Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

الكرد اليوم

ترجمة : غسّان نعسان     تأليف :مجموعة من الكتاب

الكرد اليوم

 تأليف :مجموعة من الكتاب

 ترجمة: غسان نعسان

 

مراحل القومية الكردية الثلاث

                                                                                            

 

 حسين أكويجين أوغلو

 

تمهيد:

            في البحث((يقظة القوميات الصغيرة بإعتبارها المشكلة المفضلة للبحث التاريخي الإجتماعي)) يقوم الباحث والمؤرخ التشيكي ميروسلاف روخ بتقسيم نهضة الحركات القومية لدى الأمم الصغيرة إلى مراحل ثلاثة.

            تتضمن المرحلة الأولى، التي يطلق روخ عليها إسم(المرحلة أ)"صحوة" إهتمام عدد من الشخصيات المنتمية لشريحة المثقفين بالثقافة واللغة الشعبية. فيصيغ روخ فكرته على الشكل التالي: ((تقع على عتبة مرحلة إهتمام العلماء بالمعرفة وميل عدد من الشخصيات نحو ماهو قومي ـ شيء شبيه بالعطش التنويري.)) ولكن هذا الإهتمام يظل إهتمام ثقافي أدبي بحت، ولا يمتاز بعد بأية صيغة سياسية إيديولوجية.

           في المرحلة الثانية(المرحلة ب )، تتشكل وتتطور عن الإهتمامات الثقافية الأدبية المذكورة ومن خلال الأعمال اللاسياسية التي نشأت حينها((أقلية حيوية))، فتصبح بمثابة((مكتشف)) القومية. تبذل هذه الأقلية كل مافي وسعها من طاقات من أجل تحقيق القومية: كالترويج لكل ماهو قومي ووضع المطالب السياسية القومية و.. الخ.

            على الرغم من أن السياسة القومية هذه تجتذب دائرة ضيقة من الشريحة المثقفة وتنال دعمها الكبير، إلا أنها لاتتمكن في هذه المرحلة من تحقيق التأثير على قطاع واسع من الجموع الجماهيرية، بل تقابل بالإهمال منها. يطبع هذه المرحلة كما يقول الباحث روخ((التحريض القومي الهادف، الذي تقوم به أقلية تمتاز بالوعي القومي(مجموعة صغيرة من الوطنيين) التي تبذل جهودها في سبيل نشر مبادىء وقيم الوعي القومي بين صفوف عموم الناس، بعبارة أخرى تحاول كسب التأييد والحماسة لجماعتها العرقية(القومية) بين أوساط الجماهير العريضة.{...} هنا تمكن صحوة القوميات الصغيرة بمضون أضيق. غير أن بداية الإنتقال إلى(المرحلة جـ) تحمل الإشارة إلى اليقظة الناجحة.))

             في المرحلة الثالثة(المرحلة جـ)، تبدأ بعدئذٍ الأفكار القومية بالحلول في المرتبة الأولى قبل كل الإرتباطات السياسية الأخرى بالنسبة للجزء الأعظم من جموع الجماهير. يضعف الإحساس القومي كل الولاءات الأخرى، وتتربع القومية المكانة الأعلى في قمة سلم الأولويات. الفكرة القومية وبرنامجها يصلان بذلك إلى المرحلة التي تؤهلهما من إمكانية تنظيم القسم الأعظم من الجماهير. وبالعودة إلى الباحث روخ، هنا تنبعث((الحركة الجماهيرية للوعي القومي)).

              البحث التالي حول تطورات القومية الكردية سيعتمد على هذا النموذج.

 

المرحلة أ:

            تبدأ المرحلة الأولى(المرحلة أ) للقومية الكردية مع بدء صدور مجلة((كردستان)) في سنة(1898) وتستمر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. إن مايميز هذه المرحلة هو أن((الكرد)) أصبحوا موضوعاً للإهتمام عن وعي، وذلك لأول مرة ضمن إطار الإمبراطورية العثمانية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن هذا الإهتمام لم يحدث على الإطلاق أن تجاوز حدود الإمبراطورية العثمانية المتعددة القوميات، أو أن شكك في مبدأ((الهوية العثمانية)). فالموضوع هنا يتعلق((بصحوة)) الإهتمام بالثقافة واللغة الكردية لدى عدد من المثقفين الكرد، من دون إثبات أية صبغة سياسية.

             أصدر عدد من كرد المنفى مجلة((كردستان)) في القاهرة. إضطرت هذه المجلة الكردية الأولى بعد صدور عددها الخامس إلى مغادرة القاهرة لأسباب سياسية والهجرة , بداية إلى جنيف. ثم عادت الجريدة مرة أخرى إلى القاهرة من جديد، لتتابع رحلة الهجرة بالتسلسل التالي: إلى لندن ثم فولكستون وفي النهاية عادت مرة أخرى إلى جنيف.

            صدرت((كردستان)) بلغتين، الكردية(كرمانجي) والعثمانية وكانت موادها تحتوى مضامين أقرب إلى الثقافة والتربية. الناشر الأول مدحت مقداد بدرخان شرح أهداف المجلة في الإفتتاحية: ((سوف أبحث في هذه الصحيفة في فوائد العلم والمعرفة، وسأقدم المعلومات حول الطريق إلى إكتساب المعرفة، وسوف أكشف للكرد عن أماكن وجود المدارس والمعاهد العليا الجيدة، وعن الحرب القائمة وأين تجري، وماذا تفعل الاول الكبرى، وكيف تجري الحروب وتمارس التجارة. سوف أتحدث عن كل ذلك.))

            غير ان قسم السياسة اليومية في الصحيفة كانت تغلب عليه موضوعتان : الأولى نقد سياسات السلطات عبد الحميد الثاني(إجراءاته القمعية والإضطهاد وخرق حقوق الإنسان وفساد الموظفين وكل رموز سلطاته وطريقة معاملتهم للكرد بشكل خاص)، وثانياً تحذير الكرد بألا يصبحوا ذراعاً للسلطان عبد الحميد الثاني لتوجيه الضربة إلى الأرمن.

             كان نشر الملحمة الكردية الكلاسيكية((مم وزين)) للشاعر أحمدي خاني من القرن السابع عشر أحد أهم نشاطات هذه الصحيفة. بعد صدور(31) عدداً توقفت((كردستان)) في سنة(1902) عن الظهور. إلا أن الشريحة المثقفة الكردية الأولى واصلت نشاطاتها بصورة أشد قوة، خاصة بعد إنقلاب ـ الشباب الترك سنة(1908). بدأت في الإمبراطورية العثمانية نهضة فكرية بعد العودة إلى تفعيل الدستور مرة أخرى. حيث تم إلغاء حكم الإستبداد الحميدي الذي إستمر أكثر من(31) سنة، وعاد حق حرية التعبير عن الرأي. ساعدت الأجواء الليبرالية المنفتحة في الإمبراطورية العثمانية متعددة الأعراق على نشوء هذه المنظمات السياسية والثقافية بين صفوف مختلف القوميات. شملت هذه التغييرات الطليعة الوطنية الكردية وقياداتها فأصدروا إلى حين نشوب الحرب العالمية الأولى صحف ومجلات عديدة، منها: ((الصحيفة الكردية من أجل الدعم المتبادل)) و((روجي كورد)) (الشمس أو اليوم الكردي) و((هيتاوي كورد)) (الشمس الكردية)، كما قاموا بتأسيس الجمعيات الثقافية مثل((جمعية الأمل الكردية)).

             مايميز المثقفين الكرد في هذه المرحلة المبكرة قبل الحرب هو ولائهم للإمبراطورية العثمانية، حيث كان الكرد يعتبرون أنفسهم جزء من المنتمين المخلصين لفكرة((العثمانية)) المتعددة القوميات. فلم يختلفوا بهذا المعنى عن ((الشباب الترك)) من غير الكرد سوى إختلافاً طفيفاً. الإمبراطورية العثمانية بالنسبة لهم أيضاً كانت تعني الوطن.

             صحيح أن كلمة((الوطن)) كانت تستخدم في مجلة((كردستان))، للدلالة على الإمبراطورية العثمانية معظم الأحيان، إلا أن المرء يمكنه الملاحظة في عدد من المواقع الأخرى  طريقة إستعمال مختلفة الدلالة لهذا المصطلح. على سبيل المثال في المقال الذي نشر في العدد رقم(27) لعبد الرحمن بدرخان، حيث كتب فيه: ((قبل خمسمئة سنة لم يكن يوجد في وطننا تركي واحد. الأتراك جاؤا من طوران إلى وطننا، وهم الآن يحكموننا في أوطاننا. )) هذا يؤكد بشكل قاطع أن بعض الكرد كانوا منذ ذلك الحين  يحلمون بوطن كردي يتجاوز إطار حدود الإمبراطورية العثمانية. غير أن الإمعان بشكل دقيق في مجمل التوجه العام لمجلة ((كردستان)) يفضي  إلى إستخلاص نتيجة مفادها أن مصطلح((الوطن)) ضمن هذا السياق لايتطابق مع مفهوم الدولة القومية الحديثة. ربما يستشف المرء بالمغزى الوطني هنا أكثر شيئا ما,  هو أقرب إلى الحنين الرومانسي إلى أيام الإمارات الكردية التي زالت. وقد تتوضح هذه الملاحظة أكثر إذا لاحظ المرء أن كاتب المقال المذكور هو أحد أفراد سلالة الأسرة الكردية النبيلة بدرخان من بوتان , التي سلبت منها إماراتها. في هذا السياق يسري السؤال على الوطنيين الكرد من طبقة النبلاء أيضاً, الذي طرحه "أوتودان" فيما يخص مصالح((الوطنيين)): ((هل كان وطن الوطنين هو بلادهم التي تخصهم وبلاد الآباء، أم كان الوطن هو الدولة التي كان المرء يحس فيها بالإرتياح أكثر من أي مكان آخر، والتي يؤيد دستورها أكثر من الدساتير الأخرى؟ من هنا يأتي أن بوسع المرء أن يحظى ليس بوطن واحد فقط وإنما يمكن أن يكون لديه عدة أوطان)).

 

              في تلك الحقبة لم يكن لدى الكرد توجه واضح بعد بخصوص تعريف للوطن مختلف عن الإمبراطورية العثمانية متعددة القوميات. يصعب بالنتيجة القول أن سلوك الطبقة المثقفة الكردية الأولى وآفاقها كانت تحددها فكرة القومية والدولة القومية. إن فكرة القومية الحديثة كانت لاتزال غريبة عنها. ولكن بالنظر إلى أن منظماتها الثقافية الحديثة كانت الرائدة في إستخدام رمز((الكردية))، وهي التي إبتدأت بالعناية بالثقافة والتاريخ واللغة الكردية، فإن إعتبارها ممثلة الرومانسية الثقافية بالنسبة للقومية الكردية سيكون من العدالة بمكان.

 

المرحلة ب :

 

           حلت محل الثقافية ـ الأدبية السابقة مرحلة التنظيم السياسي (المرحلة ب) وذلك بدءا مع تأسيس((جمعية إعلاء كردستان)) التي إرتبط بها الحنين إلى حق تقرير المصير السياسي للأمة الكردية، سواء في صيغة إدارة ذاتية ضمن إطار الإمبراطورية العثمانية، أو من خلال الإنفصال عنها. حملت لواء هذه المرحلة ب ((أقلية حيوية)) صغيرة إمتازت((بالوعي القومي)) لكنها لم تكن تمتلك القاعدة الشعبية الواسعة بعد.

            بعد فترة وجيزة من إستلام زمام السلطة إبتعد((حزب الوحدة والتقدم)) شيئا فشيئا عن أفكاره العثمانية الليبرالية السابقة، وباتت توجهاته تقترب من سياسة التتريك أكثر. فسادت الأفكار القومية التركية المتعصبة(الطورانية) التي كانت تلك الحركة تحملها إعتباراً من سنة(1913), مما أدى إلى نتائج مدمرة للقوميات غير التركية في الأناضول. وقاد الحزب الحاكم بسياسته الطورانية الإمبراطورية العثمانية إلى الحرب العالمية الأولى , فعجل بذلك من سقوطها. لقد تم البطش بالآلاف، بل بمئات الآلاف من الأرمن خلال سنوات الحرب الأولى، الذين سقطوا ضحايا القتل والتهجير. وبالتالي أصبح شرق الإمبراطورية مأهول بالدرجة الأولى بالكرد فقط، الذين بدورهم أيضاً لم توفرهم سياسة التتريك. وهكذا إضطر مئات الآلاف من الكرد إلى الهروب، أو قامت الحكومة بتهجيرهم إلى وسط الأناضول قسراً، بسبب حجة تخوف الحكومة من إنضمام بعض القبائل الكردية إلى صفوف الروس في الحرب ضدها.

              غير أن تهجير الكرد بالذات، إضافة إلى نتائج الحرب العالمية الأولى بشكل عام ساهم في زيادة حدة المشاعر الوطنية القومية في نفوس الشريحة المثقفة الكردية. هذه الشريحة الإجتماعية التي كانت تعيش في اسطنبول والمتأثرة بالقومية الثقافية الرومانسية، عايشت الإحتكاك المباشر على أرض الواقع الكردي بجدية لأول مرة. فأثرت بها أوضاع التخلف في المجتمع الكردي وحالة تجمعات اللاجئين الكرد والأوضاع اللاإنسانية المزرية التي كانوا يعيشون فيها. الأمر الذي أدى إلى زيادة القلق إزاء الوضع الكردي , بغض النظر عن أوضاع اللاجئين الكرد, هي السياسات التي طبقها((حزب الوحدة والتقدم)) عملياً على أرض الواقع. فقد عملت الحكومة على سبيل المثال على تغيير الأسماء والمصطلحات، فحولت إسم((كردستان)) إلى((الولايات الشرقية)) و((هاظالي شرقي)) إلى((المنطقة الشرقية)) و((سيرهاد)) إلى((المنطقة الحدودية) أو((الولايات الستة)). أدت هذه الأحداث والمعاناة المشتركة معاً إلى نشوء وتطور إحساس جماعي كردي مشترك((إحساسنا نحن)).

               نشأت لدى الطليعة الكردية بحق((اليقظة))القومية("العنصر السلبـي" لتحول الوعي القومي)، بداية عبر الإجراءات الطورانية خلال سنوات الحرب العالمية الأولى وعبر صراع الكرد مع هذه الطورانية. تظهر صفحات مجلة ((جين)) بوضوح موقف القوميين الكرد من  الفكر القومي التركي، وكيف صاغوا أفكارهم القومية من خلال الجدل معه. في مقالاته الثلاثة يكتب الكاتب كورديه بتليس في الأعداد(1، 2، 3) من مجلة"جين" منتقداً الكتاب الصادر عن((دائرة اللاجئين العثمانية)) بعنوان"الكرد" بسبب((إنكار التاريخ والوجود الكردي)). كما يكتب أيضاً أنه((طالما سمحت له قوه)) سيناضل ضد تلك الاراء السخيفة والوضيعة. كما ينتقد يامولكي زاده عزيز هذا الكتاب أيضاً، الذي ورد فيه كما يكتب عزيز أن إسم عائلة الإمراء الكردية الشهيرة((بابان ينحدر من الكلمة التركية((به به)) (الرضيع), الأمر الذي يثبت الأصول التركية لعائلة((بابان)).

             كما كتب كورديه بتليسي مقالة أيضاً موجهة ضد إدعاء((شخص من دياربكر)) بأن(80%) من سكان المدن الكردية هم من الأتراك. وتوصل في مقالته بالإعتماد على العديد من الكتب عن تاريخ الكرد والأتراك إلى النتيجة بأنه حتى القرن الحادي عشر لم يسكن الأتراك لا في القرى ولا في المدن الكردية، أما بخصوص سكان المدن الكردية الذين يتكلمون اليوم اللغة التركية، ويشير كمثال إلى مدينة بتليس، فهم إما موظفون أتراك أو أولئك الكرد الذين تلقوا التعليم باللغة التركية، وهم يتكلمون التركية بسبب عملهم الوظيفي الرسمي، أو أنهم مرغمون على هذا بسبب((ضغط الحكومة)). وتوصل إلى النتيجة بأن عدد الأتراك الذين يعيشون في المدن الكردية ليس كبيراً، بل إنهم يشكلون مجرد أقلية ضئيلة لا تستحق الذكر. على ضوء هذه التطورات أعاد((التحالف الوطني الكردي)) تشكيل صفوفه ومتابعة نشاطاته من جديد، بعد ما كانت قد توقفت بسبب الحرب.

               في خريف سنة(1918) تأسست واحدة من أهم المنظمات الكردية وهي((جمعية نهضة كردستان)) (KTC)، وقد صرح أحد القيادين الكرد حينها , أنها قامت من أجل((مكافحة الظلام في كردستان)) وسرعان ما أصدرت((جمعية KTC ))   مجلة ((جين)), وقد إحتوى العدد الأول التعبير عن الهدف من وراء إصدار هذه المجلة: ((إصدار مجلة"جين" ليس في سبيل تحقيق المكاسب الشخصية، بل الهدف من وراء ذلك هو نشر المعلومات حول التاريخ الكردي والحقوق القومية والأدب الكردي الذي لاقي الإهمال مئات السنين , وعن علم الإجتماع. ونحن نرى أن الأمة الكردية تستطيع أخذ مكانها الملائم بين الأمم، ولا يضمن هذه المكانة لأمتنا سوى إستعمال أدوات العمل التي تلائم هذا العصر. إننا نعلم أن مشروعنا يتطلب مرحلة مضينة مليئة بالعمل الشاق، إلا أننا عندما أخذنا هذه المهمة الصعبة على عاتقنا إعتمدنا بحق على المساعدة المادية والمعنوية وعلى الدعم بكافة أنواعه على أبناء أمتنا من أجل تسهيل المهمة لخدمة الأمة الكردية المعروفة بإستعدادها لتقديم التضحيات في سبيل أوطانها وأبناء شعبها.))

              في حين كان الوطنيون الكرد لازالوا حتى بداية الحرب العالمية الأولى يدينون بالولاء الشديد للخلافة السلطانية ويؤيدون بكل إخلاص المبادىء"العثمانية" والإسلامية، أصبحنا نرى الآن مع مجيء جمعية(KTC) ظهور الإشارات الأولى لـ((حق تقرير المصير)). بدأ الحس القومي يحل محل الفكر((العثماني))إلى أن أصبح في قمة سلم الأولويات فيما يخص الولاء.

              هذه التطورات هي من دون أدنى شك نقلة نوعية في التطور القومي الكردي، وهي تشكل بذات الوقت إشارة تدل على عملية الإنتقال من المرحلة الأولى(المرحلة أ) إلى الثانية(المرحلة ب) في نموذج التطور.

 دأب الوطنيون الكرد حتى بداية الحرب العالمية الأولى في البحث عن الجواب على السؤال الملح((كيف السبيل لإنقاذ الإمبراطورية العثمانية؟)) شأنهم شأن بقية المثقفين العثمانيين من القوميات الأخرى قبل عصر القوميات في الإمبراطورية. أما على صفحات مجلة((جين)) فقد بات الحديث عن نشاط المرء بكل وضوح في السعي من أجل الحفاظ على((المقومات الكردية))، أي من أجل إدارة ذاتية أو دولة كردية مستقلة، بدلاً من السعي لأجل إنقاذ الدولة العثمانية.

 

            عندما فقدت القيادات القومية للشعوب الأخرى الأمل في الحفاظ على الأمبراطورية بشكل نهائي، كان يتبلور شيئاً فشيئاً لدى المثقفين الكرد أيضاً المبدأ التنظيمي العرقي ـ القومي كبديل سياسي وحيد. فهاهو الكاتب سيفريكلي حلمي مثلاً، يحذر الشبيبة الكردية من الأفكار السياسية الأخرى غير القومية، ويناديهم إلى العمل أخيراً من أجل القومية وفي سبيل((وطنهم كردستان)). كما يدعوهم قائلاً: ((أيها  البشر الشباب، أنتم الآن أمل الوطن الوحيد. نعم فالموضوع يرتبط بحياة كردستان. لاتلحقوا بأفكار التيه لإن مهمتكم اليوم غاية في الأهمية نحن نعيش اليوم لحظات خطيرة وأياماً مهمة. لاتناموا!{....} في مؤتمر السلام غداً{...} ستتمكن كل أمة من إحقاق حقوقها في الوجود. إبذلوا جهودكم حتى ولو ليس من أجل كردستان كاملة، ولكن من أجل كردستان تركيا على الأقل، التي تعيش الآن أوضاعاً غاية في الصعوبة وتمر بساعات مروعة. يتحتم عليكم إنقاذها من الموت الذي يحدق بها , ومن معاناتها الأبدية{...} سننقذ الآن أنفسنا بذاتنا{...} لاتنسوا أننا نملك لغة غنية وتاريخ مشرق ,لكنهما عانيا حتى اليوم من الإهمال.))

           إنجوم يامولكي عبرت في كلمة إفتتاح((جمعية نهضة النساء الكرديات))عن المطالب التالية: ((في هذا الوقت الذي تتقر فيه مصائر الشعوب وتنال كل قومية الإعتراف بحقوقها، نحن أيضاً نريد حقوقنا كالآخرين، فتعداد الكرد بالملاين وكردستان بلادنا شاسعة الأطراف.))

 

            هنا يمكن إستخلاص نتيجة مفادها, أنه لأول مرة في التاريخ القومي الكردي أصبح الكرد((قومية تاريخية)) وأصبح القوميون الكرد يطالبون أن تأخذ هذه القومية زمام مصيرها بيدها. يشرح هذا الكاتب هيزانزادا   كمال فوزي أيضاً إذ كتب: (( تستطيع كل أمة الإستمرار في الحياة عندما تقرر مستقبلها بنفسها، ومثل هذا المجتمع فقط يستحق الإستمرار في الحياة.)) بدأ المثقفون الكرد لأول مرة ذلك الحين  يتبنون المصطلحات القومية، الأمر الذي يعني إنتقال طريقة تفكيرهم إلى الطريقة القومية. لم يسعَ الإرستقراطيون من أجل توسيع نفوذهم الإقتصادي والسياسي, عندما باتوا ينشرون مصطلحات مثل((شخصية قومية رفيعة المستوى)) و((الروح القومية)) أو((الرشد القومي)) أو((الحكمة القومية))، بل تعلمها وإستخدمها مثقفون كرد أثناء دراستهم وإحتكاكهم مع الآخرين، فتعرفوا على التعاليم القومية التي ساعدتهم على هذا الإختراق. لقد تطابقت الأفكار القومية للمثقفين الكرد مثل ممدوح سليم بك وكورديه بتليسي وكمال فوزي وإحسان نوري وإسماعيل فيداد وكثيرين غيرهم مع أفكار المثقفين القوميين من أبناء القوميات الأخرى في الإمبراطورية العثمانية، ولم تكن أفكارهم القومية أقل أو أكثر من أقرانهم من أبناء القوميات الأخرى.

        

المرحلة ج :

             إنفصلت كردستان العراق عن((القسم التركي))من كردستان. فإستمرت هناك (المرحلة ب) عبر الطليعة المثقفة الجديدة التي أهلتها الأوضاع الإيديولوجية الناضجة  لطرح المطاليب القومية، سواء في صيغة إدارة ذاتية أو الإستقلال. كان منظمو وحاملو راية الوطنية الكردية(الكوردياتي) الجدد في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي هم الطلبة والخريجين من جامعة بغداد، وفي الدرجة الأولى الضباط الكرد في الجيش العراقي الذين لمسوا تنامي الحس القومي العربي في صفوف الجيش.

             كانت حصيلة تلك المرحلة هي في تأسيس رفيق حلمي حزب"هيوا"(الأمل) في نهاية سنوات الثلاثينيات وحزب((رزكاري كوردي))(حزب تحرير كردستان) من قبل عدد من الأعضاء السابقين في الحركة الشيوعية في سنة(1945). إلا أن ترسيخ وتوطيد الحركة القومية الكردية في العراق تكرس مع تأسيس الملا مصطفى البرزاني للحزب الديموقراطي الكردستاني(البارتي) سنة(1946) في المنفى إيران.

             لم تتمكن الحكومات العراقية المتعاقبة على الإطلاق من إقصاء الحركة الكردية عن حلبة الصراع بالكامل رغم الهزائم المؤقتة التي ألحقتها بها ورغم إقامة قياداتها في المنافي والضعف الذي لحق بها نتيجة مواجهاتها للقوة المركزية في بغداد. لم توجد مؤشرات على وجود إختلافات كبيرة بين الحركة القومية الكردية في العراق والحركة القومية الكردية في تركيا. لقد حافظت الحركة في العراق على نفس الروحية والرموز: فأسماء الصحف التي صدرت في تلك المرحلة تثبت ذلك بكل وضوح, مثل((كردستان)) و((جين)) و(هيتاوه)... الخ، كانت نفس أسماء الصحف التي أصدرها الوطنيون الأوائل تحت ظل السلطة العثمانية. لهذه الأسباب تمكنت الحركة الكردية القومية في العراق من الإنتقال إلى مرحلة الحركة الجماهيرية باكراً، على أقل تقدير خلال حرب السنوات العشرة(1961ــ 1970), مستفيدة بذلك من البنية العشائرية من جهة، ومن الجهة الأخرى من الآثار المتنامية بإستمرار لسياسة القوميين العراقيين الداعية إلى الوحدة القومية للعرب.

               وقد حققت هذه الحركة الجماهيرية هدفها في بداية السبعينيات، ولو لفترة قصيرة وبشكل محدود: ألا وهو ممارسة السلطة بإسم قوميتها ذاتها وحقها في تقرير المصير فيما يخص هذه القومية.

            بعد إنهيار الإمبراطورية العثمانية وقعت كردستان سورية تحت الإنتداب الفرنسي. لكنها قدمت تربة خصبة جيدة ساعدت على إزدهار الأنشطة السياسية والثقافية للكرد إلى حين إندلاع الحرب العالمية الثانية. لقد لجأت أعداداً كبيرة من الكرد، ومن بينهم الناشطين أيضاً، إلى سورية بعد فشل ثورة السيخ سعيد سنة(1925). إنطلاقاً من سورية أسس المثقفون الكرد، بالدرجة الأولى أحفاد إمراء بوتان جلادت وكاميران وثريا بدرخان، سنة(1927) منظمة(خويبون) .

            بداية إستخدمت((خويبون)) سورية كقاعدة لتقديم الدعم لثورة ــ آرارات بقيادة الجنرال إحسان نوري باشا. وبعد هزيمة التمرد سنة(1930) إنصبت جهود المثقفين الكرد في((خويبون)) على مهمة إعادة إحياء اللغة والثقافة الكردية. وهكذا أصبحت مجلة((هاوار)) (النداء) بدءاً من سنة(1932) منبراً من أجل الجهود في سبيل تطوير لغة كردية موحدة(الكرمانجية) من خلال العمل على توحيد اللهجات الكردية المختلفة. وقام كلا من جلادت وكاميران بدرخان لأول مرة بتصميم الأحرف اللاتينية وإستخدماها في هذه المجلة، والتي تستخدم اليوم في كتابة اللغة الكردية(الكرمانجية). ونشر عدد من الشخصيات الكردية المرموقة أشعارهم في هذه المجلة كالشاعر اليساري جيكرخوين. ثم صدرت في سنة(1934) مجلة((روناهي)) (الضوء) كملحق لمجلة((هاور)).

            أثناء ذلك ألف جلادت بدرخان أول كتاب قواعد كردية شامل. شمل تأثير هذه النشاطات الثقافية العائلات والعشائر الكردية التقليدية أيضاً مثل جيلان وهيفرخان وبرزاني. إلا أن التنظيم الحزبي لم يأت إلا بعد إستقلال سورية في سنة(1957) بتأسيس عثمان صبري ونورالدين ظاظا((الحزب الديموقراطي الكردي في سورية)). الذي سرعان ما إنقسم في بداية الستينيات مما أدى إلى فراغ تنظيمي لا يزال مستمراً حتى اليوم.

            فحاولت الأحزاب الكردية العراقية بداية الإستفادة من هذا الفراغ، ثم سعى حزب العمال(PKK)منذ الثمانينيات، من أجل إكتساب التأييد بين صفوف الكرد في سورية. ومن جهة أخرى فقد شارك ولا يزال العديد من الكرد القوميين من سورية في النشاط بين صفوف الأحزاب الكردية العراقية مثل عصمت شريف ظانلي، وفي صفوف الأحزاب الكردية التركية أيضاً خاصة في الفترة الأخيرة، وبالدرجة الأولى بين صفوف الـ(PKK).

           بدأت تطورات عملية إنتشار الوعي القومي لدى الكرد تركيا في بداية القرن العشرين تحت ظل الإمبراطورية العثمانية، إلا أنها سارت على نحو مغايرٍ. عندما تأسست الدولة القومية التركية الجديدة متجاهلة الكرد كمجموعة عرقية جاءت ردة فعل الكرد في سلسلة من الثورات إستمرت منذ(1925حتى 1938). وقد شكل هذا تصاعداً راديكالياً نحو الأعلى في خط مسيرة (المرحلة ب)، ولكنه بذات الوقت شكل إنكساراً حاداً في التطور. والسبب يعود إلى أنه لعبت دورا في هذه الثورات عوامل مهمة((ليست قومية)) إلى جانب العوامل القومية، ولذلك لايمكن إعتبار صفتها الجماهيرية المحلية((قومية) فقط وفق تعريف الباحث روخ، وإنما هي بمثابة((إستثناءات))(للمرحلة ب)، وهي لاتعني إنتقالاً إلى (المرحلة ج)ـ.

            تسبب قمع إنتفاضة ديرسيم في سنة(1938) بهزيمة مدمرة دامت آثارها على الحركة القومية الكردية مدة(20) سنة. لجأ من نجا وظل على قيد الحياة من رجالات الثورة إلى خارج البلاد مثل(نوري ديرسيمي وزينار سيلوثي وإلياس قدري جميل باشا وإحسان نوري باشا وكثيرون غيرهم)، ولم يعد لهم تأثير على الكرد داخل الوطن. فجرت عملية محو الذاكرة القومية الكردية للمجتمع الكردي في تركيا من خلال إجراءات القمع والبطش والإرهاب اللامتناهية القسوة والدموية على الصعيد السياسي والثقافي والقانوني.

             لم تسترد الحركة القومية أنفاسها مرة أخرى حتى بداية الستينيات، وإضطرت إلى إعادة بناء كل شيء من جديد تقريباً. من الممكن القول أن عملية التطور القومي في نموذج الباحث روخ عاودت مسيرتها مرة أخرى في نهاية الخمسينيات من البداية: وهكذا تلت مرحلة ثقافية ـ أدبية قصيرة جداً(نهاية الخمسينيات حتى بداية الستينيات) ثم مرحلة تنظيم سياسي(منتصف الستينيات حتى نهاية الثمانينيات).

          بالطبع لا يمكن القول أن العملية القومية في بداية الستينيات قد بدأت من الصفر، إذا تذكرنا الدور الذي لعبته الإنجازات الثقافية والسياسية السابقة التي حققها الوطنيون الكرد الأوائل في نهاية القون التاسع عشر وبداية القرن العشرين إبان"اليقظة"القومية الجديدة. فطالما نهل الجيل الجديد كلما أمكنه ذلك من جعبة الوطنيين الأوائل ليتابع بدروه البناء. لقد أشار المحامي الكردي والنائب في البرلمان عن أورفة كمال بتليسي سنة(1965) عندما نشر كتاباً في القواعد الكردية، إلى جهود الرواد الأوائل. فتحدث في مقدمة الكتاب عن إنجازات المثقفين الكرد منذ"هيتاوي كورد" و"روجي كورد"، بداية القرن العشرين في حقل الأبجدية اللاتينية من أجل اللغة الكردية. ونرى الإستمرارية لبعض الرموز القومية، كالملحمة الكردية الكلاسيكية((مم وزين)) التي سبق لمجلتي((كردستان)) و((جين)) نشرها، ثم أعاد أمين بوزارسلان نشرها بنفس الصيغة سنة(1968) مرة أخرى من جديد.

             لعبت الإصدارات الصحفية الدور الأساس في (المرحلةأ) الثانية أيضاً كما في (المرحلة أ) الأولى. فكانت من أهم الإصدارات الناطقة بلسان حال المنظمات والجمعيات الكردية في ذلك الوقت((دجلة ـ فرات)) (1962) "دنك" (الصوت1961) و"روجانوى" (اليوم الجديد 1963) وغيرها. ثم تلاها صدور كتاب قواعدي للغة الكردية(باديلي 1965) وقاموس كردي ـ تركي (عنتر 1967). وقد كان أحد أهم أحداث تلك المرحلة هو إعتقال(49) مثقفاً كردياً في كانون الأول(1959) بتهمة الدعوة إلى الإنفصال.

             لعب بالدرجة الأولى عاملان دوراً في التعجيل بالإنتقال إلى (المرحلة ب)الثانية: الكفاح المسلح الذي كان الكرد العراقيين يخوضونه, ثم إنتشار الفكر الماركسي اللينيني بين شريحة المثقفين في تركيا. إن إسم أول حزب كردي في تركيا، الذي أسسه فايق بوشاك سنة(1965) يفشي بمصدر الوحي الذي أتى منه، وهو((الحزب الديموقراطي لكردستان ـ تركيا)), إنه يطابق إسم((الحزب الديموقراطي الكردستاني العراقي)). حين نشأت(ندوات الشرق)  سنة(1967) في سبعة مدن كردية كردة فعل ضد المعاملة الوحشية العنيفة لعناصر الجندرمة إزاء المواطنيين الكرد، إجتذبت عشرات الآلاف من الناس، فكانت تصعيد وتكثيف للمشاعر القومية، إلا أنها بسبب عفويتها وقصر أجلها وقصورها في نواحي عدة أخرى لم تتمكن من الدفع بالحركة القومية إلى القفز إلى (المرحلة جـ) . ضمن إطار التقليد الماركسي إكتسبت (المرحلة ب) الثانية للحركة القومية الكردية دفعتها الحقيقية إعتباراً من سنة(1970).

            تأسست أحزاب ومنظمات كثيرة أخرى عقب منظمة((الإتحادات الثقافية الثورية للشرق)) (DDKO) التي لم يمتد بها الأجل طويلاً. فتأسس حزب((رزكاري)) (التحرير سنة 1974) و((حزب كردستان ـ تركيا الإشتراكي)((TKSP سنة 1974/1981))و منظمة"كاوى"(1975) و((حزب عمال كردستان)) (PKK 1978). قامت قائمة طويلة من نشرات هذه المنظمات والأحزاب  بعمل إعلامي قومي لم يسبق له حتى ذلك الحين مثيل متجاوزاً أوساط الطبقة المثقفة ليصل إلى قطاع أوسع بين صفوف مختلف شرائح المجتمع الكردي.

             ثم جاء الإنقلاب العسكري في(12 أيلول 1980) ضربة قاسية تعرضت لها كل هذه التطورات وأطاحت بها تقريباً. ولكن الأنقلاب العسكري كان أيضاً الممهد للطريق إلى الكفاح المسلح الذي شرع به حزب العمال(PKK) سنة(1984). خلقت أعمال العنف التي إستمرت حتى إختطاف عبدالله أوجلان في شباط سنة(1999) من كينيا إلى تركيا، التربة الخصبة لنشوء حركة جماهيرية.

           لقد بذلت الدولة التركية كل جهودها من أجل الإجهاض على الحركة القومية الكردية وخنقها في مهدها، مستخدمة أشد الإجراءات قسوة ودماراً وهدماً ضد الكرد, فأخلت القرى الكردية قسريا وأرغمت سكانها على الهجرة منها، مما تسبب في نشوء أحزمة البؤس من ((أحياء الصفيح)) حول المتروبولات الكردية والتركية, إلى جانب عمليات الإختطاف  والتسبب بإختفاء شخصيات معروفة في المجتمع الكردي، وهذا عدا الكثير من إجراءات البطش والعنف المختلفة الأخرى, التي مارستها عناصر الفرقة الخاصة(أوزيلتيم) سيئة الصيت وعناصر((حماة القرى)) المتعاونة مع الجيش التركي، ضد السكان المدنيين. وإستغلت الدولة التركية المد القومي الدولي الذي ظهر بعد إنهيار دول حلف المعسكر الشرقي السابق لتوغل في قمع الكرد.

            أدت هذه السياسات التي إنتهجتها السلطات التركية إلى تمسك الكرد بحقوقهم أكثر وإلى زيادة إصرارهم وتمسكهم بحقوقهم ومطالبهم القومية، والأهم من هذا, أنهم قد قدموا التوضيح الكامل حول أية (مرحلة) تجد الحركة القومية الكردية في تركيا نفسها فيها.  فالإنتخابات المحلية والبرلمانية منذ سنة(1994)تظهر أن الحزب الكردي المصرح به رسمياً(HEP-DEPـ DEHAP-HADEP )هو أقوى حزب في المناطق الكردية.

            وفي الإنتخابات البرلمانية الأخيرة بتاريخ(4تشرين الثاني 2002)حصل حزب(DEHAP) الكردي على نسبة(6.21%) من مجمل نسبة الأصوات في تركيا، أي مايعادل(1953627) صوتاً. بينما حصل في بعض المناطق الكردية المحددة على نسبة وصلت حتى(56%) من مجمل الأصوات.

             الخلاصة: إعتباراً من سنوات التسعينيات على أبعد تقدير، إكتسبت الحركة القومية الكردية في تركيا الطابع الجماهيري، وهي بهذا إنتقلت إلى (المرحلة جـ).

 

 

إستعمار عوضاً عن الإدماج

علاقة العراق بجنوب كردستان

                                                                                      

 

فاضل كريم احمد

 (ماموستا جعفر)

أزمات تعريف ووضعية:

 

          أصبحت قضية الوضع السياسي في جنوب كردستان مسألة مزمنة مع سقوط الإمبراطورية العثمانية وإحتلال العراق الحالي من قبل بريطانيا العظمى بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. وبذلك أصبح البريطانيون في المنطقة هم اصحاب القرار الوحيدون في ذلك الحين. وكان السؤال المصيري بالنسبة للشعب الكردي هو: هل يتوجب عليهم الخضوع لسلطة الإنتداب البريطاني المباشرة، أم الإنضمام إلى دولة العراق التي إنشأت حديثاً.

         أصبحت دولة العراق بذاتها إعتباراً من سنة(1918)  في وضيعة مستعمرة تقريباً. لقد أصر ممثلوا الكرد بإستمرار على البقاء تحت الإنتداب البريطاني مباشرة بدلاً عن الإنتداب العراقي، الذي كان الكرد يرون فيه نوعاً من الإستعمار المضاعف من قبل مستعمر هو ذاته خاضع للإستعمار. هذه الوضعية سببت للكرد ليس فقط مشكلة تعريف، وإنما كانت لها تبعاتها من المشاكل الإجتماعية والسياسية والإقتصادية.

         من السهولة بمكان ترسيم حدود الدولة التي تخضع لسلطة إستعمار قوة أجنبية سواء بالنسبة للدول المعنية أو بالنسبة للمؤسسات الدولية والدول الأخرى, أو حتى بالنسبة للقوى الداخلية، أثناء عملية إنهاء الإستعمار. وسبب  ذلك يعود إلى سهولة تمييز العوامل الإجتماعية في البلد المستعمر عن القوة الأجنبية، في حين أن الحدود تظل غير واضحة في حالة الإستعمار الداخلي. الهوة بين الإستعمار والمستعمرين تصبح واضحة أمام الأقلية السنية العربية على ضوء التسلح بالسلطة. الحكام العثمانيون السنة والذين كانوا في صراع دائم مع الشيعيين الإيرانيين، كانوا يرون في الشيعة العراقيين أعداؤهم الخطيرين، فأنزلوا بهم العقاب الجماعي, فاضطهدوهم وأبعدوهم عن سائر المناصب الحساسة في جميع مؤسسات ودوائر الدولة. إبتعدت الطائفة الشيعية عن الأضواء وعن التدخل في القضايا الدنيوية أو التدخل في الشؤون السياسية. يختلف الشيعة عن السنة في نقطة أساسية، وهي أن الطائفة الشيعية منظمة تنظيماً هرمياً صارماً.

           لم تتمكن القومية حتى ذلك الحين من مد الجسور بين الطائفتين ومن إزالة التناقضات  الناتجة عن الإنتماء الديني بينهما . بالمقارنة مع أوضاع إيرلندا, من المحتمل أن السنة العرب كانوا قد راهنوا على الورقة الكردية من أجل تحقيق توازن مذهبـي مع الأغلبية الشيعية وخلق نوعاً مما يشبه الحالة في  إيرلندا الشمالية، حيث لم يكن العرب السنة كانوا قد أدركوا بعد  منذ البداية أهمية الثروة الطبيعية في المنطقة الكردية كالبترول والماء، إضافة إلى الأهمية الإستراتيجية ـ العسكرية التي تمتاز بها الجبال الكردية في الحدود الشمالية الشرقية للبلاد. غير أن الإنتماء المذهبـي المشترك للعرب السنة والكرد لم يقدم لهما  سوى تأثيراً ضعيفاً، فقد كانت تنقصهما الرموز والمؤسسات المشتركة، كما وتنقصهما العوامل الحيوية الآنية الضرورية لإعادة إحياء التحالف الديني الماضي بينهما.

            ربما يجدر الذكر هنا بأن أغلبية الكرد ينتمون إلى الطائفة السنية، إلا أنهم يتبعون المذهب الشافعي, بينما السنة العرب يتبعون المذهب الحنفي. وقد حافظت كل مدرسة من المذهبين منذ مئات السنسن على التقاليد والرموز والأعراف الخاصة بها. ولم يتمكن الإنتماء الديني بمفرده من تقديم القاعدة الضرورية لإزالة الحدود الثقافية وتحقيق هوية قومية.

          تمركز مجمل السلطة السياسية والإقتصادية بين أيدي الأقلية السنية العربية وضع الإنتماء العربي ـ الكردي المشترك على قاعدة دينية موضع تساؤل. لقد حرمت جميع الأقليات الأخرى من أية مشاركة في السلطة.

           كانت الدولة العراقية الجديدة تفتقر إلى المؤسسات الديمقراطية التي تتيح من خلالها الفرصة لمواطنيها الجدد,  وذلك بغض النظر عن إنتمائهم العرقي أو الديني ـ التعبير عن إرادتهم ومصالحهم وإبداء رأيهم لدى إختيار النظام الذي يمثلهم. كما سلف الذكر أن الدولة الجديدة لم تلبـي مطالب المجموعتين الأساسيتين من مواطنيها. والإستشهاد التالي يكشف عن ممارسات الأقلية السنية العربية المذهبية الإنقسامية التي كانت تهدف إبعاد الأقليات الأخرى عن مراكز القرار في السلطة، الأمر الذي أدى إلى نشوء خلل بنيوي في الدولة:

((...لقد تابعت الحكومة السنية نفس النهج الذي كانت تتبعه في السابق الحكومات التركية في العهد العثماني, وهو عدم تنصيب الشيعة العرب في الأماكن الشيعية المقدسة. وكان التنظيم الأداري الجديد للمحافظات, الذي تشكلت وفقه (10)محافظات و(35)قضاء و(85)ناحية, دليل واضح للجميع بأن الحكومة العراقية قد أصبحت حقيقة واقعة.))

         كانت الأقلية العربية السنية تهدف إلى فرض عملية تشكيل قومية في الحال ضمن إطار تأسيس الدولة الجديدة. فشرعت بتنفيذ مخططها, ولكن وفق إطر تفتقد إلى الديمقراطية التي تؤدي إلى إجماع الشعوب والجماعات المختلفة، مستخدمة عوضاً عنها الإجراءات  العنيفة والقاسية. لقيت هذه الإجراءات الرفض لدى غالبية المواطنين، فكانت ردة فعل الدولة الباكرة في الشروع بتنفيذ برنامج تعريبـي يمتاز بنزعة دينية، والذي أصبح يشكل النقطة المركزية في فكرها.لقد قامت الدولة بتعريب جميع المناصب الحكومية على كل الأصعدة، ورافقت موجة التعريب هذه حملة تطهير عرقي في كل أجهزة الدولة الإدارية. وهكذا تمكنت الأقلية السنية من السيطرة على أهم المجالات الحيوية في الدولة والتحكم فيها.

           لقد اكد المؤرخ والوزير السابق محمد أمين ذكي في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي ، الذي كان من دعاة الإندماج بالدولة العراقية، أن أصحاب السلطة العراقية قد مارسوا سياسة الإهانة بحق الكرد إلى حد أنهم لم يعبروا قرار الحكومة حول حقوق الكرد الثقافية أي إهتمام. وكما يقول ذكي، سببت تصرفات الحكومة خيبة عميقة. التصريحات التالية للسيد ذكي والتي تشرح الكثير عن التطورات السياسية في جنوب كردستان، أخذت عن الرسالة التفصيلية التي كتبها للملك العراقي فيصل الأول بتاريخ(21 كانون الثاني 1930):

             “لم يجرِ الإلتزام بأي شكل من الأشكال بـ((إعلان النية)) الذي صرح به رئيس الوزراء العراقي بتاريخ(11تموز 23), بأنه لن ينصب الموظفين  العرب في كردستان بإستثناء عدداً من الموظفين أصحاب الإختصاصات، والجدول التالي دليل على ذلك:

 

 

            يظهر الجدول أعلاه بكل وضوح أن حصة الكرد من الموظفين لاتعادل حصتهم في النسبة المئوية من مجمل تعداد السكان في المحافظات المعنية، وإنما هي أقل منها بكثير. كما أن الجدول بحد ذاته يشكل تعبيراً عن محاولة التعريب، إذ أن معطيات الأرقام فيه حول حصة السكان الكرد من النسبة المئوية منخفضة بشكل لافت للنظر، والتي لايشكك السيد محمد أمين زكي بصحتها. إضافة إلى ذلك هناك مناطق كردية أخرى لم يأت ذكرها في الجدول مثل خانقين ومندلي وبدرا، عدا كرد الدياسبورا في بغداد. وهي المناطق التي أطبقت كماشة التعريب عليها في منتهى القسوة. يعرب السيد أمين عن شكوكه بشأن حقيقة إضطرار الحكومة لجلب الموظفين من المناطق الأخرى بسبب عدم توفر الموظفين بين صفوف الكرد. ويؤكد على وجود عدد كبير من الموظفين والضباط الكرد في زمن العثمانيين في مراحل الحكومات المختلفة، وبشكل خاص في ولايات بغداد والموصل والبصرة. إلا أن الكرد المؤهلون والمستعدون للعمل أغلقت الأبواب في وجوهم وحالت السبل بينهم وبين الخدمة في المناصب الحكومية.

            فيتابع ذكي الكتابة: أود هنا إستعراض أحد الأمثلة: تقدم شفيع بيك بطلب لمنصب رئيس بلدية، وقد كان محافظ أول لإحدى المدن فيما مضى، وأنا بدوري حاولت مساعدته لمدة سنتين، ولكني لم أتمكن من تنصيبه في مثل هذا المنصب. ما من شك أن رجالاً مثله قد تخرجوا من المعهد الملكي يملكون المؤهلات للقيام بتولي مناصب وزارية في العراق، إلا أن شفيع بيك يحرم حتى من منصب رئيس بلدية. ويقدم ذكي البرهان: إذا كانت الحكومة عقدت النية على تحقيق الإندماج السلمي، كان الأحرى بها تعيين موظفين كرد في المحافظات الأخرى، إلا أن حصة الكرد من الموظفين في أية ولاية عراقية جنوبية لم تتجاوز(5%). تبدلت الأغلبية الكردية في الحكومة المركزية لتصبح أغلبية عربية، كما يبن الجدول التالي:

 

 

              يوضح الجدول أنه خلال خمس سنوات إزداد الموظفوين الكرد في وزارة المالية والداخلية موظفاً واحداً فقط وفي وزارة العدل والوزارات الأخرى نقص عدد الموظفين الكرد بينما تضاعف عدد الموظفين العرب.

             كما أشار الوزير المؤرخ ذكي إلى أن البعثات الحكومية للدراسات العليا إقتصرت تقريباً على الطلبة العرب فقط، فمن أصل(120) طالباً كان هناك إثنان فقط من أصل كردي. لم تكن في جميع أنحاء المنطقة الكردية مدرسة ثانوية واحدة، وكانت أقرب مدرسة ثانوية في العاصمة بغداد، حيث كان من الصعب جداً على الطالبات الكرديات الإقامة هناك مدة سنتين من أجل الدراسة. ووضعت الحكومة متعمدة العراقيل في وجه الكرد لتحول دون إنتاسبهم إلى المعاهد العليا لتحصيل الشهادات أو تأهيل أنفسهم بدراسات عليا  للحصول على مناصب حكومية. وعندما لم يعد هناك خريجو معاهد عليا عاجلاً أم آجلاً، لم يعد أيضاً بالإمكان تعيين الكرد في حال وجود وظائف شاغرة في أجهزة الحكومة . عندما كان عدد النواب في البرلمان العراقي(88) نائباً، كان منهم(11) نائباً كردياً فقط. كم أقصي الموظفين الكرد عن كل المناصب المهمة في وزارة الدفاع، فمن بين(19) مديراً عاماً لم يكن بينهم كردياً واحداً.

            يصل ذكي إلى نتيجة مفادها أن سياسة الإمتهان التي إنتهجتها الحكومة أدت إلى تنامي عدم الرضى بين صفوف الكرد، وباتت الشريحة المثقفة الكردية التي لاتملك المؤهلات والفرصة في تحقيق النجاح المهني بعيدة عن الحكومة ,,و مصداقية الحكومة أصبحت موضع شك.

 

العوامل الإقتصادية للإستعـمار الداخـلي:

 

            المنطقة الكردية في العراق غنية بالإحتياطات البترولية والمائية والثروات الزراعية. وتمارس فيها عمليات نهب القاعدة الإقتصادية عن طريق الإستعمار الداخلي للإبقاء على مجمل المنطقة في حالة تبعية إقتصادية وفي مستوى تطور متدنٍ إلى أبلغ حدود.

         (64%) من مجمل إحتياطي البترول العراقي يوجد في جنوب كردستان. بوسع كردستان الجنوبية تغطية حاجاتها الذاتية وتحقيق فائضاً في الدخل أيضاً عن طريق إقتصادها التقليدي من دون إستثمار البترول. منذ العهد العثماني كانت كردستان تمتلك فائضاً في مخزونها المالي السنوي. يبين الجدول التالي الصادرات والواردات لمدينة السليمانية سنة(1892):

 

 

 

            لقد دون ذكي على حاشية هذا الجدول ملاحظة نبه فيها إلى أنه كان من المقرر مبلغ(20998) قرشاً من أجل خدمة المواصلات في ولاية الموصل، مايعادل(210) ليرات ذهبية عثمانية تقريباً: ((أعتقد أن هذا يتعلق هنا براتب رئيس المهندسين ونائبه في ولاية الموصل فقط. المصروفات السنوية في حقل التربية لمدينة السليمانية سنة(1892) بلغت(150) ليرة ذهبية عثمانية تقريباً. كان تعليق ذكي على ذلك((أعتقد أن هذا المبلغ يخص رواتب المعلمين في مدرسة واحدة لا أكثر.))ثم يتابع ذكي ملاحظاته: ((إن موازنة لواء السليمانية تشير إلى فائضٍ واضح في الموارد مقداره مليون قرشاً تقريباً، وهو مبلغ يعادل أكثر من عشرة آلاف جنيهاً إسترلينياً تقريباً. لم ترث الحكومة العراقية فقط الجهاز الإداري للإمبراطورية العثمانية، بل نظامها الضريبـي وطرق إنفاقه أيضاً. أنفقت الحكومة العراقية في سنة(1927)فقط (1%) من إيرادات محافظة السليمانية و(2.5%) محافظة أربيل و(10%) محافظة كركوك في مجال التعليم، بينما في ولاية بغداد سالت(38%) من واردتها في مجال التربية.

            إستطاع السنة العرب خلال فترة وجيزة من إحكام سيطرتهم على جهاز الدولة. لم يستغلوا سلطات الدولة من أجل السيطرة على الجيش والإدارات العامة بإستحواذهم على مفاتيح المناصب في جميع الإدارات فحسب، بل تحكموا في الأوضاع الإقتصادية أيضاً، وقاموا بترتيبها على الشكل الذي يخدم مصالحهم:

         ((... وهكذا ساعد تمركز السلطة العسكرية ورأس المال في أيدي السنة العرب في تسريعهم لعملية التصنيع تحت قيادتهم. إذ لم يكن بوسع أصحاب المشاريع الصناعية السنة أن يجدوا طريقهم كي يصبحوا طبقة صناعية من دون تجهيز أنفسهم مسبقاً بالسلطة السياسية:  ...لقد أصبح رجال الأعمال السنة أقرب وأكثر إرتباطا باجهزة السلطة من الأثرياء الشيعة, الأمر الذي ضمن لهم إصدار التشريعات والقوانين التي تضمن لهم إنتعاش مشاريعهم الصناعية والتجارية, وبنفس الوقت مكنهم وضعهم هذا من التخلص من الأعباء الضريبية وأية عوائق أخرى قد تحد من تطوير مشاريعهم, ولم يتوانوا من الأستفادة من ذلك من أجل إنعاش إستثماراتهم في نهاية المطاف.))

            وهذه الخلفيات توضح أسباب حقيقة وجود ميلونير واحد فقط من أصل كردي من بين(23) مليونيراً عراقياً في سنة(1958). كانت الأوضاع السياسية حائلاً في وجه إنخراط الكرد في مجال الإستثمار والمشاريع الصناعية، لما تشكله من تعقيدات ومخاطر بالنسبة لهم أو لرأسمالهم. كما أن البنية التحتية ومشاريع التنمية الحكومية، إضافة إلى غياب الأمن في كردستان، هذه العوامل مجتمعة رفعت من نسبة مخاطر الإستثمار في المجال الصناعي في كردستان.

            في ذات الوقت الذي تنامى فيه عدد رجال الأعمال وأصحاب المشاريع الكبيرة في بغداد والمدن العربية الأخرى كان التطور في الوسط الكردي يسير بسرعة السلحفاة. يمكن رؤية التفاوت في إيقاعات خطوات التطور على ضوء أعداد الأعضاء في غرف التجارة: عندما تأسست غرفة تجارة بغداد سنة(1911) كان عدد أعضائها(288) عضواً، ثم تضاعف هذا العدد تقريباً حتى سنة(1928). وإرتفع عدد الأعضاء خلال ثلاثين سنة ليصبح(3439) عضواً تقريباً، مايعني أن العدد تضاعف سبعة أضعاف. بينما بلغ عدد أعضاء غرفة تجارة المدينة الصناعية الكردية كركوك سنة(58ــ 1957(130) عضواً. مقارنة مع عدد أعضاء الغرفة التجارية العراقية آنذاك الذي بلغ(9423) عضواً، يعتبر هذا العدد متدنياً جداً.

 

فيما يخص التصنيع:

 

          تبدو خريطة التجمعات الصناعية في كردستان ـ العراق من دون المواقع التي تشير إلى أماكن الإستثمارات البترولية مقفرة إلى أبعد حدود. عدم وصول التصنيع إلى المنطقة الكردية ليس نتيجة المصادفة. فعندما نشأت الصناعة البترولية في المدن الكردية كركوك وخانقين مثلاً، لم تسل عوائد هذه الصناعة إلى خزائن هذه المدن، وإعتبرت عوائد إستخراج البترول موارد دولة. لاتزال هذه الصناعة حتى يومنا هذا معربة بالكامل، فالمهندسون والعمال هم من أصل عربي، وجزر البترول بالنسبة لهم تشكل دياسبورا عربية، حيث بالكاد نشأ بينهم وبين السكان الكرد تواصل إجتماعي. ومن الجهة الأخرى ينظر الكرد إلى الوجود العربي في منطقتهم كإجراء تم إتخاذه. معظم الصناعة العراقية تمركزت في العاصمة بغداد.

          لقد خلف التخطيط الإقتصادي الحكومي الذي تعمد إقصاء المنطقة الكردية عن التجمعات الصناعية تأثيرات بالغة العمق على مجمل التحولات الإجتماعية والثقافية في كردستان. وبالتالي نجد أن إجتياح التصنيع في العراق لم يثمر آثاراً عميقة ملحوظة في أسس البنية الإقتصادية الكردية ذات الطابع العشائري أصلاً.

         عندما نمعن النظر بشكل شامل في مجمل التطورات الصناعية التي جرت في العراق نلمس درجة الإجحاف الذي أصاب جنوب كردستان من خلال وجهة النظر هذه أيضاً: كانت تعمل في بغداد مابين سنوات(57ـ 1958) ثماني شركات بداية، وكان مجموع العاملين فيها(1341)عاملاً. بينما في الفترة ذاتها كان يوجد في كل المنطقة الكردية شركة واحدة فقط عدد العاملين فيها(348) عاملاً. ثم نشأت في بغداد بسرعة البرق مابين سنة(1960 حتى 1963) (499) شركة بلغ عدد العمال الذين إستخدمتهم(34490) عاملاً. في الوقت ذاته نشأت في جنوب كردستان(18) شركة فقط، بلغ عدد العمال المستخدمين فيها ما مجموعه(1430) عاملاً، أي بمعدل(84) عاملاً لكل شركة. مثل جميع الدول ذات النظام المركزي تتركز معظم منشآت الصناعات الكبيرة حول العاصمة وفيها، وهذه هي حالة بغداد أيضاً، حيث إستوطن فيها(75%) من أهم المؤسسات الإقتصادية والبنوك.

          المسار القائم للتصنيع في العراق مارس تأثيره بصورة مباشرة على التركيبة المجتمعة المدينية في كردستان: كان تعداد السكان في بغداد في سنة(1976) يبلغ(3172871) نسمة، من بينهم(108676) عامل، أي مايعادل(55%) من مجموع عدد العمال في العراق.

          أما في السليمانية فقد بلغ عدد سكانها في الوقت ذاته(252991) نسمة، منهم(6040) عامل فقط، أي مايعادل(3.1%) من مجموع عدد العمال في العراق. وكان في أربيل(4954)عامل من بين(253591) نسمة، أي نسبة(2.5%) من مجموع عدد العمال في العراق.

           يمكن الإستنتاج بالإعتماد على هذه الإحصاءات أن عدد العمال في كردستان مقارنة مع عدد السكان قليلاً نسبياً، كان يسكن في أهم المدن في جنوب كردستان، مثل كركوك زالسليمانية وأربيل ودهوك في سنة(1976) ما مجموعه(965468) نسمة، وكان مجموع عدد العمال من بينهم مايقارب(17505) عامل. وهي حصة متدنية إلى أقصى الحدود بالمقارنة مع حصة بغداد من عدد العمال أو حصص مراكز التجمعات المدينية العراقية الأخرى.

 

 

النساء في كردستان العراق

  أندريا فيشر ـ طاهر

 

          يتردد غالباً بين الأوساط الإجتماعية التقليدية حول المرأة الكردية بأنها تخرج من المنزل((بدون حجاب))، وهي ترقص مع الرجال وتمتلك في المنزل والمجتمع مكانة أعلى من مكانة النساء الأخريات، المقصود بالأخريات هنا الجارات من النساء العربيات والتركيات والفارسيات. تنعكس هذه المكانة الأعلى في المقدرة السياسية القيادية والعسكرية وفي الإنجازات الأدبية. عبارات مثل عبارة((منذ قديم الزمان كان معروف أن المجتمع الكردي يحترم الدور الإجتماعي الإيجابي للمرأة))، تعبر عن إظهار تفوق الذات.

          ليس بالإمكان هنا، وليس مهماً معالجة جميع تصورات رحالة غربي عن النساء الكرديات، أو مايتعلق في هذا الموضوع من عروض كردية للذات . السؤال الأهم هو: ماهي الوظيفة التي تؤديها عبارات مثل تلك المذكورة آنفاً؟: إنها تعني أولاً الإشارة إلى الإستمرارية التاريخية لوجود الكرد الذين يراهم الآخرون أيضاً بهذا الشكل. ثانياً يجري الشرح أمام جمهور غربي الكرد يمتلكون تراثاً فيما يخص المساوة والإحترام بين الجنسين. ثالثاً الرد على مطالب نساء كرديات حقوقهن منتقصة، برفع مكانتها بمثل هذه العبارات، لإن مقارنة وضع المرأة الكردية مع جاراتها تظهرها بوضع أفضل.

 

العوامل الإجتماعية:

 

          يبلغ تعداد السكان في كردستان العراق(3.5) مليون نسمة تقريباً، يعيش(2.5) مليون منهم في مراكز مدينية مثل المدن الرئيسة في الأقليم كالسليمانية وأربيل ودهوك وغيرها من المدن الأصغر أو في المجمعات القسرية. لقد ساهمت العوامل الإقتصادية والإجتماعية إضافة إلى سياسة التهجير القسري والملاحقة والنفي التي مارسها نظام البعث  في سنوات(1986ـ 2003)، في تقوية حركة التمدين في هذا الجزء من كردستان. النساء الكرديات العراقيات ممثلات في شتى مجالات العمل والإختصاصات. إنهن يعلمن معلمات في المدارس وموظفات في المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة وفي مناصب إدارية عالية، كما يعملن طبيبات ومحاميات وفي الحقل الإعلامي والثقافي، إضافة لوجودهن في المجالين السياسي والعسكري. كما تمارس النساء العمل الزراعي في الأرياف . لقد إعتنت النساء تقليدياً في القرى بالحيوانات المنزلية والحدائق، حيث أنتجت مشتقات الحليب والمواد الحيوانية الخام. وتشارك الرجل العمل اثناء مواسم العمل الزراعي المكثف. وفي حالة غياٍب الرجال تنهض النساء بكامل أعباء العمل في الحقول.

         على الرغم من القوانين المختلفة للتعليم الإلزامي وحملة محو الأمية التي إنطلقت منذ سبعينيات القرن الماضي، فإن نسبة الأمية في كامل العراق بلغت في بداية التسعينيات(30%) لدى الرجال و(50%) لدى النساء.

           صحيح أن الدولة منذ عهد عبدالكريم قاسم(1958ـ 1963) كانت تشجع تعليم وتثقيف المرأة، وتشجع تخريج الفتيات الشابات من المعاهد والجامعات، إلا أن غالبية النساء في الريف وعدد كبير من نساء  المتقدمات في السن بقين أميات.

 

مشكلة الشرف:

 

          لقد تحول الشرف إلى قرينة عائلية. يعتبر تأسيس العائلة المغزى المركزي لغالبية الناس، وهو يشترط الزواج مقدماً. يتردد دوماً ان الزواج بإبنة العم هو أفضل أنواع الزواج، لأنه يحافظ على بقاء القرار في العائلة أو العشيرية الكردية. ولكن لاتوجد سوى القليل من الإحصاءات التجريبية التي تثبت هذا الأمر. الرجل له حق الأولوية في الزواج بإبنة عمه ويعتبر هذا حق طبيعي، ولكن في التطبيق العملي هو اقرب إلى العرف الأخلاقي. بينما الزواج بإبنة العمة فهو منتشر بصورة أوسع.

         زواج المبادلة بشكل الخاص منتشر بين الكرد الريفيين الذين لاتوجد لديهم روابط عشائرية قوية. ويقوم هذا النوع من الزواج على مبادلة الرجل لرجل آخر شقيقاتهما، أو عندما تتبادل عائلتان الأخت أو الإبنة. قد يكون الدافع الأكبر من وراء هذا النوع من الزواج هو المهر، حيث تكون تكلفة الزواج أقل بالنسبة للطرفين، أو يجري الإستغتاء عن المهر بالكامل، وربما من أجل توفير تكاليف الطلاق في حالة حدوثه. وهناك شكل آخر من أنواع الزواج بالمبادلة أو المقايضة ويدعي(كبيرة مقابل صغيرة). تمنح العائلة في هذه الحالة إبنتها لعائلة أخرى وتحصل لقاءها على تعهد بالحصول على إبنة تلك العائلة، التي تكون عادة طفلة صغيرة، فيما بعد حين تبلغ سن الزواج. يتعلق الموضوع في هذه الحالة بإستمرار فترة الدين المستحق وبتوثيق وتتمين أواصر العلاقات بين العائلتين.          

            يوجد نوع آخر من الزواج ويدعى(إمرأة مقابل الدم)، ويحصل هذا الزواج عادة من أجل تفادي دفع الدية في حالة القتل بدم القاتل أو دم أحد أقربائه، أو من أجل إنهاء نزاع نشب بين طرفين. يتوسط طرف ثالث من أجل فض النزاع وإبرام إتفاق بين المتنازعين، يتم بموجبه دفع مبلغاً من المال للطرف المتضرر أو الأقوى، أو يمنح بدلاً عن المال إمرأة من نساء الفريق الآخر.

             من الصعوبة بمكان عادة التحقيق وجمع الإحصاءات في مثل هذه الحالات، إذ غالباً مايسيطر إحساس بعدم الراحة ونوع من الخجل على جميع الأطراف المشتركة في هذه العملية، ويتبقى في النفوس أثر من العار ومس بالشرف: إذ أن فريقاً منهم تنازل عن الواجب المقدس بأخذ الثأر، والفريق الآخر تعرض بهذه الطريقة لخسارة إمرأة ولادة، ولم يقم بأداء الواجب بالحماية تجاه هذه المرأة.

          هناك ظاهرتين أخرتين وهما: تعدد الزوجات وزواج الرجل بزوجة الأخ بعد موته. زواج الرجل بعدة نساء يتطلب إمكانيات مادية كافية، والزواج بأرملة الأخ المتوفي تتم من أجل رعاية أطفال الأخ. لاتوجد تسمية محددة في اللغة الكردية لهذا النوع من الزواج، كما أنه من النادر حدوثه. في حالات الزواج المذكورة هذه تتقدم  مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، ويصيب جرائها النساء الشابات الإجحاف الشديد، كما يدفع الشبان الفتيان الضريبة أيضاً. فالتقاليد والعادت تخول الأهل أي الجيل الأكبر، عملية تولي ترتيب هذه الزيجات. يضمن الجيل الأكبر بهذه الطريق سلطتهوسيطرته,  ويرسخها على الجيل الأصغر، ويمارس الإكراه تجاهه، لذلك يسهل هنا الحديث عن زيجات قسرية بشكل من الأشكال.

           يظل السؤال قائماً، فيما إذا كانت فرصة التعليم والتثقيف بالنسبة للنساء سوف تؤثر على تطور طاقاتهن في إتخاذ القرارات العائلية الداخلية وكيف. هناك حاجة بكل الأحوال لإجراء الأبحاث والدراسات حول هذا الشأن.

           أما الآن فنكتفي بمعرفة أن أشكال الزيجات المذكورة هي نادرة الحدوث بين أوساط الكرد الذين هاجروا إلى السليمانية بين سنوات(60ـ 1980). وسبب ذلك يعود إلى نشوء جيل جديد من النساء والشباب اليافعين الذي يتمتع بدرجة عالية من الثقة بالنفس، خاصة أولئك منهم الذين حصلوا على التعليم الملائم حيث يتقاضون رواتبهم لقاء جهودهم الذاتية. ومرشح الزواج لم يعد مقتصراً على الوسط العائلي أو من الأقرباء في الدرجة الأولى، وإنما أصبح هنا الجيران(الذين ليسوا أقرباء) والزملاء في الوسط الجامعي أو من الزملاء في العمل. إلا أن موقع سلطة الجيل الأكبر لم يطرأ عليها التغيير من حيث المبدأ، كما لم يتم المساس بسيادة المجتمع الأبوي على الإطلاق.

             لابد من العودة إلى الحديث عن مفهوم الشرف الذي يعتبر بمثابة الركيزة المركزية للأعراف الأخلاقية الكردية. وهو يعني مجموعة كاملة من القناعات والخبرات الخاصة بها. ولكن لايوجد في كردستان علم موحد للمصطلحات يمكن العودة إليه. تستعمل في مناطق اللهجة الصورانية كلمات مثل، الشرف والناموس والحياء والكرامة. كلمة شرف تعني الكرامة. إلا أن الرجال ذوي المكانة الرفيعة يستخدمون هذا المصطلح لوصف أنفسهم وبيوتهم وعائلاتهم به. العائلة والبيت يشيران إلى الحدود الفاصلة بين"الداخل"و"الخارج". ينظر المجتمع في هذا السياق إلى النساء والبنات بكونهن يشكلن خطراً على سلامة وشرف العائلة. إلا أن الأناث من أعضاء المجتمع  بإمكانهن حماية أنفسهن بالإبتعاد عن التصرفات التي يعتبرها المجتمع"عيباً". كما أن الإناث من جهة أخرى بإمكانهن عبر التصرفات الملائمة رفع قيمتهن في أنظار المجتمع وإكتساب((الناموس)) و((الحياء))و((الكرامة))و((الشرف)) شخصياً, وبالنسبة لعائلاتهن والبيت الذي ينتمين إليه. أما عندما يجري المساس بالشرف من قبل أعضاء العائلة أو من خلال طرف ثالث، فيعتبر هذا برأي الرجال والنساء أيضاً خسارة للشرف والحياء، ويقصد بذلك الكرامة.

         لاتلعب اية أهمية في هذا السياق الظروف المحيطة التي دفعت بالمرأة مثلاً إلى هذا التصرف المعيب، أو كيف، في حالة تعرضها للإختطاف أو الإغتصاب على سبيل المثال. هناك شيء واحد يسري مفعوله في هذه الحالة، وهو أن الشرف تعرض للمساس.

 

 قوانين الدولة:

 

           حدد القانون منذ عهد عبد الكريم قاسم السن القانونية للزواج, وإشترط بلوغ المرأة الثامنة عشرة فما فوق. ووضع الشروط لزواج الرجل من إمرأة ثانية إلى جانب الزوجة الأولى، وهي حالة مرض الزوجة أو عدم مقدرتهاعلى الإنجاب. إتخذ النظام البعثي أيضاً عدداً من الإجراءات القانونية التي بدت ظاهراً أنها من أجل تحسين أوضاع النساء والفتيات، إلا أن هذه الإجراءات كانت تهدف إلى إضعاف سلطات العائلات والعشائر. فأصدر سنة(1978) قانوناً يحظر الزواج القسري أو يحد من إحتمالات حدوثها. ولكن بعد سنة واحدة فقط أصدرت أعلى هيئة تشريعية، وهي المجلس الأعلى للثورة، قرارات بمثابة قوانين شرعية سارية المفعول في الحال. منها على سبيل المثال، عدم تعرض الرجل لعقوبة القانون في حالة إقدامه على جريمة القتل بحق إمرأة تمت له بصلة القرابة، عندما تقدم على تصرف"غير أخلاقي"، أو إذا أقامت علاقة جنسية مع رجل(ولو مجرد زعماً) من دون زواج.

         كما خفض نظام البعث خلال سنوات الحرب مع إيران(1980ـ 1988) السن القانونية لزواج النساء إلى(15)سنة. فقط السلطة التشريعية الكردية، ونتيجة ضغوضات الحركة النسائية الكردية الجديدة في التسعينيات، صاغت تحديدات قانونية جديدة لمنطقة كردستان. سن نظام البعث منذ سنة(1871) قانون عمل جديد تضمن تشريعات بخصوص حماية العاملات الحوامل وأمهات الأطفال الصغار السن. ودعمت الدولة في السبعينيات دراسة وعمل المرأة ضمن إطار خطوات التحديث التي قامت بها. فأخذت المرأة تحل مكان الرجل في العمل بشكل متصاعد، خاصة إبان فترة الحرب العراقية الإيرانية. ولكن سرعان ماتم إبعاد معظم النساء عن أماكن عملهن بعد نهاية الحرب. أما اللواتي إحتفظن بعملهن لم يكن لديهن مهام فعلية يؤديهن.

             بالواقع العملي شاركت النساء زملائهن الرجال في العطالة الواقعية عن العمل بعد إجتياح العراق سنة(1990) لدولة الكويت وفرض هيئة الأمم المتحدة الحصار عليه. فأصبح العراق، الذي كان حتى ذلك الحين بلداً مصدراً للبترول، مهدد الوجود رغم كل مالديه من جهاز إداري متضخم ونظام خدمات.  

 

النساء والمقاومة السياسية في كردستان:

 

             نشأت الحركة الكردية العراقية في سياق قيام الدولة العراقية. تجاهل وجود الكرد ومصالحهم السياسية والثقافية والإقتصادية(فوائد وعوائد) دفع بهم إلى الثورة لرفع الظلم والإجحاف الذي طالهم من الدولة الجديدة. فإنخرطت النساء منذ البداية في الصفوف الثورية. وساهمت النساء في ثورات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات ضمن صفوف المنظمات الكردية، وشاركن في المقاومة الجماعية والمنظمة ضد السلطة العراقية المركزية. كما دافعت النساء عن أنفسهن بشكل فردي وغير منظم مثل الرجال ضد القمع السياسي الذي كن يتعرضن له. فقد إمتنعت الطالبات بعد سنة(1968) عن الإنتساب إلى صفوف إتحاد الطلبة البعثي، الأمر الذي ضيع عليهن الفرصة بالحصول على مقعد دراسي في الفروع الجيدة في الجامعات. كما رفضت المعلمات الكرديات الإنتساب إلى حزب البعث أو منظمة الإتحاد النسائي العام، متحملات تبعة ذلك بإرسالهن للتدريس في مدارس المجمعات القسرية البعيدة جداً عن أماكن إقامتهن. أما في حالة عدم إنصياعهن لقرار تعينهن في المدارس النائية فالإعتقال من قبل الأجهزة الأمنية كان لهن بالمرصاد.

            أذعن كثير من الناس للنظام بسبب الخوف من بطشه أو بسبب الطموح للنجاح والإرتقاء المهني, ومنهم عن قناعة سياسية. النظام البعثي طالب من رعاياه الولاء المطلق وحابه المعارضين والمقاومين لسياسته ببالغ القسوة والبطش. إلا أن إجراءات النظام القمعية لم تتمكن من ردع الطالبات في الجامعات والمعاهد العليا والمهنية والمدارس عن المشاركة بالمظاهرات التي قام بها الشباب في مطلع الثمانينيات آملين أن الحرب العراقية الإيرانية سوف تضعف النظام بشكل تام، حيث كان جزء من هذه المظاهرات عفوياً.

          وشاركت النساء أيضاً إلى جانب الرجال في تقديم المساندة والخدمات لعناصر البيشمركه في المناطق المحررة أو في القرى التي كانوا يلجأون إليها. كما أسهمت النساء الناشطات في العمل داخل الهياكل السياسية السرية في مراحل المقاومة المنظمة، فجمعن المعلومات والإحصاءات مثل رفاقهن الرجال لمساعدة البيشمركة في نشاطاتهم وعملياتهم. وجمعن ونظمن إحتياجات البيشمركة من الأدوية وأنواع الإمدادات المختلفة، وذلك بشكل قانوني أم غير قانوني، ووزعن المنشورات وسعين  لتنظيم أعضاء جدد في المنظمة. وإضطرت النساء اللواتي كشفت أجهزة الأمن أمر تنظيمهن في المدينة كي يتخفين في مدن أخرى. وإنضمت بعض النساء إلى صفوف البيشمركة, إلا أن المقاتلات المسلحات بشكل فعلي في كردستان العراق كن إستثناء. صحيح أن المسيحية مارغريت جورج أصبحت في الستينيات إسطورة، إلا أن معظم الأحزاب الكردية السياسية لاتشجع مشاركة النساء في الكفاح المسلح.

             رغم أن الرجال يرتضون أن تتعرض النساء لمخاطر العمل السري في المدن، إلا أنهم لايعترفون بمقدراتهن الجسدية. ليس لهذا السبب فقط، بل لأن القيادات السياسية كانت تخشى أيضاً خسارة الدعم والتأييد من الأوساط المحافظة بين سكان الريف، إذا شاركت النساء الشابات رفاقهن الرجال في المبيت في الجوامع والبيوت الخاصة.

            لقد قدم الحزب الشيوعي العراقي للبيشمركة الكردية عدداً من أنصار الحزب، حيث حارب بين صفوف الإتحاد الوطني والبارتي الديموقراطي العديد من النسوة العاملات ، بشكل خاص العاملات اللواتي إضطررن للهروب إلى الشمال بعد الحملة القاسية التي شنها نظام البعث ضد الحزب الشيوعي العراقي سنوات(1979ـ 1980). أما سوى ذلك, فقد لحقت الكثيرات من النساء الكرديات, سواء الناشطات منهن أو غير الناشطات، بأزواجهن إلى القرى ومواقع البيشمركة، وكن يقدمن هناك الخدمات الطبية والإجتماعية.

           سببت المشاركة في نشاطات المقاومة مصاعب كبيرة للكثيرين من النساء والرجال، وعرضت حياتهم للمخاطر ودفع منهم حياته ـ أو حياتها ثمناً للسلوك الذي أملته عليهم قناعاتهم. فتعرضت النساء مثلما تعرض الرجال للتعذيب أو الإعدام. ويعاني المعتقلون السياسيون السابقون من آثار الإعتقال والتعذيب الفيزيائية والنفسية. هناك أعداد كبيرة من النساء والرجال ممن كانوا ضحايا التعذيب الجنسي المنهجي, وهذا في مجتمع تحتل في عرفه الأخلاقي قضية الشرف والكرامة أو العار المرتبة المركزية، ولكن ظلت قصص هؤلاء الضحايا محرمة إجتماعياً. مما لا شك فيه أن هذا الموضوع يمس النساء بشكل خاص، واللواتي تحاول عائلاتهن في أغلب الحالات إسدال جدار فولاذي من الصمت  على الماضي الذي لا يتعدى بالنسبة لهم سوى الإحراج .

          قضية النساء من ضحايا حملات الأنفال العرقية, اللواتي بقين على قيدالحياة, تلاقي تحريماً مشابهاً. لقد قام النظام العراقي بعملية مسح شاملة لعموم الشمال المتمرد من شهر شباط حتى آب(1988) مستخدماً فيها كل ماكان يملك من قوة وأسلحة. إستخدم النظام في عملياته ضد المقاومة, كما المدنيين أيضا, جميع أصناف الأسلحة التقليدية والمحرمة دوليا, ومنها الأسلحة الكيميائية. فدمر آلاف القرى وهجر سكانها قسراً وقتل عشرات الآلاف من البشر وأخفى مايزيد عن المئة ألف إنسان. وقام جنوده ومرتزقته بإعتقال الكثيرات من النساء والفتيات والأطفال والشيوخ، وزجهم في معسكرات الإعتقال شهوراً طويلة وأذاقوهم كل أصناف المذلة والإهانات، ثم ساقوهم إلى مجمعات السكن القسري التي أعدت مسبقاً لهذه الغاية.

           تقدر إحصاءات الأمم المتحدة عدد النساء اللواتي تم سوق أزواجهن إلى المعتقلات أكثر من(50) ألف إمرأة، وقد أختفى هؤلاء الرجال, ولايزال مصيرهم حتى اليوم مجهولاً. لاتوجد جثث لهؤلاء المختفين, أو قبور تحويهم، ولهذا السبب لم تتم الطقوس التقليدية لدفنهم. هذا الأمر جعل الكيان الإجتماعي للأسر المنكوبة غاية في الصعوبة. أصدرت إدارة حزب البارتي الديموقراطي في نيسان(1999) وإدارة الإتحاد الوطني في كانون الأول(2000) تشريعاً خاصاً بالأحوال الشخصية يعتبر ضحايا الأنفال المختفين مثل بقية الغائبين/ المفقودين، مما يسهل زواج النساء اللواتي خلفهم الرجال المفقودون من جديد. ولكن هذا الإجراء لم يبدد حيرة الضحايا ومشاكلهم الإجتماعية والنفسية، ولم يحل أيضاً دون بقاء هذا الموضوع تابو .

             يظل هذا الموضوع أكبر من إتهام الضحايا النساء الناجيات بأنهن تعرضن للأعتداء الجنسي أثناء فترة الترحيل. وسيبقى مصير عائلات الضحايايشكل إشكالية كبيرة على المدى البعيد بالنسبة للمجتمع الكردي، خاصة أن الكثير من المرتزقة الكرد الذين شاركوا في تنفيذ العمليات العسكرية وساهموا في إختيار القرى التي إحتلتها قوات النظام، قد نال   العفو العام سنة(1991) من الجبهة الكردستانية عشية الأنتفاضة .

 

 الحركة النسوية:

 

            كانت الأحزاب ذات التوجه الماركسي, أو الماركسي اللينيني دائماً بطبيعتها هي التي تقدم للنساء هامشاً للحركة أكبر مما تقدمه الأحزاب الأخرى. من وجهة نظر النساء, لقد جذبتهم الأحزاب السياسية على الشكل التالي: البارتي الديموقراطي في سنوات الستينيات، الإتحاد الوطني في السبعينيات والثمانينيات، مع عصبة الكوموله, التي كانت بداية ذات توجه ماركسي قوي, والتي كانت منخرطة في صفوف الإتحاد الوطني, ويشكل أتباعها العدد الأكبر من أعضائه. وأخيراً الحزب الشيوعي العراقي الذي تؤجل قيادته مثل بقية قيادات المجموعات القومية والماركسية حل((الخلافات الثانوية))إلى مرحلة مابعد المرحلة الثورية، وكانت تلقى التفهم لدى قواعدها.

            نشطت النساء في الأحزاب السياسية منذ الخمسينيات حتى الثمانينيات، كما إنخرطن بذات الوقت في المنظمات الطلابية والنسائية ـ في حال وجودها. تأسست المنظمة النسائية(إتحاد نساء كردستان) "ئافرتان" التابعة للبارتي الديموقراطي سنة(1952).

            نشطت في هذه المنظمة حينذاك الطالبات والأكاديميات، وإفتتحت مراكز لها في أربيل والسليمانية. زادت أهمية"أفرتان" مع بداية ثورة أيلول(1961). فقدمت الدعم الإجتماعي لأسر البيشمركة الشهداء والمعتقلين, وأعتنت بهم, كما قامت  بتنظيم النساء في صفوف العمل السياسي. وكانت((رابطة المرأة العراقية)) التابعة للحزب الشيوعي العراقي هي المنظمة النسائية الأكبر في كل أنحاء البلاد. حيث  تشكلت العديد من المجموعات النسائية في أوساط الحزب الشيوعي العراقي في سنوات الثلاثينيات والأربعينيات بتاثير من الحركة النسائية العربية والتقاليد الشيوعية. ثم تأسست سنة(1952) "رابطة المرأة العراقية"، وأفتتحت إسوة بالحزب الشيوعي"فرع كردستان"، الذي أصبح فيما بعد مستقلاً بذاته وظهر تحت إسم((فرع كردستان)). فأفتتحت فروعها في أربيل والسليمانية. تأسس المنظمة النسائية الخاصة بالإتحاد الوطني(إتحاد نساء كردستان)"جينان" سنة(1989) في المنفى الإيراني بمبادرة نساء من القيادة السياسية ومن البيشمركة الإناث، وأصدرت مجلة"تيوار". تجدر هنا الإشارة بخصوص تسمية المنظمتين((أفريتان)) و((جينان)) إلى دقة لغوية لها نتائج سياسية، إذ تستخدم في اللهجة الصورانية كلمتين في العادة للدلالة على المرأة وهما: ((جين)) و((آفريت)).

        كلمة جين، هي إندواوروبية المنشأ كالكلمة الفارسية"جان" والروسية"جينا". وكلمة"آفريت" يمكن إرجاعها وفق الشرح السائد في كردستان إلى الكلمة العربية((عفريت)) التي تعني المخادع أو الجني. تسري كلمة"جين" في الإستخدام اليومي للغة الكردية غالباً على النساء المتزوجات فقط، بينما كلمة"آفريت" تسري لدلالة على كل النساء. تستخدم في الأمثال الشعبية الفلكلورية دوماً كلمة"جين"، ينطبق الشيء ذاته على أشكال الزواج التقليدي، فتسمى في صوران كما في بادينان أماكن غسيل النساء((جيني جينان)). يطلق مصطلح"آفريت" في اللهجة البادينانية(الكرمانجية) على النساء المتزوجات وغير المتزوجات دوماً تقريباً.

          تطالب المدافعات عن حقوق المرأة الكرديات بإستخدام كلمة"آفريت" للدلالة على جميع النساء، كي لا تنقص مكانة النساء غير المتزوجات, رغم أن كلمة"أفريت" في حال كانت بالفعل  تتحدر من كلمة"عفريت" العربية، ستبدو أكثر إنتقاصاً للمرأة. ولكن الموضوع في كردستان يتعلق بالسياسة الحزبية. لدى مناقشة البرلمان الكردي سنة(1992)فيما إذا سيتم إعتباراً من حينه إستخدام كلمة"آفريت" أم"جينان" في المناقشات والوثائق، تبين أن المحرك الواقعي خلف هذا النقاش, هو أن المنظمة النسائية التابعة لحزب البارتي الديموقراطي تسمى((آفريتان)) والمنظمة النسائية التابعة لحزب الإتحاد الوطني تسمى((جينان)).       

إعتمدت المنظمات النسائية الأخرى إستخدام كلمة "آفريتان" متبعة في هذا رأي مدافعات معينات عن حقوق المرأة الكردية.

         أسست بعد سنة(1991) معظم الأحزاب منظماتها النسائية الخاصة بها. تجد الكثير من النساء في هذه الفسحة من الحركة التي تتيحها أحزاب معنية, إمكانية لممارسة النشاط النسوي. ومن وجهة نظر الأحزاب تكمن مهمة مثل تلك المنظمات في كسب المناصرين للحزب من خلال الأنشطة في المجالات الإجتماعية، مثل دورات محو الأمية وورشات تعليم الخياطة. تتنافس المنظمات النسائية أيضاً كالأحزاب في سبيل نيل الدعم من منظمات المساعدات الأنسانية الأجنبية(NGO).

          منذ زمن طويل لاتوجد في كردستان الجنوبية  مشاريع نسائية مستقلة عن الأحزاب، والسبب في هذا يعود إلى السيطرة المطلقة لنموذج الحزب المسيطر, والتنافس الدائم بين الأحزاب الكردية. لقد إفتتحت منظمة إيطالية(NGO) سنة(1996) مركزاً للشباب غير حزبي في السليمانية. كما اسست في ذات الوقت منظمة(NGO)ألمانية كردية أول مركزاً نسائياً غير حزبي وأطلقت عليه اسم ((خان زاد)) حفيدة ميري كورا رواندوزي, التي أصبحت شخصية إسطورية. وقد ضم هذا المركز مكتبة وكافتريا، ونظم دورات محو الأمية ولغات أجنبية وكمبيوتر، وأنشأ مدرسة لتعليم النساء قيادة السيارات, وقدم دورات رياضية، إضافة

إلى تقديم الإستشارات الإجتماعية والقانونية للنساء. الإنتساب إلى هذه المركز مقتصراً على النساء ومحظوراً على الرجال, بخلاف المراكز الثقافية والإجتماعية التابعة للمنظمات الحزبية التي إقتدت بطريقة مركز((خانزاد)).

         وإفتتحت منظمة((جينان)) النسائية في سنوات(97ــ 1999) مركزين نسويين مع كافتريا، يقع أحدهما في السوق المركزي والآخر في بهو أحد الفنادق الخالية. كانت الفكرة من وراء إنشاء كافتريا هي خلق مكان بديل تتمكن فيه النساء والفتيات من التواصل فيما بينهن، إذ أن البيوت الخاصة نادراً ما تتيح الفرصة للفرد بأن يكون وحيداً، فأغلب الأحيان يتواجد الأهل والضيوف في المطبخ وأرض الديار أو غرفة الضيوف، والبقاء بعيداً عن الجماعة أو الإنفراد مع إحدى الصديقات قد تعتبره الجماعة عدم لباقة أومخالفاة للتقاليد. وحتى ذلك الحين لم تكن توجد في السليمانية كافتريات حديثة للرجال والنساء. أما التنزه في الحدائق العامة بالنسبة للفتيات الشابات فقد يعرضهن لسماع كلمات سوقية والصفير وتعابير وجه وحركات بالأيدي وإلى آخر ماهنالك من صنوف التحرش من قبل الرجل. بالمقارنة مع ذلك فإن الكافتريات المذكورة تقدم الحماية للتواصل بين للفتيات والنساء إمكانية التواصل وتحميهن من العناصر التي تزعجهن.

           تناولت موضوع قتل النساء أو جرائم الشرف مجموعة نسائية غير حزبية تدعى((منظمة دماء النساء الحمراء)) سنة(1993). نشأت هذه المنظمة عن حركة مجالس الإنتفاضة(1991)، إلا أنها تحولت فيما بعد إلى مجموعة نسائية تابعة لحزب العمال الشيوعي العراقي.

         لقد وجهت النساء حينها الإنتقادات بشكل خاص إلى كلا الحزبين الرئيسين المسيطرين، الإتحاد الوطني والبارتي الديموقراطي ، بسبب عدم قيامهما بوضع أو تطوير تشريع عقوبات في حالة قتل المرأة بسبب شرف العائلة. عندما تمكن كل من الإتحاد الوطني والبارتي الديموقراطي من خلق نوعاً من الإستقرار في المناطق اخاضعة لإداريتهما في منتصف التسعينيات، دفعت المراكز و المنظمات النسائية  قضية((إستخدام العنف ضد النساء))  إلى الواجهة بإستمرار. أستطاعت النساء خلق تحالفات فعالة لتدعيم نشاطاتهن, وبالتالي حث الأحزاب المسيطرة على إتخاذ الإجراءات والتشريعات القانونية المحددة، وذلك عبر أجهزتها الإدارية الجديدة.

          كما تناضل النساء من جهة أخرى من أجل تطوير الوعي بالظلم تجاه المرأة في المجتمع الكردي،هذا الوعي الذي بالكاد كان بالامكان تلمسه في المجتمع الكردي، لأن القرآن والعادات والتقاليد تتيح إنزال العقوبة الجسدية, كالضرب مثلاً، بالمرأة الجامحة، ولايزال الآن كما في الماضي قانون العقوبات الساري المفعول يحتوي مصطلح ((نشوز)), الذي يطلق على الزوجة المتمردة. كما لاتزال مفاهيم الشرف وتلطيخ الشرف والعار ترسو في أعماق اللاوعي.

          إستطاعت حركة نسائية جديدة أن تضرب جذورها بشكل خاص في السليمانية. حيث تتعاون ممثلات الأحزاب المختلفة، كحزب العمال الشيوعي العراقي والإتحاد الوطني والحزب الشيوعي العراقي وحزب كادحي كردستان والإتحاد الإسلامي في كردستان العراق. الإتحاد الإسلامي نشأ عن الإخوان المسلمين الكردي، الذي ينشط دائماً عندما لم يكن بوسعه موافقة بعض المشاكل المحددة مع القوانين السماوية، كقضية تقطيع أوصال المرأة كعقاب، أو إنتحار النساء والزيجات القسرية التقليدية المعينة. وشاركوا أيضاً في تحالف نسائي قدم الإستشارة للنساء وبتنظيم  دار الحماية النساء تحت ظل حماية الإتحاد الوطني. ولكن النساء الإسلاميات لم يشاركن في تحالف المنظمات النسائية من أجل النقاش حول قضايا الطلاق وتعدد الزوجات وعادة((بتر البظر)) لدى الفتيات، التي شاعت في السنوات الأخيرة.

   الجريدة الجديدة الإسبوعية((جينان نوى)) أي(الولادة أو الإحياء من جديد) التي تصدر في السليمانية منذ سنة(1996)، تلعب دوراً مهماً في نضال الحركة النسائية الجديدة. سبق للنساء العاملات في هذه الجريدة أن أسسن وطورن بداية الجريدة النسائية الناطقة بإسم المنظمة النسائية التابعة للإتحاد الوطني. تميزت جريدة ((جينان نوى)) بشكل كبير في مجمل الحقل الإعلامي في كردستان بإسلوبها الجيد في تحقيق ومتابعة المواضيع والمقالات الجيدة والهامة، مثل مواضيع قتل النساء وإنتحارهن والطلاق. أسس هذا الفريق النسائي عدا ذلك مركزاً للتحقيق الصحفي، وقام بجمع الأبحاث والتحقيقات ونتائجها, وذلك بجهود إنتاج ذاتية. كما قدم الدعم والإستشارة الإجتماعية والقانونية للنساء. إستمر هذا الفريق في نشاطه الصحفي مع جريدة"ريوان"(القلب/الروح) التي أسسها سنة(2001).

          بالإمكان إعتبار التغييرات في قانون الأحوال الشخصية وقانون العقوبات، التي أجرتها إدارة حزب الإتحاد الوطني في منطقتها سنة(2000)، نجاحاً لنضالات الحركة النسائية الكردية الجديدة. فقد تم رفع السن القانونية للزواج من جديد في التعديلات الجديدة، ووضعت تحديدات لتعدد الزوجات، وتم إعادة بناء قانون الطلاق بشكل واسع، فاصبح يتوجب على الأزواج من حيث المبدأ دفع النفقة، وتشريع عقوبة الحبس سنوات عديدة لمرتكبـي جرائم الشرف. حتى ولو أن هذه التعديلات لن تكفي للحيلولة دون وقوع النساء ضحايا للعنف، إلا أنها خطوة في الطريق الصحيح، إذ أن الإشكالية الأكبر تكمن في الوصول بحساسية المجتمع الكردي إلى درجة يحس فيها بأن إستخدام العنف ضد المرأة و جرائم الشرف يشكلون ظلماً تجاه المرأة.

           من ضمن الواجبات التي أخذتها منظمة((أسود/ كومباني)) على عاتقها، واجب خلق الوعي بالظلم. تتعاون هذه المنظمة التي تأسست في كانون الأول(2001) مع الإتحادات النسائية المتجاوزة للأحزاب في السليمانية، ومع الناشطات الكرديات في مجال حقوق المرأة في صفوف الأحزاب، ومع المؤسسات النسائية غير الحزبية، بالإضافة إلى النساء العربيات الناشطات في مجال حقوق المرأة, اللواتي يسكنَّ منذ سنين طويلة في كردستان، ومع الرجال الناشطين ضمن منظمات(NGO) أيضاً، أو الناشطين ضد العنف في الحقل الإعلامي. يحاول جميع المشاركين بهذا المشروع تجاوز الحدود في الشكل والتنظيم والموضوع, التي وضعتها وكرستها الإحزاب السياسية عبر سنوات طويلة.

 

                          

 

الأكراد العراقيون في رحلة البحث عن مستقبل في العراق

 إنغا روغ

 

    لقد إختفت حقول الدمار التي خلفها الماضي، و تقدمت مكانها إلى الواجهة القرى والمدارس والمستشفيات وشبكات الطرق العامة وتفرعاتها. فأصبحت تطبع صور المدن الحدائق الأنيقة والأحياء الجديدة للفيلات الراقية إضافة إلى قطاع خاص ينتعش ويزدهر. بينما كان العراق يغرق بإستمرار في الفقر أكثر فأكثر في السنوات الأخيرة كانت كردستان العراق في ظل الإدارة الكردية الذاتية تعيش الإزدهار، الذي كان لسنوات طويلة يبدو مستحيلاً. هذه التحولات تثير الإنطباع لدى المسافر اليوم من جنوب البلاد إلى الشمال الكردي بأنه وصل إلى بلد آخر.

    توصل الكرد للمرة الوحيدة عبر حكومتهم الخاصة بهم، ومن خلال عدالتهم وإرادتهم الكردية في السنوات الإثنتي عشرة الأخيرة إلى هذه الدرجة من الأستقلال السياسي في تاريخهم، إذا إستثنينا المرحلة القصيرة لجمهورية مهاباد في أربعينيات القرن الماضي. لهذا السبب  بادر عدد كبير من المراقبين إلى هز الرأس دلالة على عدم فهم سلوك الكرد بالذات الآن، حين أعلنوا بوضوح إنضمامهم إلى جانب تحالف الحرب بقيادة الأمريكيين والبريطانيين. ألم يكن لدى الكرد أكثر من أية فئة من فئات الشعب العراقي الأخرى مما قد يخسرونه من خلال هذه الحرب؟.

  كان هذا القرار موضع جدل بين صفوف الأحزاب الكردية أيضاً, فقد كان  تردد الأخ مسعود البرزاني رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني بشكل خاص طويلاً قبل أن يحسم قراره, حيث قارب رأيه  من الشك بأن البقاء تحت رحمة طاغية بغداد سيكون أفضل ، لكنه ترك, كما تعود غالب الإحيان, امر التصريحات الرسمية لخاله ورجل الثقة لديه  السيد هوشيار زيباري.

  مما لاشك فيه أن تجربة(1975) لعبت دوراً أساساً في تردد البرزاني، الذي لم ينس بالتأكيد أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بقطع الدعم عن أبيه الملا مصطفى البرزاني الإسطوري، عقب توقيع إتفاقية الجزائر بين العراق وإيران، حيث جرى الإتفاق بينهما على نقاط مهمة فيما يخص حدود شط العرب. كما يصعب نسيان كلمة الوزير السابق هنري كيسنجر حينما قال، يجب عدم الخلط بين النشاطات السرية والمهمات الدبلوماسية. ولاداعي لتذكير الكرد أيضاً بقمع الإنتفاضات في نهاية حرب الخليج الثانية، حيث وقفت قوات التحلف متفرجة من دون أن تحرك ساكناً. وأخيراً فإن الأمريكيين حنثوا بوعودهم سنة(1996)، إذا إمتنعت واشنطن عن القيام بأي إجرء للحيلولة دون تقدم دبابات صدام، عندما طلب الأخ مسعود البرزاني الدعم من صدام لمساعدته في الصرع مع خصمه حزب الإتحاد الوطني الكردستاني.

    أدى الإعتماد الباكر للسيد جلال الطلباني رئيس حزب الإتحاد الوطني الكردستاني على التحالف مع الأمريكيين إلى إمتعاضات شديدة في صفوف حزبه. إذ تخوف العديد من أعضاء الإتحاد الوطني من الوقوف إلى جانب الأمريكيين بشكل حاسم، لأن ذلك قد يتسبب حسب رأيهم، بتوجيه الإتهامات ضد الكرد من قبل الرأي العام العراقي، أو قد يتسبب في إثارة النظام في بغداد, مما يعطيه الحجة لضربات إنتقامية ضد الكرد. وهكذا وجد الكرد أنفسهم بين فكي الكماشة، لأن الأمريكيين والبريطانيين كانوا الوحيدون الذين إلتزموا فعليا بين بقية الحلفاء بالحظر الجوي شمال خط العرض(36)، الأمر الذي كان يشكل الحماية الوحيدة لمنطقة الحكم الذاتي الكردية. أما فيما يخص((أوربا العجوز)),كما وصف وزير الدفاع الأمريكي بسخرية كلاً من ألمانيا وفرنسا المعاديتين للحرب، فلم يكن بوسع الكرد أن يعولوا عليها. السنوات الماضية أوضحت ذلك بشكل جلي عندما أبدى هذان البلدان بالذات عدم إهتمامهما بالقضية الكردية، رغم تمتع الكرد بأفضل لوبي كردي فيهما يساند قضيتهم.

   صحيح أن ألمانيا وفرنسا قدمتا في بداية التسعينيات الحجم الأكبر من المساعدات الإنسانية الدولية، لكنهما بكل الأحوال لم يهتما بأكثر مما يخص مسألة الأمن الداخلي في بلاديهما فيما يخص الكرد.

   عندما كانت الولايات المتحدة وبريطانيا عشية الحرب تستقبلان أقطاب المعارضة العراقية على أرفع المستويات، في الوقت ذاته كانت برلين تتعامل معهم وكأنهم مشردون. أبدت الإستخبارات الألمانية بالسيد جلال طلباني والأخ مسعود البرزاني الإهتمام عندما كانا في ألمانيا، إلا أن أبواب وزارة الخارجية هناك بقيت موصدة أمامهما. اللحظة الحاسمة كانت أخيراً في اللقاء مع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني في شهر آب سنة(2002) ومع مسؤولين رفيعي المستوى آخرين من الحكومة الأمريكية. لم تترك واشنطن حينها مجالاً للشك بأن الحرب القادمة هذه المرة ستعني أيضاً نهاية ديكتاتورية صدام حسين. وأكد المسؤلون الأمريكيون بنفس الوقت أمام الممثلين الكرد بأن المطاليب الكردية سوف تؤخذ بعين الإعتبار في النظام العراقي الجديد.

   توضح للكرد منذ ذلك الحين على أبعد تقدير, أن الحرب باتت مجرد مسألة توقيت. وكما تأكد للكرد أيضاً أنهم فقط من خلال مساندة حليف قوي ستكون لديهم الفرصة بالتأثير على مصير مستقبل بلاد مابين النهرين. وأصبح الآن بإمكان حزب الإتحاد الوطني الكردستاني الإعتماد على الدعم الأمريكي في مواجهاته مع الجماعة الإسلامية المتطرفة((أنصار الإسلام)), التي كانت تتمركز في المناطق الحدودية بين العراق وإيران، والتي كانت تضم أيضاً في صفوفها بعد هزيمة نظام طلبان في أفغانستان، فلول المؤيدين لأسامة بن لادن من شبكة القاعدة وجماعة طلبان. يرى الكرد الآن بعد إنتصار الحلفاء أنهم كانوا محقون على عدة أصعدة، فالديكتاتورية في بغداد إندحرت, والخطر المهدد القادم من الجماعات الإسلامية المسلحة تم إقصاؤه إلى أجل غير مسمى.وهكذا فإن  الترحيب الذي يحظى به الأمريكيون والبريطانيون في كردستان لايحظون بمثيله في أي مكان آخر في العراق. في الحين الذي تجاهد بقية البلاد فيه من أجل التأقلم مع الوضع الجديد، يجري الإحتفاء بكل من بوش وتوني بلير كمحررين في كردستان.

    مع نهاية سلطة صدام إنتهت أيضاً بالنسبة للكرد مرحلة مابين الحربين التي إستمرت لأكثر من إثنتي عشرة سنة. أصبح الكرد بهذا أمام مرحلة قد تكون من الأهمية بمكان بالنسبة لعموم الشرق الأوسط أيضاً، مثلما كانت في حينها البريسترويكا وإنهيار جدار برلين بالنسبة لعموم المعسكر الشرقي السابق. غير أن هذا الموقف وضع الكرد بذلك  في مواجهة مهمة غاية في الصعوبة أيضاً، وهي((تأسيس أمة))، فالمجال قد إنفتح أمامهم للسلوك في واحد من طريقين: فإما أن يتحقق للعراق دستوراً ونظاماً سياسياً يملك مقومات ردم الخنادق الإثنية والدينية، أو يكمل الكرد إستقلاليتهم ويزيدوا من قوتها كي يتمكنوا من الإنفصال عن كيان الدولة العراقية. ولأجل هذا يتوجب أولاً على كل من الحزبين الكبيرين الإتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديموقراطي الكردستاني أن يضعا حداً للنزاع فيما بينهما والإتفاق على توحيد إدارتيهما. رغم كل محاولات التقارب بينهما لازالت يسود العلاقات بينهما الشك والحذر الشديدين.

    يشير المؤرخون دوماً إلى خداع القوى الدولية للكرد خلال حقبات تاريخهم المختلفة، ولكن هذا من دون أدنى شك واحد من وجهي التاريخ. غير أنه غالباً مايفوت على معظم هؤلاء المؤرخين الدور الذي تلعبه صراعات المصالح ضمن الطبقات السياسية في كردستان، والتي تحمل مرة هذا الفريق ومرة الفريق الآخر إلى الدخول في تحالفات مع القوى العظمى أو الإقليمية، مما يتسبب في ضياع آمال القسم الأعظم من الكرد.

سنوات المعاناة والحرب الداخلية الكردية:

   كانت عملية تسلم الكرد زمام الحكم في شمال العراق نتيجة مباشرة لحرب الخليج. يقال أنه بتشجيع من بوش الأب هبت الإنتفاضة في آذار (1991) في المناطق الكردية وفي أجزاء أخرى من العراق. تمكن  التحالف الذي كان يسمى"جبهة كردستان"من السيطرة على مقاليد الأمور في معظم مناطق كردستان حينها. ولكن النظام إستطاع خلال أيام قليلة من إستعادة السيطرة على جميع المناطق المحررة. نتيجة ذلك

لجأ الملايين من الكرد إلى إيران وتركيا. كانت الأمم المتحدة ومعها المجتمع الدولي يقفون موقف المتفرج على البطش الذي لحق بالمتمردين من دون تحريك أيَّ ساكن. وعندما رفضت تركيا إستقبال اللاجئين الكرد وجدت الأمم المتحدة نفسها مضطررة إلى التدخل, فصدر القرار(688) عن مجلس الأمن الدولي الذي يطالب العراق بالحفاظ على حقوق الإنسان وبفتح حدوده من أجل وصول المساعدات الإنسانية إلى اللاجئين الكرد.

    أعطى هذا القرار قوات التحالف الدولي الشرعية في إقامة ماسمي"منطقة حماية", التي شملت الشمال الغربي من البلاد حتى منطقة محافظة دهوك. فشكل القرار(688) وقرار وقف إطلاق النار رقم(687) من وجهة نظر قوات التحالف الدولي الأساس الذي تم الإعتماد عليه في إعلان منطقة الحظر الجوي شمال خط العرض(36). برغم إنسحاب جنود قوات التحالف منذ صيف(1991) وحلول فرقة رمزية فقط مكانهم وتمركزها في مركز التنسيق العسكري في المدينة الحدودية زاخو، إلا أن المنطقة ظلت في منأى من النظام العراقي نتيجة تفاهم فريد من نوعه.

          حاول حينها وفد من جبهة كردستان بقيادة جلال طلباني ومسعود البرزاني  التفاوض مع النظام العراقي في بغداد والوصول إلى إتفاق معه, حيث أبدوا إستعدادهم للإعتراف بسيادة الدولة العراقية. وقد كان السبب من وراء هذه المفاوضات هي الظروف الدولية والإقلمية، إذ أن ليس دول الجوار تركيا وإيران وسورية فقط، بل دول التحالف الدولي ايضاً كانت تخشى أن يعلن الكرد دولتهم المستقلة فتتسبب في زعزعة منطقة الشرق الأوسط برمتها. إلا أن  المفاوضات توقفت في النهاية من دون تحقيق أية نتيجة. ثم سحب نظام صدام إدارته بصورة مفاجئة من المحافظات الجنوبية في كردستان السليمانية وأربيل.

    وبهذا أعلن الحصار الداخلي على كردستان، كي يصبح إلى جانب الحصار الدولي حصاراً مضاعفاً، وقطع بذلك التدفق الداخلي للبضائع نحو كردستان. وهكذا تحتم بين عشية وضحاها على المقاتلين السابقين في صفوف البيشمركة أن يقوموا بالمهام الإدارية التي لايملكون دراية كبيرة بها، وأن يؤمنوا العناية بثلاثة ملايين ونصف من الناس.

    لايمكن للمرء الآن بعد إنقضاء تلك المرحلة الحرجة سوى الإعجاب بالهدوء الذي واجهت به الجماهير المدنية الأزمة التي نشأت بسبب تلك الظروف وتحملتها. كان الشتاء الأول تحت الإدارة الذاتية بكل بساطة كارثة. كان الإقليم بكامله محروماً من الوقود والكهرباء بسبب مقاطعة نظام بغداد، وكانت المواد الغذائية أيضاً قليلة، حيث كان الإقليم معتاداً على تأمين المواد الغذائية عن طريق التموين الحكومي. وكانت برامج المساعدات الضخمة لمنظمات المساعدات الإنسانية بالكاد قد بدأت، حيث شكلت حينها العنصر الإقتصادي الوحيد المتوفر إلى حين بدء برنامج((النفط مقابل الغذاء)).

   في ذات الوقت تصاعد التوتر بين الحزبين الكبيرين الإتحاد الوطني والبارتي الديموقراطي بشكل مستمر. فكان يجب على إنتخابات البرلمان الكردي في آذار(1992) أن تحل مسألة السلطة في كردستان. بغض النظر عن هذا, كان الكرد يريدون إثبات جاهزيتهم للديموقراطية أمام المجتمع الدولي.

    بما أن عملية الإنتخابات رافقتها حملات إنتخابية مبالغة في التوجيه فقد إتفق الإتحاد الوطني والبارتي الديموقراطي، اللذان حصلا على نتائج متقاربة، على تقاسم السلطة، وهكذا دخل  في التاريخ الكردي حل المناصفة هذا. أما الأحزاب الأخرى فقد ضمنتهما قوائم الحزبين الكبيرين في تشكيلة الحكومة. وأصبحت إعتباراً من هذه اللحظة كل وزارة وكل موقع إدارة ومنصب مشغولاً بشكل مزدوج، حيث أصاب كل فريق الآخر بالشلل.

   كانت المصادر المالية الوحيدة التي تمتلكها الحكومة تأتي من تجارة النفط في السوق السوداء التركية بالإضافة إلى التهريب مع إيران. وبالرغم من تواضع هذه العوائد مقارنة مع المقايسس الدولية إلا أن كلا الحزبين قد سعى ليبسط الرقابة عليها كي يستطيع ضخها في المناطق التي تشكل أغلبية سكانها مناصرين له.

   وهذا المبدأ كان يسري على مساعدات المنظمات الدولية. فإذا أرادت إحدى المنظمات أن تنحو من الإتهام بأنها تميز أحد الفريقين على الآخر، كان يتوجب عليها حينئذٍ تنفيذ مشاريع في مناطق الفريق الآخر، وبنفس الحجم على أقل تقدير. إنزلقت بهذه الطريقة أحياناً كثيرة منظمات تنقصها الخبرة بمواقف الأزمات السياسية، لتصبح كالكرة التي تتقاذفها الخدع السياسية بكل سهولة. هذا يوضح أيضاً أن المساعدات ذاتها يمكن أن تصبح عاملاً سياسياً يزيد من حدة توتر الأزمات، عندما يتم تجاهل قانون الحيادية.

  بالقدر ذاته, من جهة أخرى إستخدمت بعض المنظمات الإنسانية مساعداتها كأداة سياسية لها أهدافها. وكانت في مقدمة هذه المنظمات((منظمة النهضة الإسلامية الدولية السعودية)) (IIRO)، فقد إشترطت لدى تقديمها المنح الدراسية للتلميذات والطالبات, إرتداء الحجاب والإشتراك المنتظم في نشاطاتها الدينية. بهذه الطريقة ساهمت في تقوية النفوذ في الوهابي في كردستان.

    غير أن هذا النشاط التبشيري لم يكن مقتصراً فقط على الراديكاليين الإسلامين، فقد حاولت منظمات مسيحية أصولية عديدة أثناء سنوات التسعينيات أن تجد لها موطىء قدم في كردستان، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق نجاح يستحق أن يذكر. وساهمت  التهديدات المستمرة بالحرب من طرف تركيا وإيران في إزدياد تفاقم الوضع المتأزم أيضا، إضافة إلى إستمرار  التهديد المتمثل في إستمرار ديكتاتورية صدام التي لم يتم الخلاص منها. كانت طهران وأنقرة تريان أن خطراً دائم يتهد المنطقة, نظراً لأن المنظمات الإيرانية والتركية المعارضة المسلحة إفتتحت معسكراتها في المنطقة.

    في الوقت الذي أوقفت فيه كل من منظمة"كوماله" والحزب الديموقراطي الكردي الإيراني عملياتهم العسكرية، رفض حزب العمال الكردستاني(PKK) الإقدام على مثل هذه الخطوة. كما أن أنقرة من طرفها لم تبد أية إشارة عن إستعدادها للقبول بحل وسط، عدا الفاصل التمثيلي الذي قدمه رئيس الحكومة التركية السابق تورغوت أوزال.

    إتخذ البرلمان الكردي في خريف(1992) قراره الأول، وهو إبعاد حزب العمال(PKK) عن العراق، غير أن هذا القرار لم يجد نفعاً، إذ أن النتيجة كانت حرب صغيرة إمتدت لسنوات طويلة, وقف في بدايتها حزب البارتي، وفيما بعد الإتحاد الوطني إلى جانب الطرف التركي. إستخدمت تركيا في هذه الحرب كل ماتملك من التفوق العسكري، فساهمت بدورها في إستمرار عدم إستقرار الوضع في المنطقة. تكرر مرة أخرى في هذه الأثناء وقوع السكان المدنيين الكرد ـ العراقيين بين الجبهات دون أن تبدر عن المجتمع الدولي أية إشارة دليل على الإعتراض.

   لعب سلوك المتعاملين السابقين مع النظام العراقي من الكرد دوراً في تعميق الهوة الداخلية, حيث أصدرت الجبهة الكردستانية قبل إنتفاضة ربيع(1991) عفواً عاماً عن المتعاملين مع النظام(الجحوش)’ كي لايتصدى هؤلاء مع قوات النظام للإنتفاضة.   فإنضم هؤلاء المتعاملون السابقون فيما بعد إلى صفوف الإحزاب في فترة الصراع على السلطة والمال. وتمكنوا هذه المرة تحت حماية الأحزاب من متابعة أفعالهم التي كانت نتيجتها وخيمة تجاه ضحايا الأنفال بشكل خاص.

    الأنفال هي تسمية أطلقها النظام على مجموعة حملات الإبادة التي نفذها ضد الشعب الكردي سنة(1988). وقد إستخدم النظام في هذه الحملات الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً بطريقة مبرمجة ومنهجية. حيث كان مصير آلاف القرى الكردية الخراب والدمار نتيجة هذه الحملات, كما قتل(182)ألف من المدنيين وفق الإحصاءات الكردية. وألقي القبض على مئات الآلاف أثناء عملية الأنفال, وبعد الإفراج عنهم إرغموا على الإقامة بعيداً عن قراهم وبلداتهم في المجمعات السكنية القسرية, كي يحكم عليهم النظام رقابته الأمنية.

     حاولت الأحزاب إعادة بناء القرى المدمرة من جديد وتسهيل عودة السكان المهجرين إلى قراهم، ضمن إطار برنامج إعادة الإعمار بمساعدة  منظمات المساعدات الإنسانية. وقد لاقى هذا البرنامج نجاحاً كبيراً، إلا أن العودة   إلى القرى الجديدة كانت غالباً مستحيلة  بالنسبة للنساء اللواتي بقين على قيد الحياة من دون رجالهن، واللواتي يعرفن بإسم((آرامل الأنفال)). وسبب ذلك أن هذا البرنامج يجبرهن على السكن والعيش بجوار طغاة صدام من المتعاملين السابقين.يعتبر بالنسبة لتلك النساء هذا البرنامج بمثابة مخطط تعسفي يصعب عليهن تحمله. في حين حصل الجحوش على كافة صنوف الإمتيازات، وهم الذين إستطاعوا معظم الأحيان تنظيم مئات المقاتلين في صفوفهم، بينما لم ينل ضحايا الأنفال من الذين بقوا على قيد الحياة الدعم من الحكومات حتى وقت قريب.

     ثم إشتعلت الحرب الداخلية سنة(1994) نتيجة الخلافات القديمة ودسائس دول الجوار, بالإضافة إلى تلاعب أزلام صدام السابقين.وقد إستمرت الحرب سنوات طويلة بالرغم من جهود الوساطات القومية والدولية، إلا أن إتفاقات السلام لم تصمد أكثرمن ايام معدودات. وإستمرت الصراعات المسلحة بين الطرفين , فتصاعدت خروقات حقوق الإنسان على طرفي الجبهتين المتحاربتين.

     لقد بلغت الحرب ذروتها في آب(1996) عندما إستنجد حزب البارتي بقوات صدام. ومنذ ذلك الحين يسيطر البارتي الديموقراطي على غرب الإقليم وعاصتمة أربيل، وبالمقابل يسيطر الإتحاد الوطني على شرقه مع مدينة السليمانية. حاول الإتحاد الوطني مرة أخرى توسيع حدود منطقته بإتجاه الغرب بالتحالف مع عدد الأحزاب، إلا أن تدخل قوات الجيش التركي أفشل هذه المحاولة. رغم أن  الطرفان قد أبرما إتفاقية سلام في واشنطن بوساطة أمريكية في أيلول(1998), إلتزم بموجبها البارتي الديموقراطي بتقاسم عائدات تهريب النفط مع الإتحاد الوطني, إلا أن هذه الإتفاقية لم تمنح الكرد أكثر من سلاماً بارداً، وهذا رغم أن وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك مادلين أولبرايت وضعت كل سمعتها السياسية في كفة الميزان. ولكن على الأقل إلتزم الطرفان بعدم العودة مرة أخرى إلى الصراع المسلح فيما بينهما.

     لم يتمكن الفريقان من تحطيم جدار الجليد سوى بعد أن  تقبل الإتحاد الوطني هزيمته في الإنتخابات، وبهذا تم تفعيل البرلمان الكردستاني من جديد. وعندما أتى الدور على توحيد الحكومتين تعذر تحقيق أية خطوة في توحيد الإدارات لفترة طويلة، الأمر الذي يشير إلى إستمرار الهوة بين الفريقين بالعمق ذاته كما كانت في السابق.

 

من حركة البيشمركة إلى المجتمع المدني:

 

    جاءت نقطة التحول في الواقع نتيجة برنامج((النفط مقابل الغذاء)) الذي قرره مجلس الأمن ضمن إطار القرار رقم(986)، الذي يمنح الكرد نسبة(17%) من عائدات النفط العراقية. بخلاف بقية البلاد يتم تنفيذ هذا البرنامج في كردستان من قبل الأمم المتحدة مباشرة. و هذا الأمر وضع الحكومتين الكرديتين في موقف غريب: فهما لم يك لهما وجود  بالنسبة للقانون الدولي، إلا أن الأمم المتحدة كانت مضطرة للتعاون معهما بحكم كونهما الوحيدتين اللتين لديهما المقدرة على تحقيق الشروط العامة للإدارة وتقديم المشورة من أجل الإجراءات الفعالة. في البداية إستطاعت كلا من الحكومتين الكرديتين إثبات المقدرة والمهارة في الإنتقال من حركة بيشمركة مسلحة إلى حزب مدني. وكان التسابق الذي إنطلق بين الفريقين من أجل خلق بنية تحتية أفضل وإجراءات التنمية  الإثبات على أن أحزاب الحرب تضع السلاح جانباً عندما يكون بمستطاعها أن تجني من السلم قدراً من الربح أكبر مما تجنيه من خلال الحرب.

          بكل جدارة يحق للساسة الكرد اليوم الإشارة إلى إنجازات البناء التي تمكنوا من تحقيقها خلال السنوات الأخيرة، كالعديد من المستشفيات والمدارس والشوارع والطرقات، وخدمات معقولة للمياه والكهرباء بشكل عام. بالإمكان رؤية كل هذه الإنجازات اليوم.

          بدوره لم يترك نظام صدام أية وسيلة إلا وجرب إستخدامها من أجل المحاولة لإحباط الجهود الكردية وعرقلتها. إلا أن آثار الدمار التي تركها صدام إختفت اليوم بشكل كامل تقريباً. لم يوافق نظام صدام على عبور الخبراء من أجل ترميم السدين إلا بعد جهود مضينة من المفاوضات. وفشلت عملية عبور الأجهزة الطبية في نهاية الأمر ليس بسبب موقف لجنة الحصار وإنما بسبب موقف صدام المتشدد.

          لقد أكدت عملية((شد الحبل)) بين الكرد ونظام صدام أن الكرد لم يحققوا الإستقلال عن الحكومة المركزية في بغداد إلا بصورة مشروطة. لهذا لم يكن مستغربا جداً أن كل قرار كانت تتخذه بغداد قد خلف آثاراً مباشرة على الشمال المتمرد. ولكن في المقابل أيضاً الكرد من جهتهم، وهم الذين يتحكمون بالسدود الحيوية جداً، لم يترددوا بإستخدام ذلك كورقة ضاغطة على صدام. وهكذا كلما كان صدام يوقف شحن البنزين إلى الشمال كان الكرد يغلقون صنوبر الماء في الشمال.

          واجهت الأمم المتحدة الإنتقادات الكردية طوال هذه السنين بصمت عنيد، الآن فقط يعترف بعض ممثليها بأن نظام صدام كان يضع العصي في عجلاتهم بإستمرار.

           التطور الذي حصل في كردستان يناقض الإسطورة القائلة بأن الحصار هو المسؤول في الدرجة الأولى عن الأوضاع التي كانت متردية في العراق. فمدينة كركوك التي تجثو على رابع أكبر إحتياطي نفطي في العالم، أصبحت اليوم  عبارة عن مجرد تجمعات سكنية بائسة(عشية سقوط صدام) لا أكثر، بينما جارتيها مدينتا أربيل والسليمانية, اللتان لم تفتحان بعد حقوليهما البترولية(المحتملة)، هما الآن  عبارة عن مركزين حيين للتجارة.

            لايفسر هذا الفرق إقتصاد التهريب،  فبغداد ايضاً تنال حصتها بنفس القدر من إقتصاد الظل هذا. كما أن التحويلات التي يرسلها الكثيرون من اللاجئين الكرد، الذين هربوا في السنوات الماضية من بلادهم إلى أوربا، تفسر هذا الفرق بشكل محدود فقط.

           ولكن الأوضاع المتردية في المدن العراقية العديدة تظهر بشكل أوضح بأن النظام بكل بساطة تنقصه الإرادة السياسية لصرف المال من أجل البني التحتية لهذه المدن. وهو يفضل هدر الأموال في بناء القصور والمزارع المسيجّة وإشادة المشاريع العملاقة التي تمجد شخص الديكتاتور، ومن أجل الأجهزة الأمنية وإستعراض وجودها أمام الشعب للإستمرار في ترهيبه.

         مما لا شك فيه أن  الحرية النسبية في كردستان قد أدت إلى نهوض سلسلة من المبادرات الإجتماعية التي أسهمت في دمقرطة المنطقة بقوة. فتمكنت في ظل الظروف الجديدة هذه مجموعات نسائية, من خلال العمل الدؤوب واللوبي الذي نظمته, من تحقيق الإصلاح فيما يخص قانون الأحوال الشخصية، ومن إقامة أول دار لحماية النساء المهددات في تاريخ العراق على الإطلاق. كما تراجعت نسبة مايسمى جرائم القتل من أجل الشرف في السنوات الثلاثة الماضية نتيجة الجهود التي بذلتها تلك المجموعات. كما توجد اليوم في كردستان محموعة جديدة من الأحزاب والصحف المتنوعة.

          ولكن لايزال من المبكر الحديث عن حرية النشاط السياسي وحرية الصحافة. إذ أن عملية التصريح بالأحزاب لاتزال كما سبق تحتاج إلى الشفافية، ومرتبطة في الدرجة الأولى بعلاقة الحزب الذي

يسعى إلى الحصول على التصريح بالحزب الحاكم. ولاتوجد حتى الآن صحيفة, ناهيك عن محطة إذاعية أو تلفزيونية، ليست بوقاً إعلامية لهذا أو ذاك الحزب. أما الإستثناءات القليلة كالجريدة الإسبوعية((هاوالاتي)) فهي تصارع من أجل البقاء، وتتعرض بسبب تقاريرها الصحفية غير المرغوب فيها للدعاوي والملاحقات القضائية بإستمرار، أو تحرم من الوصول إلى المعلومات. وهكذا كمثال على ذلك,ما حدث  لصحفيي((هاولاتي)) في أربيل, الذين كان عليهم الإنتظار حتى شهر آيار في  سنة(2003) كي يحصلوا أخيراً على التصريح الإعلامي من أجل التغطية الصحيفة في البرلمان الكردي.

         لقد نجحت الأحزاب الكردية في بناء كيان عام من دون أدنى شك، وهذا يعتبر إنجازاً كبيراً بالنظر إلى التجاور المباشر مع ديكتاتورية صدام, وإلى توازنات القوى الإقليمية والدولية. بالنظر إلى ذلك لايجوز التقليل من شأن هذا الإنجاز. كما يجب عدم التوهم بأن الديموقراطية الكردية تصلح انموذجاً للعراق كله من دون شرط, فلازالت تتحكم طبيعة علاقة العملاء بالعلاقة بين المواطنين والنخبة السياسية ايضاً.

         لاغرابة في أن تصبح في ظل مثل هذه الظروف كل معارضة غاية في الصعوبة, خاصة عندما  تتعامل النخبة السياسية مع مناطق حكمها وكأنها أملاكاً للدولة. صحيح أن الطريق نحو الديموقراطية بات أقصر، لكنه لايزال في غاية  البعد عن النهاية.

 

الكرد العراقيون أمام مفترق الطريق:

 

    يواجه الكرد بعد سقوط الديكتاتورية هذا السؤال اليوم: ماهو الدور الذي يرغبون لعبه في العراق بعد صدام. في البداية بدا كأنه تمت الإجابة على هذا السؤال، عندما إلتقى الطالباني والبرزاني ومعهما وفديهما في بغداد مع بقية أقطاب المعارضة العراقية السابقة للتداول حول تشكيل حكومة إنتقالية. كان الإتحاد الوطني في تلك الأثناء قد إختار التعاون مع رؤساء وشيوخ العشائر العربية السنية.

   يضم الإتحاد الوطني بين صفوفه تياراً قوياً يؤيد البقاء في الدولة العراقية ويفضل الإشتراك في حكومة بغداد على أي نوع من حلول الإدارة الذاتية. ولكن المفاوضات في بغداد توقفت في لحظة واحدة، عندما تم فجأة إقصاء الجنرال جاي إم. غارنر القائد الأعلى للإدارة المدنية الأمريكية، بعد أقل من شهرين من توليه هذا المنصب. فحل الدبلوماسي المثابر باول بريمر محل غارنر، والذي أتى من صفوف جماعة إدارة المحافظين الجدد. طالب بريمر المجموعات السياسية المشاركة في تشكيل إدارة إنتقالية، مباشرة بعد أن حصلت الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى على التفويض كقوة إحتلال, وبذلك الصلاحية المؤقتة لتولي سلطة الحكم بموجب قرار الأمم المتحدة رقم(1483).

    بكل وضوح وصراحة أعرب بريمر عن عدم رغبته في حكومة إنتقالية لديها الرغبة في إنشاء تحالف مكون من سبعة أحزاب.  من الواضح أن بريمر يحبذ الإحتفاظ بزمام الأمور بيده وهو يختلف عن سلفه غارنر, الذي كان ميالاً للإختلاط بالناس أكثر.

   كان هاجس سلطات التحالف أيضاً, هو العثور على طريقة كي يبعدون فيها تأثير الأحزاب الشيعية، التي كانت تسعى في السر إلى تشكيل أجواء تيوقراطية(سلطة رجال الدين), بخلاف إعلانها الرسمي بتبنى الحل الديموقراطي. وكان المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بسبب علاقته الحميمية مع طهران بمثابة شوكة في عين واشنطن.

   لكن سلوك بريمر أظهر أن واشنطن التي قد خططت للحرب بشكل جيد جداً ونفذت مخططها بمنتهى الدقة، إلا أنها من الواضح جداً لم تستعد بما فيه الكفاية للعملية الصعبة، وهي تشكيل أمة في العراق بعد مرحلة صدام. وهذا الأمر يدعو إلى العجب حيث إن إدارة بوش لم تبخل بالجهد قط في التخطيط لنظام مابعد الحرب.

   في الحين الذي كان معارضي نظام صدام مجمعين على إقصاء مجموعة رجال سلطة حزب البعث القديمة، كان الأمريكيون والبريطانيون رغم ذلك يحاولون الإعتماد عليهم في البداية. صحيح أن الأحزاب الكردية ايضاً رفضت تأجيل تشكيل الحكومة المؤقته، إلا أن ردة فعلها لم تكن على نفس المستوى من القوة التي بدرت من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.  من المؤكد أن من جملة الأسباب التي تقف وراء ذلك كان, هو عدم إستعداد الأحزاب العراقية لتفهم مطالبة الكرد بالفيدرالية.

   كان البرلمان الكردي قد صوت سنة(1992) لصالح نظام فيدرالي لعراق المستقبل، الذي يتمكنون ضمن إطاره من ممارسة حقهم في تقرير المصير. وقد أيدت أحزاب أخرى هذا القرار في مؤتمرات مختلفة، كان آخرها مؤتمر آذار(2002) في صلاح الدين الكردية.

    ثم قدم البرلمان الكردي في شهر تشرين الثاني(2002) إقتراحاً لدستور المستقبل يتضمن قيام دولة إتحادية عربية وكردية تمتلك هيئات دستورية وقضائية وتنفيذية تتمتع بسلطات واسعة بعد تحديد المفتاح لهذا الحل سوف يشارك الكرد وفقه في الحكومة المركزية في بغداد، التي ستنحصر الشؤون الدفاعية والخارجية ضمن إطار صلاحياتها. أما بشأن الحدود مابين ولايتي هذا الإتحاد فيجب الأخذ بالحدود الإدارية كما كانت في العراق قبل إستيلاء حزب البعث على السلطة سنة(1968). وأما بخصوص كركوك والمناطق المحيطة بها فيجب أن تعود إلى حدود الإدارة الحكومية التاريخية.

     رغم أن المعارضة العراقية السابقة قد وافقت على النظام الفيدرالي منذ أمد بعيد، إلا أن هذه الموافقة لم تتعد الكلام. إن الأحزاب الشعية بشكل خاص, أصبحت الآن أقل إستعداداً لتقبل النظام اللامركزي. وهي تعتقد أن الشيعة يشكلون بنسبتهم(60%) أغلبية السكان التي تؤيد الأحزاب الدينية، لهذا السبب تراهن الأحزاب الشيعية على الإستيلاء على السلطة في بغداد أكثر من النظام اللامركزي.

   أمامشكلة  الكرد, فهي تكمن في أنهم فوتوا الفرصة لكسب حلفاء أقوياء من معارضي صدام يدعمون مطالبهم. لقد حاول الإتحاد الوطني والبارتي الديموقراطي دعم مطالبهما وتقوية موقفهما من خلال ممارسة الضغط تجاه بعضهما عن طريق السلطة الواقعية التي يمتلكانها في الشمال. النتائج حتى الآن لاتزال متنوعة. إنتقال السلطة إلى الكرد في بعض المناطق مثل خانقين جرى بدون إستخدام يستحق الذكر للقوة تقريباً، ولكن في مناطق أخرى كان الأمر مختلفاً، حيث حدثت توترات شديدة.

   أصبحت كركوك بسرعة تمتلك((محافظي ظل))،  لكل منهما مكاتبه ودوائره الخاصة به، و كل منهما، كما كانت تجري الأمور في التسعينيات، يبذل كل مايملك من الجهود في سبيل تصعيب الحياة على خصمه. وكادت أن تنشب المصادمة المسلحة بكل سهولة في كركوك، بينما تركيا كانت تراقب التطورات فيها بعين آرغوس التي لاتعرف النوم. ولكن الأمريكان كانوا في هذه المرة على أهبة الإستعداد فتمكنوا من إيقاف الأزمة بين الأحزاب الكردية والجبهة التركمانية العراقية التي تتلقى دعماً تركياً.

   بالطبع لايقتصر إهتمام الكرد بمدينة كركوك فقط من أجل الحصول على قاعدة مستقبلية لسلطتهم في مدينة البترول الهامة ، وإنما أيضاً من أجل رفع الظلم الذي لحق بهم والتعويض عن الأذى الذي ألحقه النظام العراقي بهم.

   لقد بدأ النظام في السبعينيات بعملية تهجير مبرمجة للكرد من كركوك ومناطقها، بهدف إسقاط حقهم التاريخي في هذه المدينة. بنفس الوقت الذي سحب النظام فيه حق الكرد في الإقامة بكركوك كانت أملاكهم وأراضيهم المصادرة تنتقل إلى ملكية الدولة، التي كانت بدورها تتنازل عنها لصالح أعضاء حزب البعث والمهاجرين العرب القادمون من المناطق الأخرى.  وأثناء حملات الأنفال مارس عملاء صدام كل أنواع الفساد في منطقة كركوك من دون أن يردعهم أي رادع. يعتبر الكرد أن التنازل عن كركوك هو بمثابة إضفاء الشرعية مرة أخرى من جديد على الظلم الذي لحق بهم. لاتزال الآلاف من العوائل الكردية تنتظر بفارغ الصبر إستعادة سندات الملكية لممتلكاتها المسلوبة قريباً، الأمر الذي يتفهمه كل من لديه إحساس بالعدالة.

  العديد من المستعمرين العرب في كركوك يعون بالكامل أن هذا الظلم يجب أن يتم رفعه.إلا أن أقلية منهم ترى في ذلك تهديداً لسلطتها، لهذا السبب تحاول إذكاء لهيب الأزمة حيثما يكون ذلك بوسعها .

  لقد إستطاع النظام السابق خلق الهوات العرقية التي يصعب اليوم ردعها ببساطة. والحال بهذا الشكل، خاصة بالنظر إلى المطامع التركية في كركوك، تحتاج هذه القضية الكثير من الحكمة من أجل الوصول إلى حل لها.

  رغم أن الأحزاب الكردية لم تستعد بشكل كاف لمرحلة مابعد صدام إلا أنها أدركت خلال الفترة الماضية بشأن كركوك, أنه يجب عليها المراهنة على التعاون والتنسيق فيما بينها عوضاً عن التنافس. فتمكنوا بواسطة التفاهم من إيصال مرشحهم المشترك المحامي عبدالله مصطفى إلى محافظة كركوك، وبذلك أصبح محافظ هذه المدينة كردياً لأول مرة.

  يجب على الإتحاد الوطني والبارتي الديموقراطي إثبات مقدرتهما على التوازن السياسي في كركوك. إذا فشلوا في تحقيق هذا لن يكون لديهما أملاً كبيراً في تحقيق مطلبهم في فيدرالية قوية. إلا أنه من دون تحقيق اللامركزية للسلطة في بغداد لايمكن للكرد أن يروا أنفسهم في عراق المستقبل.

 

 

 

 

الكرد في كردستان إيران

  كَولمراد مرادي

 

 

 

لمحة تاريخية مختصرة:

       

   عندما كتب المؤرخ الكردي الأمير شرف خان البدليسي سنة(1596) كتابه التاريخي((شرفنامه))، إكتفى بما يخص أصل الكرد بالإسطورة من كتاب الشاعر والمؤرخ الفارسي الفردوسي((شاهنامه)).وفق هذه الإسطورة ينحدر الكرد من مئتي رجل شاب, الذين تمكنوا من النجاة عن طريق الحيلة من الملك الطاغية الفظيع الضحاك. أما من وجهة نظر علم إلاتنولوجيا فهم يؤرخون أصل الشعب الكردي إلى سنة(2000 ـ 3000 ق. م).

  العديد من أعمال التنقيبات تعتمد على أبحاث علماء أوربيين ومحليين وعلماء التاريخ والإنتولوجيين من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. كما تنسجم هذه الأعمال مع التصورات العلمية والإجتماعية السياسية لهذا العصر. من خلال منظار سياسي وإجتماعي نستطيع أن نقسم التايخ الكردي إلى أربع مراحل بعد غزو العرب ونشر الاسلام في الشرق الأوسط.

   تمتد المرحلة الأولى من القرن السابع حتى نهاية القرن الخامس عشر، وهذا يعني حتى الغزو المغولي وسقوط الخلافة في بغداد. إكتمل إنتقال الكرد في المرحلة الأولى هذه من مناهضة العرب ورفضهم للدين الجديد وإلى تقبل الإسلام وإنشاء الإمارات والأسر الحاكمة الكردية. لم يجر إستعمال المصطلح الجغرافي"كردستان" في هذه المرحلة بخلاف تسمية الشعب الكردي. فقد تم  إستعمال مصطلح"كردستان" بداية في القرن الثاني عشر, من قبل السلطان سندجار, الملك الرابع من الملوك الكبار الأربعة في العهد السلجوقي((1117ــ 1157 م)، حيث ورد مصطلح كردستان في كتب إدارة عهده بشكل رسمي.

            كان في ذلك العهد(29) ولاية سكانها جمعيهم كرد في مجمل المنطقة الكردية. ثلاثة عشرة ولاية من هذه الولايات تقع اليوم في كردستان ـ تركيا، وكانت جميعها تشكل إمارات مستقلة. أما الولايات الست عشرة الباقية، الواقعة اليوم في إيران والعراق، فقد كان السلطان سندجار يطلق عليها إسم كردستان، وأختار مدينة"بهاء"(التي تقع اليوم بالقرب من مدينة همدان غربي إيران) كعاصمة لتلك البلاد وسمى أبن أخيه سليمان شاه والياً عليها . فيما يخص هذه المعلومات فإن معظم المصادر الموثوقة تجمع على صحتها. وهكذا نقرأ على سبيل المثال في الموسوعة الإسلامية، ((.... في ذات التاريخ كتب إسم كردستان أو بلاد الأكراد في الكتب الرسمية لإدارة سندجار(1157) آخر كبار السلاجقة الذين حكموا هذه البلاد الكبيرة التي كانت عاصمتها بهاء الواقعة شمال غرب همدان)).

   تمتد المرحلة الثانية من بداية القرن السادس عشر حتى بداية القرن التاسع عشر(1806). بعد إنحسار الغزو المغولي عن آسيا الصغرى وماخلفه من إضعاف لإيران، نهضت عدة مجموعات تركمانية في آسيا الصغرى التي شكلت في نهاية القرن الثالث عشر الإمبراطورية العثمانية، التي ستصبح فيما بعد قوة عظمى.

  أثناء ذلك كانت الحركة الصفوية تبلغ أوج قوتها في إيران عامة وفي المناطق الكردية فيها بشكل خاص. سيطر الصفويون في الإمبراطورية الإيرانية على السلطة في بداية القرن السادس عشر وأسسوا دولة شيعية. كانت تلك هي بداية عهد الحروب بين الإمبراطوريتين الإيرانية والعثمانية، حيث كان العثمانيون يعتبرون أنفسهم الخلفاء الشرعيين للخلافة الإسلامية.

    جرى عملياً تقسيم كردستان بين القوتين العظميتين بعد أول أزمة بينهما، وهي حرب جالديران سنة(1514) بقيادة الملك الإيراني الصفوي شاب إسماعيل الأول والحاكم العثماني السلطان سليم الأول. بعد حروب طويلة بين القوتين المتخاصمتين جرت معظمها فوق الأرض الكردية، تم توقيع إتفاقية الحدود سنة(1639) والمسماة إتفاقية زاهاو بين السلطان العثماني مراد الرابع والشاه صافي الصفوي، وبموجبها جرى تقسيم المنطقة الكردية بصورة رسمية.

  المرحلة الثالثة بدأت مع إضطراب النظام الإقطاعي في الإمبراطورية العثمانية بداية القرن التاسع عشر وإستمرت حتى بداية القرن العشرين، أي حتى ثورة((الأتراك الشباب)). سادت هذه المرحلة الحركات الثورية الكردية والإنتفاضات المتفرقة التي قامت بها الإمارات والعشائر الكردية. في حين كانت الإضطرابات والإنتفاضات الكردية التي قامت في القرن الثامن عشر بشكل عفوي وغير منظم، فإن الثورات التي قامت بها الإمارات والعشائر الكردية ضد الحكومات المركزية سواء في الإمبراطورية العثمانية أو الإيرانية في بداية القرن التاسع عشر كانت منظمة. كأمثلة عن هذه الثورات, كانت ثورة إمارة بابان سنة(1806)، وثورة مير محمود سور الرواندوزي سنة(1830)، وثورة الأمير أمير بدرخان سنة(1839ــ 1847)، وثورة يزدان شير إبن أخ الأمير بدرخان سنة(1850ـ 1855)، وآخر أهم ثورة في القرن التاسع عشر كانت ثورة الشيخ عبيد الله شمدينان سنة(1879).

   المرحلة الرابعة تشمل بداية القرن العشرين حتى يومنا الحاضر. من الواضح أن الوقائع التاريخية التالية في هذه الحقبة الأخيرة قد منحت حياة الكرد ووعيهم السياسي وجهاً جديداً, مثل نجاح الشعوب الإيرانية في نضالها ضد الحكم المطلق بإنتصار الثورة الدستورية سنة(1906ـ 1911) في إيران، وسقوط الاسرة القاجارية نتيجة هذه الثورة وصعود الديكتاتورية الجديدة.

شرق كردستان، الموقع الجغرافي وتوزيع الشعوب:

   بعد تقسيم كردستان سنة(1639) بقي من أصل(000 410) كم2, المساحة الإجمالية للمنطقة التي يقطنها الكرد(124000)كم2 تقريباً تحت الإدارة الإيرانية. ووقع جزء تبلغ مساحته(28.000) كم2 بأيدي الإمبراطورية العثمانية. يقدر مجموع تعداد الكرد اليوم مابين(35ـ 40) مليون نسمة تقريباً. يعيش منهم(10.5) مليون تقريباً في إيران(مايشكل 17% من نسبة مجموع عدد سكان إيران).

    تتكون كردستان إيران من الولايات الأربع التالية: إيلام، كرمنشاه، كردستان وغرب أزربيجان، التي تطلق الجهات الحكومية الرسمية على ولاية سنندج فيها فقط إسم كردستان أو((بلاد الأكراد)). مناطق سكن الكرد في إيران منذ آلاف السنين هي في الجزء الغربي والجنوب الغربي من البلاد. حيث تمتد الحدود الإيرانية التركية في منطقة ماكو على إمتداد بحيرة أورمية إلى مياندوان وشاهيندج وتيكاب وبيدجار حتى كانجاوار وهارسين وميران ونفتيشاه وقصري شيرين وميروان وبيران شهر وشينويه، وبالعودة حتى حدود بازيرجان. يوجد في كردستان عدد قليل فقط من المدن الكبيرة. من المدن الكبرى اليوم مدينة كرمشاه التي يبلغ عدد سكانها حوالي(1.5) مليون نسمة ومدينة سنندج(000 600) نسمة.

     كما في العراق وسوريا تركيا، في إيران ايضاً تعيش أعداد كبيرة من الكرد في أجزاء أخرى من البلاد، بشكل خاص في طهران وضواحيها. وهكذا يعيش على الأراضي الكردية في كردستان إيران بين(7ـ8) مليون، وهذا يعني أن(2.5 حتى 3.5) مليون كردي إيراني إما لاجئ داخل البلاد أو يعيش في المنفى. جميع هذه الأرقام هي تقريبية, حيث لم تجر إحصاءات رسمية بهذا الخصوص.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية:

    منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية كان الهدف الأول والحقيقي للملالي هو ترسيخ الإسلام كسلطة سياسية. طوال فترة حياة الخميني ومواجهة الشعوب الإيرانية للحرب العراقية الإيرانية، فكان الملالي متفقون على نقطة((من معنا  هو صديقنا، ومن ينتقدنا هو كافر وعدولنا.))و وفق هذا الشعار يجب تدمير العدو. ولهذا السبب وبناء على أوامر الخميني سنة(1988) قبل موته بفترة وجيزة، وفيما بعد(1989) أيضاً، جرى إعدام آلاف المعارضين السياسيين رغم قضائهم فترات عقوباتهم. وجرت ملاحقة وإضطهاد الأقليات الدينية كالزردشتيين والمسيحين واليهود. حتى المسلمين السنة ذاتهم لم ينجوا من هذا الإضطهاد.

    الأقليات الدينية التي لايعترف الشرع الإسلامي بها تعرضت لأقصى أنواع الإضطهاد والملاحقة في حال إصرارهم على عقيدتهم مثل البهائية وأهل الحق(يارسان)، حيث أن أتباع هذا الدين هم من الكرد فقط.

    هذا التعصب المتطرف لدى الحكام أدى إلى بروز جناحين مختلفين بين الملالي. كان رأي المجموعة الإصلاحية وجوب السماح بوجود هذا الجزء من المواطنين(الأقليات والمعارضين)، أما المحافظين المتشددين فقد كان ولايزال رأيهم حتى الآن, أنه يجب ملاحقة الأقليات العرقية والدينية كما المعارضين السياسيين بكل السبل. بعد موت آية الله الخميني تفاقمت الأزمات الداخلية وأصبحت الأصوات المعارضة بين صفوف الشعوب الإيرانية أقوى. وهذا أدى إلى إنقسام الملالي إلى جناحين: المتعصبون اليمينيون الذين يصرون على سياسة القسوة، والجناح الذي عرف بإسم الإصلاحيين أتباع الخورداد الثاني. كان برنامج الجناح الإصلاحي هو الأقرب بالنسبة للأجيال الشابة، مما أدى إلى حصول مرشحهم الرئاسي سنة(1997) خاتمي على(20) مليون صوت في الإنتخابات، حيث  كانت هذه الملايين تأمل في أن يحقق وعوده الإنتخابية في تحقيق الديموقراطية والتحديث في إيران.

وضع الأقليات بعد إنتخاب خاتمي:

    بعد إنتخاب خاتمي للرئاسة وعد من ضمن وعوده الأخرى بالسماح بوجود قوى معارضة وآراء سياسية ودينية مختلفة، والأهم من هذا كله معاملة الجميع أمام القانون معاملة واحدة. كما وعد بتقديم تقارير شهرية أمام المواطنين, إضافة للشروع في مكافحة الفساد. لم يكن يود خاتمي إظهار الوجه الإيجابي للإسلام فقط، بل كان يهدف إلى تحرير البلاد من عزلتها أيضاً. وأيد التحديث وحرية الفرد الشخصية. نتيجة لذلك إنتخبته ثلاثة شرائح من الناخبين في الدرجة الأولى. وهذه الشرائح كانت الأجيال الشابة والأقليات القومية والدينية، حيث ساهمت في الإنتخاب الرئاسية بقوة مرتين.

     ولكن خاتمي لم يتمكن في التطبيق العملي أثناء دورته الرئاسية الأولى من الإنتصار على منافسيه المحافظين اليمينين، فإستمرت الإعدامات والرجم بالحجارة والتعذيب والقتل في عهده أيضاً. لائحة طويلة من الكتاب والصحفيين والسياسيين المعارضين جرت تصفيتهم بمنتهى القسوة من قبل عملاء جهاز الأمن الإيراني. ولم يتمكن في فترته الرئاسية الأولى من تحقيق أي تحسين لأوضاع حقوق الأقليات القومية والدينية. ولم يسمح لمشروعه أن يتحقق في سنوات رئاسته التالية أيضاً.

   إعادة إنتخاب خاتمي بمجموع من الأصوات بلغ(22)مليون ناخب لايمكن إرجاعه إلى النجاح الذي حققه في فترة رئاسته الأولى, قدر مايمكن عزوه إلى الحقيقية الواقعة في أن مرشح المحافظين اليمينيين المنافس في حال فوزه سيؤدي إلى ردة كاملة إلى الديكتاتورية الإسلامية.

  يمكن تلخيص مطالب الشرائح الإجتماعية المختلفة للمجتمع الإيراني في عناوين قليلة. الجيل الشاب يطالب بالحريات الشخصية والسياسية، على سبيل المثال الكف عن المداهمات الليلية من قبل الحرس الإسلامي(الباسداران على الحفلات والإجتماعات. والأقليات الدينية كانت تأمل بقدر أكبر من التسامح, والأقليات العرقية، الكرد بالدرجة الأولى بينهم، يطالبون بإدارة ثقافية وسياسية ذاتية, والتدريس باللغة الكردية في المدارس، والإعفاء من غطاء الراس الإجباري لنساءهم, إضافة إلى إحترام ومراعاة عاداتهم وتقاليدهم.

 حقوق الأقليات في ظل النظام الإسلامي:

    يجري الحديث بين الفنية والأخرى, حتى في الأوساط الصحفية القريبة من الحكومة, عن التقيصر في تطبيق حقوق الأقليات ـ بالذات فيما يخص الكرد. خلال الفترة مابين سنة(1981ـ 1993) بالكاد نال موظفون من أصل كردي أي منصب عال في كردستان. وبعد إنتخاب رفسنجاني فقط بالكاد بدأت الأجواء السياسية تسترخي قليلاً. وكان خاتمي قد إلتقى أثناء جولته الإنتخابية الترحيب في كردستان سنة(1997). ولكن رغم كل الآمال والوعود التي قطعها لم يحصل أي مسلم سني على وظيفة حكومية عالية المستوى في كل الولاية.

     خلال الفترة الرئاسية الأولى لخاتمي(22 آيار 1997 ـ 2001) كان يتوجب  أقله تعيين أكثر من (65) موظفاً كردياً في مناصب عليا، (20) شخصاُ منهم حمله درجة دكتوراه و(20) حملة دبلوم, والبقية حملة شهادة جامعية بإختصاصات مختلفة. هؤلاء الموظفون الكرد الخمسة والستون, أو المقيمون في كردستان، والموظفون في الولاية تم إختيارهم من بين الكرد وغير الكرد الشيعة الموالين للنظام. وفي حال أقدم أي من هؤلاء الموظفون على تأييد المصالح الكردية مرة واحدة فقط, تم في الحال تسريحه من منصبه بحجة من الحجج عاجلاً أم آجلاً.

   وهكذا فقد إنسحب ستة نواب كرد من البرلمان إعتراضاً على رفض الحكومة إقتراحاً تقدموا به من أجل تعيين محافظاً كردياً لواحدة من الولايات الكردية الاربعة. هذا الإنسحاب كان يتعلق أيضاً بالوضع الإقتصادي المتدهور ومجمل الأوضاع الثقافية ولإجتماعية المتردية في كردستان. إذ أن العطالة عن العمل في كردستان وبشكل خاص بين الجيل الشاب أصبحت عالية جداً. وإنعدام الآفاق المستقبلية سببت موجة جديدة من الهجرة الى خارج البلاد. كما أن نسبة الإدمان على المخدرات إرتفعت في الآونة الأخيرة.

   رغم أن المنطقة الكردية بأمس الحاجة للحصول على الدعم, إلا أن الحكومة في طهران كسابقتها لاتبدي أي إهتمام في الإستثمار في كردستان كي تخلق فرص عمل جديدة. وعوضاً عن ذلك, تنتعش تجارة المخدرات في كردستان.

   ماعدا كل ذلك، يوجد تقصير صارخ عجز على المستوى الثقافي أيضاً: صحيح أن القانون لايحظر اللغة والتقاليد والعادات الكردية, كما توجد أيضا عدد من الصحف والمجلات باللغة الكردية وعدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية الدورية باللغة الكردية, إلا أنه لاتوجد دروس باللغة الكردية سوى كإختصاص في الجامعات، ولاتدرس اللغة الكردية في المدارس كلغة إختصاص، ولا توجد حتى مدارس في المناطق الكردية. إمكانية تعلم اللغة الكردية محدودة جداً في الواقع العملي . بات النظام في الفترة الأخيرة يحرص على إظهار نوعاً من التساهل إزاء الكرد الإيرانيين. وبعد سقوط النظام السابق في العراق وتهديدات الولايات المتحدة الأمريكية ,علت نغمة جديدة: "نحن نجد حلاً إيرانياً خاصاً بنا من دون ثورة وعنف".

  ولهذا السبب أصبحت المدارس الخاصة التي تدرس اللغة الكردية فجأة مسموحة بشكل رسمي. كما حصل النواب الكرد في البرلمان الإيراني على شيء شبيه  بوضعية "الكتلة". ربما كان هذا نوعاً من الإعتراف بحقيقة وجودهم، إلا أن الكرد ينظرون إلى هذا النوع من الإعتراف بعين الشك. لأنه قد أتى نتيجة ضغوطات خارجية، وهو لايشكل أكثر من قطرات على صفيح ساخن.

    صحيح أن الطلب على الدروس الخصوصية كبيرا،إلا أن المواطنون الكرد ذوي الدخل المتوسط  لايستطيعون تحمل الأعباء المادية المترتبة على تعليم أطفالهم في المدارس الخاصة. الاحترام الحقيقي لحقوق الكرد الثقافية يتطلب تقرير اللغة الكردية كلغة مدرسية في المناطق الكردية.

 

 

 

 

 

 

 

 حول أوضاع الكرديات في شرق كردستان (إيران)

 

بافانه قريشي

 

"أنا حمامة أشلاء وأشلاء ممزقة

جزء مني يتوق للحماية

 أجزائي الأخرى تحن إلى الإستقلال

 مسؤلية الحرية تخيفني

 أبي، أمي ماذا فعلتم بي

 أنتم أحببتم أنفسكم وسمعتكم أكثر مني

 في تابوت شرفكم حبستوموني

 جثة بلا حياة وفاضلة لم تمس

 وخرساء على المراة أن تكون."

                                                          شعر من جينو (2001)

 

 

           لقد تمكنت الشعوب الإيرانية سنة (1979) من إسقاط نظام الشاه, و لعبت النساء دورأ مهماً في هذا التطور التاريخي. ولكن بعد مرور أقل من سنة على نهاية الديكتاتورية  بدأت تترسخ حكومة أصولية  متعصبة حولت كل إيران إلى مايشبه السجن. فأرغمت النساء على إرتداء الحجاب, وأقصيت المراة عن الكثير من المهن، وأعيد السماح بتعدد الزوجات.

          وكانت خيبة الأمل على الجانب الكردي أيضاً كبيرة: فالكرد الذين أملوا بعد سقوط نظام الشاه بالحصول في ظل النظام الجديد على الإستقلال الذاتي، جرى قمعهم بكل قوة، وقتل الالآف منهم أوتم زجهم في السجون أو أجبروا على التشرد.

 

الدين الإسلامي وموضع النساء في المجتمع:

                تجدر الإشارة بداية إلى أن وضع المرأة في مرتبة أدنئ قد بدأ في بداية تاريخ الإنسانية ولم يبدأ مع الإسلام، بل لدى أديان قديمة كثيرة، مثل الزرد شتية والهندوسية والبوذية واليهودية والشينتوية

 والكونفوشيوسية والمسيحية، التي كانت دائما ولاتزال تمارس الإزلال مع المرأة. والشعب الكردي في شرق كردستان ينتمي اليوم تقليدياً إلى الديانة الإسلامية,حيث أن تعاليم الإسلام هي جزء أساسي من الثقافة الكردية كما الفارسية.

          رغم الإدعاء بأن النبى محمد كان يريد في زمنه تحرير المرأة بشكل عام من سيطرة الرجل، إلا أن القوى الإجتماعية المسيطرة إستخدمت تفسيرات تعاليمه في التقليل من قيمة المرأة أمام الرجل في جميع النوحي.

         لقد فضّل الله أحد الجنسين على الآخر فيما يخص القدرات العقلية وإبداء المشورة الحسنة، والمقدرة على القيام بالواجبات الدينية وتنفيذ أوامر الله. وكنتيجة لذلك أصبحت النبوة والقيادة الدنيية والقداسة وطقوس الحج والشهادة أمام المحاكم و واجب الجهاد في الحرب وعبادة الله في المساجد وأماكن الإجتماعات, حكراً على الرجال. وهم يملكون أيضا,  والحال هكذا  الإمتياز في إنتخاب القائد، كما لديهم الصلاحية بالتصرف على هواهم في شأن الطلاق.

          تستعرض فاطمة ميرنيسي بهذا السياق ((العلاقة بين الجسد والعقل من وجهة نظر إسلامية))، إن الحضارة الإسلامية تتحكم فيها العقلانية، الرقابة والسيطرة: (( إن هيولى عقلانيا لايمكنه برهنة وجود إله. والحال هكذا سيكون صحيحاً عندما تراقب عقلانية حواء وشعورها. كما نعلم نحن جميعاً تتوزى العقلانية مع كينونة الرجل والشعور مع كينونة المرأة. تنشأ من هذا إشكاليات عديدة: على سبيل المثال، هل للتحجب علاقة بهذا الأمر. المجتمع الأبوي يفرض العقل عليه مراقبة حواء، والرجال عليهم مراقبة النساء.

 

علاقة الرجل والمرأة في إيران القرن العشرين:

              أطاح الشاه رضا في بداية عشرينيات القرن لماضي بالإسرة القارجارية ((التقليدية)) وإستلم زمام السلطة مكانها. فأزاح سنة (1925) التيارات الديمقراطية والإشتركية والشيوعية. كان أحد أهدافه ترسيخ نظام إجتماعي رأسمالي. تطلب ذلك منه رفع العزل الجامد للنساء عن "الحياة العامة" وتشجيع إختلاطاً أقوى للجنسين في العائلة والحياة العامة. كان العزل بين الجنسين في إيران في العشرينات ليس مقتصرًا فقط على الحيز العام، بل بدأ في المنزل أيضاً. حيث كان لدى الأسر الموسورة عزل ضارم للمكان، فكان لديهم قسم للرجال يسمى "جناح الرجال" مشرفا على الشارع ويدعى "بيروني"، وقسم آخر بعيد عن الشارع هو "جناح النساء" ويدعى "إند يروني".

             ترسخ العزل وفق مبدأ الـ "بيروني" والـ "إنديروني" في الشارع أيضاً, ((كانت إحدى ضفتي الشارع مخصصة للنساء، والضفة الأخرى مخصصة للرجال))، كي لايقترب الجنسان من بعضهما  في الحياة العامة. كانت الشرطة حتى نهاية العشرينات تسهر أيضاً على ألا تدخل أية إمرأة في الحياة العامة, أيّ حيز للرجال, بدون أن تراعي القيود التي تحدد غطاء الجسد والوجه.

             منذ سنة (1928) فقط تم السماح للنساء في إيران بالظهور في الشارع من دون حجاب،  فقط عندما يحملن الموافقة على ذلك من قبل أولياء أمورهن (الأب، الزوج).

           روت سنة (1934) شاهدة بريطانية أن عدد كبير من النساء في شوارع طهران كن يفضلن التحدث فيما بينهن باللغات الأجنبية، كي لايتم التعرف عليهن بأنهن ((مسلمات إيرانيات)) , الأمر الذي يعرضهن  لنقمة الشعب. بشكل شبيه لما حصل في تركيا (في عهد أتاتورك) حيث تم نزع حجاب النساء قسراً، ونفذ قانون الحجاب بنفس الطريقة الإجبارية من قبل سلطة الدولة، حيث تم في إيران بموجب أمر أعلى وبشكل فجائي فرض نزع الحجاب على النساء الإيرانيات. لقد مورس نزع الحجاب عن رؤدس النساء قسراً في الشارع. فأجبرت هذه الإجراء ات عائلات متدينة كثيرة على الهجرة إلى جنوب العراق. لقد تعمق الحجاب في نفوس كثير من النساء, بحيث بتن من دون الحجاب يشعرن بنفوسهن عاريات.

            طبقت هذه القوانين الجديدة على النساء في شرق كردستان (كردستان إيران) بطريقة قسرية أيضا . ولكن الكرديات اللواتي من أجيال الجدات والإمهات إحتفظن بالشادور مع الفرق بأنهن لم يعدن يلبسن الحجاب الأسود, إذ كان حجابهن يتكون من قماش فاتح اللون ومطرز. كانت النساء ترتدي الحجاب الأسود في التعازي فقط وفي حالات الحزن على الأموات. أجبر نظام الملالي النساء الكرديات على إرتداء الحجاب الأسود دائماً.

            وتتجنب بعض العائلات الكردية إرسال بناتها إلى المدارس, خشية أن تصبحن وقحات, الأمر الذي  يعرض سمعة العائلة للمخاطر. غالبا ما يتناقل المرء قصصاً كثيرة عن مدارس الفتيات في كردستان، على سبيل المثال أن الفتيات هناك يرمين بأجنة الأطفال الحرام المولودين باكراً في مرافق المدرسة الصحية، وإلى ماهنالك من حكايا مشابهة.

 

 أوجه المجتمع الكردي في شرق كردستان:

 

             تركيبة المجتمع الكردي قائمة وفق البنية النموذجية للمجتمع الأبوي، حيث تضع النساء في مكانة محددة تخضع فيها للعديد من القيود. يمنح هذا المجتمع الأبوي الرجل  قيمة اكبر مما تمنح المرأة من قيمة. طريقة التفكير هذه تأقلمت مع قوانين الإسلام وقواعده, وإتحدت وإستمرت معها. الرؤية الإسلامية للجنس الأنثوي تملى  التمييز بين الجنسين والحراسة والرقابة فيما يخص العلاقة بينهما. رغم

إدعاء الكثيرون بأن تحجيب المرأة لم يرد ذكره بشكل واضح في القرآن, إلا أن الحقيقة الواقعة هي أن هذا  قد تم تطبيقه, ولايزال يطبق في ظل الإسلام. كما أن محاولات إلغاء الحجاب في البلدان الإسلامية واجهت من الرجال مقاومة فظيعة، حيث يرون في هذا إنهيار لقيمهم التقليدية.

             يتعامل المجتمع الكردي مع بلوغ الفتيات سن النضوج غالباً كإستعداد من أجل دور إجتماعي وليس كمرحلة تطور جسدي إيجابي. و كينونة المرأة في المجتمع الإسلامي تعني, البكارة والأمومة وإدارة الشؤون المنزلية, إلى جانب العفة والأخلاف الحميدة. أما إكتشاف التحولات الجسدية لدى الفتيات, فهو يعتبر خطر محدق وليس تحولاً إيجابياً، ولايتم التعامل معه بالترابط مع الجنس, وإنما يضرب الحصار حوله, ونتيجة ذلك هي زيادة الحجاب قوة في العقول. جرت العادة غالباً أن  يكون موضوع الجنس, فيما يخص الفتيات تابو بالنسبة للمجتمعات والثقافة الإسلامية، الأمر الذي يؤدي  إلى عدم تمكن الفتيات من تطوير مشاعرهن الجنسية، بل يمنعن من وعي حقيقة حاجاتهن الجنسية. وبما أن البكارة تمثل شرف العائلة، وخسارتها, فهي تعود على الفتاة بنتائج ثقيلة (قتلها من قبل أحد أقاربها الرجال مثلاً)، لذا والحال هكذا يتوجب على الفتاة أن تكون حريصة كي لايتعرض هذا ((الرأسمال)) إلى الأذية.

            المخرج الوحيد من سجن العائلة هو الزواج. ونتيجة لذلك, تكًون الفتيات موقفاً سلبياً من الجنس، إذ كي تحمي الفتاة بكارتها تضطر  لتنفي وتضغط على جميع مشاعرها الجنسية، الأمر الذي يتسبب بنتائج شديدة الوطاةُ على صتحها النفسية. المرأة المثالية بالنسبة للمجتمع, هي التي لاتملك أية مشاعر جنسية، ولكن بنفس الوقت يحّمل المجتمع المرأة من ناحية أخرى مسؤولية ((إغواء)) الرجال.

            تقوم العائلة في المجتمع الإسلامي، وخاصة المجتمع الكردي، بدور حاسم في حراسة المشاعر الجنسية لدى الفتيات الصغيرات في مرحلة النضوج. المرأة الكردية تمثل شرف العائلة، والشرف مكانته عالية جداً. حيث لايحظى الرجل عديم الشرف بالإحترام في مجتمع ((الرجال الشرفاء)) كما يتم تجنيه.

            يكفي إتهام عضواً أنثوياً من أعضاء العائلة بتصرف شاذ لتدمير سمعت رجل بالكامل. وإعادة الإعتبار للشرف أمر مرتبط أغلب الأحيان بإستخدام العنف. وبما أن المكانة الأخلاقية للعائلة تقاس بسلوك المرأة، لهذا السبب ينزل العقاب الصارم بكل سلوك شاذ للمرأة . تتحمل عادة الإمهات مسؤولية محافظة الفتيات الشابات على القواعد الأخلاقية، لذلك تمارس عليهن المراقبة الصارمة. والنتيجة هي أن القيود والتضييقات تعيق الكرديات في تفتح طاقاتهن ونمو شخصياتهن.

 

مثال توبا: 

            كانت توبا فتاة في السابعة عشرة من العمر, وتلميذة موهوبة على أعتاب التخرج من المدرسة، عندما جاء الملالي إلى السلطة في إيران. خرجت توبا إلى الشارع، وتظاهرت كالعديدات من الكرديات، ضد الشاه لأن نظامه الديكتاتوري كان مسؤول عن قتل خالها. وكانت أمها تبكي كل يوم وتلعن الشاه وكل سلالته. كان لتوبا ثلاثة أشقاء وأخت متزوجة تكبرها .

            بعد إستلام السلطة بفترة وجيزة نسي الملالي وعودهم، بمنح الكرد حرية أكثر والإقرار بحقهم في الإدارة الذاتية . ولكن بدلا عن ذلك تمت محاربة الكرد بوصفهم أعداء للثورة. وكان أشقاء توبا من  الناشطين في صفوف أحد الأحزاب اليسارية في ذلك الحين.

           إضطررت المجموعات المسلحة على الإنسحاب من المدن واللجوء إلى الجبال من أجل محاربة الحكومة إنطلاقاً من هناك. النساء والفتيات أيضاً ذهبن معهم من أجل المحاربة في صفوف المجموعات المسلحة. لم يكن جميع الرجال موافقون على ذلك وكان بودهم إرجاع النساء والفتيات إلى منازلهن، ولكنهن رفضن الإنصياع وأصررن على البقاء. كانت معارضة الرفاق بسبب خوفهم من الشائعات الكثيرة التي سيتسبب بها وجود النساء معهم في الكفاح المسلح. لحقت نساء كثيرات بإخوتهن أو بأزواجهن. النساء لم يكنّ من دون رجال بالكامل، وعدا ذلك, لقد تزوجت العديدات منهن أثناء النضال برفاقهن من الرجال.

            رفضت توبا طلبات الزواج من رفاقها, حيث كانت تريد أن تبقى في النضال من دون حامياً لها. فتعرضت من قبل أهلها، ومن أمها بشكل خاص، للضغط من أجل العودة إلى المنزل. وعندما إشتدت عليها الضغوضات, إضطرت إلى الرضوخ في النهاية, وعادت إلى مدينة ((م)).

           كانت أمها قد تكلمت مع السطات بشأن عودتها، وقد حصلت على وعد منهم, بعدم إعتقال الفتاة إذا تعهدت بالتخلي عن حزبها. وهكذا جلبتها إسرتها من الجبال، ولكنها لم تكد تصل إلى المدينة حتى قامت السلطات بإعتقالها وأنزلت بها الحكم بالسجن أثنتي عشرة سنة. وقد تم إخلاء سبيلها بعد ست سنوات قضتها في السجن. بعد إطلاق سراحها بفترة وجيزة, عثرت لها أمها على رجل،  فكان يتوجب عليها أن تتزوجه.

           كانت أمها لاترغب ببقائها عزباء , لأنها كانت تخشى أن إبنتها، بعد كل ماحصل معها، لن تود البقائها معها في المنزل. دافعت توبا عن نفسها ورفضت الرجل الجاهز للزواج، والذي بملك مالاً كثيراً لكن تنقصه الثقافة. بذلت جهوداً كبيرة من أجل إقناعها, وألحت الأم حتى حصلت على موافقتها. وتزوجت بعد ذلك توبا وإنتقلت للعيش مع أسرة زوجها.  حملت توبا بعد زواجها و ولدت صبياً.

           كان زوجها من الناحية العاطفية ضعيفاً و شخصيته أمام أمه ضعيفة, حيث كان يخضع لسيطرة أمه دائماَ مثل طفل صغير. فكان يحمّل توبا مسؤولية كل ماهو ليس على مايرام في المنزل. وكان يضربها ويذلها ويهينها، ويعيّرها بأنها فسدت في الجبال وفي السجن, ويدعي بأنها أصبحت إمرأة بلا شرف.  حملت توبا مرة أخرى وأنجبت صبياً ثانياً. إلا أن زوجها تزوج  إمرأة أخرى, ولم يعد يتردد إلى البيت عملياً إلا فيما ندر.

           أصبحت توبا تعاني المرض بإستمرار، وتحس بعدم الراحة وتبكي كثيراً, وسيطرة آلام الرأس عليها، ولم يعد بإمكانها القيام بواجباتها المنزلية والعناية بأطفالها. بلاسند أو حماية صبت توبا في أحد الأيام البنزين على نفسها, وفارقت نتيجة ذلك الحياة بعد فترة وحيزة متأثرة بالحروق البليغة التي أصيبت .

           هل كان أمام توبا طريقاَ آخر غير الإقدام على الإنتحار، ومن المسؤول عن موتها وموت العديدات من النساء في شرق  كردستان؟ ولماذا نسبة الإنتحار لدى النساء هناك مرتفعة إلى هذا الحد؟ 

           عانت توبا من نتائج ضغط صدمات نفسية لاحقة, التي تعود أسبابها إلى إعتقالها وإلى التعذيب الذي مورس بحقها أثناءه . ولكن بدلاً من تلقي العلاج النفسي الذي كانت تستدعيه حالتها تم تزويجها، الأمر الذي زاد حالتها سوءاً, وسبب لها المعاناة من صدمة نفسية جديدة. من المؤكد أن توبا كانت إمرأة شابة ذكية تريد إكتشاف العالم عن طريق إكتشافها لذاتها. لقد رفضت الزواج المبكرو أظهرت ثقتها بنفسها واستقلاليتها، ولكنها إصطدمت ببيئتها المحيطة، التي تملك تصوراً مختلفاً عن الأنوثة، الذي يتوجب على المرأة وفقه أن تكون سلبية ومطيعة ومرتبطة بالرجل. والأحزب اليسارية لاتقدم أيضاً بديلاً عن رؤية المرأة أكثر من تابع  للرجل.

            يرضى المجتمع الكردي بالضمور العقلي للمرأة الناتج عن تربيته الجامدة وذات التوجه نحو الإخضاع، من أجل أن يخلق الأنثى المثالية, التي تلبي صورته المثالية عنها.

            لم يّبدل نظام الملالي ملابس الكرديات بالعباءة السوداء ويرغمهن على الحجاب فقط، بل إضطهدهن وحطم أعماقهن. الجروح النفسية الناتجة عن الغضب والعجز تتسبب  بالكآبة والبرودة لدى النساء, والتي تنتج عنها غالباً تصرفات مضرة بالذات. إعاقة تطور حياة جنسية مستقلة بذاتها, تشكل الأساس الذي يحول دون أن تتعلم المرأة التعبير عن, وصياغة حاجات وآمال ذاتها. ولن تتعلم أن تتحمل مسؤلية ذاتها وأن تتصرف ككائن مستقل، وسوف تظل تابعة ومسلوبة من القرار, طالما بقيت على هذه الحالة.

 

هل تستطيع الحركة الوطنية حل مسألة المرأة؟:

             رغم وعود كلا المنظمتين الكرديتين الكبرتين (الحزب الديمقراطيى في كردستان إيران ومنظمة الشغيلة في كردستان إيران، كومالة) على الورق, بسياسة مختلفة فيما يخص النساء، إلا أن التطبيق يظل بعيد عن  تحقيق هذه الوعود. حقيقة أن القيادة في الحزبين هي من الرجال فقط، والنساء هن أقرب منهن إلى قطع الحلي عندما يصلن إلى مناصب أعلى، تظهر مدى جدية حل مسألة المرأة. من جهة أخرى النساء أيضاً, بسبب الأسباب الآنفة الذكر, هن أقرب إلى الزينة منهن إلى عناصر مؤثرة وفعالة في تشكيل سياسة الحزب.

            يشكل العائق الرئيس بالنسبة للنساء في طريقهن إلى النضوج الفكري أيضا, تصورهن الجامد عن دور النساء، الذي يلقى الدعم من بيئتهن المحيطة، فهي تشترط مساهمة من يقبل الرضوخ لها، ومساهمة     من يمارسها.                                                                                                                          

              في كتابها "قيود الحب: تحليل نفسي، الأنثوية ومشاكل السلطة"  تسوق الكاتبة جيسيكا بنيامين لتفسير السلطة إستعراض دويستويفسكي الكلاسيكي للإستبداد في روايته "المفتش الكبير".  إذ تستعرض هذه الرواية بصورة عبقرية الطاقات النفسية للسلطة:

                ((يعود المسيح إلى إسبانيا أثتاء فترة " محاكم التفتيش" (إحراق الساحرات) ويواجه المفتش (ممثل الكنيسة الذي يلاحق الساحرات) بتهمة أن تعالميه (أي المسيح) تم تزويرها من قبل الكنيسة, ويطرح عليه السؤال: لماذا أصبح الفصل الحر للحب مجرد "تطبيق للخنوع"؟ فيجيب المفتش: إن البشر لايريدون الحرية والحقيقة، اللتان تتسببات فقط بالمعاناة والحاجة، إن البشر يريدون المعجزات والغموض والإستبداد، ويفضلون المعاناة التي تترافق مع التبعية على المعاناة المترافقة مع الحرية. )) يتبع العصيان للأسف دائماً الإحساس بالذنب والرغبة في إستعادة الإستبداد. كما لاحظ هربرت ماركوز، أن الأمل في إلغاء السلطة لدى كل ثورة يتم دفنه من خلال إنشاء إستبداية جديدة، كل ثورة كانت بالوقت ذاته ((ثورة مخدوعة)). "ماركوز، الرغبة والمدينة".

            توصف المرأة في التصور المطبوع في الدين والثقافة عن النساء، بأنها أقل موهبة عقلانية، وبأنها كائن غريزي، وبأنها مضطرة للقيادة من قبل الرجل من أجل أن تكون حامية للعادات, ومن أجل رقي الأخلاق (ناوسيكا شيريلا: المرأة هي كل شيء عدا العقلانية).

           بنيات الأنوثة الوارد ذكرها أعلاه تعلن عن المخاوف وعدم الثقة البالغة العمق لدى الرجل وتوضح رغبة إستقلال الرجل عن المرأة الذي لم يحققه أبدأً.

           برأي الفيلسوفة الأمريكية مارتا. س. نوزباوم, أن الفكرة المركزية للكائن البشري هي: أن الكائن الحر الكامل الكرامة يبدو بإمكانه، بإمكانها إنتزاع حياته، حياتها بطاقته، طاقتهاالذاتية أكثير من ذلك الكائن, الذي تفرض مسبقاً عليه وهو ساكن بالحقيقة مقولة، أنه يوجد في العالم نوع من ((قطيع)) أو ((سرب)) يساق سوقاً. هذه المقولة تجعل من كل شخص حاملآ لقيمة متفردة. من الخطأ جعل حاجات عدد من الأفراد خاضعة لحاجات عدد من الأفراد الآخرين.

 

 

 

 

 

 

الحركة النسائية الكردية في تركيا

 ناجية عاشق

 

              نشأت الحركة القومية الكردية في تركيا في نهاية الخمسينيات من القرن العشرين. وكانت تتكون من مجموعات من المثقفين الرجال، وتطورت في بداية الثمانينيات إلى حركة جماهيرية واسعة. أما النساء الكرديات فلم يظهرن على الساحة السياسية العامة إلامع إنقلاب سنة (1980).

            نشطت النساء كأمهات وزوجات وأخوات, من أجل أقاربهن المعتقلين, وذلك من دون إمتلاك الوعي بتشكيل حركة نسائية. فقط بعد عشر سنوات، عندما بلغت الحركة القومية الكردية ذروتها في قيام إنتفاضة (1990ـ 1993)، ظهرت النساء كناشطات سياسيات وإنتظمن بقوة ضمن إطار المنظمات والأحزاب التي يسود فيها الرجال.

             قصة طرح قضية المساواة بين الجنسين ليست قديمة كقصة الحركة القومية الكردية، فهي قد طرحت بهذه القوة مند التسعينيات من القرن الماضي ضمن إطار الحركة القومية الكردية. إذ أن النوادي النسائية الكردية والمؤسسات والبيوت والمجلات النسائية نشأت تقريباً بعد عقدين من الزمن من تأسيس النوادي والأحزاب والمنظمات ودور النشر والمجلات الكردية. الشعار الدارج في أوساط القوميين، تحرير الوطن يأتي قبل تحرير المرأة، ييثر الإنطباع وكأن القوميون قد شغلوا أنفسهم بقضية المساواة الجنسين منذ تأسيس أحزابهم وإصدارهم لمجلاتهم.

            ولكن في الواقع على سبيل المثال, أن حزب عمال كردستان (PPK) أصدر بداية سنة (1992) كتابه الأول ((خطابات أوجلان حول النساء)). بالمقابل أصدر ((الحزب الإشتراكي ـ كردستان)) المشهور بشكل خاص في أوربا،  في بداية التسعينيات مقالات منفردة في مجلة "دنك" . ولكن أولاً سنة (1996) أصدر رئيسه كمال بوركاي منشوراً (كتيباً) حول النساء، تحدث فيه عن موقفه من آفاق التحرير بالنسبة للنساء, وذلك بعد عشرين سنة من صياغته "لآفاق تحرير" كردستان. لايوجد أيضاً لدى أول حزب مصرح له مؤيد للكرد ((الحزب الديمقراطي)) (DEP) برنامج للنساء< ولا الحزب الذي خلفه ((حزب عمال الشعب)) (HEP) يمتلك برنامج للنساء، رغم أن ليلى زانا ترشحت بإسمه، وإنتخبت أيضاً كأول نائبة كردية في البرلمان.

             إكتسبت قضية المرأة الأهمية من خلال المشاركة القوية للنساء في الكفاح المسلح, وفي الأنشطة السياسية للمقاومة, وفي المظاهرات من ناحية، ومن خلال مشاركة النساء في المناقشات والندوات التي قامت بتنظيمها مجموعات كردية مستقلة حزبياً، في ديار بكر وإستنبول في التسعينيات خاصة، من ناحية أخرى. أدت الحاجة لمساهمة النساء الكرديات في النضال الوطني إلى التركيز في النقاشات حول قضية المرأة. لم تستطع الأحزاب والمنظمات الكردية تجاهل الحق، الذي أعطتهن إياه  مشاركتهن في النضال، ولا البقاء مطمئنات إزاء النقاشات والندوات التي تديرها المنظمات النسائية المستقلة.

 

النادي النسائي الكردي الأول: "DDKAD"

              تأسست في تركيا أول منظمة نسائية كردية في دياربكر سنة (1978) بإسم ((النادي النسائي الديمقراطي الثوري)) (DDKAD). وكانت المبادرة من النساء اللواتي كانت غالبيتهن طالبات ناشطات في "النادي الثقافي الديمقراطي الثوري". إقتصرت لقاءاتهن  بداية في البيوت والآماكن الخاصة، حيث دارت النقاشات حول وضع النساء في المجتمع عامة, وكيف يجب أن تكون طبيعة النضال حينها. قررت النساء فيما بعد تأسيس نادي خاص بهن كي يكسبن دائرة أكبر من النساء ويتمكنّ من تنظيمهنّ. ويعود السبب إلى أن زوار النادي الثقافي كانوا معظمهم من الرجال، بحيث أن النساء الناشطات لم يكن يجدن المكان العام الملائم لتنظيم النساء. تمكنت النساء خلال سنة ونصف إنشاء ناديهن النسائي في دياربكر من إفتتاح عدد من الفروع في المحافظات الأخرى. معظم النساء أتينّ عن طريق أقاربهن الرجال الأعضاء في النادي الثقافي ثم أصبحن ناشطات في النادي النسائي.  فتم تقديم دورات محو الأمية باللغة التركية ودورات أعمال يدوية ضمن إطار هذا النادي. 

             كما وقد نظم هذا النادي النسائي، بشكل مستقل عن النادي الثقافي جزئياً، إجتماعات جماهيرية مستقلة ورحلات في العطلات، كما إستطاع تنظيم دورات تعليمية وندوات نقاش دورية. بعد الإنقلاب العسكري (1980) تم منع كلأ من الناديين. حسب رأي السكرتيرة العامة للنادي النسائي سيفين إشكانلي، لقد ساهم النادي رغم فترة وجوده القصيرة وإمكانياته المتواضعة، بتشكيل الوعي السياسي لدى نساء كثيرات.

             نشطت النساء في السبعينيات من القرن الماضي أيضاً في صفوف الأحزاب والمنظمات الكردية. وكان لدى بعضهن داخل منظماتهن مجموعاتهن النسائية الخاصة بهن. إلا أنه كما أفادت الناشطة السياسية في ذلك الحين خديجة بشار ذاتها، لم تكن للمجموعات النسائية تلك خطها السياسي الخاص بها، وإنما كانت توجه من قبل مركز الحزب الذكوري. كانت وظيفة هذه المجموعات النسائية في الواقع مقتصرة على كسب عدد أكبر من النساء من أجل نضالهن السياسي وتنظيمهن. وضع المرأة السياسي في هذه المنظمات اليسارية يعبر بشكل بعيد عن الجو السياسي الذي كان يسود في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

             وكانت مشكلة المرأة تعتبر أغلب الأحيان  نتيجة للسياسة الرأسمالية وبسبب الملكية الخاصة، والتي يمكن الإنتصار عليها من خلال الصراع الطبقي المشترك الذي ينهض به كلا الجنسين.

             حمل الإنقلاب العسكري الغاشم بتاريخ (12 إيلول 1980)  بداية نهاية عصر سياسى. تم حل  جميع أنواع الإتحادات والجمعيات السياسية, وتم إعتقال الآلاف من الناشطين السياسيين. ولكن بالنسبة للكثيرات من النساء وضعهم هذا أمام مرحلة سياسية جديدة, ودفعهم إلى  أبواب السجون. إذ شرعت قريبات المعقلين الرجال بتنظم المظاهرات من أجل دعم المعتقلين وتحسين ظروف إعتقالهم. إكتسبت النساء بذلك، ومعظمهن نساء شابات وأمهات مسنات، صورة علينة في وسائل الإعلام. و تابعت النساء تطوير هذه الصورة من خلال المشاركة في نشاطات مختافة في مسيرة الحركة الوطنية الكردية، مثل نشاطات إمهات المعتقلين وسبت الأمهات (1995ـ 1999) ومبادرة الإمهات للسلام.

             لاتوجد مواد كثيرة عن المجموعات النسائية هذه في الستينيات والسبعينيات، كما أن كمية المعلومات عن أفكارها ونقاشاتها أقل. كانت "هانده" واحدة من النساء  القليلات اللواتي حاولن توثيق هذه الفترة من خلال إجراءها مقابلات مع شاهدات تلك المرحلة. ولكن يبقى هناك الكثير مما يجب بحثه ودراسته والتالي توثيقه.

             بالكاد توجد تقاير مكتوبة أو مقالات عن المعتقلات السياسيات في السجن العسكري سيء الصيت في دياربكر، اللواتي إعتقلن بعد الإنقلاب العسكري مباشرة. لقد تعرضت الوحدات النسائية هناك لابشع أنواع التعذيب, وهذا بنفس القدر كبقية المعتقلين السياسيين الرجال، كما قاومت المعتقلات  ايضاً مقاومة هائلة في السجون. الأكثر بطولة مما كان يحكى عن الوحدات النسائية, أنه لم تقبل أية واحدة من النساء المعتقلات التعاون مع الدولة أو الشهادة ضد الناشطين / الناشطات السياسيات الأخريات. كما أن المعلومات قليلة أيضاً عن التعذيب الجنسي والإغتصابات التي تعرضت النساء المعتقلات لها. يحكى أن بعض النساء أنجبن من جلاديهن أطفالاًُ وقمن بتربيتهم في الوحدات النسائية بشكل مشترك مع زميلاتهن في المعتقل

 

نشوء المنظمات النسائية. المستقلة في دياربكر وإستنبول:

              إلتقت في حزيران (1990) نساء كرديات من إتجاهات سياسية مختلفة في إستنبول, وإفتتحن ندوة حول ((تنظيم النساء المستقلات)) (BKKG). وبحثت العضوات المشاركات علاقتهن بالأحزاب الكردية وبالحركة النسائية التركية، حيث أن جزء منهن يتحدرن  منها. و أكدن على ضرورة التحدث باللغة الكردية، وصدرت مشوراتهن- وكما دارت النقاشات أيضاً بلغتين. بعد نهاية ثلاث سنوات من النقاشات والمجادلات خرجت المجموعة بثلاث مبادئ، التي أعلن فيما بعد عنها في نشرات مجموعات النساء المستقلات والمجلات. كانت مبادئهم الثلاثة هي: الإستقلال عن الأحزاب والمنظمات الكردية، الإستقلال عن الحركة النسائية التركية, والإستقلال عن الرجال. عاشت هذه المنظمة النسائية الكردية مرحلة مكثفة مابين (1990 حتى 1993). أثناء فترة إنعقاد إجتماعاتها خصصت المجلات الكردية التي يسيطر الرجال عليها مجالاً أكبر لموضوع المرأة. كانت فترة من الزمن كتب الرجال فيها أيضاً عن المرأة وقضية المرأة أكثر. يبدو أنه بعد مرحلة ثلاث سنوات من الهدوء بدأت ثمار هذه الندوة تنضج.

              ونتيجة إغتصاب شكران آيدن من قبل أحد حراس القرى (المتعاونين مع الحكومة) إجتمعت النساء مرة أخرى ونظمن النشاطات مدة إسبوع كامل قبل و بعد (8 آذار 1996) في إستنبول. فبدأت مرحلة

جديدة نشأت فيها مجموعات نسائية جديدة, والتي أصدرت بدورها مجلاتها أيضاً، منها على سبيل المثال لا الحصر مجلة ((يوجين)), وجمعية النساء الوطنية الديمقراطية ((روزا))، ومؤسسة التضامن مع النساء الكرديات والبحث في المشاكل النسائية، والمنظمة النسائية ((آرجين)) ودار المرأة الثقافية ((جينان)).

              دعت جميع هذه المنظمات إلى قيام عمل تنظيمي خاص بالنساء، وإلى العمل إنطلاقاً من الهوية الكردية والإنثوية, معاً ضمن الإطارين الإجتماعي والسياسي. كانت جمعية (UDKD) من اوائل الجمعيات النسائية الكردية الرسمية في تركيا منذ الإنقلاب العسكرى، والتي كانت سنة (1990) موجودة بشكل مجموعة غير مصرح لها، إلا أنها حصلت على الترخيص سنة (1993) كجمعية رسمية، ولكن بعد أربعة أشهر حظرتها السلطات . ساهمت هذه الجمعية في النقاشات حول قضية المساواة بين الجنسين إضافة إلى نشاطاتها ضد الحرب في الجزء الكردي من تركيا. بعد حظرها إشتركت عدة نساء من عضواتها السابقات في تأسيس مؤسة (K.ka.Dav) سنة (1997)، التي قدمت المساعدات المتنوعة، كالأدوية والملابس والعلاج الطبي، للنساء الكرديات اللواتي هربن من الحرب الدائرة في الولايات الكردية , وكن يعشن  في الأحياء الكردية الفقيرة فقراً مدقعاً, والتي تسمى (كيسي كوندوس أو شانتي تاونس). ولكن هذه المؤسسة حظرت بتهمة "إثارة النعرات بين الشعب"، وصدرت عقوبة السجن مدة ثلاث سنوات بحق رئيستها زينب باران.

              إضافة إلى نشاطاتها النسائية شاركت هذه المؤسسة أيضاً على المستوى السياسي من أجل إيجاد الحل للقضية الكردية، وأسهمت في النقاشات حول الحركة النسائية الكردية.

              توضح النقاش حول التنظيم الذاتي للنساء سنة(1996)في البداية, فنشأت في تلك السنة جمعيات نسائية كردية كما ينبت الفطر من الأرض. ومن جملة المؤسسات التي تأسست في هذه السنة ((دار النساء الثقافية)) أيضاًً, التي قدمت للنساء الكرديات برامج وأنشطة إجتماعية وثقافية مختلفة, وأصبحت تصدر منذ سنة (1999) مجلة ((جين وجينان)).

             قامت بتأسيس هذه الدار مجموعة النساء اللواتي كن منذ بداية التسعينيات يحررن الصفحة النسائية في المجلة الأسبوعية ((آزادي))، كما ساهمن أيضاً في المجلات الأخرى التي خلفتها مثل ((دنكي آزادي))و ((روناهي))و ((هيفي))و ((روجا تازه)). كما أصدرت هذه المجموعة من النساء العددين الخاصين لجريدتي ((روناهي)) و ((دنكي آزادي)) في إستنبول بمناسبة يوم المرأة العالمي في (8 آذار)، وقد كانا عددان مميزان بشكل خاص. وتكتب بعضهن بين الحين والآخر لجريدتي ((يوجين))و ((روزا)) أيضاً.

            تشكلت غالبية المجموعات والإتحادات النسائية الكردية في إستنبول. ويعود السبب في ذلك إلى المواصفات التي تقدمها مدينة كبيرة بكل ماتحويه من نشاطات إجتماعية وثقافية وسياسية، إضافة إلى الشريحة المثقفة النسائية الواسعة التي تعيش فيها. ومن جهة أخرى لاتخضع  إستنبول إلى قوانين الطوارىء مقارنة مع المناطق الكردية الأخرى، الأمر الذي شكل هامشاً اوسع للنشاطات السياسية. وكان تأسيس الجمعيات والنوادي فيها ممكناً, إلا أن الأمر  لايخلو في إستنبول أيضاً من العراقيل والمصاعب مع السلطات. فلم يكن بإمكان النساء تنظيم جمعياتهن كجمعيات كردية، لأن هذا من الحظور ، مما إضطرهن إلى الإلتفاف حول هذه المشكلة عن طريق تسجيل منظماتهن أو مجلاتهن تحت إسماء شركات تجارية. ومع ذلك كانت هذه الجمعيات تتعرض لملاحقة السلطة ولمصادرة ممتلكاتها وأرشيفها إثر حملات التفتيش، الأمر الذي جعل العمل التوثيقي وتطوير الذات غاية في الصعوبة.

            كانت هذه المنظمات مهددة بصورة مستمرة بالإغلاق وبإصدار عقوبات السجن أو الغرامة المالية بحق عضواتها. والمنظمات المستقلة منها بشكل خاص, كانت تعاني من الأزمات المالية الحادة والمزمنة، حيث لم يكن بإمكانها الحصول على المعونات المالية, سواء من الدولة أو من الأحزاب. وكانت تعاني من مشكلة توزيع مجلاتها بسبب غياب القاعدة الجماهيرية الواسعة لديها،  الأمر الذي اجبرها على الإعتماد بشكل كبير على الأحزاب والمنظمات الكبيرة التي تمتلك قواعد جماهيرية واسعة.

             كان حزب (HADEP) في إجتماعاته الجماهيرية لايسمح لمجلة ((روجا)) و ((يوجين)) بتوزيع منشوراتهما من أجل الوصول إلى شريحة واسعة من الجمهور. وجمعية حقوق الإنسان (IHD) كانت تسلك سلوكاً مشابهاً, حيث كانت  من حيث المبدأ  مثل تلك المنظمات في إجتماعاتها الجماهيرية تمنع الجمعيات الأخرى من توزيع موادها الإعلامية وبيع صحفها ومجلاتها. تتسبب مثل تلك القواعد بعزل المجموعات الصغيرة بشكل خاص, وتصّعب عليها البقاء.

 

الجمعيات النسائية في دياربكر:

             نشأت في منتصف التسعينيات في دياربكر أيضاً مجموعات نسائية شبيهة بتلك التي تأسيس في الوقت ذاته في إستنبول. قامت عدة نساء نقابيات، بشكل خاص من نقابة الموظفين، بتأسيس جمعية ((قاعدة لجنة نساء دياربكر الديمقراطية)) في سنة (1996). وكان ظهورها إلى العلن عبر الندوات الكبيرة التي نظمتها حول موضوع المرأة. وهي  منذ ذلك الحين تنظم سنوياً نشاطات مختلفة بمناسبة يوم المرأة العالمي. كما نشأت منظمات نسائية منفردة في دياربكر بشكل موازٍ لإستنبول، وأثارت النقاش حول قضية شكل التنظيم المستقل. ثم فيما بعد أسست هذه النساء المركز النسائي (Ka- Mer) سنة (1997). وكانت إحدى مبادراتهن الأولى إنشاء ((خدمة طوارى هاتفية)) للنساء اللواتي يتعرضن للعنف المنزلي. أقمن في البداية مشاريع للعمل اليدوي وقمن بتسويق المنتجات، من أجل تمويل طويل الأجل لمشاريعهن. ثم إفتتحن فيما بعد مطعم وكافتريا نسائي يحمل إسم المركز (Ka- Mer)، وكانت تعمل نساء فقط فيه، أما الزبائن فقد كانوا من الجنسين. وقدمن مشاريع متنوعة للنساء، كالإستشارة النفسية والقانونية, ونظمن مجموعات للعناية بالأطفال الرضع,إضافة إلى أنشطة ثقافية أخرى مختلفة، كدورات التوعية للأمهات بدورهن في القضايا الخاصة بالجنسين.

              كان الجزء الأهم من عمل هذا المركز النسائي, هو تشكيل المجموعات النسائية بهدف رفع ثقة النساء بأنفسهن، وقد ثابرن القيام بهذا سنوات طويلة بنجاح. يعتبر المركز النسائي نفسه ليس مجموعة ذات سلطة هرمية, وإنما عملية إتخاد القرار فيه تمارسها النساء بشكل جماعي. يعتبر النجاح الأكبر الذي حققه هذا المركز,  أنه في مرحلة سياسية عاصفة, وفي مدينة خاضعة لقانون الطوارى, قد تمكن من تنفيذ مشروع نسائي مستقل ناجح, وكافح ضد العنف في الحياة الزوجية والعائلية.

             نشأ هذا المركز النسائي في ظروف صعبة للغاية, وإستطاع الحفاظ على بقائه بنجاح, وذلك من خلال بقائه بعيدأً عن النقاشات السياسية إلى حد بعيد, إضافة إلى الأسباب الأخرى. وقد تعرض للإنتقادات الكثيرة بسبب هذا الموقف من اليساريين الآخرين ومن المنظمات القاعدية الكردية.

            كانت هناك مبادرة أخرى قامت بها النساء في دياربكر وإستنبول وهي ((القاعدة النسائية ضد إغتصاب النساء في الحرب))، التي كانت تدعم وتتابع الدعاوي القضائية في المحاكم, التي رفعتها النساء المغتصبات ضد مغتصبيهن من عناصر قوى الأمن.      

 

لجان (HADEP) النسائية وإتحاد النساء الوطني:

            كان حزب (HADEP)  أكبر حزب رسمي كردي يستطيع تنظيم عدد كبير من النساء. مقارنة مع (DEP), الذي لايمتلك برنامج للنساء, فإن (HADEP) يمتلك ((برنامج عمل)) و ((برنامج تأسسي)), إضافة إلى العديد من اللجان النسائية التي تشرف على تطبيق هذه البرامج. عدا ذلك, فهو يعقد منذ (1997) مؤتمراً نسائياً كل سنة. إلى جانب المساواة بين الجنسين في المجتمع تهدف اللجان النسائية في حزب (HADEP) في الدرجة الأولى أيضاً إلى إدماج النساء في "الحياة الأجتماعية القومية" وإلى "الحصول على الهوية الحقيقة".

             وهذه يجعل نقطة الثقل بالنسبة لهذه اللجان, هي التأكيد على هوية النساء القومية وتنظيمهن ضد الإضطهاد القومي. تحدثت هذه اللجان في منشورها بمناسبة (8 آذار), إلى النساء بوصفهن حاميات السلام و دعتهن إلى النضال ضد الحرب التي تقتل أطفالهن وأخوتهن وأخواتهن وأزواجهن.

                    "نحن نرى كيف أن الحرب التي تستعر أوارها هنا في المنطقة, وفها يتم ذبح أطفالنا وأزاوجنا وإخواتنا وإخوتنا بكل قسوة. سبب الألم الذي يعتصر قلوب نساء هذه المنطقة (جنوب شرق الأناضول) من دون تمييز بين أعرقهن، هي الحرب. كان موقف النساء بكل وضوح في تاريخنا, منذ قديم الزمان وحتى يومنا هذا دائماً ضد الحرب.  لهذا السبب نناشد جميع النساء الأخذ بهذه المناسبة كفرصة للوقوف ضد هذه الحرب القذرة لكي نعطي (8 آذار) مغزى. (...) يجب علينا حماية أطفالنا."

              دعى حزب (HADEP) إضافة إلى أنشطة أخرى، إلى تظاهر النساء جلوساً في المظاهرة الدورية التي سميت ((سبت الأمهات)), والتي إبتدأت في كانون الثاني (1995) وإستمرت ثلاث سنوات. ومن هذه المجموعة إنطلقت سنة (1998) مبادرة "إمهات السلام". زاد حزب (HADER) من حدة نشاطاته من أجل السلام ومن عدد مبادرات الأمهات بعد إعلان حزب (PKK) سنة (1999) عن وقف الكفاح المسلح ودعوته إلى حل سياسي للقضية الكردية ضمن إطار جمهورية ديمقراطية في تركيا.

              كان " إتحاد النساء الوطني" يمتلك قاعدة شبيهة بقاعدة حزب (HADEP). حيث تأسس سنة (1991) في إستنبول, إلا أنه منع من جديد في نوروز (1992).

             المحاولة التالية لتأسيس جمعية خليفة كانت سنة (1997) أولاً, حيث أسست ((جمعية المرأة الحرة)) في إستنبول. وبعد سنة صدرت مجلة ((إمرة حرة في الحياة)) في إستنبول أيضاً.  بعد منع ((جمعية المرأة الحرة)) سنة (1999), تأسس ((مركز النساء ديسلي)) في إستنبول، الذي برى في النساء رمزاً للسلام والحرية, ويهدف إلى إكتشاف النساء لقوتهن وتكريسها بشكل فعال في المجالين السياسي والإجتماعي.

           بالمقارنة مع جميع المجموعات النسائية الأخرى أظهر ((إتحاد النساء الوطني)) تعاطفه مع الكفاح المسلح بصورة مكشوفة أكثر.

 

المنظمات النسائية التي نشأت من خلال مبادرات (PKK):

            منذ البدايات كان للنساء في الـ (PKK) حضور في الحزب.  كان عددهن في البداية قليل جداً,ً ولكن مع مرور السنين أصبح يتزايد.  بداية في مؤتمر الحزب سنة (1986)جرت معالجة قضية المرأة بشكل شامل وتقرر تأسيس منظمة نسائية. سنة (1978) لحق الخطوة الأولى بهذا الخصوص، لأول مرة في تاريخ الـ (PKK) تاسيس المنظمة النسائية ((إتحاد النساء الوطنيات في كردستان)) (YJWK) في ألمانيا. وكان يتوجب على هذه المنظمة، مثل أحزاب الـ (PKK) النسائية اللاحقة، تقوية الوعي القومي لدى النساء و تجنيدهن في الكفاح القومي.

             وحسب رأي بيريفان شاهين، أدى تأسيس منظمة (YJWK) إلى تقوية مشاركة النساء في الكفاح المسلح وفي الإنتفاضات الشعبية في أعياد النوروز سنوات(1992 -1991)، الأمر الذي أدى بالتالي إلى تقوية النقاش حول حل قضية المرأة.

             عقد حزب (PKK) من آذار حتى تموز سنة (1993) بمشاركة (700) مقاتلة مسلحة مؤتمره النسائي الوطني الأول. تم في هذا المؤتمر تأسيس  حركة نسائية ذاتية حرة في كردستان, والتي يجب أن تتشكل قيادتها من طاقتها الذتية. وترجمة لذلك تم تغيير إسم (YJWK) إلى ((حركة نساء كردستان الحرة)) (KAJK) وإعادة وهيكلة عملها من جديد.  ثم تم في السنوات التالية تغيير إسمها من جديد مرة أخرى لتصبح ((إتحاد نساء كردستان الحر)) (JYAJK).  فأصدرت أول مجلة نسائية لحزب العمال (PKK) بإسم ((نساء مرفوعات الرؤوس))، تصدر كل شهرين في أوربا باللغة التركية.

            النمو المتزايد لمساهمة النساء في الكفاح أدى في منتصف التسعينيات إلى تشكيل الوحدات النسائية. التي حاربت إلى جانب جيش النساء الذي أعلن في (1994) أن تعداده وصل إلى (2000)إمرأة مقاتلة. كما حاربت الكثيرات من النساء أيضاً في وحدات مختلفة. وكانت الوحدات النسائية تحت قيادة منظمة الـ (PKK) العسكرية (ARGK)، وكانت تتميز عن الوحدات الرجالية بأنها ((تشجع تطور الشخصية لدى النساء بشكل خاص)).  وقد عزت ضرورة تشكيل الوحدات النسائية إلى المشاكل التي كانت تنشئ في المجموعات المختلطة.

             ((واجهت القائدات الإناث غالباً في مواقعهن عدم الإعتراف بهن (...) كان يصعب دائماً على عدد من الرجال الإنصياع إلى أوامر قائدة أنثى. وبنفس القدر أيضاً كن بواجهن في البداية عدم الإحترام من قبل الكثير من النساء.

            (...) إرتفاع عدد النساء في حرب العصابات حتم ضرورة وجود منظمة خاصة بهن، لأن الرجل يعيق التفتح المستقل لطاقات المرأة، فوجوده يربكها.)) أتى الاختراق الجديد في مجال تنظيم المرأة عندما أسس حزب (PKK) سنة (1999) حزب مستقل نسائي خاص ((حزب كردستان للنساء الشغيلات)). (PJKK). صرحت في مقابلة صحفية عضوة اللجنة المركزية لحزب (PJKK) جيان دينيز، بأن حزب (PJKK) له نفس الوظيفة التي كانت للمنظمة السابقة, وأنه يمثل خطوة متقدمة في العمل التنظمي  للمرأة، كما يثير إلى الإرادة للتعامل مع قضية المرأة بشكل أشمل مما مضى.

            بالمقارنة مع المنظمات النسائية التي سبقت حزب (PJKK)، فهو يعنى فقط بالنساء في صفوف المقاتلين، بينما  تم إنشاء منظمة نسائية منفصلة من أجل النساء في أوربا, تسمى ((إتحاد نساء كردستان الحرات)) (EJAK).

 

المجلات الكردية في إستنبول:

            نشأت العديد من الصحف والمجلات النسائية الكردية في منتصف سنوات التسعينيات بفضل الموقع السياسي والإجتماعي والثقافي لمدينة إستنبول. وشكلت هذه الصحف والمجلات مساهمة مهمة في النقاش حول الحركة النسائية والقومية. لهذا السبب يتوجب كنقطة أخيره هنا عرض هذه المجلات والإشارة إلى التمايزات فيما بينها.

 

((إمرأة حرة في الحياة)):   

            تصدر هذه المجلة منذ كانون الثاني (1998) شهرياً في إستنبول. تتوجه إلى جمهور القارئات، كما نشرت في إفتتاحية عددها الثاني، من النساء المنظمات في حركة التحرير اللواتي يناضلن من أجل ((حريتهن القومية والديمقراطية)). الحيز الذى يشمل هذه النساء يضم ربات البيوت والعاملات, مروراً بالناشطات السياسيات والنساء السجينات والمقاتلات المسلحات، حتى الوصول إلى أمهات الشهداء  و/أو المعتقلين والمعتقلات.

 وعليه فإن مجلة ((إمرأة حرة في الحياة)), تتوجه إلى النساء المتعاطفات مع الكفاح المسلح. تعالج مواضيع المجلة على الغالب مشاكل تنظم وتجنيد المقاتلات النساء في الكفاح الوطني الكردي. وإضافة إلى ذلك ًتهدف أيضا إلى تفعيل النقاش من أجل الوصول إلى مجتمع أفضل, وتسعى إلى ممارسة النقد الإجتماعي بشكل عام. إلا أنها في الوقت ذاته تتجنب مواضيع محرمة إجتماعياً, كالجنس والعنف في الأسرة. كتاب المقالات فيها يظلون مجهولو الأسماء, مع عدد من الإستثناءات, دون أن تذكر المجلة شرحاً للأسباب الكامنة وراء ذلك.

 

((روجا)) و ((يوجين)):

                ((روجا)) هي المجلة النسائية الأنثوية الأولى التي تصدر منذ سنة (1996) في تركيا. إثر خلافات داخلية في ((روجا)), إنفصلت مجموعة من النساء عنها بعد صدور العدد الرابع وأسسن مجلة "يوجين". تقدم إسرة تحرير مجلة ((روجا)) نفسها كمجموعة من النساء الكرديات، التي رغم الآراء المختلفة التي تسود بين عضواتها فيما يخص تحرير المرأة والسياسة النسائية، إلا أنها ترى النقاط المشتركة التي تجمع بينهن تكمن في إحساسهن بعدم وجود تمثيل لهويتهن الأنثوية في أوساط السياسة الكردية. دعت الحاجة بسبب هذا الواقع إلى نشوء قناة تعبير ذاتية خاصة للنساء الكرديات الأنثويات, وإلى نشوء منظمة مستقلة. إنطلاقاً من ذلك ترغب ((روجا)) أن تكون منبراً إعلامياً للنساء في كردستان وللنساء الكرديات في الدياسبورا، من خلال طرح النساء لمشاكلهن والبحث عن الأسباب التي تؤدي إلى إضطهادهن وتبادل التجارب فيما بينهن. وقد تبنت مجلة ((يوجين)) هذا الموقف. فضلاً عن ذلك تتطرق المجلتين إلى مواضيع متشابهة, والتي تمتد من تقارير عن تجارب النساء إلى الأحداث السياسية, حتى تصل إلى البحوث حول المسائل الجينية. تطرقت هاتان المجلتات بخلاف مجلة ((إمرأة حرة في الحياة))، إلى قضايا الجنس كالبكارة وسلوك النساء النابع من إنتمائهن الجنسي ومشاكل الحياة الزوجية ومرض الإيدز.. إلخ.

 

((جين وجيان)):

             صدرت مجلة ((جين وجيان))  في (8)آذار سنة (1998)   بعدد خاص في إستنبول. وصدر العدد الدوري الأول بعد سنة من هذا التاريخ في شباط (1999). تعطي مجلة ((جين وجيان))مثل مجلتي ((روجا)) و ((يوجين)), مساحة مماثلة لتقاير التجارب النسائية, كالتوعية الصحية وشروط العمل بالنسبة للنساء، والنساء في السياسية والعنف في الأسرة والإستغلال الجنسي للأطفال والإغتصاب.. إلخ. وتنتقد التسلط الرجالي في مجموعات العمل التي تستغل المرأة فيها كطاقة إحتياطية.

 

مقارنة بين المجلات:

           تختلف مجلتا "يوجين" و "روجا"من الناحية الإيديولوجية والسياسية عن مجلة "إمرأة حرة في الحياة", وتمتازان بموقف أنثوي, كما تطالبان بحركة نسوية كردية مستقلة وقوية, بسبب التمييز الجنسي الرجولي الطاغي في الأحزاب والمنظمات الكردية. رغم أن مجلة "جين وجينان" أيضا تقف موقفا نقديا من الأحزاب ومن ممارساتهم العملية المهينة للنساء, ومعالجتها لمواضيع تناضل الناشطات الأنثويات تقليديا من أجلها وتعتبر "كل ما هو خاص, هو أيضا سياسي", إلا أنها لا تعتبر نفسها مجلة أنثوية. صحيح أنها تدعو إلى العمل التنظيمي النسوي المستقل أيضا, ولكن ليس على النهج الذي تطالب به الأنثويات الكرديات. إنها تريد طرح القضايا الخاصة بالنساء ضمن إطار عمل تنظيمي خاص بالنساء, بينما تريد إنجاز الصراع الإجتماعي, الصراع القومي والطبقي مثلا, بالتعاون مع الرجال والأحزاب المتقاربة في طرحها الإيديولوجي والسياسي معها.

            يشكل موقف "جين وجينان" هذا علامة فارقة لدى الكثير من المنظمات النسائية والأحزاب اليسارية في تركيا. وتشكل كل من مجلة "جين وجينان"وحزب "الديمقراطية والسلام"(DBP)القريبين سياسيا, المعارضة السياسية داخل الحركة الوطنية الكردية. إلا أن قاعدتهما التنظيمية وحيز نشاطهما أصغر وأضيق مما لدى حزب (HADEP) بشكل واضح.

            يعارض أنصار حزب "الديمقراطية والسلام" الكفاح المسلح بشكل عام, ولهذا السبب يرفضون المساهمة التطرق إلى أنشطة معينة, كالعمليات الإنتحارية على سبيل المثال, وهو الموضوع الذي أولته مجلة "إمرأة حرة في الحياة" إهتماما خاصا.

             أما المجلتين الأنثويتين "روجا" و"يوجين" فلهما بالمقارنة مع مجلتي "جين وجينان" و"إمرأة حرة في الحياة" ظهورا مميزا, إذ أنهما منظمتان بطريقة فردية وتمتلكان شبكة تنظيمية تعاني فن فجوات عديدة, وتعتمدان بإستمرار على العلاقات الشخصية بالدرجة الأولى.ولقد إضطرت هاتان المجلتان الأنثويتان إلى التوقف عن الصدور بسبب الظروف المالية ونقصان الكوادر من جملة الأسباب الأخرى.

 

كلمة ختام:

             لم تشمل هذه الدراسة جميع المجموعات والمبادرات النسائية بالبحث, فقد كان ذلك غير ممكن لأسباب بسيطة, حيث أن المعلومات حول المجموعات النسائية الكردية والمشاريع والجدالات الإيديولوجية حولها وفيما بينها لم تجد طريقها لتصبح أدبيات مطبوعة.كما أن المعلومات المتوفرة حولها هي عبارة عن مجرد مقالات وريبورتاجات ومناشير غاية في الإختصار.

             لقد ساهمت الناشطة السابقة في صفوف الحركة النسائية الكردية في تركيا فاطمة كايهان, التي عايشت هذه الحركة في مختلف مراحلها وشاركت في تشكي, في ردم الفجوات الهائلة من المعلومات, والتي لولاجهودها لما كان بالإمكان إنجاز هذه الدراسة. وهنا أود الإعتذار لأني لم أتمكن من العثور على ما يكفي من الأدبيات اللازمة لبحث وتوثيق أحداث أخرى معينة وإعطائها ما تستحق من الذكر والدراسة.

             لقد عانت الحركة النسائية الكردية, وبشكل خاص الناشطات الأنثويات الكرديات, من الظروف السياسية , ومن الظروف الصعبة في ذلك الزمن الصعب. إذ أن معاناة تلك الناشطات كانت مزدوجة, فمن جهة كانت الأجواء تتسم بالعنف, الأمر الذي عانت منه جميع المجموعات الكردية, حيث الحرب كانت مستعرة من دون الإعلان الرسمي عنها, ومن جهة أخرى عانت الحركة النسائية الكردية بوصفها أقليات بين المنظمات والأحزاب الكردية والحركة الأنثوية التركية, حيث تحتم عليها خوض صراع مرير من أجل إثبات الوجود.كما أن إصرارها على الإستقلالية ام يجعل من مهمتها أسهل, وذلك في الظروف التي كانت تعيش فيها, الأمر الذي جلب عليها مشاكل مالية جمة.

             بعد عقد من الزمن كان حافلا بالمشاريع والنقاشات, عادت فترة من الهدوء. هذا السكون النسبي الحالي أدى إلى إنسحاب العديد من الناشطات السياسيات من أجل إعادة النظر والتفكير من جديد في مواقفهن وأفكارهن وآمالهن. إذ لايمكن الحديث الآن عن نهاية الحركة النسائية الكردية, في الوقت الذي لايزال أمامها مهاما جسام يجب عليها إنجازها.

             الحل السياسي للقضية الكردية في تركيا سوف يساعد على خلق أجواء سياسية صحية, والتي بدورها ستمنح النساء الكرديات هامشا أوسع كي ينظمن أنفسهن من جديد, وكي يناقشن أفكارا جديدة وقديمة ويطبقنها.

 

  

 

 

الكرد في غرب كردستان (سورية)

    توفيق حمدوش

 

 

 

 

كان ثلثي كردستان يقع تقريباً تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية حتى الحرب العالمية الأولى. والقسم المتبقي كان تحت السيطرة الإستعمار للإمبراطورية الفارسية نتيجة للحروب بين العثمانيين والفرس.

كان الكرد يحظون بنوع من الحرية ويتمتعون بدرجة معينة من الاستقلالية والإدارة الذتية بشكل إمارات تحت ظل الإمبراطورية العثمانية. بالمقابل كان عليهم إمداد الإمبراطورية العثمانية بالمقاتلين والمال في حروبها ضد القوى المسيحية الصغيرة والكبيرة. تقرر في وقت مبكر قبل بداية الحرب العالمية الأولى  مصير الإمبراطورية العثمانية, وذلك سنة (1914) في سان ريمو, حيث تقاسمتها كالغنيمة القوتين الإستعماريتين الإنكلوـ فرنسية.

            إزداد وضع الشعب الكردي سوءاً بصورة مأسوية بعد إتفاقية سايكس بيكو سنة (1916). أصبحت إتفاقية سايكس بيكو حجر الأساس الإستعماري في منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للقوتين العظمتين فرنسا وبريطانيا العظمى، وشكلت المعاناة والعذاب لشعوب المنطقة . أصبحت الحدود الجديدة التي قسمت الشرق الإوسط برمته بطريقة تعسفية, وخاصة كردستان, دون مراعاة لمصالح الشعوب وإنتماءاتها العرقية والقومية، مرجل عدم إستقرار دائم. أصاب الكرد جراء ذلك النصيب الأكبر من الضرر ، حيث كان  من فريق المتضررين بسبب هذه السياسة الأوربية.

            وقع جزء من كردستان تحت الإنتداب الفرنسي كنتيجة للحرب العالمية الأولى، وظل بعد إستقلال سورية سنة (1946) عن فرنسا سياسياً جزء من حدود الدولة السورية. لايزال الشعب الكردي في سورية حتى اليوم محروماً من حقوقه القومية والثقافية المشروعة رغم الضغوطات العالمية، والاتفاقيات الدولية حول حقوق الإنسان وضمان جميع الدول لحقوق الأقليات.

 

 

الكرد في سورية، مناطق تجمعهم، أعدادهم وبلادهم: 

              تبلغ مساحة سورية (185180) كم مربع. تتضمن هذه المساحة منطقة لواء إسكندرون (هاتاي) باللغة التركية, المتنازع حوله بين سورية وتركيا، حيث إستولت تركيا عليه سنة (1936)  بمساعدة فرنسا، كما تتضمن مرتفعات الجولان المحتلة من قبل إسرائيل. حوالي ثلث مساحة الدولة السورية يتكون من منطقة صحراوية, لا يقطنها سوى عدد قليل جداً من السكان .

مناطق تجمع السكان الكردية في سورية:

            يعيش معظم الكرد في شمال سورية بدءً من ساحل البحر الأبيض المتوسط على طول الحدود السورية الشمالية مع تركيا حتى الحدود العراقية، حيث تقع المدن الكردية القامشلي والحسكة وعامودا وتل كوشر و سريكانيه (رأس العين) وتيرباسيي (قبر عابد). وينحني قوس المجمعات الكردية إلى الجنوب حتى مدينة ديرالزور على طول الحدود السورية العراقية. وفي الغرب تقع المدن عفرين في منطقة     كورد داغي (جبال الأكراد) شمال مدينة حلب, وجبل سمعان في منطقة دير القديس سمعان.  كما توجد تجمعات سكنية كردية في الشمال الغريى في مناطق إدلب وفي الغرب حيث توجد منطقة جسر الشغور المتاخمة لمنطقة محافظة حماه.

             يتحدر ثلث سكان مدينة حلب من أصول كردية. كما تقع إلى الشرق من مدينة حلب تجمعات كردية مهمة بالقرب من منطقة الباب ومنبج والسفيرة. وهناك تجمعات كردية أخرى إلى الشرق من جبال الكرد على طول الحدود السورية التركية, إبتداء من منطقة جرابلس حتى منطقة كوباني (عين العرب). تبلغ المساحة المتصلة للمنطقة الكردية في شمال سورية في أقل تقدير (38ـ 44) ألف كم مربع. وتشكل مناطق تحمعات الشعب الكردي بهذا حوالي (50%) من الأراضي الصالحة للزراعة في سورية, وتعتبر بمثابة مخزن الدولة السورية للحبوب، إضافة إلى المنتجات الزراعية الأخرى كالزيتون والثمار وثروته المائية.

            ومن الجدير بالذكر, أن الإحتياطي النفطي الموجود في سورية يقع أيضاً في مناطق التجمعات السكنية الكردية.

 

إحصاء السكان:

            تعتمد الأرقام الحالية لإحصاء عدد المواطنين السوريين على الأرقام الرسمية للسلطة السورية، ووفقها يبلغ تعداد السكان في سورية (6, 16) مليون نسمة تقريباً، مع زيادة سنوية بنسبة (24%) في عدد السكان. يشكل العرب أغلبية السكان (سوريين و000 320 فلسطيني)، إضافة إلى مجموعات قومية صغيرة أخرى: (150ـ 200 ألف) من الأرمن والتركمان والشركس، و (500ـ 800 ألف) كردي. ورد في قاموس هارنبرغ لسنة (2003) عرض  لتعداد المجموعات القومية بالشكل التالي: (3, 90%) عرب، وبقية القوميات من الكرد والأرمن وغيرهم (7, 9%). يفترض التعامل مع هذه الإحصاءات الرسمية بشك وحذر. فالحقيقة أن نسبة السكان العرب هي أقل بكثير من هذه الأرقام, ونسبة تعداد المجموعات القومية الأخرى في سورية أكبر بكثير.

           كان تعداد سكان سورية في سنة الإستقلال (1946) يبلغ (4, 3) مليون نسمة. حينها تم تقدير تعداد الكرد ب(800) ألف نسمة فقط في المناطق التقليدية لتواجد هم ، أي في الجزء الشمالي من سورية. لم يتم حينها إحصاء عدد السكان من أصل كردي في دمشق وحلب وحماه وكفركرمين وسلقين وجسر الشغور. كانت نسبة الأكراد بين سكان سورية في سنة _1946) تبلغ مابين (20ـ 25%).

           تفيد التقارير السرية عن الإحصاء السوري للسكان سنة (2002) بأن عدد السكان الكرد في سورية (8, 2) مليون نسمة، فقط في أماكن التجمع السكني الكردية، والتي يعتبرها النظام السوري مصدر خطر كبير على الأمن الداخلي للبلاد، مثل مناطق جبل سمعان وعفرين وكورداغي وكوباني (عين العرب) ورأس العين ومنطقة الجزيرة التي تشمل القامشلي وعامودا والحسكة. أما أعداد الكرد في مدينة حلب وجرابلس ومنبج ومنطقة الباب, وفي الشرق في مدينة وريف دير الزور، كما في الغرب مثل كفر كرمين وجسر الشغور، وفي مدينة حماه والعاصمة دمشق، فلم تلق الإهتمام لأن الكرد في هذه المناطق لايشكلون خطرأ مباشراً داخلياً للقومية العربية.

             وفقاً للتقديرات الحالية يسكن اليوم في دمشق حوالي (400) ألف وفي حلب (500) ألف وفي مدينة حماه (200) ألف نسمة من أصل كردي. إضافة إلى (300) ألف نسمة يقدر عدد السكان في المدن الأخرى من أصل كردي. وفق التقديرات. هناك حالياً (250) ألف مواطن كردي من دون جنسية بفعل قانون إسقاط الجنسية، وهم لايحملون بطاقات شخصية ويعتبرهم الإحصاء أجانب وليس كمواطنين سوريين.

            بهذا يمكن تقدير عدد السكان الكرد بالإجمال في سورية (3 إلى 4) ملايين نسمة، إذا إعتمدنا أيضاً على إحصاء سنة (1946) ونسبة عدد السكان الكرد الواردة آنذاك  فيه.  أما الإختلاف الكبير مع معطيات الحكومة السورية فهود يعود إلى سياسة التعريب المتعمدة للنظام.

            لايتمتع الكرد في سورية بحقوقهم الثقافية ولابحقوق الأقليات القومية، وهذا رغم أنهم يشكلون بنسبة (25%) من بين مجمل تعدد السكان في سورية القومية الأكبر الثانية بعد القومية العربية.

اللغة الكردية ممنوعة في الحياة العامة, وبالتالي في المدارس أيضاً, الموسيقى الكردية والعناية بالثقافة الكردية ليس فقط ممنوعتان، بل التعاطي بهم قد يؤدي إلى العقوبة بالسجن.

 

سياسة التعريب، القمع الإجتماعي والإقتصادي:

              محمد طالب هلال المدير السابق للإستخبارات في منطقة الجزيرة الكردية، ومحافظ فيما بعد ووزير التموين سنة (1967)، وأحد المنظرين في قيادة حزب البعث، نشر سنة (1963) كتاباً بعنوان ((دراسة حول منطقة الجزيرة، من الزاوية القومية والإجتماعية والسياسية))، وقد صاغ فيه النقاط الأثنتي عشرة لمبادئ السياسة السورية ضد الكرد:

1ـ تهجير الكرد بشكل قسري من مناطق سكنهم إلى داخل البلاد بطريقة تجعل منهم مقابل السكان العرب في كل المناطق مجرد أقلية في طريقها إلى الزوال. هذا التهجير يجب أن يتم على عدة مراحل، وذلك بدءً

ب((العناصر)) الخطيرة، والمقصود بهم أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي).

2ـ الحفاظ على ـ أو خلق أمية كاملة بين صفوف الكرد، مايعني منع بناء مدارس كردية، بما أن جميع المحاولات بتعريب الكرد عن طريق المدارس قد باءت بالفشل.

3ـ أغلبية الكرد هم من الجنسية التركية، لذلك يتوجب فحص جنسيات الكرد، والذين يثبت ذلك في حقهم يجب أن تسحب الجنسية السورية منهم.

4ـ يجب الحرص على ألا يحصل الكرد على فرص للعمل من أجل خلق الشلل في طاقتهم ومنع حركتهم, وبالتالي إجبارهم على الهجرة. وبما أن الموضوع في هذا السياق يتعلق بالأراضي الزراعية وإمكانية العمل متقصرة على قطاع  العمل الزراعي فقط، لهذا السبب يتوجب مثلاً عدم توزيع الأراضي التي إستولت عليها الدولة على الكرد، بل فقط على العرب كي يستثمروها.

5ـ يجب على الإعلام أن يمارس تأثيره بإستمرار على العرب، بحيث يجعلهم يرون في الكرد خطراً يتوجب إتخاذ الموقف الملائم منه.

6ـ يجب سلب الشيوخ الكرد وأصحاب المناصب الدينية الأخرى, هذه المناصب منهم, وإحلال جال دين عرب في أماكنهم.

7ـ يجب إذكاء العداوات مابين صفوف الكرد ذاتهم ، وذلك بمساعدة العملاء منهم.

8ـ يجب توطين أعضاء من عشيرة شمر العربية، الذين يسكنون بالقرب من المناطق الكردية في مناطق الكرد كي يتجسسوا عليهم .

9ـ يجب مراقبة المنطقة الكردية من قبل الجيش. ويجب أن تكون مهمة الجيش هي إجلاء الكرد عن مناطقهم, ومساعدة العرب في إستيطانهم في هذه الأرض.

10ـ يجب إنشاء قرى عربية دفاعية جيدة التسليح وفق الطراز الإسرائيلي.

11ـ يجب حرمان الكرد من الحق ـ السلبي كما الإيجابي في الإنتخابات.

12ـ يحرم كل من هو ليس عربياً خالصاً من الجنسية السورية.

             بدأت الحكومة السورية منذ سنة (1963) بتنفيذ مخططات هلال هذه . الخطوة الأولى لتنفيذ أهداف حزب البعث, كانت إجراء الإحصاء السكاني في المنطقة التي يقطنها الكرد، فكانت النتيجة آنذاك هي سحب الجنسية السورية من أكثر من (120) ألف مواطن كردي. وكان من ضمن أهداف هذا الإجراء أيضاً تدمير العائلات الكردية بذات الوقت، وذلك من خلال تسجيل الأهل على سبيل المثال كسوريين، أما الأطفال فقد تم إعتبارهم أجانب.

           وقد تم تطبيق جميع مقترحات هلال من إجراءات على ((الأجانب))، وهكذا فقد كثير من المعلمين

 

الكرد وظائفهم، والطلاب أماكنهم الدراسية، ولم يعد لدى هؤلاء الكرد فرصة عمل في المؤسسات الحكومية.

وبموجب قرار من أعلى سلطة تم التضييق بشكل مبرمج على فرصة الدراسة في المدارس, وإمكانية حق التملك وفرص العمل وتأمين المواد التمويينة الغذائية، من أجل حرمان الكرد من إمكانية التطور والنمو الإقتصادي ولإجتماعي والثقافي والسياسي. لايستطع الكرد الحصول على وظيفة حكومية إلا بعد إثبات شهادة الولاء. وهكذا لم يتبق أمام الكرد فرصة أخرى غير العمل في المجال الزراعي.

           ولا تباع المنتجات الزراعية إلا بأسعار متد نية جداً تحددها الدولة. زيت الزيتون مثلاً، أحد أهم المنتجات الزراعية، يمنع تصديره، رغم أن السوق المحلية مشبعة منه. وقد أدت هذه الأوضاع إلى إستحالة سد الرمق من عوائد المنتجات الزراعية وإلى إجبار الكرد بطريقة منظمة على الهجرة وترك البلاد.

            يحظر على الكرد بشكل مطلق إستملاك الأراضي والعقارات على طول المنطقة الحدودية السورية التركية, من البحر المتوسط حتى الحدود العراقية في مناطق الكرد شمال سورية، أي كردستان سورية. الملكيات القائمة، أو العقود التي تعود إلى زمن ماقبل قيام الدولة السورية، وما بعد قيام الحدود السورية ,حتى إستيلاء حزب البعث على السلطة، لاتعترف بها مؤسسات الدولة المعنية. بدلاً من الوثائق القانونية لإثبات الملكية تمنح الدائرة العقارية مايسمى ((بيان عقاري)). ينتظر الكرد ثلاث إلى أربع سنوات حتى يحصلون على البيان العقاري. بينما حال رغبة مواطن سوري من أصل عربي في شراء عقار أو أرض زراعية كبيرة في منطقة الكرد، يستطيع الحصول خلال مدة أقصاها ستة أسابيع على الوثائق القانونية لهذه الملكية. شراء الأراضي الكردية وبيع الممتلكات الكردية أوالإستيلاء, أو الإنتقال إلى ملكية العرب يتم بهذا تسهيله وتشجيهه حكومياً.

             إن الهدف والمغزاى من وراء هذه الإجراءات هو سعي حكومة البعث السورية إلى نقل الأساس الإقتصادي للسكان, أي الأرض في مناطق الكرد إلى السكان العرب، وجعل الكرد من دون أراض وأملاك لتصعيب إمكانية سد إحتياجاتهم من منتجاتهم الزراعية، وبالنهاية دفعهم للرحيل من خلال القهر الإقتصادي.  

             وصدرت قوانين أخرى تكملة لهذه الإجراءات, كالقانون الذي صدر سنة (1965)  بمنع بناء أبنية جديدة وإصلاح أو ترميم وتوسيع الأبنية القائمة, والمعاقبة بشدة على مخالفة هذه القانون. أما إذا أقدم أحد الكرد على إرتكاب ((جريمة)) إصلاح منزله, فسرعان ماتقدم الدوائر المختصة على هدم البناء المعني.  هذه القوانين لاتزال سارية المفعول حتى يومنا هذا.

 

تعريب المناطق الكردية في سورية:  

            منذ إستيلاء حزب البعث الديكتاتوري على السلطة في سورية سنة (1963) تمارس سياسة التعريب المنهجية ضد المدن والبلدات ولقرى الكردية، فتبدل أسماء القرى الكردية بإستمرار حتى اليوم بأسماء عربية لامعنى لها، من أجل أن يأتي اليوم الذي يكون فيه تعريب المناطق الكردية قد أصبح كاملاً. أكثر من (60%) من القرى الكردية جرى تعريب أسمائها على طول الحدود السورية التركية.

 

النظام المدرسي في سورية والإجحاف بحق الطلاب الكرد:  

             يتكون النظام المدرسي السوري من ثلاثة مراحل: المدرسة الإبتدائية وتسمى أيضاً ((المدرسة الأساسية)), ومدة الدراسة فيها ست سنوات، من الصف الأول حتى السادس. ثم المدرسة المتوسطة أو ((المدرسة الإعدادية)) ومدة الدراسة فيها ثلاث سنوات، من الصف السابع حتى التاسع. وأخيراً المدرسة الثانوية أو ((المدرسة التجهيزية)) ومدة الدراسة فيها ثلاث سنوات، من الصف العاشر حتى الثاني عشر. وبعد نهاية الصف الثاني عشر يتبع إمتحان مركزي يجري على مستوى البلاد كلها وفي جميع المدارسى في الوقت ذاته (إمتحان البكالوريا),وحسب نسبة العلامات التي حصل الطلاب عليها في الإمتحان المركزي يتم توزيع الناجحين على الجامعات السورية الثلاث في دمشق وحلب واللاذقية.

             أماكن الدراسة محدودة جداً، في بعض الإختصاصات مثل الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة يجب الحصول على معدل في الإمتحان (البكالوريا) يتجاوز (90%) من مجموع العلامات الكلي، كي يستطيع الطالب الحصول على مقعد دراسي في هذه الفروع. أما أبناء المسؤولين في السلطة, فهم يستطيعون حتى اليوم الدراسة في أي فرع يرغبون به, وذلك بشكل إستثنائي, أيضاً إذا كانت معدلات علاماتهم متدنية. كما يحصل أعضاء المنظمة الشبابية التابعة لحزب البعث ((إتحاد سبيبة الثورة)) أيضاً على إمتيازات وتسهيلات للحصول على أماكن دراسية.

             يعاني الأطفال والشباب الكرد من إجحاف مضاعف. لم يكن هناك سوى عدد محدود جداً من المدراس في المناطق الكردية حتى السبعينات, وذلك فقط في المدن والمحافظات. بعد ذلك بد نظام حزب البعث مشروعاً مدرسياً تحت إسم وشعار ((علموهم، عربوهم)) يهدف إلى تعريب المنطقة الكردية. من أجل تنفيذ هذا المشروع قامت الحكومة ببناء مدرسة في كل قرية كردية. كان الهدف من هذا المشروع في صهر الشعب الكردي خطوة فخطوة، حيث البداية هي في تعريب الأطفال الكرد.

             أوضاع المدارس في المناطق الكردية بشكل عام متردية جداً، حيث يتوجب على معلم/ معلمة واحدة تدريس خمسة صفوف دفعة واحدة وتحت سقف واحد. وهذا يصعب على التلاميذ الكرد,   الحصول على فرصة تعليم مجدية  بلغة غريبة عنهم، وهي اللغة العربية، هذا بغض النظر عن تحقيق معدل علامات يؤهلهم للدراسات الجامعية. فلغة الأهل الكردية ممنوعة. ينتقل التلاميذ من مرحلة  إلى أخرى في المدرسة بطريقة آلية من دون إستيعاب وهضم المناهج المطلوبة والتأهيل اللغوي الأساسي اللازم للتمكن من الكتابة والقرءة.

           وبهذه الطريقة يصل التلاميذ الكرد إلى الصف التاسع، ولكن من دون أن تكون لديهم المقدرة على كتابة رسالة أو قراءة مقال في صحيفة. لاتوجد مدارس من أجل متابعة الدراسة في المرحلة التالية إلا فيما ندر في المنطقة الكردية، مما يضطر التلاميذ الكرد السفر إلى المحافظات من أجل متابعة الدراسة، وهو أمر ليس بمقدور أهالي معظم التلاميذ تحمل نفقاته. لايملك الأطفال الكرد الفرصة بالوصول إلى الدراسة الجامعية والتخرج حتى عن طريق هذا البرنامج التعريبي أيضاً.

 

منع الإعلام الكردي:

            الكرد السوريين محرومين من الوصول إلى وسائل الإعلام الجماهيرية كي لا يتمكنون من العناية  بلغتهم وثقافتهم وتراثهم. كما أن مساهمة الكرد في المجال الثقافي والسياسي ممنوعة. وصدور الصحف الكردية أمر محظور, مثل الصحف والمجلات الصادرة باللغة العربية المؤيدة للقضية الكردية.

             بين الحين ولآخر يتم إنشاء إستوديوهات تسجيل صوتية من قبل الأكراد، التي  تنتج بداية معظم الأحيان كاسيتات و (سي دي) من الموسيقى العربية والإنكليزية وغيرها من الموسيقى الأوربية إلى جانب الموسيقى الكردية. إلا أنه عندما يشتهر أحد هذه الإستوديوهات وينتج عدد من الكاسيتات و (السي دي) الكردية سرعان ماتتم محاصرته في ضوء النهار وأمام أعين المارة، فيحطم رجال الأمن بأحذيتهم العسكرية كل محتويات ومعدات هذا الإستديو. في السنة الماضية فقط أغارت عناصر أمن الدولة بهذه الطريقة على أكثر من ثمانية إستديوهات موسيقى وصوت في منطقة عفرين وفي محافطة حلب، في أحياء الشيخ مقصود ولأشرفية والجميلية، فدمرتها وحطمتها, وقد أدى ذلك بأصحابها إلى الإفلاس.

 

 

 

الكرد في لبنان

    البنية الإجتماعية والسياسية

 

   أحمد محمود أحمد

 

 

 

 

نظرة في الماضي:

             أكتسب لبنان منذ أمد طويل في الشرق الأدنى دوراً إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً مهما. وقد منح هذا لبنان طاقة جاذبية دائماً, شدت إليه شعوباً مختلفة ومجموعات عرقية ودينية, ومن بينها الكرد الذين هاجروا  إليه وأقاموا فيه وضربوا جذورهم عميقا فيهً إلى يومنا هذا.

             كانت هجرة الكرد الأوائل مع بداية القرن الثالث عشر أثناء فترة سيطرة القلويين مابين (1279ـ 1290) حيث سكنوا المنطقة التي هي اليوم ضمن أراضي الدولة اللبنانية. وساهموا خلال فترة الحروب الصليبية في تحرير مناطق الساحل السوري من سيطرة القوات الصليبية. وفي الفترة اللاحقة قدمت أسر كردية أخرى من الأناضول إلى لبنان, وإستقرت على طول مناطقه الساحلية وفي مناطق مختلفة في البلاد, بهدف تأمين حماية مدن المنافذ البحرية والطرق المؤدية إلى الجبال من الغزاة القادمين عبر البحر. كتب الأحمر عن ذلك:

             ((أحضر العديد من الحكام في لبنان خلال القرن الرابع عشر الرجال الكرد ووطنوهم في شمال لبنان وعلى طول إمتداد المنطقة الساحلية كي يخدمونهم في توطيد أركان حكمهم, وحماية السواحل من غارات القوات الصليبية، الذين تم إخراجهم من المنطقة. إنضم عدد كبير من الكرد إلى جيش صلاح الدين الأيوبي، وجزء آخر منهم بقي في بعلبك وصيدا.

            هاجر كرد آخرون إلى لبنان, من الفلاحين ومربي الماشية بسبب الإضطرابات والأوضاع المعيشية الصعبة التي أدت إلى صعوبة الحياة في مناطقهم. حمل هؤلاء الكرد قوانينهم العشائرية وطريقة معيشتهم وكل أشكال بينتهم الإجتماعية معهم إلى لبنان. وكان بإستطاعتهم الإستمرار بطريقة حياتهم المعتادة من دون أية مضايقة، لأن السلطة العثمانية كانت تعطيهم هذا الحق، كبقية شعوب الإمبراطورية، طالما كانوا يؤدون واجبهم بدفع الضرائب لها. كانت الأمبراطورية تسمح للشعوب بإدارة شؤونها الداخلية بنفسها.

هذا العرض التاريخي يوضح أن الوجود الكردي في لبنان يعود إلى مئات عديدة من السنين، وأن الكرد شكلوا إلى جانب المجموعات الإثنية والدينية الأخرى نسيج المجتمع اللبناني، وهو الأمر الذي قام أيضاً العديد من المؤرخين اللبنانيين بتوثيقه.

 

أهم العشائر الكردية التي ضربت جذورها في لبنان هي:  

1ـ الأيوبيين: قدموا إلى لبنان في بداية القرن الثاني عشر عندما أعلن سنة (1139) الأب صلاح الدين حاكماً  على بعلبك. وفق رأي المؤرخين فإن الإيوبيين ينحدرون من سلالة النبلاء الكرد.

2ـ أمراء أسرة سيفا الذين تمركزوا في طرابلس بالدرجة الأولى, حيث مارسوا نفوذهم هناك بعد أن تغلبوا على منافيسهم من أمراء الإسرة العسافية وصادروا ممتلكاتهم.

3ـ أمراء أسرة المرابية الذين جاءوا إلى عكا، وهم الذين جذبوا الكرد الرشوانيين للهجرة إليهم في لبنان، وسكنوا في مناطق الحدود اللبنانية السورية.

4ـ أسرة جنبلاط: التي إستلمت زمام السلطة بعد إنتفاضة علي باشا جنبلاط سنة (1607). وهي إسرة لازالت تلعب حتى اليوم دوراً مهماً في التطورات السياسية والإجتماعية في لبنان.

5ـ العماديون أو أسرة عماد، وهي تتحدر من مدينة العمادي القريبة من الموصل في العراق. وقد إستوطنوا في منطقة العرقوب ويعتبروا من أهم الأسياد في العرقوب ويترأسون قيادة حزب اليزبكية.

6ـ أسرة حاميه التي جاءت من بلاد مابين النهرين إلى لبنان واستوطنت حول بعلبك.

هجرات الكرد في مراحل التاريخ اللاحقة إلى لبنان كانت أسبابها مختلفة, كإشتعال الثورات المحلية أو مشاكل دفع الضرائب, أو الخدمة العسكرية الإلزامية أيام الإمبراطورية العثمانية, حتى الهجرة من أجل العمل. وبما أن تلك المرحلة خلت من الإرتباطات مع الوطن الأم منذ الجيل الأول, فقد إبتعد هؤلاء الكرد عن جذورهم بالكامل وبقوا في لبنان بشكل نهائي. ضعفت علاقتهم مع الكرد في كردستان مع الزمن، وفي القاعدة إنقطعت في النهاية بشكل كامل.

 

مراحل الهجرة الكردية في القرن العشرين:

            سارات موجات الهجرة الكردية في القرن العشرين بموازاة الهجرة الأرمنية واليونانية وتكونت من عدة مراحل:

ـ المرحلة الأولى بدأت بعد ثورة الشيخ سعيد سنة (1925) في كردستان تركيا.

ـ في المرحلة الثانية تم تطبيق قانون الهجرة الجديد في لبنان سنة (32ـ 1930)

ـ المرحلة الثالثة حدثت في سنوات الأربعينيات من القرن الماضي. حيث هاجر في هذه الفترة, إضافة إلى الكرد الآخرين, أوالئك الذين لهم أقرباء مهاجرين من قبل.

ـ في المرحلة الأخيرة الممتدة من سنة (1941 حتى 1982) هاجرت أعداد كبيرة من كرد تركيا إلى لبنان بسبب الإنقلابات العسكرية هناك. عدا ذلك هاجر كرد سوريون أيضاً.

             كانت أسباب الهجرة الكردية في تلك المرحل على الغالب تعسف الحكومات والبحث عن حياة أفضل، وبسبب الضرائب المرتفعة, أو الهرب من الخدمة الإلزامية العسكرية في تركيا، والتخلف في المناطق الكردية والخلافات العشائرية، والظروف المعيشية السيئة بشكل عام.

            وهكذا نرى أن أسباب هجرات الكرد في القرن العشرين تعود أسبابها إلى الإضطهاد الإجتماعي والقومي إضافة إلى الظلم الإقتصادي الذي كانوا يرزحون تحت نيره.

 

الموقف الإجتماعي: 

              عدد السكان في لبنان من أصل كردي ليس معروفاً، ولكن حسب التقديرات يتراوح هذا العدد مابين (30) ألفاً إلى (75) ألفاً. يتجمع في العادة أبناء القرية الواحدة من الأناضول الكردي في الوطن الجديد لبنان في منطقة محددة واحدة. بعبارة أخرى يجري إختيار مكان الإقامة الجديد وفقاً لمعيار وجود أقارب من العشيرة أو القرية في هذا المكان، وهذا يشكل شبكة مهمة من أجل الإند ماج في الوطن الجديد. تشكل قرى مثل ماسرته وراشدي أمثلة على هذه الظاهرة. أما في المدن الكبيرة بيروت وطرابلس فقد توجه الكرد إليهما كي يكونوا على مقربة من أماكن العمل.

             لايملك الكرد اللبنانيون الجدد فرصة لإعتراف المجتمع اللبناني بهم كمجموعة عرقية تشكل جزء منه، حيث يكون بإمكانهم إثبات جدارتهم بالقيام بهذا الدور. أحد أسباب هذا الوضع يعود إلى أن الكرد ينحدرون من أصول قروية, أو تجمعات قروية صغيرة مستقلة إقتصادياً، وهذا لايؤهلهم لما يحتاجه مجتمع الحياة العصرية من مقدرة على إثبات الذات.

            قلة من اللبنانيين الكرد سنحت لهم الفرصة بتحصيل مهن إختصاصية، لهذا فهم يعملون عادة في مجال الخدمات والأعمال البسيطة. وهم لايلقون كمهاجرين جدد الترحيب, سواء من الدوائر الحكومية أومن سكان المنطقة الأقدمين. ولايلقي المرء بهم بالاً, أو يبدي بهم إهتماما يستحق الذكر. المشكلة الرئيس التي يعاني منها الكرد اللبنانين, هي في وضعيتهم كأجانب وينظر إليهم كغرباء. ونتيجة لهذا الوضع  لاتشملهم الخدمة العسكرية، بل حتى إمكانية التعليم هم محرومين منها. وهم نسبياً معزولين عن الحياة الإجتماعية في البلاد بشكل كامل.

              واليوم أيضاً تتركز نشاطات الكرد الأقتصادية في لبنان على تجارة التجزأة في مجال المواد الغذائية والمطاعم. أما المشاريع الإقتصادية الأكبر, التي تنشط في المجال الدولي, فهي نادرة جداً لدى الكرد في لبنان. هناك عدد من الكرد يمتلك المطابع, وعدا ذلك ليس لديهم نشاطات إقتصادية جديرة بالذكر.

              مايجب الإعتراف به, هو أن المهاجرين الكرد الجدد في القرن الماضي يختلفون عن الأجيال الأقدم, وذلك في حفاظهم على الرابطة مع وطنهم الأصلي (جنوب شرق الأناضول)، ولاتزال علاقاتهم مع أقربائهم هناك مستمرة. وقد إشترى عدد منهم الاراضي والعقارت السكنية في موطنه الأصلي, ويحافظ على ثقافته ولغته. وقد ساهم هذا الأمر بتقوية العزلة مرة الأخرى، التي ضربها حولهم مجتمع الأغلبية من السكان. ولم يتأثروا كثيراً بالتطورات الكبيرة التي حدثت في لبنان، إذا إستثنينا الجهد الوحيد الذي بذله كاميران بدرخان، الذي نظم في سنوات الأربعينيات دورات تعليمية مسائية لتعليم اللغة الكردية في الناصرة، وبذل الجهود في مكافحة الأمية بين الكرد, وأصدر العديد من الصحف والمجلات، منها على سبيل المثال مجلة ((روجا نوى)) (اليوم الجديد) ومجلة ((استير)) (النجمة) إلى جانب جريدتي ((الجريدة))و ((AL- Lajour)). ظل الوضع في الواقع كما هو حتى الستينيات من دون تغييرات.

            وقد كان يبث برنامجاً إذا عياً باللغة الكردية من إذاعة الشرق. و كان هذا البرنامج موجهاً إلى عموما كردستان، إلا أنه من الغرابة بمكان أن هذا البرنامج لم يكن موجهاً إلى الكرد اللبنانيين.

            بعد تأسيس الحركة النقابية في لبنان, وإستفحال أزمة الصراع العربي الإسرائيلي, وإندلاع الثورة الكردية في العراق في أيلول (1961)، تشكل لدى الكرد اللبنانيين وعي قومي جديد. منذ ذلك الحين طور الكرد اللبنانيون أنشطتهم بشكل ملحوظ، سواء بتأسيس النوادي والمؤسسات الإجتماعية والثقافية, أو التجمعات الفنية، وباتوا يحتفلون بعيد النوروز بشكل رسمي. إلا أن جل إهتمام هذه الأنشطة كان منصباً على قضية تجنيس المهاجرين.

 

نظرة شاملة حول النوادي والجمعيات الكردية في لبنان:      

              الأسطر التالية تلقي نظرة شاملة على النودي التي تشكلت في سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في لبنان:

ـ النادي الخيري الكردي اللبناني:

             ركز هذا النادي إهتمامه على القضايا الإجتماعية, فأفتتح في تشرين الثاني سنة (1967) مركزا للعلاج الطبي، وقدم عدداً من الخدمات الإجتماعية.

ـ الجمعية العليا للرياضة والثقافة:

             تأسست (18 آذار 1969) ورعت الأنشطة الرياضية والثقافية، وأصدرة مجلة دورية إسمها ((راستي)) (الحقيقة). 

جمعية الطلبة الكرد في لبنان:ـ

            تأسست هذه الجمعية في (حزيران 1970) في بيروت. هدف هذه الجمعية هو العمل على تطوير الأوضاع اإجتماعية للطلبة الكرد. وقد أصدرت مجلة إجتماعية ثقافية ((بيربانغ)) (الفجر) باللغة العربية والكردية. إستمر نشاطها حتى سنة (1974).

 

ـ جمعية الكرد الإجتماعية والثقافية:

             تأسست سنة (1975)  في بيروت. كان هدفها الأول هو العناية بالثقافة الكردية وتشجيعها.  بالإضافة إلى دورات محو الأمية التي قدمتها هذه الجمعية , أصدرت مجلة دورية بعنوان ((ريبر)) (الدليل) والعديد من الكتب، مثل كتاب لتعليم اللغة الكردية. تم سحب رخصة هذه الجمعية سنة (1983) أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.

             كما تأسست في سنوات السبعينيات عدد من الجمعيات الكردية المختلفة, والتي تميزت عن الجمعيات السالفة الذكر بأنها كانت تمثل مصالح مجموعات عائلية تنتمي إلى مناطق أصول معينة. فتأسس (1974) ((الإتحاد الإجتماعي لأبناء مصراته))، وبعد سنة تأسس ((إتحاد العميرات)).

 

منظمات الكرد اللبنانيين السياسية:

 

ـ الحزب الديمقرطي للكرد اللبنانيين(البارتي):

                كانت الجهود الإجتماعية في سنوات الستينيات متصلة أحياناً بنشاطات سياسية. وكانت هذه الأنشطة متضافرة مع أنشطة المنظمات الشبابية التابعة للحزب الديمقراطي اللبنانيين (البارتي). وقد حصل (البارتي) في أيلول (1970) على التصريح الرسمي، فوزعوا المناشير وأصدروا الكتب التي لاتتضمن فقط مجرد آمالهم وهمومهم الإجتماعية, بل وعبروا عن موقفهم إزاء قضايا سياسية في منتهى الأهمية. على سبيل المثال قدموا الدعم للكرد العراقيين في بيروت، التي كانت مكان الحدث الرئيسي للأخبار في الشرق الأدنى.

             إحتفظ حزب (البارتي) بأهميته السياسية مدة طويلة من الزمن. فبذل الجهود من أجل حصول الكرد على الجنسية اللبنانية، ومن أجل توحيد الكرد تحت راية واحدة. إلاأن الحزب (البارتي) لم يكن ذاته بوسعه الحفاظ على إستمرار وحدته، إذ تعرض للإنشقاق بين صفوفه.

ـ منظمة حزب كردستان الديمقرطي (DPK):

             تشكلت الخلايا الأولى لحزب الـ (KDP) في سنوات السبعينيات من المجموعات الطلابية ومن العمال الكرد السوريين، الذين كانوا يقيمون في لبنان وينسقوا أنشطتهم مع الحركة الشبابية للكرد اللبنانيين. كانت هذه المنظمة تحمل الفكر الديمقراطي وفي منتصف السبعينيات أخذت تميل إلى اليسار أكثر. أنضمت إلى ((جبهة القوى والأحزاب الوطنية التقدمية اللبنانية)). وأصدرت المنظمة جريدة ((روهالات)) التي إستمرت حتى بداية سنة (1980). ثم أصبحت فيما بعد نشرة دورية. تبلور عن حزب (DPK) إتحاد المثقفين الكرد اليساريين "كاوه", الذي أصدر حتى ذلك الحين مايقرب (70) كتابا ونشرة,وقد غير إسمه في نهاية كانون الثاني (1982)  إلى ((إتحاد الشعب الكردي في لبنان)).

 

ـ منظمة الكرد التقدميين في لبنات:

             نشأت منظمة الكرد التقدميين في لبنان نتيجة إنشقاق ((إتحاد الشعب الكردي في لبنان)) أثناء المؤتمر الحزبي في نهاية السبعينيات. الجريدة الناطقة بإسم المنظمة تسمى ((بيشكفتين)). وقد أصدرت سلسة من الكتب والنشرات.

 

ـ منظمة حزب الكرد اللبناني اليساري (الحركة المعدلة):

             كانت هذه المنظمة (الحركة المعدلة) هي أيضاً نتيجة للخلافات الداخلية الحزبية في ((إتحاد الشعب الكردي في لبنان))ـ حيث إنشقت عنه في آذار (1979).

 

ـ حزب رزكاري الكردي البناني:

              تأسس حزب رزكاري بتاريخ (2 نيسان 1975) بصورة رسمية. هدف هذا الحزب هو تحسين أوضاع الكرد في حقول المجتمع والتعليم في لبنان، بالإضافة إلى السعي من أجل الدفع بالنظام في لبنان نحو التطور الديمقراطي والبرلماني. منذ المؤتمر التأسيسي الأول في (7 تموز 1975) ركز الحزب على شؤون الكرد، خاصة قضية تجنيسهم, الأمر الذي طالما سعوا إليه بفارغ الصبر.

 

ـ حزب رزكاري الكردي اللبناني (جناح عبدالكريم إبراهيم):

             وهو عبارة عن جماعة صغيرة إنشقت عن حزب رزكاري، وفقدت أهميتها بعد الإجتياح الإسرائيلي للبنان سنة (1982).

ـ إتحاد الكرد اللبنانيين الديمقراطيين: (الرابطة)

            تأسست هذه المنظمة بداية آيار (1981) في بيروت. كانت المهمة الرئيسة التي أخذتها هذه المنظمة على عاتقها هي تحسين الأحوال المعيشية للكرد اللبنانيين وتقديم خدمات التوعية لهم.

 

ـ اللجنة الثورية الكردية:

             تأسست هذه المنظمة كجزء من ((إتحاد العمال)) في لبنان. وتكونت نشاطاتها الرئيسة من إصدار نشرات إعلامية وتنظيم الندوات السياسية من أجل دعم إنتفاضة وثورة الكرد في تركيا. أصدرت في (5 آب 1984) بياناً أعلنت فيه عن تشكيل ((وحدة من أجل تحرير كردستان)). وقدمت منذ آيار (1982) برنامجاً

 إذاعياً ضمن إذاعة ((صوت الثورة العربية)).

            وهي تناضل من أجل الكرد في لبنان, كما تركز على موضوع الجنسية. وقد نشرت حول هذا الموضوع مقالات ودراسات عديدة في مجلة ((صوت العمال)). وقد دعت في نداءات مشتركة مع منظمات أخرى كردية وعربية وأرمنية, إلى تحقيق الوحدة القومية الكردية, وإلى تقوية التضامن بين القوميات.

 

ـ الإتحاد الكردي الموحد: رابطة

             تأسس هذا الإتحاد في شباط (1982) كمنظمة سياسية خيرية إجتماعية وثقا فية، تهدف إلى لم شمل العائلات الكردية في لبنان وتنظيمهم تحت شعار ((نحن لدينا الحق في لبنان)).

 

إتحاد الوطنين الكرد في لبنان:

            نشأ هذا الإتحاد سنة (1984) من أجل جمع القوى الكردية المنفردة في لبنان. ويرى أن من واجبه إزاحة المصاعب التي تواجه الأقلية الكردية في لبنان، وبشكل خاص قضية التجنيس، وأصدر نشرة تحت عنوان ((القضية الكردية ـ لبنان ـ الواقع الحاضر وتطلعات المستقبل)), نوقشت في هذه النشرة أفكار وبرنامج الإتحاد. من الجهود التي قام بها، زيارات لممثلي السياسة والشخصيات الدينية المعروفة لشرح أوضاع الكرد في لبنان لهم.

            إذا ألقينا نظرة إلى الماضي, فإننا نرى أن الحائل دون حل المشاكل القائمة أمام العيش المشترك بين الكرد وغير الكرد في لبنان, هو المشاكل الداخلية والتقصير ببذل الجهود في مجالات عدة، وهو الأمر الذي أفسد جميع المحاولات قبل أن تبدأ.

            كانت إهتمامات وأنظار المبادرات القليلة العدد متوجهة إلى شؤون كردستان أكثر من قضية تجنيس الكرد في لبنان، مثل تلك المبادرة التي أسستها في الأربعينيات عائلة بدرخان، حيث أصدروا على سبيل المثال مجلة ((روجي نوي)) و ((إستير))، كما قدموا البرامج الوثائقية في إذاعة ((راديو الشرق)).

             كانت المبادرات الكردية في لبنان عبارة عن جهود ومحاولات مبذولة بصورة متفرقة وفردية على الغالب, بحيث بالكاد تمكنت من تحقيق الآثار المرجوة. عدم مراعاة الكرد اللبنانيين على المستوى الرسمي والقومي أدى إلى عدم إنطلاق مبادرة ذاتية كافية لتحسين أوضاعهم. يشكل الدعم الذي تلقوه من وزير الداخلية اللبنانية ذو الأصل الكردي كمال جنبلاط، الإستثناء الوحيد لهذه الحالة, حيث  ساهم بجهود قوية من أجل حصول الكرد اللبنانيين على نوع من ((وثيقة إثبات الهوية))، والتي تحولت فيما بعد إلى بطاقة شخصية مؤقته تسمى ((جنسية قيد الدراسة)). كان يسمح لحامل هذه البطاقة بالإنتماء إلى الأحزاب وعدد من الجمعيات والنوادي الإجتماعية والثقافية وإلى الإتحادات العائلية.

            لم تكن الجمعيات الكردية التي تأسست حتى بداية الحرب الأهلية اللبنانية عملياً رسمية، ولم تقدم فائدة تستحق الذكر للناشطين فيها. أدت الحرب الأهلية والإجتياح الإسرائيلي والأوضاع السياسية المضطربة في البلاد إلى حالة سكون بالنسبة لإندماج الكرد في المرحلة اللاحقة.

بعد نهاية الحرب في لبنان وإستقرار الوضع فيه نشأت مجموعات أخرى مثل:

 

 

ـ المجلس الأعلى للإستقراطية الكردية اللبنانية:

           أسس هذا المجلس ثلاثة شخصيات معروفة من عائلة كردية لبنانية بعد الحرب مباشرة وقبل الإنتخابات النيابية اللبنانية. ترأس هذا المجلس وهاج شيخ موس الذي كان قد أسس مع إخوته شركة تجارية لاقت الإزدهار في بدايتها. ولكن ظلت نشاطات هذا المجلس محدودة، ثم إنهار المجلس قبل عدة سنوات مع إنهيار الشركة التجارية.

 

جمعية كانداريب الخيرية:

            أسس هذه الجمعية قبل عدة سنوات سكان قرية كانداريب بمساعدة رئيس الحكومة حينها. إقتصرت هذه الجمعية على طبقة محددة، و وفق المعلومات المتوفرة عنها, لم تقم بنشاطات ولم تقدم المساعدات لعموم الكرد.

ـ النادي اللبنائي الثقافي الإنساني الكردي:

          تأسس هذا النادي قبل عدة سنوات، إضافة إلى نشاطاته الأخرى,  يحاول أن يكسب الطلبة الكرد، الذين تنامى عددهم، وتنظيهم في منظمة طلابية سرية. وكما ينظم سنوياً تظاهرة ثقافية كبيرة في لبنان.

             بالرغم من عدم ظهور أزمات مكشوفة بين الأقلية من أصول كردية في لبنان وبين أغلبية السكان اليوم، إلا أنه لم يحصل الإندماج الفعلي لهذه الأقلية في المجتمع اللبناني. هذا يسري في الدرجة الأولى على الكرد الذين هاجروا بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية. بداية مع إصدار قانون التجنيس الأخير في التسعينيات شمل الكثير من هؤلاء المهاجرين بالفائدة. إلا أن الطريق لايزال طويل أمام الإعتراف بالكرد كأقلية تسهم في النسيج الإجتماعي اللبناني.

 

 

 

 

 

 أوضاع الكرد في مناطق الإتحاد السوفيتي السابق

  ميهويه شاكيرو

 

              هاجر الكرد في أزمنة ومراحل عديدة إلى مناطق الإتحاد السوفيتي السابق. وهذا ينطبق في الدرجة الأولى على مناطق جمهورية أزربيجان السوفيتية. يعيش القسم الأعظم من الكرد منذ القرن العاشر والحادي عشر في مناطق لاتشين كلبلد شار وكولباتلين وزانكيلان. يرتبط هذا تاريخياً بمرحلة حكم الأسرة الكردية الشداديين مابين (951ـ 1088).

              كان الكرد يشكلون أغلبية السكان في هذه المناطق في زمن تطبيق النظام السوفيتي في أزربيجان، وخير دليل على ذلك هو أرقام الإحصاءات وتغيير إسم المنطقة حينها وتسميتها ((كردستان)).

في سنة (1929) تم إحصاء (41000) كردياً في المنطقة. لدى تأمل المعدل الوسطي للولادات في هذه الجمهورية، وبمراعات معدل التكاثر العالي بشكل خاص لدى الكرد في المناطق الزراعية، عدد الكرد في أزربيجان زمن إنهيار الإتحاد السوفيتي، لم يكن أقل من (25000) نسمة. أما الاحصاعات الرسمية للحكومة الأزربيجانية، التي تنتهج منذ ثلاثينيات القرن الماضي سياسة الصهر القومي المنسجمة بالكامل مع السياسة الأتاتوركية ضد الكرد,فهي مغايرة للواقع.

            كما تعيش مجموعة كبيرة من الكرد في تركمانية. ينحدر معظم هؤلاء الكرد من منطقة خراسان في إيران، حيث تم نفيهم من قبل الشاه عباس. المصير المأسوي لهؤلاء الكرد لايقل عن ماسوية مصير الكرد الآخرين. حيث تعرض الكرد إلى إجراءات سياسة الصهر القومي، والتي كانت في زمن قصير نسبياً، حيث أصبح في الستينيات من القرن الماضي عدد الذين تمكنوا من الحفاظ على مقوماتهم القومية لايتجاوز آلاف قليلة.

              يجب ألاننسى أن الدين الإسلامي لعب دوراً بارزاً في خسارة الكرد هويتهم القومية، إلى جانب الضغوطات السياسية وطرق الصهر الأخرى التي تعرض لها الكرد في أزربيجان وتركمانيا وجمهوريات آسيا الوسطى الأخرى. وفق الشريعة تشكل جميع الشعوب المنتمية إلى الإسلام أمة ((الإيمان)) المشترك. وأحد  أهم مبادئ هذا الدين هو أن الدين فوق الأعراق. تحت ظل الأمية وثقافة سياسية متخلفة أصبح من السهولة بمكان إحساس السكان الكرد بالإنتماء إلى الأغلبية المسيطرة من السكان الآخرين.

              كان تطور الوضع مغايراً بالنسبة للكرد في أرمينيا وجورجيا، إذ أن غالبية الكرد في هذه الجمهوريات تنتمي إلى العقيدة اليزيدية، أي لاينتمون إلى العقيدة الإسلامية. وكان الكرد المسلمون مقارنة مع الكرد اليزيدين هم الأقلية. لم تكن مصادفة أن يعيش الكرد اليزيدين في المناطق المسيحية، وإنما بسبب تعرضهم للملاحقة من قبل حاملي العقيدة الإسلامية. لقد بدأت عملية تهجير الكرد اليزيدين إلى أرمينيا الحالية في زمن الحرب الروسية التركية في سنوات (1853ـ 1856).

              بعد قمح الثورة الكردية في منتصف العشرينات من القرن الماضي في كردستان تركيا، هاجر آلاف الكرد المسلمين إلى أرمينيا هرباً من الملاحقات. كما لحأ إلى جورجيا لنفس الأسباب كرد مسلمون ويزيديون.

              يبلغ عدد الكرد في الإتحاد السوفيتي وفقاً لأرقام الإحصاءات الرسمية (000 180) نسمة، إلا هذا العدد بحاجة إلى تصليح. لأن هذا الرقم لايشمل (000 250) كردي من الذين يعيشون في أزربيجان, حيث رفضت الحكومة في باكو إحصاء سنة (1979) من دون أية إثباتات، وبالتالي الإعتراف بحقيقة  وجود كرد يعيشون في أزربيجان.

              وفقاً للمصادر الرسمية يعيش في أرمينيا وجورجيا (56000) أو (37000) كردي. وهذا أيضاً لايعكس العدد الحقيقي للكرد هناك حيث أن الكرد اليزيدين الذين تم إحصائهم يعزلون أنفسهم عن وعي عن الكرد المنتمين إلى معتقدات أخرى. عدا ذلك فأن الحكام المحليين يحاولون لأسباب سياسية إبقاء عدد الكرد متدنياً كي يتملصون من منح الكرد حقوقهم القليلة المعترف بها، مثل التمثيل في الأجهزة الحكومية وحقهم  بعدد من المرشحين الكرد للهيئات الإنتخابية.

              الإحصاءات المزورة لعدد السكان في جمهورية كازاخستان وبقية جمهوريات آسيا الوسطى تعكس نفس الصورة. يمكن مضاعفة الأرقام المصرح بها هناك.

             إذا تأملنا أوضاع الكرد اليوم في مناطق الإتحاد السوفيتي السابق نصل إلى نتيجة مفادها، أن إنهيار الإتحاد السوفيتي السابق خلف آثاراً سلبية على أوضاع الكرد هناك. بالنتيجة تم تشتيت الكرد في جميع الإتحاد السوفيتي السابق بخلاف الشعوب الأخرى التي تحظى بحياة إجتماعية وقومية وثقافية مستقرة.

            يجب التأكيد  هنا على أن الكرد أيضاً كبقية شعوب وأقليات الأتحاد السوفيتي كانوا يعيشون تحت ظروف النظام الشمولي ومحظوراته. وكانوا معرضين أيضاً للظلم، والترحيل والتهجير القسري من مناطق سكناهم. إلا أنهم على الأقل فيما يخص الحياة القومية والثقافية كانوا يحظون بمزايا مهمة، وفي مقدمتها عدد من الإمكانيات التي كانت مهمة بالنسبة للحياة الثقافية القومية الكردية:

كإصدار صحيفة باللغة الكردية في أرمينيا، وإذاعة كردية، وطباعة كتب مدرسية وكتب أدب الفنون باللغة الكردية، وإنتخاب نواب كرد للمبرلمان، وتعليم المختصين الكرد في قسم علم اللغة الكردية (كردولوجي) في مركز الإستشراق في موسكو وبطرسبورغ وإيريفان، ومسرح كردي حكومي والكثير غير هذا.

 

             كانت بدايات المرحلة القادمة عشية إنهيار الإتحاد السوفيتي واضحة بماسوف تحمله معها. فقد أوضح حينها جميع ممثلي الأقلية الكردية تقريباً بأن حل الإتحاد السوفيتي سوف يكون ضربة جدية ستعود باوضاع الكرد إلى الوراء. لم تكن وجهة النظر هذه من دون مبررات كما أثبت الزمن ذلك. لقد إستفاد الكرد السوفيتيين الذين يعاني وطنهم الأصلي من إضطهاد القوى الأجنبية، مثل بقية الشعوب الكبيرة والصغيرة في الإتحاد السوفيتي من الحقوق والإمكانيات التي كانت بحوزتهم. عدا أنهم كانوا يرون في موسكو ومراكز الجمهوريات السوفيتية التي عاشوا فيها، نوع من الضمانة لمساواتهم. إنهيار الإتحاد السوفيتي غيرّ أوضاعهم بطريقة فجائية. فساءت أوضاع الأقليات القومية بشكل بالغ بسبب توتر العلاقات الشديد بين الأعراق في منطقة الإتحاد السوفيتي السابق، وخاصة بسبب السياسة  القومية التي فضلتها الادارات الحكومية للجمهوريات الجديدة في تلك المناطق,  التي كانت نتيجتها التهجير القسري للأقليات القومية من مناطق سكنهم، وأدت إلى إزدياد حدة المشاكل الإقتصادية.

 

             نتيجة الإجراءات الضرورية ولكن المتسرعة أيضاً، التي إتخذت من أجل إعادة بناء الهيكلية الإقتصادية للإتحاد السوفيتي السابق، كانت جيوش من العاطلين عن العمل، الأمر الذي أدى إلى تردي الأوضاع المعيشية بصورة فظيعة. وهكذا يمكن إعادة سقوط الأقليات القومية في روسيا إلى عوامل قومية وسياسية وإقتصادية.

 

            أصبحت روسيا في ظل هذه الأوضاع مكان اللجوء الأساس بالنسبة لكرد الإتحاد السوفيتي السابق. يقدر عدد الكرد في الوقت الراهن في روسيا الإتحادية بـ (150ـ 200) ألف كردي منتشرون من كامتشاتكا حتى دول الجمهوريات البلطيقية. وهم يعملون في مهن مختلفة كعمال وفلاحين وحرفيين ، وكأطباء ومهندسين ولديهم درجات تعليم متفاوتة.

 

             ليس من الضرورة بمكان وصف أوضاع مجموعات الكرد هذه هنا كلا على حدا ، لأنها تشبه إلى حد بعيد أوضاع المجموعات أمثالها من الأقليات القومية الأخرى. ولكن حقوق الكرد القومية في روسيا المتمثلة في الدعم السياسي والمادي في وضع سيء نسبياً. لايمكن فهم ذلك إذا لم يسلط المرء الضوء على المعاملة المختلفة التي ينتهجها الإتحاد الروسي مع الأقليات القومية.

              تتشكل الأقليات القومية في الإتحاد الفيدرالي الروسي من ثلاثة مجموعات:

1ـ أقليات قومية تنتمي إلى شعب كانت له حكومة قومية في الإتحاد السوفيتي السابق أو جمهورية سوفيتية. وهذه الحكومات تشكلت إما في الوطن التاريخي لهذا الشعب، مثل روسيا وأوكرانيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا وأزربيجان وجورجيا وغيرها، أو شعوب تتمتع بحكومات قومية ذاتية ضمن إطار الإتحاد الروسي، كالتتار والشيشان والأستيين وغيرهم.

2ـ أقليات قومية لاتمتلك بنية حاكمة ذاتية ضمن الاتحاد الروسي، ولكنهم ينتمون إلى أعراق لها حكومات خارج الإتحاد السوفيتي السابق، وينتمي إلى هذه المجموعة الألمان والبولونيون والهنغار والكوريون واليونانيون والبلغاريون واليهود وغيرهم.

3ـ أقليات قومية لاتمتلك حكومات قومية ولابنية حاكمة ذاتية أيضاً سواء داخل أو خارج الإتحاد الروسي أو في الإتحاد الفيدرالي (GUS). الممثلون النموذجيون لهذه المجموعة للأسف والوحيدون تقريباً هم الكرد.

          

 الأقليات القومية التي تنتمي إلى المجموعتين الأولى والثانية تتلقى في القاعدة الدعم السياسي والمعنوي من أوطانها التاريخيية ومؤسساتها بكل أنواعه. في هذا الإطار ومن خلال الإمكانيات الأخرى تتلقى هذه الأقليات المساعدة المادية للحفاظ على ـ وتطوير هويتها الثقافية. وبعض النظر عن ذلك فأنه من الوضح أن هذه الأقليات القومية تحظى بكل الأحوال من أصحاب السلطة الروسية بالافضلية فيما يخص الشؤون الثقافية , وبهذا تتمتع هذه الأقليات بإيجابيات الإتحاد الروسي. أما فيما يخص المجموعة الثالثة, والكرد بشكل خاص فإن الوضع يختلف قليلاً. إذ أنهم لايتلقون أي دعم سواء سياسي أو معنوي أو مادي. ليس هناك حكومة تقف خلفهم أو إدارة سياسية قومية تسندهم وتساعدهم أو تؤثر إيجابياً على مسيرتهم.

 

            تتجلى بصورة عامة المواصفات النموذجية لشروط حياة الأقليات القومية في الإتحاد الروسي (GUS) في إمكانيتها ضمن إطار الشروط القانونية الديمقراطية الجديدة تأسيس مجتمعاتها الثقافية بصفة رسمية، وبأنها تستطيع ممارسة حياتها المشتركة بشكل مناسب وإصدار صحفها ومجلاتها بلغتها القومية. أما فيما يتعلق بالكرد في هذا الخصوص فلا توجد حركة ملموسة بإتجاه  التطوير الثقافي كأقلية قومية. أما الأسباب الرئيسية لذلك فهي التالية:

 

أـ الوضع غير الواضح لممثلي هذه الجماعة, الأمر الذي يحول تلقائياً دون إتخاذ خطوات فعالة في هذا الإتجاه.

ب ـ فقدان الأدوات اللازمة لتنفيذ المخططات من أجل تطوير الحياة الثقافية القومية.

            ومما فاقم هذه الوضع أكثر بقاء المخططات مجردة في مرحلة ما بعد الإتحاد السوفيتي, حيث أصبحت الإمكانيات متاحة على الإطلاق للتطور القومي والثقافي بالنسبة للأقليات القومية.

             تعود أسباب تردي أوضاع الأقليات القومية على عدة أصعدة، وهذا يشمل الكرد أيضاً، إلى وضع كل دولة من دول الإتحاد الروسي (GUS) مصلحتها في الأولوية المطلقة، أثناء ذلك تتجاهل مصالح الأقليات القومية جزئياً أو بالكامل. وهكذا انشأت تربة خصبة لإحياء التيارات القومية المتطرفة لدى جميع القوميات.

            تفسير مصطلحات مثل الإستقلال والحرية وحق تقرير مصير الشعوب، بصورة تقتصر على مجتمع الأغلبية، هو النموذج لوضع أولوية مصالح مايدعى ((الشعب المتسيد))فوق جميع الإعتبارات الأخرى ، أما الأقليات القومية فيتم إستثنائها.

 

 

             مصطلحات مثل الديمقراطية والتصرف السياسي الحر  بإمكان المرء ربطها بما تعنيه من إسلوب حياة وعادات وإحساس بالعدالة. هذا التفهم لايزال على مجتمع مابعد الإتحاد السوفيتي تعلمه. يجب على المجتمع بداية أن يعتاد على هذا، وعلى أفراد هذا المجتمع أن يلائموا تصرفاتهم الشروط بالسياسية والإجتماعية للحياة الجديدة. الأقلية القومية الكردية في الإتحاد الروسي (GUS) ليست غير منظمة فقط، بل أيضاً ضحية لممثلي الحكومات المختلفة ولأجهزة الأمن.

 

            أصعب مشكلة الآن في روسيا هي التصريح بمكان الإقامة، والذي يدعى حالياً ((التسجيل)) أو ((التوطين)). آلاف الكرد إتخذوا لهم مسكناً في السنوات (5ـ 10) الأخيرة في مناطق كراسنادارسك وستافرو بوليسك، إلا أنهم لم يسجلوا أماكن إقامتهم رسمياً. وبالنتيجة لايستطيع أغلبهم الإستفادة من الخدمات الإجتماعية الحكومية ويعيشون حياة الفقر.

 

           الأوضاع في مدن روسيا الأخرى ليست بأفضل حالاً خاصة في موسكو. لقد هاجر آلاف الكرد من قرغيزيا وأرمينيا وجورجيا وأزربيجان وكازاخستان. عدد قليل منهم وصل إلى أوربا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وإستقر فيها. أما أغلبيتهم فقد ظلوا في روسيا. تجدر الإشارة إلى أن أسباب هذه الهجرة الكبيرة هي إقتصادية وسياسية وبسبب التعصب القومي الجديد. كانت نتيجة ذلك إنتزاع إناس من ظروفهم الحياتية التي إعتادوا عليها وخسارتهم حياتهم الإجتماعية وفؤائدها.

           

 في روسيا عامة وفي موسكو بشكل خاص ينظر إلى الكرد معظم الأحيان كجزء من مجموعة السكان الجديدة التي بطلق عليها تسمية ((شكل وجه القومية الكازاخية)). وغالباً يطلب منهم ((لماذا لاتعودوا إلى جمهوريتكم المستقلة)). لايستوعب أحد من الحكام أنه ليس من الحضارة أو المنطق بشي مطالبة الكرد ((إذهبو إلى بيوتكم، إذهبو إلى بلادكم)). لأن الكرد ليس بمقدروهم الهجرة إلى أي مكان، لأن وطنهم التاريخي ((كردستان)) مقسم ومحتل. عدا هذا إنهم مواطنون للإتحاد السوفيتي السابق وليسوا بمواطني الدول التي كانت أجزاء من الإتحاد السوفيتي، وتستطيع كل الحكومات التي نشأت مكان  هذه الدول مطالبة الكرد بنفس الطلب.

             يجب الأخذ بعين الإعتبار أثناء مناقشة إمكانية حياة الكرد في روسيا وعملية إدماجهم في الحياة الاجتماعية بعاملين:

 

1ـ أن أغلبية الكرد الذين يعيشون في روسيا هم كرد ناطقون بالغة الروسية وهم أصحاب إختصاصات وبينهم أخصائيين أضطروا بسبب النظام الإقتصادي الروسي الجديد إلى البحث عن,  والعمل في مهن جديدة. إلا إن هذا أيضاً يعيقهم في تأمين لقمة العيش في هذه البلدان الجديدة. إنهم لايجدون حتى في روسيا ذاتها ـ ولو لأسباب أخرى, أية فرصة عمل. الأمر بالنسبة لهم أصبح دائرة شيطانية. نشأ بالنتيجة عدد كبير من العاطلين عن العمل بين الكرد المقيمين في الإتحاد الفيدرالي (GUS) والذين يعملون الآن في التجارة , رغم أن  قسما كبيرا منهم  كانوا معلمين ومهندسين وأطباء أو حاملي شهادات من إختصاصات أخرى, أصبحوا الآن مضطرون للعمل في مجال التجارة, أوالعمل في أعمال عضلية كي يتمكنون من إعالة عائلاتهم.

 

2ـ أن مشكلة اللاجئين والمهاجرين (والكردينتمون إليهم) هي ليست مشكلة روسية فقط. إنه موضوع ملح ومثير للقلق بالنسبة للدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية وإسترالية أيضاً. إن روسيا هنا ليست معنية  كقوة عظمى فقط، وإنما أيضاً بسبب التغييرات الشبيهة بالزلزال التي حدثت في الإتحاد الفيدرالي، التي لها علاقة مباشرة بمصير الروس وبمصير الأقليات التي تعيش في روسيا. التغييرات في روسيا هي أيضاً حاسمة بالنسبة إلى مصير اللاجئين والمهاجرين، وفي هذه الحالة الكرد أيضاً.

 

            ولكن على المرء هنا أن يميز بين وضع وضع اللاجئين والمهاجرين في الغرب وبين وضعهم في روسيا. تشكل هذه المشكلة بالنسبة للدول الغربية عبئاً على المدى البعيد لأن عملية دمج اللاجئين والمهاجرين في المجتمع الجديد، وتلبية إحتياجاتهم مرتبطة بنفقات مالية ضخمة. كما أن عادات المهاجرين تعيق عملية الإدماج معظم الأحيان بسبب الخلفية الثقافية والعرقية المختلفة عن بيئتهم الجديدة. يضاف إلى ذلك عاداتهم وتقاليدهم القومية والدينية الخاصة بهم، ودرجة تعليمهم وخبراتهم المهنية ,وأخيراً العامل الأهم وهو قابليتهم لتعلم لغة جديدة.

 

             من البديهي أن حالة المهاجرين الكرد إلى روسيا تختلف بالكامل فيما يخص العوامل آنفة الذكر. كان للكرد، سواء المهاجرين أو المنتمين إلى الأقلية الكردية المقيمة، حتى وقت قريب في ظل النظام السوفيتي مؤسسات قومية وثقافية وسياسية موحدة. لقد إستفادوا جميعهم من نظام تعليم موحد وكانوا يتحدثون باللغة الروسية.

           لاتتطلب عملية تسريع وتقوية إدماج الكرد في روسيا وفي الإتحاد الفيدرالي (GUS)نفقات كبيرة. من الأهمية بمكان توفير الفرصة لهم للعيش والعمل كي يساهموا بدورهم المتواضع في خدمة الصالح العام. لن يكون تسريع عملية دمج الكرد صبعاً أذا توفرت الرؤية المدروسة جيداً التي تخلق المناخ الملائم لمشاركتهم بالحياة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية في روسيا.

 

            تتكون مشكلة الأقلية القومية الكردية من حيث المبد أمن فرعين، الأول يتعلق بوضعية الجنسية، والثاني يتعلق بقضية البنية والحقوق القومية والثقافية. حل الفرع الأول من المشكلة يعود إلى موقف السلطات المركزية والمحلية. أما بالنسبة لقضية الحقوق القومية والثقافية للأقلية الكردية فهي بحاجة إلى نقاش خاص. كما أن المطالبة بهذه الحقوق مشروعة.

            من الممكن الإستفادة هنا من تجارب الزمن السوفيتي وتجارب الدول الأوربية، حيث تم هنا بناء سلسلة من البنى القومية والثقافية للكرد المهاجرين التي دعمت حق الكرد بالإستقلال الثقافي.

 

            هناك فرصة بجعل الأقلية الكردية، التي تقدم حالياً كعبىء وتهديد، عنصراً يلعب دوراً إيجابياً وفعالاً في الحياة الإقتصاية والإجتماعية والسياسية في روسيا وفي دول الإتحاد الفيدرالي (GUS) الأخرى. هذا الأمر يتطلب بعد نظر سياسي والقناعة بأنه بات في عالم اليوم المتحضر سلوك الدولة مع الأقليات القومية من أهم علامات الديمقراطية ومقياس لقيم الحرية. وهذا يصيب الكرد في الدرجة الأولى، الذين يناضلون منذ أمد طويل نضالأ مريراً من أجل حريتهم القومية.   

 

   

 

الفهرس

 

 

1ـ مراحل القومية الكردية الثلاث                           حسين أكوجين أوغلو

2ـ سياسة إستعمارية عوضاً عن الدمج                       فضل أحمد

3ـ النساء في كردستان الجنوبية (العراق)                     أندريا فيشر ـ طاهر

4ـ الأكراد العراقيون والبحث عن مستقبل في العراق         إنغاروغ

5ـ الأكراد في كردستان ـ إيران                                 غولمراد مرادي

6ـ وضع النساء في شرق كردستان (إيران)                     بافانه قريشي

7ـ الحركة النسائية الكردية في تركيا                            نجلا عاشق

8ـ الأكراد في غرب كردستان (سورية)                          توفيق حمدوش

9ـ وضع الأكراد في مناطق الإتحاد السوفيتي السابق            ميهويه شاكيرو

10ـ الأكراد في لبنان ـ البنية الإجتماعية والسياسية          أحمد محمود أحمد

                    

 طبع/ شاناز رمزي، ليزان سامي  

:

اقلب الصفحة باستخدام الاسهم لطفاً