تمتد في التغير والتغيير وفيهما كنه الديمومة والصيرورة.

   ان ما يميز جيل ما بعد الانتفاضة ويضعه امام مسؤوليات ومهمامتاكثر خطورة من سلفه،هو اولاً:الانتقالة السياسية الكبيرة التي شهدتها كردستان وتأثيراتهاعلى جميع مرافق الحياة، وثانياً:تحول العالم جرّاء العولمة ومااصطحبتها من ثورة معلوماتية وقنوات اعلامية وايصالية متنوعة،الى قرية صغيرة،وساعدت على ان تكون تجارب العالم في متناول هذا الجيل وان تصبح تجربة العالم جزءاً من تجربته او يستفيد منها ويبدع في قراءتها ضمن واقعناالخاص،وان يكوّن مع حاضره علاقات متينة وفاعلة وبناءة وان يخلق ثقافته وينشيء فكره ويهيء من خلال انتاج ثقافات جديدة اجواءً فكرية جديدة تنسجم مع مسار حركة التغير والتغييرالعصري.وان يقتنع كلياً بأن كل محاولة تغيير سوف تأخذ طابعاً سياسياً دكتاتورياً،من دون حركة ثقافية جديدة وعصرية في اجواء فكرية ملائمة ديمقراطياً

    اظن لاحقَ لجيل ما بعد الانتفاضة ان يلقي باللوم على الواقع اوعلى الآخر محاولاً بذلك التهرب من مسؤولياته ومهماته،فعليه ان يواجه مشكلاته بشجاعة وصبر ولايتركها للجيل القادم، وان يواكب الركب برؤية نقدية.

 

*

 

  الفنون الادبية ايضاً،ومنها القصة والشعر،هي مجالات النشاط الثقافي وانتاجه فنياً، فلأدبائنا وكتابنا تجارب في هذا المجال لا بأس بها.ونظراً لتلميحية الشعر والقصة وما تنطويان عليه من الرموز والفنون البلاغية،ولكون الشعب الكردي مضطهداً ومراقباً من قبل محتليه ونظراً لممنوعية التصريح عليه وعلى ابنائه،نرى أن جل اهتمام ادبائنا قد انصب على هذين المجالين بالدرجة الاولى.ومازالوا يرون فيهما المجال الانسب للتعبير عن آلامهم وآمالهم الفردية والقومية تعبيراً فنياً،مع يقينهم التام ان اصالة الشعر والقصة تنبعث من المحلية وتمضي صوب العالمية.

 

*

 

   اما بالنسبة لمجالات العمل الفكري اوالفلسفي،فهي ليست بهذه السهولة والبساطة،فحتى التقليد،اوالاقتباس في هذه المجالات ليس يسيراً.لأن كل فكر اصيل اوفلسفة رصينة عبارة عن تجربة خاصة قد تستعصي على التقليد.ففي احسن الاحوال يمكن تناولها وقراءتها عن طريق الشرح والتفسير والتأويل،فموضوع الفلاسفة والمفكرين هو العالم كله وخطابهم موجه للبشرية جمعاء وقراءتهم كونية،كل هذا ضمن محاولات جدية لخلق اسلوب اواساليب جديدة،بغية تنظيم العلاقات الفكرية والفلسفية مع حقائق الواقع.

   فعليه،ليس سهلاً على المثقف الكردي الذي لا يزال في بداية المشوار لقراءة ذاته واستكشاف ادوات جديدة لقراءة واقعه،املاً في توحيد خطابه الثقافي والسياسي،ان يقتحم مجالات الفلسفة والفكر..الا ان هذا لايعني سد الابواب في وجه المحاولات الجارية في تلك المجالات والتي لابد وان تقتحم وتفتح ذات يوم ليس ببعيد...

 

*

 

   تقدم الكتابةالابداعية نوعاً من المتعة ،بالاضافة الى كونها رسالة انسانية واسلوباً من اساليب التواصل الانساني وخلاص الإنسان من الوحدة والعزلة..ولن يحصل هذا اذا لم يكن العمل الابداعي نابعاً من صميم الكاتب او يعوزه الصدق.وبذلك تكون الكتابة محاولة جادة وبناءة في سبيل التحرر،وان تخلي المبدع عن الحرية يعد تخلياً عن انسانيته،وهذا هو الموت بعينه على الصعيدين الابداعي والانساني.اما بالنسبة للذين يتصرفون في حياتهم العادية بالعكس من ادعاءاتهم في كتاباتهم،فهم ليسوا بقلائل،وهم يعانون بطبيعتهم من امراض كثيرة اقلها هي عدم قدرتهم على احترام انسانيتهم.

 

  

 (8)

 

  الانسان في تطوره الحضاري والمدني مدين وبدرجة كبيرة للغة،فلو لم تكن اللغة،لما استطاع الانسان ان يترجم افكاره وطموحاته الى واقع،ناهيكم عن ان اللغة هي وعاء الفكر.

  لئن كان ابناء الشعوب المتطورة حضارياً والمتقدمة ثقافياً لاتعوزهم اساسيات التطور ولاتعرقل مسيرتهم العقبات الاساسية والثانوية،وليس عليهم الاّ حمل راية الاسلاف والمساهمة حسب الواقع الاجتماعي والثقافي ممثلين عصرهم ومرحلتهم في صنع التاريخ،فان ابناء شعب مضطهد كالشعب الكردي والمحرّم عليه حتى لغته الام ناهيكم عن الحقوق الانسانية بما فيه انشاء دولتهم الخاصة، يقع على عاتقهم حتى انتاج اللغة وبنائها.وهذا لن يحصل الاّ عن طريق تخطيط واقعي وعلمي مسبق،لأن الكاتب اوالمفكر عندما يلجأ الى الكتابة وتسجيل افكاره، لايمكنه عمل اي شيء خارج دائرة اللغة،ولذا سيضطر الى خلق وانشاء وايجاد ما يعوزه من المصطلحات والعبارات التي يحتاج اليها في الكتابة.ولذلك فإن اللغة الكردية اليوم بحاجة ماسة الى جهود جميع الكوادر العاملة في المجالات الثقافية والكتابية بمختلف اشكالها,خصوصاً وانها تمر بمرحلة حساسة وتسير قدماً نحو التطور من النواحي البنائية والثقافية والفنية.

 

*

 

  وهنا يستوقفنا التساؤل:ماذا علينا ان نفعل كي نتوحد لغوياً،اي نكون اصحاب لغة موحدة نكتب ونقرأ بها جميعاً؟ هناك آراء وتوجهات ومقترحات متباينة بهذا الصدد.فهناك من يؤكد على ضرورة دعم المؤسسات الثقافية والاعلامية والاكثار منها وتأسيس المطابع وانشاء دور نشر اهلية مدعومة من الحكومة،وتخفيض اسعار المطبوعات وخاصة الصادرة منها عن المؤسسات والوزارات ذات العلاقة المباشرة بالانشطة الثقافية لتوحيدالمصطلحات.وهناك من يؤكد على ضرورة اهتمام الكتاب باستخدام الكلمات والعبارات والمفاهيم القريبة من فهم الاكثرية من ابناء شعبنا الكردي اينما وجدوا،فهذا يؤدي الى زيادة جمهور قرائهم من ناحية وكسب شهرة اكبر من ناحية اخرى. ويعتبر عملهم هذا من الناحية اللغوية انجازاً قومياً مهماً.كما يؤكد البعض على ضرورة تغيير المناهج المدرسية بحيث تلائم المرحلة الحالية وتلبي لمقتضيات القومية وان تكتب بلغة مقبولة لدى ابناء الشعب الكردي في جميع ارجاء كردستان.كما يجب تشجيع تأليف الموسوعات والقواميس اللغوية والاعلامية في جميع المجالات والاختصاصات، لكي يستفيد منها القاريء الكردي.

   هكذا تغدو اللغة الكردية لغة الحياة والعطاء في جميع المجالات الثقافية والعلمية والفنية، وترفدها اللهجات الكردية المتعددة.وهكذا ستكون لنا بمرور الزمن ومن خلال الممارسات الكتابية لغة واحدة موحدة والتي ستلعب دوراً هاماً في تقريب وجهات النظر المختلفة وتوحيد الخطابالسياسي الكوردى ايضاً..كما يجب التنويه والاشارة الى ضرورة توحيد الابجديات التي تكتب بها اللغة الكردية.

  

*

 

   عندما يتناول الكاتب المواضيع العلمية المعاصرة، يتبين له مدى افتقار اللغة الكردية الى المصطلحات العلمية الفنية الادبية والسياسية.وطبعاًيقاس فقراللغة اوثراؤها بمدى عطائها العلمي والادبي والفني والحضاري والثقافي، وبمدى مقدرتها على الاستجابة لمتطلبات المجتمع الروحية والمادية..لاريب في ان لغتنا الكردية،ولأسباب كثيرة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتأريخية،لازالت تعاني من بعض الفقر الاّ ان العافية بادية عليها وابواب التطور مفتوحة امامها.

 

*

 

   يبدو ان اللغة الكردية لم تكن في يوم من الايام لغة للعطاء الفكري اوالعلمي بالمعنى الكامل والشامل لكلمة العطاء..ومن المؤكد وان اعداء الكرد كانوا ومازالوا مدركين لأهمية اللغة وحقيقة كونها اداة للتفكير،ولذا فقد حاربوا ومازالوا اللغة الكردية بشتى الطرق والأساليب، لاسيما وان الشعب الكردي مستعمر، فاذا ما توصل شعب ما الى تسجيل افكاره فإنه لا يستعمر ببساطة وسهولة..فلو كانت اللغة الكردية،لغة العطاء العلمي والفني،لأضطر حتى العديد من الاجانب الى تعلمها طوعياً،حباً منهم لدراسة معطياتها العلمية والفنية.ولأصبحت اللغة الكردية على احتكاك مباشر وحيوي مع غيرها من اللغات الحية المعطاءة ثقافياً وحضارياً..

 

*

 

   ومع هذا نرى ان ما لدينا من اعمال ونتاجات ثقافية بلغتنا الام رغم قلتها لدليل على حيوية اللغة الكردية،وانها حاملة طاقات تعبيرية رائعة ومفاهيم دلالية غنية تنتظر العلماء والادباء والفنانين كي يفجرونها ويمهدون لها سبل التطور كي تتسنى لها الاستجابة لمتطلبات العصر العلمية والثقافية والفنية،ومن ثم قيام كل كاتب في مجال اختصاصه بكشفها وتفجير طاقاتها الكامنة وتحويلها الى لغة منتجة ثقافياً وحضارياً..على ان هذه العملية يجب ان تجرى وفق خطط وبرامج علمية مدروسة بعيدة عن الفوضى والشغب،وتقع مسؤوليتها بالدرجة الاولى على عاتق المؤسسات الثقافية والعلمية والاعلامية ذات العلاقة.

 

 

 (9)

 

 اللغة هي دائما حجر الزاوية في كل عمل ابداعي اوفني،بحيث نستطيع القول جازماً بأن النص الادبي الرفيع عبارة عن فن الكلمة،فالكلمة تدل على الشيء اوالاشياء التي يتناولها الكاتب كموضوع خاص لتعامله الفني،فمن خلال الكلمة،واستخداماتها السحرية يتجسد الموضوع تجسيداً فنياً،وهذا يعني بأن اللغة والموضوع ستكونان على درجة من الاندغام والالتحام الفنيين بحيث لا يمكن فصلهما عن بعضهماالبعض في اي عمل ابداعي بارع.

   ان اللغة والموضوع في وحدتهما الفنية هما ثمرة اللقاح الاصيل بين الفكرة والكلمة.

 

*

 

   بما ان كل كلمة في كل مكان تدل على شيء ما وتعبر عنه، اي ان كل شيء يبحث عن الكلمات ويختار منها ما هي اقوى تعبيراً عنه واكثر تجسيداً له،فان كل شيء هو حصيلة الكلمة.

   وتبعاً لذلك فأن الموضوع ايضاً هو حصيلة اللغة، وكل موضوع يختار لغته الخاصة ويتوحد معها بشكل لايمكن تصور احدهما بمعزل عن الآخر اوالتفكير في فصل احدهما عن الآخر،وهذا يعني طالما تعددالموضوع واختلف، تعددت اللغة واختلفت. وهذه التعددية تؤدي بدورها الى ان تتغير لغة الكاتب من موضوع الى آخر...

وبهذا يتخلص الكاتب من نمطية الاسلوب ورتابته.

 

*

 

   اذا كان الاسلوب عبارة عن كيفية تعامل الكاتب الفني مع اللغة،فأنه ينبغي ان يتغير من موضوع الى آخر. وان انعدام مثل هذا التغيير لدى اي كاتب لدليل قاطع على عدم تمكنه من تناول الموضوع تناولاً عصرياً.

   قد يتباهي كاتب ما بأنه يُعرف من خلال اسلوبه.. ربما كان لهذا التباهي فيما مضى من مبررات..الا انه في عصرنا الحالي الذي يتخلله الكثير من التغييرات،المليء بالمواضيع المتشابكة والمتداخلة لن يبقى تبرير للتباهي،بثبات الاسلوب ومعرفة الكاتب من خلاله،لأن الالتزام بأية تقاليد راسخة للشكل لابد وأن يقلل من فرص نجاح الكاتب.

   فالتعلق باسلوب واحد في عصر لايعرف له قرار يدل على افلاس الكاتب وعدم تمكنه من خلق اللغة التي يتناول بها موضوعه وعدم قدرته على مزاوجتهما في بناء فني بارع،ومن جهة اخرى دليل على سطحية ومحدودية المواضيع التي يختارها للتناول الفني.

 

*

 

    إن الكاتب الذي يتقيد بأسلوب واحد،مهما تنوعت مواضيعه، سيظل على هامش العملية الابداعية التي لا ترضى بنمطية الاسلوب ولاتلتزم بالثوابت مهما كانت عظيمة،لأن العملية الابداعية هي عملية ثورية لحمتها وسداتهاالانقلاب والتغيير والبحث الدائم، الذي لايمكن ان يعالج او يعبر عنه بأسلوب واحد مهما كان قوياً.فإن كان الموضوع موضوعاً سيجد بطبيعته لغته الخاصة وعندها سيتولد النص من جراء مزاوجة الفكرة والكلمة،وهكذا ستستمر العملية الابداعية وفي اسلوب مغاير عند ولادة كل نص جديد.

 

*

 

   لذا فإن فرصة نجاح الكاتب تكمن في تعددية الاسلوب وليست في نمطيته، لأن التعددية دليل على متابعة الكاتب من جهة وتنوع مواهبه الابداعية، وبحثه الدؤوب عن القيم الجديدة وحرصه على ان يزيد احساسنا بالحياة،وكل ذلك يتم من خلال اللغة التي تتحول في خضم العملية الابداعية الى الشكل والمضمون معاً،وهكذا نجد ان تعددية الاسلوب هي الحالة الصحية دوماً في العمل الفني.فإن وجدت لدى كاتب ما لدليل على محاولته الجادة لأن يكون نسيج وحده وألا يحاكي او يقلد احداً غيره.

  إن التعددية دليل على التزام الكاتب بمبدأ الاصالة والتمسك بالطابع الفردي في عمله الفني، والابتعاد عن فعل ما يستطيع فعله غيره،والايمان الكامل بأن اللغة مشروع حي لاينضب وخاضع كأي كائن حي تمام الخضوع لقوانين التغييرات الاجتماعية والتأريخية ولايجوز قولبتها في اطار اسلوب ثابت.فمن يعمل ذلك فشأنه شأن من يسبح ضد التيار،ومن يعاكس التيار لن يكون نصيبه سوى الفشل.

   اذن لكل موضوع لغته الخاصة يتزاوج معها ويتحول واياها الى عمل فني موحد وفريد يشذ عن كل قاعدة ويخرج على كل قانون...وهكذا نجد ان تغيير الاسلوب مرهون بتغيير الموضوع،لكل موضوع لغته واسلوب معالجته. اذ لايمكن معالجة موضوع غرامي مثلاً بنفس اللغة والاسلوب اللذين يعالج بهما موضوع سياسي.

 

 

 

(10)

 

 ليست الآداب ومجالاتها المختلفة الاانعكاساً للواقع الاجتماعي والمرحلة التأريخية التي تعيش فيها الشعوب،وانها(الآداب) تكتسب الشرعية من الضرورات الاجتماعية لعصرها. وإن الميزة التي تعطيها الحيوية والخلود وتساعدها على تخطي عصرها هي مدى قدرتها على اعادة خلق الواقع خلقا فنيا ومدى تجسيدها لاحتياجات الانسان الروحية والفكرية الاصيلة، والتي قد تكون الاحتياجات نفسها في جميع المراحل والعصور الاجتماعية الاّانها تظهر في اشكال مختلفة تتناسب مع عصرها..

   ان عمر الآداب الكردية قصير جدا اذا ما قورن باعمار غيرها من الآداب الاقليمية والعالمية، هذا بالاضافة الى كونه متقطعا ايضا،وخاصة القصة الفنية الكردية اذ لايتعدى عمرها 70-80 عاماً والذي يتخلله الكثير من فترات الركود والانقطاع..اي انها(القصة) كانت متأثرة بالواقع السياسي السائد في كردستان،اذ كانت تزدهر بأزدهاره وتنكمش بانكماشه.

    لقد ظهرت القصة الكردية في مرحلة، كانت الحركة التحررية الكردية في طريقها الى الازدهار والصعود. ولايخفى على احد ان الحركة التحررية الكردية كانت ولاتزال في جوهرها حركة سياسية،وقد تأثر المجتمع الكردي وعلى مختلف الصّعد والميادين الحياتية والثقافية بهذه الحركة التي كانت تمثله. وكانت القصة الكردية قد وقعت أيضاً تحت تأثير هذا الواقع السياسي وعكسته بشكل اوآخر، وهذا يعني ان القصة الكردية قد تأثرت ومنذ بداية ظهورها بالواقع السياسي وغالباً ما تناولت مواضيع سياسية وعلى مستويات فنية مختلفة، ونستطيع القول أنها قد تحولت الى خندق قومي آخر للمقاومة من اجل البقاء وبهذا حملت بوظائف ومهمات لم تكن في جوهرها ادبية.لهذا نرى وحتى الثمانينيات من القرن العشرين ان القصة الكردية كانت فقيرة في طروحاتها ومحدودة في معالجتها لتلك الطروحات وكانت تخاطب جمهرة القراء بشكل مباشر وتعمل مافي وسعها لتثوير الجماهير وتشجيعها على المساهمة في النضال..وبما ان القصة شأنها شأن غيرها من الميادين الثقافية،حركة حية ديناميكية متفاعلة مع الواقع الاجتماعي،نراها قد طبعت بنفس البساطة التي كانت تسود الواقع الاجتماعي الكردي لتلك المرحلة، ولهذا نرى ان اسلوب معالجتها للطروحات والمواضيع كان بسيطا ومكرراً لدى اكثرالقصاصين، وكثيرا ما كان يأتي متشابها لبعضه البعض. وقد تضافرت كل هذه العوامل فأدت الى ان تفوق الاهمية السياسية والاجتماعية لقصتنا اهميتها الفنية.

*

   ومنذ ثمانينيات القرن العشرين طرأت تعقيدات على الواقع الاجتماعي الكردستاني،بحيث ادت  الى ظهور مواضيع متنوعة ومختلفة تستوجب طروحات ومعالجات فنية متنوعة وبلغة عصرية جديدة تتناسب طرح المواضيع وكيفية معالجاتها الفنية.وقد ادى كل ذلك الى اقناع الاديب الكردي أن ليس هناك قاعدة خاصة وثابتة يخضع لها العمل الابداعي وان لكل مبدع خلاق،الحق في ان يكتشف قاعدته الخاصة دون ان يضطر الى محاكاة تجارب من سبقوه او من يعاصرونه،إنمايعمل بقاعدته بمنتهى الحرية..وهذا لايعني بطبيعة الحال ان للقاص الحق في انتهاك وتجاوز سيادة واستقلالية النص المبدع وتحويله الى بوق لنشر افكاره السياسية..اذ يجب ان يكون للنص وجوده الانساني المفعم بالحياة والحيوية.

*

   ان ما يبدو على الادب الكردي، حسب رأي البعض، من الضعف والتعثر قد يرجع الى حالة المد والجزر،التي تعقب كل عملية انقلابية وثورية.. فمثلاً كانت الانتفاضة المباركة لشعبنا في عام 1991 في حدّ ذاتها عملية تغيير كبيرة تلتها حالة نوع من الفوضى الثورية واللااستقرار وقد انعكس ذلك في القصة الكردية...

   وهكذا نرى ان قصتنا ومنذسبعينيات القرن العشرين وقبلها بقليل، قد قطعت اشواطا طويلة على طريق التطور الفني الى ان وصلت الى مرحلة الثمانينات وهي تصور لنا الواقع بتفاصيله وتشعباته المعقدة تصويرا ادبيا وبمقاييس فنية مرضية الى حد ما،وهي مستمرة في محاولاتهاالجادة لعصرنة نفسها ومخاطبة القاريء بلغة فنية قد تروي غليله.

*

   لايخفى على احد ان الاوضاع السياسية في كردستان لم تكن في يوم من الايام مستقرة.. اي ان الكرد لم يكونوا حكام انفسهم، بل كانوا يُحكمون من قبل الآخرين،ويخضعون لشتى انواع الرقابة من سياسية واجتماعية وقومية وثقافية،اي ان شعبنا كان يعيش ولايزال في ظل اجواء يسودها الاستبداد والغدر،ومعلوم ان مثل هذه الاجواء الخانقة لاتساعد على ظهور حركات فكرية نشطة، وستنعدم النتاجات الفكرية والادبية والفنية، وان وجدت ستكون قليلة جدا وهذه القلة رغم اهميتها التأريخية لاتؤثر لها تأثيراً فكرياً اوثقافياً جاداً،كما هو مرجو.

   جدير بالذكر ان الذي ينشأ ويترعرع في مثل هذه الظروف اللامواتية، سوف تتكون لديه عقدة الشعور بالنقص وعدم الثقة بالنفس، هذا في الوقت الذي نعلم ان المبادرة الجريئة هي من العوامل المهمة لتكوين وانضاج التفكير وبلورة الرأي الصائب لدى الفرد،اي ان الفرد يجب ان يتمتع بمقدار من الموهبة والذكاء والجرأة التي هي شرط اساسي لكل عملية ابداعية....ونحن نعلم ان العمل الابداعي هو في حد ذاته تأريخ خاص يفوق التأريخ الاعتيادي والاحداث اليومية، وان مهمة العمل الابداعي هي اعادة خلق الاحداث اليومية وخرقها وترميزها فنياً. وهذا يتطلب من الاديب ان يتسم برؤية واضحة تمكنه من تحويل التجربة الشخصية اوالاجتماعية الى احساس فني يساعد على تغيير نظرة الآخرين الى الحياة والواقع، او على الاقل يعمل على تهيئة الاجواء الكفلية بتغيير نظرتنا الى الواقع ومن ثم توجيهها توجيها صحيحا مؤثرا..

 

(11)

 

  اذا ما القينا نظرة عجلى على مسيرة الآداب وتطورها، يتبين لنا أنه لايوجد ادب غير متأثر، قليلا اوكثيرا،بغيره من الآداب. فهذه الظاهرة تعتبر ايجابية، لأن الادباء، وخاصة في العصور الحديثة، هم قراء قبل ان يكونوا كتاباً،خصوصا اذا كان قارئا جادا وجيدا، سيخضع حتماً لتأثيرات النتاجات الادبية التي يقرؤها،بالاضافة الى تأثير التراث الادبي العالمي والذي اصبح بفضل توفر قنوات الاعلام والاتصال في متناول ايدي الجميع،والعالم كما نعلم قد دخل مرحلة الاحتكاك والاتكال المباشرين في جميع المجالات الحياتية، فهل يعقل في عالم كهذا ان يبقى الاديب خارج دائرة التأثير والتأثر، وان يرفض ذلك التراث الثري ويحرم نفسه من بركاته ونسماته المنعشة؟!إن وجود ادب غير متأثر ليس دليل العافية الادبية قطعا،بل هو دليل اكيد على الانعزالية وعدم القدرة على التفاعل الايجابي، علما بأن الادب وسيلة من وسائل ازالة الوحدة والانعزالية، بل اسلوب من اساليب التواصل الانساني ومحاولة جادة لتهيئة الاجواء والمناخات اللازمة لتحقيق انسانية الانسان.. إن للآداب مضامين مختلفة تسجل وتدون من خلال اطر متعددة، واليها تعود الاساليب المتنوعة، وهذا التنوع في الاسلوب يشكل بدوره عماد (المحلية)التي نجمت عن عدم المساواة في التطور الادبي والثقافي والاجتماعي والسياسي في سائر انحاء العالم، وهي تظهر في اشكال واساليب مختلفة تغني بدورها التراث الادبي العالمي.

 

*

 

   ربما يسبب التأثير نوعا من القلق والتردد،لكن لاضير في ذلك، لأنه يدخل في دائرة القلق والتردد الابداعيين.. فالتقليد اوالمحاكاة ليس نقلا امينا لهذا النص اوذاك العمل الأدبي، بل هو استنتاج لكيفيات اعمال جديدة ومعاصرة، التراث إذ ينبغي ألا ينقل اويستنسخ على علاته، بل أن على الاديب ان يمنحه نفسا جديدا وان يوظفه توظيفا واعيا وخلاقا في اعماله،لكي يخرج بعمل خلاق انساني الى الوجود. عليه لايمكن لأي نص ابداعي خالد ان يكون منقطعا عن التراث العالمي. والنص الابداعي المقصود هو ما يتجاوز الاحداث والمناسبات العرضية العابرة، ويحتمل قراءات عديدة وتأويلات مختلفة.

 

*

 

  إن العمل الادبي، خصوصا لدى الشعوب والامم المضطهدة، يحاول قدر المستطاع وبأسلوبه الفني ان يملأ الفراغات الاجتماعية والتأريخية التي تتخلل حياتها.. ففي الفترات المظلمة، نرى ان مايقدر الادب بصورة عامة والنص الابداعي بصورة خاصة، قوله وتجسيده وتسجيله، لايقدر عليه التأريخ الحقيقي الصادق، إذ نرى في تلك الفترات والمراحل يحل التأريخ المزيف، التأريخ الصامت،التأريخ الاخرس والاعمى محل التأريخ الصادق الجاد.. وعليه لاغرابة في ان يملأ الأدب الجاد الفراغ الذي يتركه غياب التأريخ الصادق وان يملأ الاديب الصادق الفراغ الذي يتركه غياب المؤرخ الشريف المخلص.. وبناء على ماتقدم نستطيع القول جازما ان وظيفة الادب ومهامه ستتضاعف فى الفترات المظلمة،خصوصا فيما يتعلق بالشعوب المضطهدة المستعمرة مثل اسعب الكردي، اذ يمكن الاعتمادإلى حد بعيد على النصوص الادبية في إستكناه معرفة الجوانب الدفينة من حياة الشعوب المغلوبة على امرها إبان الحقب المظلمة.

 

*

 

   بخصوص العلاقة الوثيقة بين النضال السياسي والثقافي، نرى أن عدم نيل شعبنا الكردي استقلاله الوطني لحد الآن، يشكل احدى اهم العقد التي يعاني منها الانسان الكردي،اذ لها حضورها الدائم في طوايا لاشعوره وتحتل جانبا كبيرا من تفكيره، لذا من البديهي ان تنعكس هذه الحالة في الاعمال الادبية، فما دامت بقيت هذه العقدة غير محلولة، سنظل عاجزين عن ان نعبر عن انفسنا بملء ارادتنا.

 

*

 

   هناك بدهية لابد من الاشارة اليها، ألا وهي لاوجود لأية ثورة،ان لم تندلع ذاتياً،أي إذا لم تكن لها جذورهاالمحلية، لأن الثورة ليست بضاعة جاهزة يمكن استيرادها من الاسواق العالمية او الاقليمية، ثم عرضها فى الاسواق المحلية،إنماالعكس فمن المحلية تنطلق العالمية،وعليه فان تحقيق الإستقلال الوطني يعمل على تسريع بزوغ شمس ثقافتنا وانجلاء ليل تأريخنا، فعلينا ان نستحضر ماضينا، كي نجلو كوامن حاضرنا ومن ثم نمضي الى المستقبل على مسار ذي بعدين أفقي وعمودي.

 

 

 

 

(12)

 

  هناك آراء ووجهات نظر متباينة ومتناقضة في صفوف الكتاب والادباء والنقاد واصحاب الرأي بصدد الكتابة ومهمتها،فبعضهم يرى أن الكتابة ليست وسيلة من وسائل التعبير والبيان،بل هي طريقة من طرق البحث وسبر لاغوارالعالم وكشف الجديد للقاريء. وكل هذا لن يتحقق الاّ بلغة صادقة وحية.ولذا يجب احترام اللغة وعدم انتهاكها لكونها تشكل حجر الاساس للكتابة بانواعها المختلفة من ابداعية واعتيادية،اي يجب ان لا نجبر اللغة على قول شيء ما بالاكراه.

 

*

 

   ان روعة الاعمال الابداعية تكمن في كونها نشاطا انسانيا بحتا،اذ ليس للكاتب سوى موضوع الانسان وحريته، وهذا يعني أنه لاشيء خارج الانسان، ومهمة الانسان ككائن محول ومغير للطبيعة،هو انسنة الاشياء في سبيل السمو بانسانية الانسان واستكناه الغاية من حياته،لذا فأن أي عمل ادبي يفتقد هذه الرسالة سوف لن يكتب له البقاء، ناهيك عن الخلود والارتقاء الى العالمية وسينحرف عن جميع اهدافه الفنية والروحية والفكرية والاخلاقية.

 

*

 

   هناك الكثير من العلماء والمفكرين الذين شغلتهم كثرة اعمالهم العلمية والفكرية عن الاهتمام بالفنون الجميلة والاعمال الابداعية الادبية ومتابعتها وبالتالي التمتع بالحدالادنى من اللذة الجمالية، التي لابد منها لتنقية انسانية الانسان من الشوائب التي قد تتعرض لها،وتزيد من غربة الانسان وتبعده في احيان كثيرة عن ممارسة وجوده الحر.

   فها هو ضارلز دارون يبدي ندمه على هذه الحالة في جانب من مذكراته ويكتب: "لوكان بالامكان ان اعيش ثانية،كنت اضع لي برنامجا يمكنني ان اطالع في الاسبوع مرة على الاقل بعض الاعمال الشعرية،او استمع الى مقاطع من الموسيقى الاصيلة..ان افتقاد هذه المتعة، يعادل البؤس والمصيبة،وهذا نقص كبير يضر بالاستعدادات والمواهب الفكرية اشدالضرر ويشوه مواهبنا الاخلاقية، ويخمد العواطف الطبيعية للانسان وبالتالي يحرفه عن الطريق القويم."

 

*

 

ان اي عمل ادبي يفتقر الى الحلم والخيال الانسانيين،لايمكنه الوصول الى مستوى من الادبية يضمن له الخلود والبقاء، ولايخلق في القاريء شعوراً مستمراً بالمشاركة الفعلية في ادبية النص.. وهذا يعني أن النص يستمد قوته وبقاءه وشرعيته من ادبيته وليست من اسباب دعائية لاتمت الى الادب بصلة. فمهما كانت قوة الدعايات والذرائع الاخلاقية والسياسية التي تروج لنص ما،سيظل يراوح في مكانه شأنه شأن طير مقصوص الجناحين يتحسر على الطيران.

 

*

 

   لقد نوهنا سلفاً أن الاغلبية من اصحاب الآراء والمفكرين والادباء متفقون على انه ليس للاديب سوى موضوع واحد الا وهوالانسان وحريته. وستبقى الفروقات في اساليب المعالجات الفنية،حيث تتعدد المعالجات بتعدد الاساليب، وهذا بدوره ينوّع القوالب الفنية المقبولة لدى القاريء اصلا،لكونها اصدق تعبيرا عن طبيعته الميالة الى التعددية اساسا.

   وهذا يذكرنا بافكار سارتر اذ عرف الكتابة بأنها طريقة من طرق ارادة الحرية، فمتى ما شرعت بها- شئت ام ابيت- فأنت ملتزم، فألالتزام هو الوفاء والاخلاص لموضوع او قضية ما.وبما أنّ موضوع الادب هو الانسان وحريته. فقضية الاديب هو الدفاع الفني عن الوجودالانساني الذي لم ولن يكتمل من غير سيادةالحرية.

 

*

 

   إن اقوى التزام هو ان يكون ذاتيا نابعا من اعماق صاحبه واضعفه ما كان مفروضا على الاديب موجها اياه كما يشاء.. ومعلوم لدى الجميع بأن القلم المسير اخطر من القلم المأجور،لكونه ان لم يقدر على خداع الجمهور حتى النهاية، فأنه يخدع البسطاء منهم ويحرفهم عن سواء السبيل لفترة ما،وهذه خسارة لاتعوض بسهولة.

 

*

 

   ان العمل الادبي في البلدان المتخلفة ليس عاجزاً أن يضمن الحياة الحرة الكريمة، لأصحابه بل بل يوقعم في الكثير من المشاكل والمصاعب المادية والاجتماعية والسياسية، بحيث يكونون عرضة لاصطياد المرائين والمتملقين من ازلام السلطة.لهذا نرى أن كل نشاط ادبي اضافة الى مهماته واهدافه الادبية يتحمل قسطا كبيرا من المهمات النضالية،ومنهاالنضال في سبيل مستقبل  مشرق وتقديم قيم انسانية جديدة.

   لهذا فإن مهمات ومسؤوليات والتزامات ادبائنا ستكون اصعب واخطر واكبر من غيرهم.

   وأخيرا وليس آخرا فإن الابداع الادبي ينمو ويزدهر في الاجواء الحرة ويعمل على انبعاث الحرية في اعماق الأنفس.

 

 

 

(13)

 

 ان احدى المشكلات المهمة التي يعاني منها الادب الكردي،هي اعتماد الكاتب على الخيال الواهي، وما يتولد منه من فنطازيات فجة،بدلا من الاعتماد على التجارب الحياتية المباشرة الممتدة جذورها عميقا في الواقع والعمل على اعادة خلقها فنيا وفنطازيا.اذ بهذه الطريقة وحدها يمكن للنصوص الابداعية الحفاظ على مصداقيتها الفنية ومخاطبة من يهمها من المخاطبين.                           

*

   يبدو ان الكتاب لدينا عاجزون عن اقتحام الحالات النفسية لشخصيات قصصهم والعمل على كشفها كشفا فنيا.لذا كثيرا ما نرى اعمالنا القصصية تعاني من الفجاجة والسطحية وتنقصها الحيوية الفنية التي تفرض قراءة النص على القارىء؛ ولذا أعتقد انه على كتابنا ان يخرجوا بالادب الكردي من هذا التقوقع، وان يكسروا القوالب الجاهزة البالية،وان يتجاوزوا هذه الحالة غير الصحية،اذ بالتجاوز وحده يتسنى لادبنا الكردي ان يجد متنفسا،كي يعبر انسانيا عما يعانيه ويريده الكورد ويجسده فنيا،طارقا باساليب محلية اصيلة ابواب العالمية.

*

   مما لاشك فيه،ان التجارب المريرة للانسان الكوردي شعبا وفردا،على درجة من الغنى، تكفي لرفد عشرات الاعمال الابداعية بمواضيع انسانية كبيرة قد تتجاوز مكانها وزمانها،اذا ما عولجت معالجة فنية ناجحة.

   ان شعبنا اليوم احوج من اي وقت مضى الى كتابنا وشعرائنا،اذ تنتظر غالبية الفئات الاجتماعية اجوبتهم الفنية على العديد من الاسئلة المرتبطة مباشرة بحياتهم التي يكتنفها الغموض والتعقيد، وذلك ايمانا منها ان ما يقوله الابداع القلمي ليس بوسع غيره من الاختصاصات ان تقوله.

*

   وهذا يعني ان على الادباء وبالأخص القاصّين منهم،ان يخلقوا ابطال قصصهم ويتركونهم كي يمارسوا حيواتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية في اطار العمل الفني،ليروا الاشياء التي ليس بمقدور الانسان العادي رؤيتها.وان يقولوا ما لا يقال من قبل غيرهم. وتبعا لذلك يتخلص الاديب من عبء النقد المباشر لاوضاع معينة في المجالات الاجتماعية والسياسية...الا انه مع بالغ الاسف نرى الكثيرين من ادبائنا ليسوا على دراية تامة بطبائع ابطالهم المتأزمة، لهذا تأتي معالجاتهم الفنية بعيدة عن الموضوعية وقلما يشفي نتاجهم القلمي غليل القاريء الكردي.

*

   اذن، يحبذ ان يتوجه الاديب وبعدته الفنية الى المواضيع المتعلقة بالحياة الاجتماعية وتفرعاتها المتشابكة وينتقي منها ما يفيد التناول الابداعي ويجسد اللحظات الانسانية الخالدة ويصور التطور الانساني لمستقبل البشر ويحبب اليه انسانيته التي لاوجود لكينونة من دونها. وبهذا ستعود العافية الى الادب الكردي ويشيّد صحوته الحداثوية المحلية لينطلق منها طارقا ابواب العالمية، التي لابد وأن تنفتح بوجهه عاجلا ام آجلا.

    ولذلك،على الاديب الكردي ان يغوص في الهموم البشرية محولا اياها الى وثائق فنية حافلة بالصدق،الذي يشكل بدوره حجر الزاوية لعملية البحث عن الخلود الذي لازم الانسان منذ وجوده وسيظل يلازمه الى ان يأتي اليوم الذي يتحقق فيه.فالمحاولات الابداعية البارعة والملتصقة بذاكرة البشرية والتي تتمتع بالصدق والاخلاص والحيوية التي تضمن لها البقاء على امتداد العصور.ما هي الاخطوات جادة ومشروعة على طريق الخلود.

   فمتى مااصبح الاديب صادقا مع عينيه اوتحول الى عين كبيرة، يرى بها كل شاردة وواردة ويكشف خبايا الحياة،محولا اياها الى تحفة فنية بارعة،سيتحول نتاجه القلمي او عمله الابداعي الى سلطان في التاريخ وللتاريخ وبالتاريخ وبهذا سيكون قد سجل لنفسه رقما بارزا في مباريات البحث عن الخلود، وسيبقى معلقا في ذاكرة التاريخ، وهكذا سيتجاوز المحلية منطلقا الى العالمية.

(14)

 

 ان التعامل غير الواقعي مع الظواهر ومجريات الاحداث يكاد يشمل معظم الانشطة الحياتية لدينا ويعمل على تحريفها عن جادة الصواب،حتى العمل الادبي بصفته نشاطا ذهنيا جديا للانسان لم يفلت من هذه الظاهرة وآثارها السلبية.

لاشك ان هذه الظاهرة حصيلة اسباب عديدة منها:

   1- تقييم الادب بمعايير لاتمت الى الادب بصلة.

   2- معظم الكتابات التي تنشر اليوم باسم الادب،هي كتابات لا علاقة لها بعالم الادب.

   3- كثيرا ما نحمل الادب رسالة غيرادبية وبالتالي نقوله ما لايريد قوله وهذا يؤدي الى فقدان ادبيته.

   4- هناك ظاهرة احلال المقاييس الاجتماعية والنظرات السياسية محل المقاييس الادبية والنظرات النقدية في تقييم النصوص الابداعية.ومن سوء الحظ نرى تحمسا كبيرا من لدن الكتاب للدعاية السياسية التي تروج لهم ولنتاجاتهم الادبية الفجة.علما بأن السياسة لدينا لاتزال نتيجة تحديات سياسية من الخارج وليست حصيلة اختمار فكري من الداخل.فكيف ياترى تقدر ان تقدم تقييما واقعيا- تمتد جذوره الى عمق الادب-للنصوص الابداعية؟

   5-لاينظر الى الآداب بان لكل فرع من فروعها استقلالية تامة رغم الصلة القوية بينها،وانه لاوجود لأي منها خارج نطاق ادبيته ونصيّته.

   6- لم يقدم المختصون اوالنقاد الكرد في هذه المجالات دراسات وبحوث جادة تساهم في علاج وشفاء النتاج القلمي، وتغيير نظرة القاريء اليه وازدياد تمتعه به، ومن ثم العمل على اطالة عمر النتاج القلمي. ومن هذا المنطلق، اود ان ادافع قليلا عن الأدب.

*

   لاريب في ان تقديم تعريف شامل وجامع للأدب امر صعب يجب ان يسع جميع مناحي الادب.ومع هذا نعتقد انه رغم كثرة نقاط الاختلاف بينها،تلتقي جميعها في نقطة واحدة وهي انها: "اسلوب من اساليب التواصل الانساني" وعليه فإن موضوع الادب هو الانسان وحريته. وهو ما يكسب الادب طابعا نضاليا خاصا،لأنه يناضل من اجل تسخير الواقع لخدمة للانسان،ويعمل على سبر غور مجاهيل الحياة،كي يثير في القاريء شعورا مستمرا بالمشاركة الفعلية فيها، ويتصدى لما يتعرض اليه الانسان من اضطهاد وهدر للكرامة،ويعمل باصرار على تحقيق انسانية الانسان، ويتخذ مواقفه من الحقائق والاحداث ومجمل الحياة. وهذا يعني ان الادب قوة تتحرك في غمرة الاشياء وعمقها، لان احدى مهمات الادب هي تحويل التجارب الواقعية الى كيانات فنية مفعمة بالحياة التي تليق بالانسان. وخلاصة القول،ان ما يهم الادب هو الحرية، والحداثة والانسان الحر، والتي تشكل في مجموعها كون الادب من عدمه.فأن لم يأخذ الاديب هذه الحقيقة بالحسبان،لايستطيع ان يمتلك من الادوات الفنية ما تساعده على احتواء الواقع احتواءً فنيا يضمن له عملا ادبيا خالداً.

*

   ان على الكاتب ان يعلم ابناء جلدته لغة الحرية، وان يعوّدهم على استخدام تلك اللغة في جميع مجالات الحياة.ولاشك ان خلق وايجاد مثل هذه اللغة من صلب مهمات الادب،والادب هو الخالق الوحيد والشرعي لها،لذلك نرى ان ادب المقاومة هوالتعبير الفني عن الحرية والانسان ورفض قاطع لكل انواع الاضطهاد والاستعباد الانسانيين.وهنا نرى ان العمل الادبي الذي يتخطى حدودالواقعية السطحية او حدود الرؤية الظاهرية للواقع، يدخل في نطاق الواقعية الرمزية ويحتفظ بأهميته الاجتماعية والفنية،ويتجاوز عمر مبدعه وعصره.

   وهكذا،فأن قضية الادب الاساسية هي الحرية، وليس هناك ادب يقبل القيود والاقفاص ايا كان نوعها، لانه سوف يكسرالقيود ويخرج من الاقفاص، كي ينتقم له ويستعيد حريته المغتصبة.

   وختاما لابدّ من التأكيد على ان الحرية كانت وستظل عمادالادب...

(15)

 

 ان اروع ما ابتكره الانسان في الوجود هو اكتشافه للكتابةالتي احدثت انعطافة لم يسبق لها مثيل في تأريخ البشرية،اذ شكلت البذرة الاساسية للوجودالبشري وغدت اساساً لجميع الابداعات الفكرية اوالفنيةالخالدة.لاريب ان الكلمة المدونة واهميتها تختلفان بأختلاف المجالات الحياتية والمراحل التي تمران بها من طبقة الى اخرى وحتى من فرد الى آخر.فعلى سبيل المثال وليس الحصر نرى ان الكلمة في المجالات الادبية تأتي في مقدمة الاولويات وانها لعلى درجة من الاهمية،يمكن القول ومن دون اي تردد:ليس الادب سوى استخدام سحري للكلمة،بعيداً عن الرياء والتملق،مستغرقاً في الاصالة والصدق،مجسداً وبأكبر قدر من الفنية الفضاءات الروحية ومترجماً الاحاسيس الانسانية الى تجارب حياتية تحمل في ثناياها بذارالخلود.

 

*

 

   اذا ماالقينا نظرة سريعة على الادب الكردي نرى رغم شحة الانتاج، ان ثمة ندرة في الاصالة التي لايمكن للآداب ان تحيا من دونها ولو لفترة قصيرة،ناهيك عن اكتساب الخلود.اذ يمر الادب الكردي اليوم بمرحلة ركود تكاد ان تكون شبه تامة ويطغى عليها التملق والرياء والانتحال وغياب النقد الحقيقي البناء..

   وقد عملت الاوضاع الاقتصادية المنهارة والمصالح المالية الضيقة، والعلاقات الحزبية التي تسودها الفوضى في كثير من الاحيان،حيث يتحول كل شيء الى سلع مادية خاضعة كل الخضوع للقاعدة الذهبية(العرض والطلب).

   جليّ ان صانعي السلع واربابها يقومون وفي سبيل تنشيط تجارتهم وضمان اكبر قدر من الارباح،بإنتاج وعرض احدث الموضات مما تبدعها مخيلتهم من سلع.. هذا في الوقت الذي نعرف حق المعرفة ان الفنون والآداب الاصيلة بعيدة كل البعد عن ان تتحول الى سلع تجارية خاضعة لقانون العرض والطلب الذي يتحكم بالسوق.وذلك لان كلا الادب والفن نابع من دوافع روحية نزيهة، تضمن له البقاء والخلود وتمكنه من نقل الاحاسيس المجربة من قبل المبدع الى الآخرين.

 

*

 

   ان اي نص يعجز في تأدية مهماته المنشودة على احسن وجه،سيفتقد خصوصيته الهامة والمتمثلة في الاصالة،الصدق والابتعاد عن التملق والرياء.

   لاريب في ان الرياء والتملق هما آفة الادب الكبرى.فمتى ما ترك الاديب الكتابة كقضية انسانية، واتخذها وسيلة للارتزاق لحمته وسداته:المدح والقدح، فأنه سيتحول الى متفرج خائن وجبان على حد تعبير(فانون) ويصبح اداة في ايدي الطغاة من الحكام،حيث يخدع لهم جماهير الشعب من جانب ويعمل على تثبيت اركان سلطاتهم القمعية من جانب اخر ويقوم بخلط الاوراق بغية تضبيب وتشويه رؤية القاريء النقدية.

 

*

 

بقدر ما يقترب الكاتب من السلطة القمعية ويقوم بمغازلتها ومساومتها،سيبتعد عن قضيته المتمثلة في حماية المكاسب الديمقراطية وتعميق انسانية الانسان، ولايمكن له ان يلعب دوره كمراقب ومصفاة لتنقية الشوائب التي تعلق بالسياسة من خلال الممارسة السلطوية،ففي مثل هذه المواقف لن يبقى امام الكاتب سوى التوقيع على موته كحامل رسالة وصاحب قضية ولايحق له ان يحمل هوية الكاتب،فهو مجرد مداح نباح لايمكنه ان يضيف الى سفر الانسانية شيئاً يفتخر به شعبه حاضراً ومستقبلاً.    

(16)

 

  جليُ ان هناك علاقة وثيقة بين الحركة الثقافية الكردية بجميع اتجاهاتها وتياراتها المختلفة والحركة التحررية الكردية السياسية،اي انها تخضع بصورة مباشرة اوغير مباشرة لتأثيراتها الايجابية والسلبية معاً.بالاضافة الى ما للعامل الاقتصادي من دورمؤثر في نشوء الوعي السياسي لدى الشعوب والامم.ومعلوم ايضاً ان اهم ما كان ولايزال يميز الواقع الاقتصادي الكردي هو التشتت والتبعيّة وتأثيراتهما السلبية في تشتيت رؤيتنا السياسية وتبعيّة ثقافتنا القومية، وهذا يعني ان الآداب ايضاً بصفتها جانباً مهماً من جوانب الثقافة وحقلاً خصباً من حقول النشاط الذهني للإنسان لا تفلت من التأثيرات اعلاه.

*

   برغم ان الشعر يحتل مساحة كبيرة من خرائط الآداب الشرقية،فإنه لم ينبت كالفطر، بل له جذوره العميقة في مجمل الحركة الثقافية الشرقية،وهناك اسباب وعوامل كثيرة: سياسية، ،اقتصادية،اجتماعية وتاريخية ساعدت على ظهوره وتطوره.والتاريخ حسبما يقول هيطل"عبارة عن تطور وتكامل الروح عبر الزمن"وهو تعريف يثير الكثير من الاسئلة،التي لايمكننا الاجابة عليها الآن لضيق المجال، وهناسنركز وبشكل خاطف على عامل التاريخ دون العوامل الاخرى.     ومالمجتمعات البشرية الا وليدة مراحلها التاريخية وعلاقاتها الاجتماعية السائدة في كل عصر،حيث طرأت التغيرات الكثيرة على حياتها وكيفية تفكيرها،فما كان مألوفاً ومقبولاً لديها في مرحلة ما،اصبحت قديمة وغيرمقبولة في مرحلة اخرى،وهذا يعني بان العامل التاريخي على درجة كبيرة من الاهمية بحيث لايمكن لاي نشاط انساني مهما كان نوعه ان يفلت من تاثيراته الايجابية والسلبية.

*

...والادب بصفته عملاً ابداعياً هو احد اقدم الانشطة الذهنية للبشر،لم يفلت طبعاً من هذه الحالة، فعلى سبيل المثال لاالحصر لانجد في عصرنا هذا احداً يكتب الشعر بأسلوب الشاعر نالي(1800-1856) وذلك لسبب بسيط،وهو: ان نالي كان ابناً لعصره وقد ميّزه صوته الشعري عمّن سبقه،وبوّأه رائداً لنشوء مدرسة شعرية للاحقيه،وهكذا نرى ان لكل مرحلة خصوصياتها وروادها وحملة رايتها في شتى الميادين..فالشاعر عبدالله طؤران 1904-1962 كمثال معاصر، رغم كونه امتداداً للحركة الشعرية التي سبقته،فهو ليس تكراراً لها،لأنه يمثل عصره الشعري ويعالج قضاياه برؤية فنية قادرة على التعامل مع معطيات العصر، الذي يختلف عما قبله اوبعده بكثير اوقليل.

   وهكذا نرى كيف ان المراحل التأريخية، في تداخل وتشابك ويكمل بعضها البعض، وتحمل كل مرحلة بالاضافة الى صوتهاالخاص،بعضاً من الاصوات الاصيلة للمراحل السابقة. وهذه حالة تنطبق على جميع المعطيات الاجتماعية والاقتصادية والتأريخية والثقافية لكل مرحلة.

*

والأدب كجانب من النشاط الثقافي، لن يكون خارجاً عن دائرة تلك المعادلة..وهو في نضال دؤوب لتجديد نفسه وعصرنة مضامينه واشكاله والإصرار على البقاء في موقعه الثوري الذي هو ميزة شتى التيارات الأدبية الطليعية في كل العصور.وهذا يعني ان لكل عصر ومرحلة رواداً ومجددين من الشعراء والادباء الذين بينهم قواسم مشتركة واخرى مختلفة عمّن سبقوهم..وهكذا تظهر اصوات حداثوية تضطر اى ابتكار نصوص جديدة متقدمة،كي تحافظ على حداثويتها وثوريتها،

*

ان واقع الشعر الكردي المعاصر يؤكد لنا،ان ما طرأ على مسار الشعر من تغير ةتجديد، لم يصل الى مستوى الطموح.ورغم ما هذة الحالة من علاقة مباشرة بالمسيرة البطيئة لتاريخ امتنا الكردية،لقد آن الآوان كي يتعدى الشعر الكردي اطر التشبيهات والإستعارة والموز المستهلكة وان يقتحم ومن دون اي حرج عالم الاسطورة ويبتعد عن المباشرة في مخاطبة الجمهور،ويعتمد نوعاً من المنولوج،وان يقوم بتركيب الصور الشعرية بفنية بارعة،بحيث تمكن القاريء وتساعده على قراءة مايكمن خلفها من رموز ومعان اسطورية.ويقصد بالرمز هنا سبر الأغوار العميقة وازاحة الحجب عن الأسرار المنعشة للروح وإتاحة المجال للقاريء الى التمتع باللذة الجمالية للنص،اي انه عبارة عن اعادة بناء الواقع بشكل اسطوري،بحيث ينمي قدرات القاريء الإدراكية.

 لاشك ان التعامل الاسطوري مع الشعر لايعني لجوء الشاعر الى إخفاء مقاصده الفنية والإكثار من استخدام كلمات قاموسية غامضة تكاد تكون قد سقطت من التداول الثقافي،ومع كل هذا نرى الغموض الإبداعي ضرورة ماحة يتطلبها كل عمل ابداعي كبير وخالد، فهو ضروري لإثارة أحاسيس وأفكار الإنسان وتحديد موقعه في الكون.فأين الشعر الكردي المعاصر من كل هذه التحولات والتغيرات؟

*

ان مستقبل الشعر مرهون بأن يلتزم الشاعر جانب التأمل ويجسّد مايرد قوله، تجسيداً فنياً،ومتى ما تمكن الشاعر من ذلك، يكون قد اعطى الشعر حقه واكسبه الحرم الشعري الذي يكون بمقدوره حماية الشعر من المتطفلين المتلاعبين بمصره.

*

ومن ثمّ على الشاعر ان يخلق نوعاً من الالوهية الشعرية التي لن تقبل بغير اتباع متمردين.ويقصد بالتمرد هنا، العمل الدؤوب على تحقيق الكينونة،وليس العمل على انتقاد حالة أو ظاهرة اجتماعية او سياسية فاسدة غير مرغوب فيها،لأنه متى ما تكونت الالوهية، يول الإستبداد والإضطهاد اللذان يستشري في ظلّهما كل انواع الفساد.

 

 

 

(17)

 

  ينبغي ان يكون النتاج الادبي، لاسيّما النصوص وليد دوافع روحية اصيلة، وإلا فلن يخرج عن دائرة الخطابات الادبية اوالسياسية اوالاجتماعية المألوفة،التي لايمكن ان تتعدى حدود المهمات المرسومة لها.

   حينما يتمكن الكاتب من تناول الظواهر الاجتماعية تناولاً روحياً بارعاً، ويجسدها في اطار فني خلاق، فأنه يبتعد طوعيا وتلقائيا عن الشعارات الآنية التي تحرض القاريء على النضال، وتبعا لذلك كلما يبتعد عن الشعارات،يقترب بنسبة اكثر من الخلق الفني الذي يكمن في ادبية العمل الأبداعي...اي على الكاتب ان يخلق الأجواء النفسية والروحية للقاريء، كي يشارك حسيا فيما يهدف اليه النص بصفته نشاطاً انسانياً اصيلاً، يعبر به الانسان عن نفسه،ويعمق مدارك المتلقي ويزيده فهماً لوجوده البشري دون ان يلجأ الى الشعارات البراقة والطنانة لتثوير المتلقي وحثه على النضال،مادام كل عمل ابداعي بمثابة دعوة فنية الى التحرر وحث على الاتصال والتواصل والمشاركة والتبادل المستمر.

 

*

 

   إن الادب عموماً كما يقول محمود امين العالم"هو تعبير بالخاص عن العام، وبالجزئي عن الكلي،وبالمحلي عن الانساني، وبالآني عن التأريخي..." فنستنتج من ذلك،ان الادب الذي يفتقر الى الخصوصية المحلية من حيث الجوهر والمظهر وتنقصه الهوية التي تميزه عن غيره ويفتقد العلامات الفارقة الخاصة به،معناه انه مبني على اساس هش،ولذا لايرتقي الى مصاف العالمية .

 

*

 

  وهنا اود ان اقف هنبهات عند القصة الكردية،لأسجل بعضع ملحوظات خاطفة عنها.إنّ القصة بشكل عام وليدة المدينة والحضر،اما الحكاية فعلى الرغم من كونها عنصرا هاما من عناصر القصة الفنية،فانها تعود في نشأتها الى الريف وحياة البداوة.ولذلك نرى ان القصة تحمل في طياتها تناقضات وتعقيدات وغموض المدينة،اما الحكاية فهي المرآة لبساطة الطبيعة وسطحية الحياة الريفية،الا ان هذا لايعني الغاء العلاقة بين المدينة والقرية او عدم الاعتراف بالحكاية..بل بالعكس فكما ان المدينة هي وجود متطور للقرية،فإن القصة ايضا هي وجود متطور عمقا وأفقاً للحكاية وامتداداً فنيا لها،وعليه يشكل العنصر الحكائي جانبا حيويا من فنيات القصة،وما دامت القصة باقية، ستبقى معها العنصر الحكائي محافظا على حيويتها.

   اظنني لا أجافي الحقيقة إن قلت بأن المدن الكردية في جوهرها وعلاقاتها الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والسياسية هي تكرار للأرياف مع فوارق طفيفة تمليها طبيعة العلاقات.

 لذا لاعجيب في ان تكون القصة الكردية مرآة صادقة لذلك الواقع وان يتخللها الوهن والضعف وتنقصها المواكبة المطلوبة...

 

*

 

   لعل سر نجاح الرعيل الثاني من رواد القصة الكردية،امثال المرحوم علاء الدين السجادي وشاكر فتاح وبله ومحرم محمد امين وحسن قزلجي، يعود الى خصوصية تناولهم للواقع الكردي موضوعا لقصصهم...

  في حين نرى في الكثير من نصوصنا القصصية الحديثة وبذريعة الجديد والتجديد والحداثة، غياب الخصوصية الكردية،مما يفقدها الجدة التي تشكل بدورها القيمة الجمالية لكل عمل فني اصيل.هكذا نرى الكثيرين من المقلدين يتسترون بستارالتجديد متناسين بذلك ما يقتضيه الأبداع من بحث دائم ودؤوب عن القيم الجديدة التي تهيب بالإنسان ان يتحرر من كل القيود التي تكبله وتمنعه من تحقيق ماهيته الإنسانية.

 

*

 

  إن المجدد الحقيقي هو من يسخر جميع قدراته ومواهبه وتجاربه فضلاً عن تجارب الآخرين،لكي ينفذ الى اعماق ما يعالجه من المواضيع ويكشف خفاياها ويعيد خلقها خلقا فنيا مطبوعا بطابعه الخاص، محولا اياها الى قيمة جمالية مضاهية للحرية والتحرر.

 

*

 

   هناك فاصلة مجهولة او لامرئية بين التشابه والاختلاف يتم الكشف عنها اوعن جوانب منها عن طريق الفنون والابداع،ولكل مبدع- كما نعلم- طريقته، الخاصة في عملية الكشف هذه،واسلوبه الفردي للتعبير عن عملية الكشف تعبيرا رمزيا.

   وهذا يعني بأن كل ابداع اصيل يحمل في ثناياه ميزة المبدع وخصوصية الشعب الذي ينتمي اليه،وتبعا لذلك، يحق للباحث الراغب في دراسة ومعرفة التأريخ الخاص لأي شعب،ان يستعين بالنتاجات الابداعية له ليتخذها وسيلة للكشف عن الجوانب الخفية من تجاربه الحيوية ويتبين له مدى مساهمة ابناء هذا الشعب في اعادة خلق الكون الانساني ورغبته العارمة في الانتماء الى هذا الكون والتواصل بين بني البشر محتفظا بهويته، ونقصد بالهوية هنا،شعور الفرد واحساسه بوجوده على امتداد الزمن والحاحه على التواصل..

 

*

 

   جلي ان لهذا الكلام صلة بالتأريخ، وتاريخنا يعاني وبشدة من الفتور والانقطاع والقلع والقمع والاحتلال والإنكار والالغاء والأمحاء والأيقاف  والتحوير والتحريف،وهو ما لا نجدها في تأريخ الشعوب الاخرى.لقد انعكست هذه الحالة على جميع مناحي حياتنا بما فيها الادب.. لذا قلما نرى في قصصنا الحديثة ما يشير الى ميزة كردية،فاكثريتها قصص تقليدية غريبة عن بيئتها وتعيش نوعا من حالة النفي الادبي،وتعاني الانغلاق، فأذا ما ترجمت نماذج من هذه القصص الى لغات اجنبية،لا اظن بأنها تفاجيء او تدهش اوتذهل احداً ما،لأنها تكرار عقيم وتقليد اعمى لما لديهم من تلك البضاعة، ولاتخلق لديهم شعورا بالتجدد.وهذا دليل اخر على ما للخصوصية من اهمية بالغة بالنسبة للعمل الابداعي الذي لاطريق غيره للدخول الى التأريخ الداخلي لأي شعب ومعرفة بواطنه والكشف عن لامرئياته والغور في مجاهيله وقراءة واقعه الخارجي على ضوء تلك العملية قراءة جديدة موحدة.

   لكن مع الاسف، نرى ان القصة الكردية الحديثة لم تف هذا الجانب حقه، وقد يعزى ذلك الى عدم فهم القاصين لشعبهم وبالتالي تهربهم من المسؤولية الادبية الملقاة على عاتقهم، وذرعيتهم في ذلك هو التجديد،علما ان التجديد لن يتم عن طريق التقليد والتكرار، وانما على المبدع ان يقوم بتحقيقه، ولن يتم هذا التحقيق، إلا في اجواء خاصة.

 

 

 

(18)

 

  القصة بصفتها جنساً مهماً من الأجناس الأدبية، فشأنها شأن اي حدث اوظاهرة اخرى، لم تنشأ من العدم، وانما ظهرت في ظروف تاريخية معينة.وتطورت في مناخات ثقافية خاصة،وعليه لايمكن عزلها عن الظروف الاجتماعية والمراحل التاريخية، وعن تأثرها بها وبما تتخللها من عوامل سياسية واقتصادية وثقافية عامة اخرى...ومن ثم تأثيرها في المجتمع والتاريخ. ولاتسع الفسحة لطرح التفاصيل، وإنما سنكتفي بالإشارة الى العامل التأريخي.يقول الناقد الأيراني رضا براهني بهذا الصدد: "القصة عبارة عن تطور وتكامل الشخصية عبرالزمن." لاشك في ان التطور والتكامل يدخلان ضمن الحدث،والحدث في ذاته هوالولادة ليس إلاّ،ومع الولادة يظهر الزمن، ومن خلال حركيته ينشأ الترابط التاريخي بين الماضي والحاضر والمستقبل،ثم يتشكل التأريخ في حالته الحركية،وهذا يعني ان زمنية الحدث ستتحدد في اطار حركية التاريخ،فيحق لنا ان نسأل:- اي تأريخ نعني؟ اي قصة نقصد؟ وما هي العلاقة بين القصة والتأريخ؟

*

   لقد تطورت المجتمعات البشرية عبر التاريخ،وتعاملت الاجيال مع الشروط الاجتماعية ومعطيات المراحل التاريخية،السريعة منها والبطيئة، ثم تغيرت بتغيرها،وقد شمل التغير جميع ميادين حياتهاالثقافية الحضارية،فما كان مألوفاً ومقبولاً في مرحلة غدا مرفوضاً في مرحلة اخرى واودعفي ارشيف التأريخ.. يتبين من هذا انه لاشيء خارج التأريخ. ولن يفلت حدث ما اوظاهرة ما مهما كان صغيراً من تأثيرات التأريخ.فكذلك الآداب بصفتها انشطة فكرية،لايمكن ان تخرج عن دائرة حركية التأريخ... إن الأدب الاصيل مهما تجاوز عصره يظل حصيلة عصره،ويحمل في ثناياه طابع مرحلته.ولن يقبل ادب اي مرحلة،بما انجزه اوابدعه ادب المرحلة السابقة،سواء من حيث الشكل أوالمضمون.والاديب الذي يقوم باجترار منجزات سابقيه لايمكنه ان يتبوأ مكانة المبدع، بل يدخل ايضاً في دائرة الرجعية الأدبية.فعلى سبيل المثال لا نجد اليوم احداً يكتب الشعر بنفس الاسلوب الذي ابدع به(نالي)اروع النصوص الشعرية الكردية في القرن التاسع عشر،لأن نالي كان يمثل عصره ونتاجه الشعري مطبوع بطابع عصره المختلف عن عصرنا كثيراً.

*

  ولقد نشأت القصة بشكلها الحالي عبر حركية التاريخ، وتغيرت وتطورت مع تغيرها وتطورها.الاانها تظل تحمل في ثناياها خصوصيات الواقع الذي تنشأ فيه ولاتستطيع الاستغناء عنه، لأن القصة في حد ذاتها عبارة عن اعادة صنع العالم في مرحلته ومنحه الاسلوب الذي يفتقر اليه.. فمثلاً نرى بكل جلاء المرحلة الأقطاعية الروسية في أعمال دوستوفسكي، والفلاح لدى تولستوي وجوانب من التكوين السيكولوجي للبرجوازية الصغيرة لدى جيخوف، والعامل في باكورة نتاجات غوركي. وتنطبق هذه الحالة على الواقع الكردي من قصة وتاريخ وما بينهما من علاقة فعل ورد فعل. فمثلاً كانت قصة (في حلمي) لجميل صائب حصيلة واقع خاص ومرحلة تاريخية معينة،اذ دفعت ثورة شعبنا الكردي ضد الانكليز في بدايات القرن العشرين،دفعة قوية بتاريخنا،وعملت على خلق اجواء ثقافية مناسبة لظهور قصة (في حلمي) والتي تأتي في مقدمة المحاولات القصصية الكردية...فلو قدر لتلك الثورة الاستمرار والوصول الى اهدافها لظهرت العديد من القصص المماثلة لها،لكنّما مع بالغ الأسف اخمد المستعمرون-المحتلون الثورة الكردية بقوة الحديد والنار،ولم تستطع ان تنقلنا اجتماعياً من المرحلة الاقطاعية الى المرحلة البرجوازية، التي تميل بطبيعتها الى التغيير..وتبعاً لذلك بقيت(في حلمي)القصة الوحيدة واليتيمة، من نوعها، والتي تعكس جماليا تلك المرحلة التاريخية وما يؤكد لنا الصلة الوثيقة بين احداث الحياة،اي حركية التأريخ، من جهة، والعمل الابداعي ومنه الأدب من جهة اخرى مع يقيننا التام بأن الابداع هوكيان فني قبل ان يكون اي شيء آخر.

(19)

 

 

 لا اظن أننا نبالغ او نبتعد عن الحقيقة اذا ما قلنا بأن القصة عموماً والرواية بشكل خاص تقوم  اساساً بمعالجة العلاقات الفردية والتعامل الفني مع الطبائع البشرية، التي لاتعد ولاتحصى. فإذا ما القينا،ومن هذه الزاوية بالذات، نظرة سريعة على القصة الكردية، وخصوصا في جنوب كردستان حيث تتوافر ممارسة النشاط الثقافي فيه بصورة اوسع،سنجد ان القصة فقيرة في تناولها للجوانب المذكورة، فالشخصيات القصصية توصف وصفا خارجيا جامدا،حيث لا يتطرق الكتاب الا لماماً،الى السلوك الفردي اوالجماعي للشخصيات،التي غالباً ما تشكل عماد القصة، بينما يقومون بتجسيد الحركات والسكنات السطحية، التي لاتمنح العمق الفني المنشود لها ككيان فني قائم بذاته.

 

*

 

   قلما نصادف في القصة الكردية تعليقا فنيا من قبل الراوي. اوالقيام بتسليط الضوء على الجوانب والحالات النفسية للشخصيات.في حين نرى ان على القصة ان تجسد لنا وفي اطار حسي فني،ماهية الشخصية وان تكشف الجوانب المخفية لها..لهذا السبب نرى ان الشخصيات المتميزة والبارزة في القصة الكردية تكاد ان تكون غير موجودة، وان وجددت فهي قليلة جدا،ورغم قلتها فهي في تشابه تام،اذ لانفرّق بعضها عن البعض بسوى الاسم.. وهذامما يستوجب ايلاء اهتمام كبير وجاد بالجانبين الذاتي والموضوعي وصهرهما في بودقة عمل ابداعي موحد قائم بذاته، لايمكن الفصل بين عناصره مهما كانت الضرورات.لأن الذاتية هي خميرة القصة،وهذا يعني أن الحيوات الخاصة هي اساس القصة، وعلى القاص ان يساعد القاريء ويقدم له التسهيلات الكافية، كي يتمكن من الولوج الى الحياة والعوالم الخاصة بشخصية القصة ويندمج معها ويشاركها في السراء والضراء ويساهم في كشف خبايا عقلية الشخصية القصصية  وطبائعها، ويدخل معها في مناقشة حامية ضمن اطار العمل الابداعي.

 

*

 

   رغم اهمية ما ذكر، قلما نجد قاصا كرديا استطاع ان يستوعب الواقع الكردي، ووظفه فنيا، بحيث يؤهله كي يكون ممثلا-ولو غير معترف به- لواقعنا..اذ لم يتمكن القاص من كشف الاسرار التي تكمن خلف العوامل والدوافع المحركة للواقع الكردي، فهذا بدوره قد حال بينه وبين فهم الواقع بدرجة تؤهله للقيام باعادة صياغته اعادة فنية ايجابية ولذا فإن القصة رغم كونها قد قطعت شوطا لابأس به من الناحية الفنية الا انها ماتزال تفتقر الى تعددية المضامين وجديتها، ويعزى ذلك وبدرجة كبيرة الى الالتزام بالواقعية الفوتوغرافية من ناحية وطغيان الاغراض السياسية في الاعمال القصصية.اذاصبحت القصة ولفترة طويلة اسلوبا من اساليب التواصل النضالي.. علما بأن الشعب الكردي قد حرم ومنذ زمن طويل من حقه المشروع في اختيار وممارسة السياسة، التي تخدم مصالحه القومية والوطنية، وعمل الكثير في سبيل تجريد مواقفه واختياراته السياسية من اهدافها النبيلة، فمتى ما انفصلت السياسة عن غاياتها الانسانية، ستفقد دورها في اجراء التغييرات المؤدية الى تعددية المضامين الحية، وضمان السبل الكفيلة بمعالجتها.

 

*

 

  تتناول القصة وبأساليب متنوعة جوانب من تلك المضامين الانسانية من غير ان تصبح بوقاً من ابواق الدعاية،لأن مهمة القصة بصفتها جزءاً من الإدراك الاجتماعي ليست تصوير الواقع كما هو موجود،لأنه مهما بلغت عملية التصويرالواقعي للحقائق والاحداث من دقة وصدق، فإنها غير كافية لوحدها،ان تعطي الشرعية الفنية للقصة،التي هي هدفها وهدف اي عمل فني آخر،بل ان مهمتها كنشاط ثقافي من نوع خاص هي التأثير على الواقع واشعار الانسان باتخاذ موقفه الثوري ازاءه.

 

*

 

   لقد آن الاوان أن يعيد كتاب القصة الكردية النظر في مسيرتها الفنية ويولوا المزيد من الاهتمام بالمواضيع والمضامين المحلية،لينطلقوا منها الى عالم ارحب وينضموا الى الركب الثقافي العالمي من غير ان يشك في جدارتها واصالتها اوتستقبل كضيف ثقيل.    

 

(20)

                                                

  تتعامل القصة مع الطبائع البشرية وتتناول الاحاسيس الداخلية للأنسان،وعليه كلما توغل القاص في اعماق تلك الطبائع وتناولها بمعرفة اكثر، ضمن لعمله الفني نجاحاً اكبر.

*

   يكتب اقاص من اجل اراحة ضميره وابعاد القلق الذي يعاني منه،وتبعاً لذلك لابدّ ان يمتلك رؤية انسانية واضحة، كي يتمكن من نقل رؤيته بأمانة فنية تامة الى الأنسان ومحيطه .

*

   للقاص الحق في ان يستفيد من تجاربه الذاتية كمادة اولية في بناء قصصه ورواياته شرط الاّ يظهر كطرف من اطراف المعادلة الفنية.وان يقف على الحياد من الاحداث والظواهر الفنية التي يعالجها وان يلعب دور المراقب فقط وان استوجب العمل الفني حضوره فيجب ان يكون حضوراً في جميع ارجاء العمل دون ادنى اخلال بفنيته..الاّ ان هذا لايشكل قاعدة ثابتة لايحق لأحد ان يحيد عنها قيد انملة،لأنه هناك دوماً من الكتاب من هم فوق القواعد الفنية..فمهمة القاص- ان كانت له مهمة-هي تمهيد السبيل امام القاريء ومساعدته على كيفية فهم نفسه،وسلاحه الوحيد في هذاالمجال هو قدرة براعته الفنية،وابتعاده عن القاء الخطب الاجتماعية والمواعظ الاخلاقية، لأنه ليس الاّمراقباً يحمل في ثنايا احاسيسه عدسة حساسة يلتقط بواسطتها اللحظات الانسانية الاكثر حيوية ويجسدها في اطار عمل فني دون اللجوء الى الإطناب والتقريرية والاجترار والتكرار.

*

   تعد التجربة والخبرة من اثرى مصادر القصة،لذا على القاص ان يتجنب المواضيع التي لاخبرة له فيها ولااطلاع له عليها،فليس القصد من التجربة ان تكون شخصية صرفة، فتجارب الآخرين تدخل ايضاً ضمن التجربة الشخصية، فما على القاص الاّ ان يتناولها فنياً.

*

   الغموض هو احدى السمات الاصلية للحياة،أي ان لكل انسان تعقيداته الحياتية والانسانية هذا ناهيك عن الموت الذي يشكل اعقد العقد بالنسبة للانسان من حيث تكوين ذاته وتشكيل طبائعه.والقاص المبدع لايعبر عن رأيه الشخصي ازاء الحياة اوالموت، بل انه يجسد لنا فنياً ما تراه عينيه واحاسيسه من منظوره الفني،لذا لابد وان تنعكس تلك التعقيدات والغموض في النصوص الابداعية الحية.

*

   لا ريب ان البداية الجيدة تشد القاريء بسهولة وتسحبه معه الى اعماق الاحداث،الى اغوار النص،ومن هناك يبدأ حسب وعيه وتذوقه الفنيين،بفك الرموز وفتح المغاليق وكشف الدلالات، وتبدأ علاقة فنية بين القاريء والنص متجاوزة الكاتب حيث مع بدء العلاقة بين القاريء والنص تزول علاقة الكاتب بالنص.

*

   البطل يشكل عنصراً هاماً من عناصر القصة،لذا يجب ان يكون البطل حياً وعلى علاقة وثيقة وحيوية بالعناصر الاخرى للقصة،وان تكون له استقلاليته، ولايصبح بوقاً لنشر افكار وآراء الكاتب السياسية،اي يجب ان يكون حضوره في القصة حضوراً بشرياً مشحوناً بالحياة والحيوية.

*

   رغم كون المواضيع والعناصر الاولية الادبية مشاعة للجميع ويحق لكل من يقدر على تناولها، ان يوظفها فنياً،الا ان التفرد ضروري لكل مبدع والتفرد يظهر في الاسلوب المميز الذي يعالج به الموضوع.صحيح ثمة قمم ادبية عالمية لايمكن التحرر من تأثيراتها الاّ انه رغم ذلك لاينبغي تقليدها اواستنساخها بغية تكرارها واجترارها، فإن جاز التقليد فينبغي ان يكون في سبيل الاغناء الاثراء والامتداد الفني لدى المقلد،لان المقلد مهما كان متمكناً من تجاوز عصره فهو يمثل عصره اساساً.وعليه فكل جيل يمثل عصره ينبغي ان لايتقيد بشكل معين،ويجب ان يخلق نصوصه في اطار اشكال عصرية متنوعة،فالنص في ذاته يعني الثورة،فالثورة في جميع مراحلها تعني رفضاً للاشكال والقوالب الجاهزة،وخلقاً لأشكال جديدة وعصرية.

*

على القاص،خاصة اثناء الكتابة ان لايجسد جمهور القاريء في ذهنه ويخشاه،ومن هذا المنطلق عليه ان لا يتردد ابداً عن استخدام اعقد الكلمات والعبارات،وحتى اغرب الكلمات والفنون البلاغية اذا كانت اقوى وافضل تعبيراً عما يريده الكاتب فنياً.فالنص الناجح وان كان يحتوي على الكلمات الغريبة والعبارات الغامضة والجمل غير المألوفة سيكون مهوماً لدى القاريء او قريباً من فهمه،مادام الكاتب يعرف كيف يستخدمها وماذا تعني،الاّ ان هذا لايعني حرمان القاريء من الكشف الشخصي اوالذاتي وان يفرض الكاتب رؤيته الخاصة عليه.

   على اي حال رغم كل ذلك ليس هناك قاعدة ثابتة لأي عمل ابداعي،لأن الابداع اصلاً هو الثورة والتمرد على القوالب والقواعد والاشكال المألوفة،فكل كاتب يستطيع ان يتجاوز سابقيه ومجايليه، لكي يبدع قاعدته الخاصة والتي هي جزء لا يتجرأ من العملية الابداعية،لأن القاعدة الذهبية في المجال الابداعي هي اللاقاعدة.

*

وختاماَ نقول:- غالباً ما يكتسب نص ادبي أو عمل إبداعي في مرحلة ما شهرة كبيرة لسبب من الأسباب،إلاّ ان مثل هذه الشهرة ليست دليلاً قاطعاً على جودة مثل هذا النص،لأن كل نص جيد يشتهر عاجلاً ام آجلاً بحكم جودته الفنية،مهما بلغ التعتيم.

 

(21)

 

  لقد اصبحت الرواية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر من اكثر الاساليب شيوعاً في مجال التعبير الفني،فبعد ان كانت وسيلة من وسائل اشباع الخيال واثارة العواطف والتمتع بالوقت، غدت تعبر عن القلق والاسرار والمسؤوليات التي كانت من مهام الملحمة والتاريخ والبحوث الاخلاقية والتصوف والشعر احياناً.

 على اي حال، تحولت مهمة الرواية منذ القرن التاسع عشر الى سبرالأغوار والنزول الى اعمق الأعماق النفسية للانسان وهي تمنح نفس المتعة الطفولية التي تقدمها قصص الارواح وحكايات العفاريت والاشباح،أما اليوم فالرواية تلعب دورالعارف بالغيب،والمشرف السياسي، ومراقب الاطفال ومعلم فلسفة الاسرار.وهي تلعب كل هذه الادوار ضمن اطر فنية عالمية تبدو وكأنها تريد ان تحل محل جميع الفنون.

   في الوقت الذي تقدم فيه الرواية انشداد الحكاية، فهي تحفل ايضاً بالانعكاسات السيكولوجية. والاجتماعية والانطولوجية والجمالية التي قد تتوفر في الحكاية.

   لقد توجهت الرواية منذ بدايات القرن السابع عشر نحو كشف المجاهيل المليئة بحركة النفوس البشرية،واصبح الكشف عن اسرارها من مهامها الاساسية.فالروائي المتمكن يساعدنا على ن نعرف ذلك الجزء الهام من حياتنا ونعبر عنه،ذلك الجزء الذي يبدو للوهلة الاولى غير قابل للكشف والانكشاف.

 

*

 

   لقد جاءت الرواية في بدايات نشأتها استجابة لمقتضيات ادبية صرفة.حيث كانت تروي لنا حكاية ما.الا انها وبعد قرون من التغير والتغيير اصبحت تستجيب لأسرار اكثر تعقيداً وعمقاً، وهكذا بعد ان راجت الرواية كجنس ادبي بسيط في الآداب القديمة ولم تكن مقبولاً لدى عامة الناس حتى القرن الثامن عشر،تطورهذا الجنس الأدبي ليشمل اهدافاً غريبة عن ماهيته الاساسية..وهكذا ولدت الرواية الحقيقية وتطورت مع ميلاد الانسان الجديد.

 لقد خضعت الرواية منذ نهاية القرن التاسع عشر لتطورات وتغييرات جمة، اذ لم تقتصر مهمتها على جلب الانظار فقط،حيث بدأ الناس ينظرون الى اهدافها التي كانت عبارة عن تصويرالناس اومرحلة تاريخية اوكشف آلية المجتمع. وعرض ادق المشاكل اليومية في نهاية المطاف.

   كان السرد في القرن السابع عشر طاغياً على الرواية ولم يكن ينظر الى عمل الانسان بأنه يشكل الاداة الاساسية للابداع الروائي،أمّا في القرن العشرين فقد تحول الاهتمام باللغة وقواعدها واللعب بالكلمات الى تحليل حقيقي للكوامن النفسية.

 

*

 

   كان مصير البطل في القرن التاسع عشر في يد الراوي والسارد(الكاتب) حيث كان يحركه ويوجهه حسب رغباته،اذ كان يحقق معه ويخضعه للمساءلة، يدينه ويسجنه،يجربه ويجرى عليه الاختبارات المختلفة،اي انه (الراوي) كان السجان والجلاد في الوقت ذاته،حيث تحولت الرواية الى سرير بروكوست اوالى غرفة التعذيب،فاذا ما اخذنا رواية(زنبقة الوادي) على سبيل المثال نرى ان كاتبها يقوم بتعذيب السيدة (دو مورتسوف) واستمرت هذه  الحالة الى ان جاء غوستاف فلوبير وقلب المسألة رأساً على عقب.حيث كان يعذب نفسه بنفسه،فرواية(زنبقة الوادي) لبلزاك ما هي الا تحليل رهيب،خاصة في تصويرها للسيدة دومورتسوف ورواية (دومينيك) لاوجين فرومنتان ايضاً تجرب التعذيب والعواطف،هكذا نرى ان الرواية كانت عبر القرن السابع عشر-ماعدا  استثناءات نادرة- تهتم بالعقد السيكولوجية والابطال الى ان جاء القرن العشرون فتخلصت الرواية من تاكتيكات السرد واشكالهِ المتنوعة لتهتم بشذوذ الضمائر وتفرعاته اللامتناهية،الضمير الذي اعيد الى ذاته بكل ما يكتنفه من قلق وتردد وغموض وتعقيد...

وهكذا تحولت الرواية لتصبح قصيدة حول اسرارالضمير اكثر من كونها سرداً روائياً..لذا فعندما شعر المحافظون ان الرواية جنس ادبي فعال يتجه نحو النفوس البشرية ويزيل عنها الستار ويكشف بوسائله الفنية الفاعلة اسرارها،اخذوا يعادون الرواية وينبهون الفتيات من خطورة قراءتها.واستمرت الرواية تدور في هذا الفلك الى ان واتتها الفرصة في القرن اللاحق، كي تسبر الاغوار وتقتحم تعقيداتها وتشعباتها الغريبة والعجيبة. 

 

 

 

(22)

 

 لقد لاقت الرواية في القرن التاسع عشر رواجاً كبيراً ،واستأثرت باهتمام جمهور القراء،الذي دعم ظهورها وضمن لها التطور والنجاح.ويعزى سر هذا الرواج في جانب كبير منه الى التطور، الذي طرأ على شروط النشر.اذ لايمكننا فهم الرواية الواقعية في القرن المذكور،ما لم نأخذ في الحسبان أنها كانت تكتب لتنشر في المجلات اوالصحف اليومية، فهنالك العديد من الروايات التي نشرت بهذه الطريقة والكثير من الروائيين الكبارمدينين في شهرتهم للصحافة، ومنهم دوستويفسكي الذي كان ينشر بعض رواياته مسلسلة بطلبات من رؤساء التحرير وبتشجيع منهم...

هكذا استمرت الرواية في مسيرتها التطورية واصبحت الرواية المسلسلة(حسب مفهوم القرن التاسع عشر) في طليعة الحركة الروائية.فقد كان الروائيون الكبار امثال بلزاك وديكنز وزولا وحتى فلوبير ينشرون نتاجاتهم الروائية مسلسلة في صحف زمانهم.بل ومن الصحافة اخذ بلزاك اسلوبه التحليلي،الذي انعكس في نتاجاته الادبية انعكاساً فنياً بارعاً..ولم يعد بلزاك يحسب نفسه كاتباً صغيراً اواديباً متواضعاً،بل كان يرى نفسه في مصاف نابليون ويقول بهذا الخصوص: "...استطيع ان احمل مجتمعاً بالتمام والكمال في ذهني".واعجب ما في بلزاك هو قدرته الفنية على الجمع بين النقدين السيكولوجي والاجتماعي على حد سواء،فحينما كان يحلل الإنسان ومحيطه،ما كان ينسى ان يعطيه مطلق الحرية كي يتحكم في بيئته ويقرر مصيره.

 

*

 

   كان ديكنز اول من ادار ظهره للوصف المطنب والتحليلات السيكولوجية المفصلة،حيث   وصف الأجواء وصفاً سينمائياً..وراح الوصف الزائد يفقد اهميته الفنية ودلالاته الرمزية،حيث كان يحجب في  كثير من الأحيان حقيقة الحكاية.فمثلاً عندما نقرأ(مدام بوظاري) اواحدى قصص موباسان ترانا لا نتفاعل معها ولانمتزج مع ابطالها لكونها موصوفة وصفاً مستفيضاً،وعليه لا ننفعل معها ولانشاطرها الافراح والهموم مثلما حالنا مع ابطال ديكنز اوبلزاك حيث نشاطرهم المحن التي يواجهونها في حيواتهم الروائية.

   وهكذا استمرت الرواية في تطورها وبلغت شأواً لم يسبق له مثيل واصحبت محط اهتمام الناس وتناسبت تناسباً طردياً مع تقدم الصحافة والرأي العام.فقد غدت فضلاً عن جوانبها الإعلامية واثارتها للرأي العام وسيلة للتأمل والتفكير وتبسيط المواضيع وطرحها طرحاً فنياً جذاباً.اي اصبحت منذ عصر بلزاك اوديكنز تقريراً خيالياً، وكان زولا من الرواد في التأكيد على هذا الجانب،اي على التقرير الذي يتضمن فلسفة اجتماعية.وكان من المفترض ان تحافظ الرواية في القرن العشرين على هذه الخصيصة،حيث نرى معظم الروايات تطرح مشكلة يمكن ان تتحول الى موضوع لتحقيق صحفي.

   لقد ولدت الرواية مع بلزاك وفلوبير وزولا وموباسان.اي انها ولدت مع الكلاسيكيين وتخطت الخلفية الملحمية واهملتها...الاانها حافظت على رؤيتها الواقعية مجسدة المشاهد الحقيقية بصورة موضوعية ووضعت الكاتب اوالقاريء خارج اوفوق الحقيقة كمتفرج ومحلل ومقيّم. وكان الفن الروائي في  تلك الحقبة يتجلى في دقة التحليل والمهارة السحرية التي كانت تجسد الحقيقة.

 

*

 

   وفي القرن العشرين ومع ظهور جويس وبروست،اضمحل تدريجياً هذا النمط من الرواية، اذ ظهرت الرواية الميتاواقعية،والتي كانت تستكشف بعبقرية فذة المزيد من الاسرارالأجتماعية المتشابكة، وقداحتل الحوار فيها المرتبة الاولى،والذي بدا وكأنه يجري بصورة طبيعية في خضم الحياة اليومية. لم تكن شخصيات الرواية في القرن التاسع عشر اوبالأحرى في بداياته تتكلم اوتتحاور بهذه الصورة الطبيعية،فقد كان بلزاك في المرحلة الواقعية هوالذي يقول لنا ما كان يحس به(راستيناك)، اي ان الكاتب كان ينوب عن الشخصية.اما في مرحلة ما بعد الواقعية، فقد غدا القاريء شريكاً لمشاعر الشخصية.

يلعب الروائي في مرحلة ما بعد الواقعية على اوتار عديدة ومتنوعة.انه يمتلك قدرة على الأيجاز والتلخيص ولكي يقدم صورة فنية عن احدى شخصياته،يلجأ الى كل الوسائل المتاحة له،بدءاً بالشروع المباشر للحدث ومروراً بالتفسيرات والتأويلات الداخلية والخارجية وانتهاءاً بتلاقح الرؤية مع الشخصيات الاخرى .كما انه يسلك شتى السبل والتقنيات الفنية في سبيل تفجير مادته الروائية.لكن ما يؤاخذ على روايات ما بعدالواقعية هو هيمنة الروائي الكاملة على موضوعاتها ومادتهاالاولية.حينما يسمح الروائي لنفسه بالتصرف كما يشاء ويشتهي،مما يؤدي ذلك الى ان يبتعد العمل الفني عن فنيته،التي تضمن له التجاوز والوصول بجدارة الى عصور ابعد من عصره.

 

 

 (23)

 

  كانت الرواية في القرن العشرين تتوخى التعبير عن ضمير غير قابل للسرد.لأن السرد يخضع الاشياء لتحليلات مسبقة.والراوي اوالسارد يكون على علم تام بمجريات الاحداث وما تسفر عنها من نتائج.اما في الرواية الجديدة فلا يكون الراوي على علم تام بالاحداث ولا تخضع الاشياء لسيطرته الكاملة،حيث يترك الكاتب تدريجياً،المكان للقاريء الذي يتحول الى شخص فاعل يلعب الدور الرئيسي في عملية الابداع الادبي.. وهذا يعني ان لاوجود للموضوع في الرواية الجديدة او بالأحرى لاوجود لموضوع اوموضوعات معلومة ومحددة مسبقاً.حيث ينمو الموضوع ويتطور في خضم العملية الابداعية بعيداً عن اي التزام بالتقاليدالروائية السائدة.فالرواية الجديدة اذن لاتتوخى تقديم الشروحات والاخبار والمعلومات المنطقية بل تستهدف ادهاش المتلقي ورفض التراث الروائي للقرن التاسع عشر برمته.لذا فان الرافضين للرواية التقليدية يميلون الى ابتكار عالم رمزي يشفي غليل المتلقي الفني مبعداً اياه عن الحنين الى الرواية التقليدية التي تعكس له الواقع الحقيقي فوتوغرافياً. وما يهم الروائي الحقيقي هو البنيان الفني لعمله الابداعي،والذي يرجحه على الرؤى الفلسفية للمجتمع والتحليلات السيكولوجية له.على اي حال لقد مر الروائي بمراحل عديدة الى ان صار في نهاية المطاف فناناً تخلى عن التاريخ والاوضاع المدنية والحكاية والسرد،كي يكتسب رؤية خاصة للعالم، رؤية تماثل رؤية الرسام اوالنحات،اي مثلما يرى الرسام من خلال الالوان، ويرى النحات عبر الاحجام،ان يرى هو ايضاً من خلال ملاحظاته الخاصة،محولاً الاحداث المحسوسة الى تجارب فنية،معيداً خلق الحياة بكامل حقيقتها خلقاً فنياً،جاعلاً من الرواية عملاً مثيراً لرغبات المتلقي التأويلية.

 

*

 

   لقد كشف القرن العشرون مع بروست ان حقيقة الرواية ليست ثابتة ولا هي على شكل واحد ولاتلتزم دائماً بنفس التقاليد والقواعد.لأن المادة الاولية للراوية ليست هي حكاية ذات بداية ووسط ونهاية تراوح في مكانها.وتأسيساً على ما سبق قد تكون الحياة المتواضعة لكائن ما على درجة من الخصوبة تؤهلها لأن تصبح مادة اولية لرواية فنية بارعة،لأن عنصر التأثير يشكل جوهر الرواية الجديدة سواء اكانت الرواية مغلقة اومفتوحة حيث في المغلقة منها يسود الشرح والتفسير والتحليل والافاضة في التفاصيل الجانبية،يكون فيها الراوي عليماًً بكل شيء ويخال الانسان بأنه وضع امام مرآة سايكولوجية اجتماعية لينظر رغماً عنه الى نفسه.اما في الرواية المفتوحة فيعرف الكاتب مسبقاً انه ليس بإمكانه ان يفسر نفسه وان يعي ما ابتكره وعياً كاملاً. اي ان الكاتب يفقد السيطرة على سلوك البطل واتجاه الرواية وتبعاً لذلك فالرواية بوصفها مغامرة فنية ينبغي ان تعول على اساليب غير مألوفة،كي تحتوي موضوعاً مستعصياً بطبيعته على التعريف.لأن الفن لم يكن في يوم من الأيام سوى اعطاء الفرصة لكيفية رؤيتنا الاعتيادية.لذا من الطبيعي ان يعتبره الناس في جميع العصور- باستثناء بعض العصور القديمة- اسمى من الواقع ويحاولوا ان يقلدوه في حياتهم الاعتيادية.اما تقليد الفن للحياة ومحاكاتها فكان مرفوضاً وغريباً في جميع عصورالإبداع الفني.

 

*

 

   تتمحور الرواية التقليدية في رؤية واحدة،ألا وهي رؤية الراوي للعالم.اما في الرواية الجديدة فنحن لانتابع الحياة حدثاً تلو حدث في اطار زمني متتال.بل يوضع القاريء في (حاضر مؤثر) مكثف سريع العبور،ينعكس فيه كل شيء عن طريق الفلاش باك بالعودة السريعة للماضي حيث فيها،اي في الرواية الجديدة والتي تأسست على يد آلان روب غرييه وزملائه الآخرين،ينسحب الإنسان الى قوقعته الذاتية ويروي في سويعات من الارق حكايته الخاصة لنفسه.فلا يأبه الكاتب اوالراوي بالتعبير عن نفسه بل يوجه المشاهد دون ان يمنحها صوته الخاص،اي ان صوت الراوي واسلوبه ينمحيان في حيادية تامة، وتتحول الرواية الى مجموعة احداث موضوعية متتالية مختارة بمهارة فريدة.

 ان الرواية الجديدة اذن لاتسعى لامتلاك الحقيقة.بل تبث الاحساس بالحقيقة،الاحساس بها من الداخل،اي انها غوص في اعماق الواقع،الذي يواجه فيه الانسان طرقاً مسدودة،متاهات مظلمة، وعوالم خارجة عن دائرة الشرح والتفسير والتحليل وكل رواية تخلق من الناحية الجمالية الشكل الخاص بها،اذ ليس هناك شكل ما جاهز للرواية،اي ان معادلة الأيقاع الروائي اواللحن الروائي تتغير حسب الروايات والمواضيع المطروحة ويعزى هذا اصلاً الى كثرة وتعددية العناصر في الحقل الإبداعي.

 

 

 

 

(24)

 

 الرواية هي احد الفنون الأدبيّة الراقية التي لم تفقد لحد اليوم مكانتها الادبية واهميتها الفنية. هناك آراء ووجهات نظر مختلفة حول علاقة الحياة الشخصية للروائي مع النص الروائي.يعتقد فلوبير ان على الروائي ان يكون حاضراً فعالاً في جميع ارجاء الرواية دون ان يظهر في اي مكان منها.ويقول ايضا بصدد السيرة الذاتية للروائي وحياته اليومية المعاشة: "الروائي يهدم بيت حياته، ليبنى بنفس الحجارة بيت روايته". يتبين مما سبق انه ليس مع كتابة السيرة الذاتية بوصفها عاملا مساعدا لفهم الرواية.

   وكذلك يعتقد ميلان كونديرا،ان الحياة الشخصية للروائي تخصه هو ولا تمهد السبيل لادراك افكاره واحاسيسه فحسب، بل تضر باشكال ومضامين اعماله الفنية ايضا.

   ويعتقد هؤلاء الاعلام بعدم اهمية السيرة الذاتية لأبطال الروايات ايضا، وان ما يهم في هذا المضمار هو افكارهم واحاسيسهم وتصرفاتهم القصصية التي تستوجب الكشف الفني.

  وبما ان الاحاسيس والافكار كثيرة ومتنوعة وزئبقية، سيكون التعامل الروائي معها متنوعا ،وحينئذٍ تظهر روايات متعددة الأصوات.

 

*

 

   إن الرواية،كوجود فني، تخضع لقوانين التغير،اذ تتجدد معها وتتغير من حيث الشكل والمضمون.

فالرواية اذن تتعامل تعاملا فنيا مع الجوانب المختلفة للكون وتجسد لنا ومن خلال عملية فنية تستوجب مزج الخيال بالواقع،التعقيدات اللامتناهية للكون، فهذه العملية الفنية جداً تخلق لها شكلا معينا يحتضن جنسا ادبيا يسمى بالرواية، فتوضحيا للمستزيد تجدر الاشارة الى ان كافكا كان من الروادالاوائل في هذا المضمار.

   قلنا ان الرواية تخضع لقوانين التغير،فمعها تتغير وفيها تتجد من حيث الشكل والمضمون والطروحات الفنية وكيفية معالجتها.فمثلا كانت الرواية في القرن الثامن عشر،تميل الى المواضيع الترفيهية وخلق الاحداث الغريبة والمفاجأت المدهشة.الا انها في القرن التاسع عشر نحت نحو الواقعية (بالزاك وفلوبير..) وفي القرن المنصرم بدأت تتمرد على ما سبقها من التراث الروائي والتراكم الثقافي للرواية.

   اذن مع تطور الحياة والبيئة والعالم وما يصطحبه من تعقيدات، تظهر تعددية الصوت في الرواية،استجابة لضرورة تسليط الضوء الفني على(الكون البشري). وهكذا مرت الرواية بمراحل تطورية عديدة الى ان وصلت حالتها الحداثوية الحالية. حيث نرى الروائي في محاولات دؤوبة لاقتحام اللغز الكوني للبشر،مختزلا عددا من المراحل التأريخية اختزالا فنيا في رواية واحدة.

   لقد دأبت الرواية عبر مراحل نشوئها ونموها وتطورها على استكشاف قسم اوجانب مجهول من الكون،والوسيلة الوحيدة للكشف الروائي هي الفن.وموضوع هذه العملية هو الانسان والدفاع عن انسانيته وتعميقها وتحقيقها.فاذا ما انحرفت الرواية عن هذا الاتجاه ستقع خارج دائرة تاريخ الرواية وسيتحول الروائي الى حكواتي ثرثار،لا عمل له سوى سرد الحكاية من اجل الحكاية، وهكذا يبتعد رويدا رويدا عن عملية الكشف والاستكشاف التي تشكل حجر الزاوية للرواية الحديثة، اذ يقول بروخ بهذا الصدد: (اذا لم تكشف الرواية جانبا مجهولا من الكون، فهي لااخلاقية، فالاستكشاف هو الاخلاق الوحيدة للرواية)

   الرواية عالم مستقل كل الاستقلال،فهي لاتتقيد بأي التزام مفروض عليها من خارجها ولاتلتزم بأي هدف مسبق ولاتقبل خدمة الايدولوجيات والأنظمة السياسية.فالرواية لاتعمل لاستصحاب الحقيقة، بل هي في بحث مستمر عنها، والذي لاينتهي ابدا،لكون الحقيقة في تغير دائم ومستمر.

 

*

 

   قد يقول معترض،بأننا نعيش في عصر بلغت فيه الاكتشافات العلمية والتطورات التكنولوجية اوجها وفتحت الحقائق برمتها وواضعة اياها تحت تصرف الخواص والعوام من الناس،نقول لهم على رغم من ذلك فالرواية لما تزل تتمتع بمكانتها الفنية،فحينما تتخذ شكلها الفني مستكشفة ومعالجة موضوعا ما فانها تقول للمتلقي: (ان الاشياء اكثر تعقيدا مما تتصورها)

   كان الفرد(انا) ومايزال،قضية الرواية الاساسية من حيث المفهوم ومن حيث كونه لغزا.. فحتى الروائيون الاوائل الذين لم يكونوا مسلحين بثقافات سايكولوجية لهم محاولات جدية لخلق شخصيات قصصية معينة تميزهم اعمالهم عن غيرهم من الشخصيات.. وهكذا حينما تبين بان العالم الخارجي التطبيقي ليس صالحا لادراك الفرد،فقد توجهت الرواية نحو سبرغورالعوالم الداخلية للفرد،والتي تمخضت عنها تعددية الصوت (بروست وجويس..)

 

 

 

 

 (25)

 

 

 الرواية عبارة عن اثارة الاسئلة حول ألغاز وجود شخصيات الرواية الشخصية، بالحيثيات التي تنبع من مخيلة الروائي وليس بوجودها الواقعي. هكذا يسعى الروائي للوصول الى الماهية الوجودية للانسان، كي يخلق منها احداثا ومشاهد فنية مبدعة، معبرا بذلك عن الجوهر الحضاري لعصره.

إن الرواية تستكشف الوجود، وليس الواقع، والوجود ليس كل ما حدث، بل هو الميدان الحقيقي لتجربة الامكانيات البشرية اللامحدودة. فالوجود بما فيه الوجود البشري الباطني هو المضمون والموضوع الجوهري للرواية، والرواية هي بحث فني دؤوب لتشريح الانسان واستكناه باطنه. لابد من الاشارة الى ان التفكير في اطار الرواية يتخذ بطبيعته طابعا استفهاميا، لان الرواية الاصيلة تخالف ادلجة الافكار. ويتجنب الروائي عقائده الايدولوجية الخاصة، لانه يحاول الوصول الى المجهول واستكشافه،وما وسيلته إلا الرؤية التأملية والخيال الفني،لذا فان تفكيره لايسبق كتابة الرواية،بل ينبع منها..فمهمة الرواية اذن هي الكشف والاستكشاف،ولابد أن تتأثر هذه العملية الاستكشافية بآلية التغير..فالتفكير في اطار الرواية، تفكير شاعري برؤية تأملية، يشحذ الحس الشاعري لدى المتلقي ويروي ظمأه الروحي.لابد من التنويه ان الرواية كأي جنس فني آخر، لاتقبل بالقوالب الجاهزة والقواعد التقليدية، والرواية كما نرى اليوم تعول على التكثيف والتركيز والدخول المباشر في الموضوع،مراعية تعددية الأصوات التي هي خصيصة درامية اكثر من كونها تكنيكا روائيا.

 

*

 

   معلوم ان لا إنفصال بين العقل والاسطورة في الافكار المبنية على الاسس الرمزية، بل يكمل بعضهما البعض،ويتخذ كلاهما طابع الآخر اذا ما اقتضت الضرورة.ان هذا النوع من التفكير يؤمن بوحدتهما في الجوهر والاصل. وما هذا سوى تفكير روائي،حيث يحيل الروائي الافكار برؤى فنية الى رواية.

   اما الفكر الجديد المنهجي المعتمد على المقدمات والتعليلات المنطقية والنتائج، فيعطي الاولوية للعقل على حساب الاسطورة، اذ به يشرع تأريخ العصر الجديد،وتكون السيطرة فيه للعقل، حيث به تقاس الاشياء، ويبتعد الانسان تدريجيا حتى عن ذاته متناسيا اوناسيا الوجود، رافعا راية الاستسلام للعلم والتطور التكنولوجي، ولانعني بذلك التقليل من اهمية دور العلوم في التطور الاجتماعي..بل نقصد التأكيد على ضرورة تجاوز النظرة  العلمية البحتة، خصوصا في المجالات الابداعية،فمع غلبة التوجه العلمي على المجتمع البشري ينسحب التوجه الاسطورى مستصحبا معة الخيال والروءى التأملية الى الاعماق الانسانية مرتبطا مصيره بالرواية، حيث تستكشف الامكانات والابعاد المختلفة للوجود، محافظة على العلاقة الجدلية بين اسطرة العقل وعقلنة الاسطورة، مجسدة التأريخ الرؤيوي للانسان في الفن وبالفن نفسه، اي ان الرواية كانت ولما تزل محاولة فنية بعيدة عن اي التزام سياسي اوايدولوجي، لاقتحام مجاهيل الوجود، واستثمار ما فيها من ابعاد رؤيوية مشحونة بالخيال في اتجاه الفن.

 

*

 

   كثيرة هي الحالات التي تصل فيها شخصيات الرواية الحديثة الى طريق مسدود بلامخرج، ويعزى ذلك الى افتقار المجتمع الى الحرية، حيث يتحجر المجتمع بدونها،وتنعدم فيه كل الامكانات البشرية، ان فشل وانهيار مثل هذه الشخصيات علامة اكيدة على نشوء رؤى جديدة للتأريخ، حيث ينتهج معها نهجاجديدا حرا،يمهد السبيل امام الامكانات البشرية اللامحدودة كي تمارس حريتها.ان فشل هذه الشخصيات هو البداية لظهور شخصيات اخرى. شخصيات تواجه مراحل اخرى من التطور الاجتماعي، وتعكس الفشل والنصر الانسانيين في مرحلتها التأريخية.ان امكانات الانسان، هي امكانات فشله وانتصاره، حيث يحمل كل فشل في طياته نطفة النصر،وكل نصر يجرب في موقع جديد ومرحلة جديدة.اذن التجريب هو سمة اخرى من سمات الرواية.

   والرواية في مطافهاالاخير هي اثارة استفهامية حول الالغاز الوجودية لابطالها،التي تسعى لمعرفة واستكشاف الظواهر الوجودية،واضعة الانسان في مواجه حقائق نسبية متضادة، قاطعة الطريق امامه للتفاخر والتظاهر، حيث تتحول الرواية الى مختبر يحلل ويشرح فيه الانسان عاريا لاحول له ولاقوة على اخفاء ماهيته البشرية والدوافع الاصلية لافعاله وراء الاحكام المسبقة.

   هكذا تنكشف الامور ولايبقى في الخفاء شيء، ولا يبقى امام الانسان سوى ان يعرف نفسه ومحيطه،مجددا روحه متمتعاً بالحرية، مانحا بالمحبة وفي المحبة معنى لحياته.

 

 

 

 

(26)

 

  ان التطور العلمي في شتى المجالات والحقول،ومن ثم التخصص في مجالات التقدم العلمي والتكنولوجي قد ادى الى نسيان الانسان لذاته والاستغراق في مناسي الوجود والخضوع لطغيان القوى التقنية والسياسية والتأريخية والبقاء في الهامش. علما ان مؤسسي العصر الجديد ليسوا هم العلماء والمفكرين وحدهم،بل للأدباء ايضا دور لايقل شأنا عن دورهم،وعليه ليس من المبالغة اذا ما قيل ان دور سيرفانتس كان يضاهي دور ديكارت مع اخذ موقعيهما ومجاليهما ومرحليتهما بنظر الإعتبار.

   اذا ما سلّمنا بأن الفلسفة والعلم قد اهملاالوجود الانساني الى حد ما،فان الآداب،الرواية خاصة، قد كرست نفسها للبحث عن ذلك الوجودالمنسي واستكشافه فنيا.فمادام الانسان مهددا،ستظل الرواية مجسدة في اشكال تناسبكل مرحلة من مراحل التاريخ،وتدافع عن الوجودالانساني المهمش والمهمل بالكشف وفي الكشف،باعتبار العملية الاستكشافية هي الرسالة الاخلاقية الاولى لها.

 

*

 

   العدوة اللدودة للرواية هي المحرمات والرقابات والقمع بشتى انواعه الايدولوجي والاجتماعي والسياسي والديني،وهذا يعني ان الرواية لاتخضع للقولبة والادلجة،وإن اخضعت لهما اكراها،فانها ستخرج عن مسارها الفني وخير مثال على ذلك هوالكم الهائل من الروايات المؤدلجة، التي كتبت ونشرت في العهد السوفياتي البائد،والتي لم تكن تحمل في طياتها الفنية كشفا روائيا يذكر،اي لم تكن مساهمة فنية في عملية الاستكشاف الوجودي،علما ان التأريخ الحقيقي للرواية مرهون بهذه العملية الاستكشافية.فهذا يعني ان الرواية في العهد السوفياتي قد توقفت بشكل ملحوظ عن العطاء الفني،فكل توقف من هذا النوع اذا ما استمر وطال،يكون نوعا من الموت الروائي،اي ان الرواية تخرج عن مدارها التأريخي وتنحرف عن مسارها الفني.

   والسؤال الملح هنا هو:اذا كانت مهمة الرواية ورسالتها هي تسليط الضوء على الحياة ومنحها المعقولية وتخليص الانسان من مناسي الوجود،أليست الحاجة اليها في هذا العصر الرهيب والمعقد والمخيف اكثر الحاحا من اي عصر آخر؟

   بلى...إن الكم الهائل من الروايات الحديثة والمعاصرة لدليل اكيد على حاجة عصرنا للرواية، التي لا تساوم على تأريخهاالخاص،الذي يتجسد في مواصلة المسيرة الاستكشافية للرواية. والرواية كما نعلم لها علاقة اصيلة بروح الوجود،وروح الوجود وهي اكثر تعقيدا مما يتصورها القاريء ويفكر فيها.

 

*

 

   الرواية كجنس ادبي متميز عبارة عن اثارة الاسئلة والبحث الدؤوب عن الاجوبة،حيث تتفرع هذه المعادلة الى فروع كثيرة لتشمل اللاشعور والنضال الطبقي والظاهراتية وعلم النفس والاجتماع ومعرفة الانسان.والقيام بتجربتها فى مختبرات الفن،والقول فنيا ان لافصل بين العالم والانسان،اذ يكملان بعضهما البعض.وبتغيير العالم يتغير الوجود،وعليه تستوجب الاشارة الى ان ما يميز الرواية عن الحقول المعرفية الاخرى،هو تفردها في قول الاشياء قولا فنيا،فالروائي يخطط للوجود من خلال الامكانات البشرية الغنية، وما الوجود سوى التواجد في الكون،لذا يتوجب ادراك شخصيات الرواية وعوالمها من خلال الأثر الغني بالاحتمالات المتجددة.فالروائي ليس مؤرخا ولانبيا وانما هو مستكشف للوجود.

   والكشف الروائي مرهون بالعمل والحدث.لنعرف ما هو العمل؟

العمل هو المسألة الاساسية للرواية،فهو العنصر الرئيس فيها،وينبع من التصميم والقرار،فما هو القرار؟ وكيف يتحول الى عمل، والعمل الى حدث؟ يعتقد الكثير من الروائيين ان وراء كل عمل دافعا او محركا،وكل عمل يؤدي الى غيره وماالحدث الاّسلسلة من الاسباب والنتائج للأعمال.

 

*

 

   لقداضطر تولستوي (لاول مرة في تاريخ الرواية)ان يستخدم الحوارالداخلي (شأنه شأن جويس) لاستعادة إراءة اللحظات الهاربة ولاسترجاع اللحظات الانتقالية والافكارالمتفرقة وذلك ليرينا الحالة الروحية التي قادت (آنا) نحوالانتحار.

   وهكذا نجد ان الرواية تتعامل مع المواضيع التي تقال بها وحدها وتستكشف فيها فقط وللوصول الى هذا الهدف يحق لها ان توظف بصورة فنية،الحقول الثقافية الاخرى كالفلسفة والشعر شريطة ألاّ تفقد هويتهاالخاصة.

 

 

 

 

 

 

(27)

 

 الأمة الكردية هي احدى اكبر الامم من حيث الحجم السكاني،في حين حرمت من التمتع بحق تقرير مصيرها المتمثل في تشكيل دولتها الخاصة بها...قد انعكست هذه الحالة غير الطبيعية في جميع مرافق حياتنا...فالدولة هي ترجمة الوجود السياسي لأي امة الى واقع، والاعتراف بهذا الوجود من قبل المجتمع الدولي والتعامل معه تعاملا رسميا...لذلك نرى ان انعدام الوعي السياسي لدى شعب ما او معاكسته لتيارات تقدم العصر اوتخلفه عنه،خصوصا في مرحلة التحرر الوطني القومي، ينعكس وبشكل سلبي جدا في جميع المرافق الحياتية،ونخص بالذكر هنا مجالات الانشطة الثقافية الادبية....وهذا بدوره يؤدي الى الانعزالية ومن ثم الانحطاط والتخبط.. لهذا ليس من الغريب ابدا ان يتأخر ظهورالرواية الكردية عن قريناتها للشعوب المجاورة لنا...

 

*

   للرواية كشكل ادبي متطور علاقة وطيدة بالمراحل التاريخية والاجتماعية التي مر بها هذا الشعب او ذاك، وهي لاتخرج عن دائرة الحركة الثقافية السائدة في تلك المراحل، اذ تأخذ شرعيتها من الضرورات الروحية والنفسية والاجتماعية، التي تمهدالسبيل لظهورها ونموها وتطورها.

 

*

   ربما لم تولدالرواية الكردية النقية بعد...الا اننا لانعني بكلامنا هذا الشطب على المحاولات العديدة التي تظهر هنااوهناك، والتي تتراوح بين الجودة التي تحمل في ثناياها التفاؤل بمستقبل الرواية،والرداءة التي ان لم تُثرِ تجربتناالروائية، لاتكون ابدا مبعث قلق على ولادتها عاجلا ام اجلا...فالمحاولات المستمرة برهان ودليل اكيدان على قرب ولادة الرواية الكردية وتبوءهاالمكانة الجديرة بها على خارطتنا الادبية....

   علينا ان نستذكر هاهنا أن للاداب بشتى اشكالها جذورا تمتد عميقا في الواقع، اي انه ليس هناك ادب غير واقعي مهما اختلفت التسميات والمسميات...وبدهي ايضا ان لكل واقع، رغم خضوعه لعوامل التأثر والتأثير،خصوصيته التي تميزه عن غيره...فللوسط الادبي الكردي كغيره من الاوساط الادبية والثقافية،خصوصيته المتميزة التي ستنعكس.شئنا ام ابينا في الرواية الكردية الموعودة.فبغية تنشيط المناخ الادبي الذي  يحمل في ثناياه العناصر والمقومات الضرورية لولادة الرواية.علينا ان نقوم وفق خطة مدروسة بترجمة النماذج الروائية الطليعية العالمية ،التي تستمد شرعيتها وصيرورتها الادبيتين من اصالتها الفنية. وتؤثر تأثيرا مباشرا في تفعيل وتسريع ظهور وولادة الرواية الكردية، بالاضافة الى توفير الحرية الكاملة للروائيين والكتاب.لأن الحرية والكتابة تشكلان وجهين لعملة واحدة، فمتى ما فقدت العملة وجها من وجهيها، ستفقد قيمتها ثم ينتهي دورها وتزول من التداول.

 

*

   ان التعقيدات والتطورات المتشابكة التي يشهدها المجتمع الكردي في هذه المرحلة. تقتضي بطبيعة الحال شتى انواع المعالجات السياسية والاجتماعية والفنية،والرواية بصفتها ارقى الفنون سيكون لها اوفر النصيب في تناول الجوانب المتعددة لتلك الموضوعات ومعالجتها معالجة فنية وفي اشكال وقوالب متنوعة...ونؤكد ثانية بأن كل القرائن والدلائل تشير الى قرب ولادة الرواية الكردية كاستجابة حتمية لضرورات المرحلة التاريخية والاجتماعية والثقافية،بل هناك آفاق رحبة امام الرواية الكردية وستحمل معها الخصوصية الكردية، التي ستكون بمثابة علامتها الفارقة...وان غدا لناظره لقريب...

 

< الرجاء استخدام الأسهم لقلب الصفحة

>