Iraqi Electronic Library

المكتبة الألكترونية

رواية

الميتة الثالثة والأخيرة لعبد شويخ البدوي

اسعد الهلالي

  

كان الثعلب والحمار والغراب والأسد .. والحيوانات جميعاً قد تزاحمت غير آبهة بجثة عبد الله بن المقفع التي قطعها والي البصرة قبل ساعات مستمتعاً بخيوط الدم المنسابة من الفتحات الكثيرة المنبثقة منها ، والتي هرستها أقدامها المتزاحمة بين طيات كليلة ودمنة الذي صفقته صرخة متكسرة مستنجدة فانطبق قارضاً أنامل أحمد الحامد ..

ـ عبــــــــــــد ....... شويـــــــــــــــــــــــــخ .......

  قفزت من فمه الكلمات دونما تفكير ...

ـ لابد من ثورة .. لكن من عبد شويخ هذا ؟ …… أتراه وهم آخر من أوهام أم دهلة؟……

 

*****

 

كان الصمت قد غرز أوتاده في مضيف الشيخ دامس البرغوث وشرع بنشر خيمته حين اقتلعت الأوتاد وطوحت بالخيمة فجأة صرخة رافقها هدير قرقعة السماء التي بدأت بقذف اكفهرارها إلى الأرض ليغطي أكواخ أم دهلة الساكنة منذ أمد بعيد ..

ـ عبــــــــــد ………. شويــــــــــــــــــــــخ .........

  امتدت ذراع السركال ثجيل لتحمي قفاه من ضربات متتالية جعلته يتلوى على  الأرض كقط أطاحت ( مسحاة )[1] ثقيلة بأرواحه السبعة مرة واحدة .. حين انتبه إلى نظرات الشيخ دامس التي بدت سرباً متراصاً من علامات الاستفهام .. هبطت ذراعا ثجيل الحذرتان إلى جانبيه وصوته المتأوه بصرخات متألمة حادة بدت كصرخات فتى الست عشرة سنة ... انتبه إلى إنه عاد اللحظة أربعاً وثلاثين عاماً .. فكر بخوف..

ـ أعاذنا الله من ثقل كف عبد شويخ ..  

  وأمام السركال ثجيل مباشرة كان سرب علامات الاستفهام المتقافزة من عيني الشيخ دامس البرغوث تتلاطم ، تتبعثر ، ثم تعود إلى دماغه من أقرب تجويف يقابلها في جسده المكتنز .. وحين يردد الصدى الصرخة المتكسرة ..

ـ عبــــــــــــــــــــد شويــــــــــــــــــــــــــــخ ........

يغمض دامس عينيه محاولاً دونما جدوى طرد صورة ركبتيه وهما تنزان دماً قانياً لفرط ما زحف أمام وجوه باهتة الابيضاض كالسراب مزدانة بشعور شقراء يسيح فوقها البرود وشئ من البلادة أدركه وشاهد بعينيه البعيدتين اختفاء رطانة هذه الوجوه التي تنحت الخيلاء عليها غليونات ضخمة تستهزئ بالوجوه السمراء المرهقة التي تواجهها وتثير الهزء لدى عبد شويخ فيحيلها إلى خيوط ملونة يبعثرها فتخترق الأفواه والحناجر وما إن يجرها حتى تنطلق الضحكات الهازئة فترتطم بجذوع النخيل وتتسلقه مدغدغة آباط السعف المنحني فيضج النخيل بضحكات السعف المنتشي محملاً بعذوق التمر السكرية الثقيلة .. يفرك ركبتيه مجالداً ... يدرك ككل ليلة أن آثار تقرن ركبتيه قد اختفت تحت طيات الشحم الذي أحسن تكديسه طيلة السنوات الخمس والعشرين التي تلت ميتة عبد شويخ الأخيرة ..

ـ لم تسترح عيناي حتى تكحلتا بالتراب المنهمر فوق جثته .. لا يقظة للراقدين تحت التراب ..

  وأوشك أن يلعلع بضحكته الصادحة إلاّ إن شيئاً ما جذبها ودسها في بقعة مظلمة من جوفه الهائل ..

 

*****

 

  تدحرجت وسائد الحاج بهنس الرجاوي من تحت طية ذراعه حين رفستها صرخة مشاكسة زحفت من تحت ( الغلايج )[2] التي إضطجعت عليها أربعة أجساد مثرثرة ..

ـ عبــــــــــــد   شويـــــــــــــــــــــــــخ ....

  لم ترفس إلاّ وسائد الحاج بهنس فقرقرت حنجرته بضحكة فتيه مستجيبة .. تواصلت متواترة لحظات ثم خفتت إلاّ ان فرحة اضطرب لها الجسد الكهل دفعته لينهض بما استحضره من نشاط .. تهدج فرحه ..

ـ ألم تروه ؟ كان هنا الآن

  غرزت الأعين الستة الناعسة نظراتها المستغربة في الجسد الواقف بتماسك بدا لأعينهم غريباً .. توالت إنثناءات السيقان ووقوف الأجساد الثلاثة .. نبس ساجر مستغرباً ..

ـ من تعني ؟ ..

  رد الحاج بهنس وكأنه ينتظر سؤاله ..

ـ ومن غيره ؟ .. عبد شويخ

 

*****

 

  تتوالى نقرات المطر المنهمر ببربرية فوق كوخ هدية التي تدثرت باستغراب وحيرة بدتا أكثر ثقلاً من رغبتها التي كانت جامحة لمشاهدة الحورية التي يتدفق منها ضوء القمر وانسحاقها المنتفض تحت فحولة كاظم المعيبر الطاغية .. فكرت بأن ما دفعها لم يكن الغيرة من الحورية كما توهمت بل استجلاباً لفرحة كانت ستتبرعم في داخلها حين تتلاشى هواجس تحاول أن تغرقها في جوف الفرات .. حيث يغفو شبق الحوريات كانت هواجسها قد بنت كوخاً عبئته بفكرة أن يكون كاظم ناضباً لا حياة فيه .. وبينما راقبت مسامعها تفشي حمى الحورية والأقاويل التي منحت أكواخ أم دهلة ساعات صحو مضافة من الليالي التي لم يجرؤ أبناء القرية على اختراق جوفها .. إلاّ حين غدت الحورية سنارة تجذب دهشتهم المتفاقمة حتى جوف الليل لتدلقهم على أفرشتهم رقوداً وقد أنهكوا خيالاتهم لفرط الجموح .. كانت بعض نساء أم دهلة ( يطرطشن ) حولها بعض الحكايات فتتعمد تجاهلها .. إلاّ إن دماغها الذي سجل كل كلمة وكل صوت ، كل تأوهة وكل وخزة ، يفرش ما قلنه لتنتقي منه ما يمنحها حلماً آخر وسبباً مضافاً لصبر جديد ..

  وهناك في مكان تتعمد تجاهله .. توسع هواجسها الكوخ الذي تمدد فيه نضوب كاظم.. تثرى الهواجس فتؤثثه .. تزداد ثراءً فتعليه .. دوراً .. أدواراً .. ربما لو أضافت دوراً آخر ستناطح السحب ..

  دلف سعال متوالٍ من باب الكوخ تبعه كاظم المعيبر الذي يتقاطر منه الماء والأسى.. هيأت الهواجس أذرعها العديدة لبناء الدور الأخير .. ربما ستليه أدوار أخرى .. لا ضير آنذاك من اختراق السحب .. فكرت الهواجس بصمتها المعتاد .. مكث واقفاً في مدخل الكوخ وكأنه لا يخصه .. .. نظرت نحوه هدية .. اجتاز صوتها سور التخت مواسياً يذرع مساحات الحيرة الشاسعة التي امتدت بين مدخل الكوخ حيث ينتصب ارتعاش كاظم وبين سطح التخت حيث يتمدد بردها الذي غدا أبدياً ..

ـ تبدو مبتلاً ؟..

  نادته ببرود .. فلجأ لصمت جعله درعاً يدفع عنه نظراتها الصامتة المعاتبة .. كم تمنى أن تصرخ .. تهاجمه .. تشتمه .. كان يدرك تماماً .. انه يستحق أكثر من ذلك .. إلاّ إنها تجلده دائماً بصمت ثقيل ونظرات أكثر ثقلاً .. فلا يجد أمامه إلاّ الفرار إلى جوف القارب وسطح الفرات الرائق منكفئاً تحت زمهرير ليالي شتاء أم دهلة القارس.. لكنه الليلة غير قادر على الاستمرار محاطاً بالزمهرير والرعود وزخات المطر الذي اخترق عظامه ..

ـ دع الكانون يدفأ جسدك  ..

  قالت هدية التي اضطجعت على بطنها بإغراء لم تتعمده .. ربما فعلت هذا كي لا تتشنج رقبتها وهي تنظر إلى الخلف حيث تجمد كاظم ..

ـ الكانون مطفأ .. لا نار فيه ..

  شرعت الهواجس ببناء أدوار لن تتوقف عن جعلها متسامقة حتى تطاول السماء .. ابتسمت حين جاورها هاجس جديد .. الآن فقط لن تكون مضطرة للتوقف والانتظار..

ـ ما الذي عاد بك الآن ؟..

  أسرع كاظم بالاختباء خلف درع صمته ..

  نهضت هدية المحسون متكاسلة .. إلاّ إنها قررت فانزلقت ساقاها من فوق التخت .. اقتربت منه .. مسّت بلل دشداشته .. كان يحمل عباءة الجاسبي الناقعة تحت إبطه فجذبتها منه لتنشر نقيعها في طرف التخت .. جذبت أناملها يشماغه وأحالت مثلثيه المنطبقين إلى مربع كبير نشرته في الجهة الأخرى من التخت ثم شرعت أناملها بفك أزرار الدشداشة فمنع أناملها من التمادي ..

ـ لن ترقد بها ناقعة هكذا ؟

 قرفص خلف درع صمته السميك .. فتحت صندوق التخت لتخرج دشداشة أخرى جافة وأدركت ان عليها أن تدير وجهها إلى حيث لا تراه .. فواجهت صورة مثبتة إلى جدار الكوخ بعيدان صغيرة جافة .. حشد من الرجال يحيط عنترة بن شداد وهو يجندلهم واحداً واحداً .. وفي العمق تقف عبلة مراقبة بطولة فارسها الذي سيضعها على فرسه الناصعة البياض آخر الأمر .. حدثها راضي آل صيهود كثيراً عن عنتر وعبلة .. ونجح في أن يغدو عنترها .. وكم طافا معاً على فرس ناصعة البياض .. وشاركاها لهاثها المحموم حين تسرع راكضة لتجتاز طبر السيد وخيط البهانسة واللواح الذي استوطنه السباخ ثانية ثم تعبر أراضٍ مبتهجة تضج بالاخضرار وتفوح منها عطور رائعة تحف بهم وجوه تنثر الابتسامات .. وحين تعود بهم فرس عنترة يكون لهاثهم قد تفتت فينشغلان بارتشاف عرق جسديهما بتلذذ أخاذ .. همست لعنترة..

ـ تستحق عبلة أن تحارب لأجلها يا عنتر ..

  غمز لها عنترة بطرف عينه اليسرى وأطبق حافة سيفه المدماة على عاتق مقيت فشطره .. وركضت فرسه الناصعة البياض نحو عاتق مقيت آخر .. ابتسمت هدية برضى واستدارت نحو كاظم الذي غير دشداشته سريعاً وحمل الأولى المشربة بالمطر والارتعاشات التي لم تتوقف وتوقه لارتشاف رائحة النعناع والارتماء في أحضان عبد شويخ ليعلن له فقط وللمرة الأولى منذ اختفى شنون الأدبس بعد أيام من رحيل غزالة الكاولية ليدور القرى باحثاً عن هزهزة ساقيها وردفيها وجذعها المرمري ليعلن عن عطبه ورجولته الملغاة .. كان سيزحف إليه على ركبتيه ليستجديه إكسير الفحولة .. وكان سيوافق تماماً إن اشترط عليه عبد شويخ مقابل منحه الإكسير أن يموت بعد سنة .. بل شهر وحتى لو كان أسبوعاً .. لا هدف له الآن إلاّ مواجهة نظرات هدية دون أن يضطر للتدرع  بالصمت ..

ـ لم تأت حوريتك ؟ ..

  سألته مشاكسة ، فأطرق صمته ..

ـ ناديتَ عبد شويخ .. هل منحتك الحورية القدرة على مخاطبة الأموات ؟

  سألته ثانية فتدلت رقبة صمته ..

ـ هل أجابك عبد شويخ ؟

  سألته ثالثة فطفق صمته ببكاء مرير ..

 

*****

 

  كانت فتنة قد قررت صحواً يوصلها للفجر حيث تغادر خطوات إبراهيم المتجهة إلى بغداد فتودعها برشقة ماء وبدعاء يجوب دواخلها ويغادر عبر عينيها دموعاً ساخنة ..

ـ محروس بالله والحسين .. ترجع سالم غانم .. ويحميك من كل سوء يا إبراهيم يا إبن زكية

  فلتزجي الليلة بالحديث إذن .. جذبت رأسه إلى ما بين ثدييها وتشبثت به بعنف لم يضايقه .. بل رفرفت رموشه المتباعدة .. كانت تود أن تتشبع أذناه بنبضاتها التي تنطق اسمه بتسارع  شعرت انه سيوقف قلبها قبل انبلاج الفجر ..

ـ أ أخبرتك أمك بكل هذا ؟

  ودت أن يستسلما للصمت .. إلاّ انه يحدثها فلتزجي الليلة بالحديث معه .. لا ضير .. ما دام مشرعاً أذنه لاختراق نبضاتها الصاخبة .. تذكرت انه سألها .. فأجابت :

ـ هو ما عرفته من أمي .. الآخرون أسقوني جرعات مما حدث ! .. وكم كانت مريرة تلكم الجرعات ؟ ..

ـ ما أعرفه أن الوحاش سويلم آل فرج مات غرقاً ؟ ..

ـ كيف يموت غرقاً من عُرِفَ كأفضل سباح في أم دهلة .. ومن اعتاد أن يجتاز النهر سباحة كل فجر .. ولا فرق لديه ان كان الفجر صيفياً أم شتوياً ..

ـ ومن سيقتل الوحاش المدافع عن القرية ؟..

ـ من لا يهمه الدفاع عن القرية ؟ ..

ـ من تعنين ؟ ..

ـ من استولى على دوانمي الثلاث ؟ ..

ـ دامس البرغوث ؟ ..

ـ رغم ان عبد شويخ اجتاز المائة عام .. إلاّ ان دامساً وأعوانه لا يجرءون على فعل شئ بوجوده .. ولم يكن سيجرؤ على قتل والدي ان كان عبد شويخ موجوداً .. كانت خطواتهما متوافقة طوال اليوم فيبدآن يومهما مع إغفاءة الشمس حارسين يمنحان الأمان لأعين الجميع سوى الأعين المتآمرة التي لم يكن الحذر مهما كان شديداً ذا نفع لها .. وينهيانه باجتيازهما النهر سباحة .. تلك العادة التي ما بارحت عبد شويخ طيلة سنواته المائة وأودعها والدي .. ذات يوم غادر عبد شويخ القرية فظنها دامس فرصة لتوجيه ضربة موجعة للحاج بهنس .. فبعث ثلاث من رجاله لحرق البيادر المهيأة للحصاد .. رشوا المزيد من الزيت حول البيادر وقبل أن ( يجدح ) الزناد[3] في يد أولهم كانت المذراة [4] قد اخترقت عنقه .. وحين لاحظ الثاني تأخر صاحبه بالإحراق قرر أن يبادر .. وما أن تلألأ زناده الفضي تحت ضوء القمر حتى تشبثت به أنامله بقوة حين تصلب جسده المنتفض ، انحبس عن رئتيه الهواء بعد أن قبض حبل الوحاش على عنقه وفتح فمه على اتساعه ليلقمه سنابلاً جعلت جوفه المنتفخ ، يبدو ككيس اللبن وحين استبطأ الثالث صاحبيه سار نحوهما محاذراً وبيده بقايا الزيت الذي صب أغلبه على البيادر .. كان ممسكاً بزناده وعلى ظهره تعامدت بندقيته ( الانكريزية )[5] .. فجأة نطّ الوحاش أمامه كالشبح .. فاربكت المفاجأة الرجل ليسقط إناء الزيت مغرقاً ملابسه .. جذب والدي زناده دون عناء ومنحه لهبة واحدة .. أحالته إلى كومة من اللهب .. يقتل الشر نفسه يا إبراهيم .. صدقني ان الانتظار والصبر .. يمنحنا ما نشاء..

رد إبراهيم بصوت متناوم ..

ـ حتى مَ يا فتنة .. للشر أذرع طويلة أيضاً .. وهي قادرة على الإيذاء في كل حين ..

ـ أتدري ان الرجل لم يكن يحاول إثناء اشتعاله إلاّ جذب بندقيته ليقتل والدي ..

ـ وهل جذبها ؟..

ـ نعم .. إلاّ إنها كانت تحترق .. فأطلقت النار رصاصتها لتخترق كبد الرجل .. وحتى حين أوشك على أن يغدو شواءً ناضجاً .. كان يزحف نحو بيدر مشبع بالزيت مما حدا بوالدي إلى غرز ( الفالة )[6] في إحدى قدميه مثبتاً إياها في الأرض كالوتد .. احترق الرجل تماماً وهو يحاول أن يرمي لهيبه في حضن البيدر ..

تمتم إبراهيم بتقزز ..

ـ يا إلهي .. أي شر ؟..

ـ هذا ما يخيفني من دامس و سركاله .. انهم مغمسون بالشر .. ولا رجاء بخير من أمثالهم ..

ـ ثلاثة أو أربعة أيام فقط يا فتنة .. وكما يقال ( دعك مع الكذاب حتى عتبة الباب ) .. سأحتمل وستحتملين ابتعادنا .. لعل الله يعيد لنا خيط الوحاش ..

استغرقت فتنة قليلاً .. تمتمت ..

ـ الوحاش .. كم أشعر بالخسارة لأني نسيت ملامحه .. كل ما أتذكره من الوحاش جسداً منتفخاً ووجهاً مذهولاً مشرع العينين توسطته ابتسامة ساخرة .. أتراه كان ساخراً من الموت ؟ ..

ـ ربما

ـ حين منحه الحاج بهنس الدوانم الثلاث هدية لبطولة ظلّت حديث أم دهلة طويلاً .. لم يكن يعلم بالتأكيد انه منحه موتاً ومنحني يتماً وتعاسة ..

ـ ربما كان يقصد ذلك .. فخيط الوحاش هو الفاصل بين ما تبقى من أرض بهنس وما غدت أرض دامس البرغوث ..

ـ لا أظن ذلك .. فبعد الميتة الأخيرة لعبد شويخ كان يتوقع ما سيحدث لوالدي .. وقد أنذره .. لكن ما فائدة البطولة حين يحيط بك وأنت عارٍ قطيع من الذئاب .. دامس وصحبه ذئاب بل أشد فتكاً وقسوة .. موت عبد شويخ قلب الموازين جميعاً .. وبعد مقتل والدي الوحاش .. ظل الحاج بهنس يردد ..

ـ الآن فقط .. أعترف أني قد تيتمت

 

*****

 

  أية ذكرى سيئة جلبت لذاكرة ثجيل البصيصي اسم عبد شويخ .. صورته .. نظراته الغاضبة وشفتاه المزدردتان لعنات تتفاقم متزامنة مع كفيه المنهالين بتوالٍ على خدي ثجيل وظهره ومساحات جسده الفتي المتشبث بغلواء ربيعه السادس عشر وعنفوانه.. قاوم ضربات عبد شويخ أول الأمر ثم أدرك أن لا فائدة .. وأن قوته التي ظنها منجية له إنما هي مواء قط وجل يذوب وسط زئير أسد شرس .. أية صورة لعينة تشبثت بذاكرته طيلة أكثر من ثلاثين سنة .. بل أية ذاكرة حاول كثيراً أن يجعلها اسفنجة ترتشف الأشياء ثم تعتصرها وقتما يشاء ليجنب نفسه متاعب اللوم وجلد الذات .. هذان المرضان المؤرقان اللذان أصيب بهما مرة واحدة فقط كانت كافية لتلطم وعيه فإن كان يرنو إلى أن يكون شيئاً مختلفاً عن خادمٍ في دار الشيخ لا يراه الجميع إلاّ قطة أليفة تحتك بسيقان النساء وتدور في زوايا المنزل دون أن يخشاها أحد .. عليه أن يضع جانباً كل ما من شأنه أن يوقظ أماكن طرية آثرت الغفوة في جوفه .. لمْ يكن حين كان في السادسة عشر أكثر من خادم رغم ان له وجهاً وسيماً بعينين يميل ازرقاقهما إلى الرمادي وشعراً طويلاً حرص على اخفائه تحت يشماغه المحكم الالتفاف حول رأسه وعنقه .. وجسداً فارعاً وعضلات آخذة بالتفتل .. كثرما فكر آنذاك بما سيجعله مختلفاً ، فالتصق بالطباخ سويلم آل فرج كشداشته المليئة بالسخام والدسم .. ذبح الخراف والأبقار والجمال دون أن ترتجف يداه .. تعلم جزارتها بمهارة فائقة .. إلاّ إنها غدت مهارات محببة لخادم بيت الشيخ الدؤوب .. كان الجميع راضياً عنه إلاّ انه لم يكن راضٍ عن نفسه .. كان في كوخه المنزوي ذات ليلة مقمرة .. يتذكر ذلك جيداً .. فقد ارتقى كومة تبن مرتفعة استلقى فوقها متكاسلاً يدغدغ الخدر أطرافه وعيناه مصوبتان نحو البدر الذي منح الليلة بهاء زادتها سكينة وأمان زغردة الجنادب الليلية وأغان الضفادع المنقنقة باشتهاء مرح.. إلاّ ان قلب ثجيل مضطرب كقارب أضاع المعيبر مجدافه .. كان ينظر إلى النجوم فتتشكل أمام عينيه علامات استفهام مقلقة .. كائن سيجتاز السنة السادسة عشر مذ التقطته يدا الشيخ دامس .. هذا كل ما يعيه .. ماذا قبل ذلك وماذا بعده .. لا يعلم .. وربما لا أحد يعلم .. عليه أن يصنع له جذوراً وساقاً صلبة وفروعاً مزهرة .. عليه أن يغدو شجرة .. لكن .. كيف تستطيع القطة أن تغدو لبوة أو نمرة ؟..  

كيف يستطيع خادم أن يغدو شيئاً آخر .. ربما شيخاً .. لمَ لا .. أليس الشيخ دامس مغامراً قتل سيداً من آل رسول الله فطاردته الذئاب حتى صار ذئباً في أم دهلة .. لن يحتاج إلى أكثر من أن يضع خطوته الأولى في الطريق وستكون الأمور ناجزة ومتوالية ..

 

 

   شخر ( راهي ) الابن الأكبر للشيخ دامس في المضيف المستسلم لدفء يتهادى في أركانه .. ذاب الشخير في أذن السركال ثجيل بينما غاصت عينا الشيخ دامس المقرفص منشغلاً بتدليك ركبته التي يتدلى الشحم فوقها ككرة .. والنداء الغامض غدا صدى متكسراً ابتلعته جذوع النخيل وتشققات طين أم دهلة .. وجدران السعف والقصب المغتسلة بالمطر المنهمر بكثافة .. مسّت أصابع السركال عصا طويلة .. أمسك طرفها ثم قلب بها جمرات أوشكن على الانطفاء .. نظر إلى جمرة توهج رمادها فجأة حين قلبتها عصاه فلمض لهبها لحظات ثم ذاب في توهج مجمر .. ألقت ذاكرته شبكة أثيرية جذبت عيناه إلى سنواته الست عشرة المستلقية فوق كومة التبن الشامخة .. استمعت أذناه لصرير باب يعرفه جيداً .. ( حظية ) .. الزوجة الثانية للشيخ ذات الثلاثين سنة والجسد الذي ينتفض الاشتهاء من انحناءاته الشاسعة .. رفع ثجيل رأسه فشاهد شبحاً لرجل لفّ وجهه بيشماغه .. قفز بغتة واختفى خلف أشجار البستان مبتعداً غير آبه لأصوات الكلاب الملعلة بنباحها الضاج .. كان يظنه الشيخ دامس أول الأمر إلاّ ان اعتراض الكلاب على اجتيازه البستان وذاكرته التي استحضرت له أمر حظية الصارم المتستر بربط كلاب البستان جعله يرفع رأسه بل يقف متطاولاً ليرى أي الرجال غادر حجرة الزوجة الفتية للشيخ دامس .. إرتسمت على شفتيه ابتسامة ظفر حين لاحت له حظية التي شاهدته جيداً بل غرزت فيه نظراتها الغاضبة قبل أن تطلق صرير باب حجرتها وهي تغلقه ..

  شئ من الخوف وأشياء من الرجاء امتزجت في مخيلته وهي تخيط ثوباً أكثر اتساعاً من ثوب خادم .. دارت في دماغه آلاف الأفكار .. فبسطها أمامه ليرتعد هلعاً أمام بعضها ويقفز قلبه فرحاً أمام البعض الآخر .. إلاّ ان صياح ديك الفجر الذي ذكره بسهاد لم يعتده حسم حيرته بما لم يفكر به ويحسب له حساباً .. فقد دفعت كف رقيقة باب حجرته ثم أحكمت إغلاقها واقترب منه جسد فاحت منه رائحة بخور وأنوثة فاضحة .. استدار وجهه ليرى حظية بشعرها الأسود المجعد الطويل ووجهها الحابس ابتسامة ساخرة .. والعباءة السوداء الحريرية ملتفة حول جسدها النافرة انحناءاته من تحتها .. اقتربت منه فارتجف ثجيل .. انزاحت العباءة .. فبان عريها الذي لم يرتدِ سوى حرير العباءة السوداء .. ابتسم ثجيل حين صاح ديك آخر .. واتسعت ابتسامته حين تعالى صياح الديكة .. رافقته الابتسامة حتى تسللت الخيوط الأولى من شمس آب اللهاب .. وتلفلُفِ جسد حظية بالعباءة الحريرية ومغادرتها بعد ان أحاطت ثجيل بألوان الدهشة التي جحظت لها عيناه حتى دفعت الكف الرقيقة باب حجرته في الليلة التالية وفاح عطر البخور قرب فراشه الذي تكومت قربه العباءة الحريرية السوداء كاشفة حريراً أبيض سرعان ما هفهفت لدونته فوق وتحت وحول جسد ثجيل الذي بدأت الدهشة تزايله ليشرع بالبحث بين ثنايا جسد حظية عمّا يزيح عنه سمة الخادم ..

  ذات يوم دعته حظية إلى اعتراض طريق مسك آل ضمد إحدى جميلات أم دهلة كان قد أشيع أن دامس البرغوث ينوي الزواج بها .. ونثرت أمامه وعوداً أكثر مما يحتمل .. فحمل فحولته وكدس الوعود لينتظر الفتاة خلف ( جلّة )[7] تحاذي دربها و( لوح )[8] من سيقان الشلب الذهبية النافرة .. بعد قليل بانت لعينيه متهادية تحمل على كتفها (المصخنة)[9] المعدنية .. نظر حوله .. تأكد أن لا أحد في الجوار .. وإن صرخت فستتلاشى صرخاتها دون أن تبلغ أية أذن .. اجتازت الجلة فباغتتها قفزته التي أسقطت الفتاة والمصخنة وسط لوح الشلب وشرعت كفاه القويتان بتمزيق ثيابها .. صرخ الرعب في صوت الفتاة وتشنج جسدها متكوماً حول ساقيها الملتصقين .. أدركت ان قوة ذراعيه ستهتكان تشنج جسدها فشرعت بالارتعاش ومعاركة جفاف حنجرتها التي أبت أن تطلق صوتاً .. كانت الابتسامة موشكة على الانفجار كضحكة ظفر صاخبة حين هبطت كفّ ثقيلة على رقبة ثجيل .. وتوالت الأكف والضربات مطاردة ساقيه اللاهثتين .. كان ينهض من طبر موحل ليسقط فوق عيدان الشلب المحصود تواً فينز من أطرافه دم قان .. ورغم انه استجمع قوته ليواجه الأكف المتوالية فوقه إلاّ انه أدرك عجزه الكليل عن مواجهة عبد شويخ رغم سنواته المائة .. حين كفّ عن ضربه قبض على ذراعيه بقوة ظنّ ثجيل لفرطها أن ذراعاه ستتهشمان .. صرخ عبد شويخ بوجهه ..

ـ من أنت ؟..

  أجابه بصوت مفتت ..

ـ ثجيل

  صفعته صرخة عبد شويخ التالية ..

ـ حذار أن أرى وجهك ثانية يا ابن النصرانية

لم ينتظر منه جواباً ، إذ تركه ليلملم أقدامه الحافية ويركض هارباً محتفظاً بصورة عجزت إسفنجة ثجيل أن تعتصرها فقد التصقت بين ثنايا دماغ الست عشرة سنة لتنمو وتنتشر مستحوذة على مساحات أخرى مع كل عام قادم ..

  ابن النصرانية .. سؤال ما فتئ ينخر دماغ ثجيل كنصل مسحاة باشطة ، ما الذي كان هذا الكهل يعنيه ؟.. أتراه سؤالاً يضاف إلى الأسئلة المتراكمة في دماغ ثجيل ؟.. أم انه جواب لها جميعاً ؟  لشعره الأشقر الذي طال حتى غدا نهراً ذهبياً يحرص على لفلفته تحت يشماغه كي لا يثير استغراب وسخرية أهالي أم دهلة اللائي اعتادوا أن يحيلوا أي أمر كهذا إلى مثار تندر يجترون فيه ليال كثيرة يعبئونها بالضحكات الصادحة ؟.. أم لعينيه الزرقاوين كسماء فجر نيساني ، تذكر انه اعتاد مذ صارت عيناه تميزان الألوان وأذى الضحكات المفعمة بالسخرية والاستغراب أن يتفحص الأعين والوجوه وتتسلل نظراته إلى ما تحت اليشامغ ، علّه يرى عينين كعينيه أو شعراً كشعره فلم يرهما يوماً ، كان يود أن يسأل عبد شويخ مبتلعاً حرصه على تحاشيه حتى ميتته الأخيرة التي أنسته رغبته ، بل إنها أرقصته سبع ليال حاول خلالها أن يطرد صورة كف عبد شويخ المنهالة فوق صدغيه وقفاه ..

ـ لا يجب أن يظهر عبد شويخ ثانية ..

  تمتم الخوف في صوت السركال ثجيل الذي لا زالت الوسامة مرتسمة على ملامحه رغم اللون الرمادي الداكن الذي شاب ازرقاق عينيه ، والسنوات الثلاثين التي مضت ماحية صورة اليافع ثجيل المتنقل بين سيدات منزل الشيخ دامس خادماً دؤوباً تنط من عينيه الزرقاوين أمانٍ تدغدغ أماكن متوفزة في أجساد النساء المنشغلات بإخفاء اشتهائهن النافر .

 

 

   نظر الشيخ دامس إلى ابنه ( راهي ) الذي غاص في الشخير .. فكر ..

ـ أية سعادة تغمر هذا الأبله وهو قادر على النوم هكذا ؟

  أبعد أن سمع اسم عبد شويخ سيتمكن دامس من الرقاد .. تماماً كما كان عاجزاً عنه قبل أن يموت ميتته الأخيرة .. كان عبد شويخ قادراً على قصم رقبته في أية لحظة يشاء لكنه لم يفعل .. لِمَ لمْ يفعلها آنذاك ؟ هل تركه لينعم بالثراء والسلطة ويتشبع بهنائهما لينزع عنه ذلك فيميته بحسرة كان دامس قد أدخرها لبهنس .. من المؤكد أن عبد شويخ قد مات .. فقد شاهده يدفن بعينيه اللتين سيلتهمهما الدود يوماً .. ما الذي يجذب إلى جسده القشعريرة إذن ؟ .. أهو إدراكه أن عبد شويخ يفعل ما لا يفعله بشر؟.. ربما هو ذلك .. ألم يكن يحتضر حين سمع ان الكابتن توماس الإنجليزي جاء إلى مضيف دامس ليوزع البنادق ويعلم البعض على استخدامها ويهب دامس صندوقاً من الجنيهات الإسترلينية حين زحف عبد شويخ باحتضاره ووجه بندقيته (البشتاوة)[10] ليفتح ثقباً في صدر الكابتن توماس يكفي لدخول حافر تيس .. ثم عاد ثانية إلى كوخه ليموت ضاحكاً ضحكته الأسطورية ..

  كانت أنامل الشيخ دامس تدور حول كرتي ركبتيه الشحميتين حين فكر أنهما ستفقدان شحمهما قريباً .. وربما ينز منهما دم احتكاكهما بأرض اعتاد دكها طيلة ثلاثين سنة انصرمت .. اتسعت عيناه وطار منهما خفاشا النوم لتستوطنهما يقظة قلقة موحشة ..

 

*****

 

لم يكف جسد كاظم عن الارتعاش طيلة الليل رغم نار الكانون التي ارتفعت عدة مرات حتى كادت أن تلامس سقف الكوخ . كانت هدية تحرص على تدثيره بكل ما رأته ثقيلاً .. حتى إنها فكرت أن تدثره بجسدها لكنها تذكرت إنها غدت كتلة من جليد فامتنعت عن ذلك كي لا تزيده ارتعاشاً .. أدركت هدية قبيل الفجر وبعد ان دغدغ الكرى عينيها ان ارتعاش كاظم المعيبر لم يكن بسبب البرد فقد جلل العرق جسده .. هناك شئ لم تكن قادرة على استكناهه .. أتراها الحورية ؟ .. أم عبد شويخ ؟.. أم ذلك الشيء الذي أوشك أن يضئ دماغها حين غادرت كوخها لترقب ضوء الحورية القمري .. لكنه زاده حلكة حين بدا ارتباك المعيبر وسط ظلمة الفرات ومناداته المبحوحة لعبد شويخ ؟

  استباحه القلق فنهض كاظم المعيبر نافضاً دثاراته .. كانت هدية تجلس قرب الكانون منتظرة ما يلي انتفاضة كومة الدثارات .. نظر إليها ملياً .. انكفأت دمعتان أوشكتا أن تسيحا على خديه إلاّ انهما ارتدتا لتسيحا إلى داخله .. ارتجفت عيناه مرتبكتان تحت سطوة نظراتها الواخزة .. نهض .. ارتدى يشماغه وعقاله بصمت .. تلفلف بعباءة الجاسبي .. استل مجذافاً قديماً مخبئاً وغادر الكوخ دون أن يلتفت لهدية التي تشاغلت بمراقبة ترمد جمرات خبا احمرارهن .. مَدّتْ جسدها فوق التخت واستسلمت للنوم ..

كانت الأرض طينية تحت قدمي كاظم أوشكت أن تزلهما عن السلم المنحوت على الجرف أمام سور داره .. قفز إلى قاربه وتهادى فوق الفرات مرتجفاً وسرعان ما سرت الرجفة لقاربه ثم للفرات الذي ارتجفت مويجاته طويلاً .. بحثت عيناه وتشمم منخراه .. إلاّ ان لا شئ يوحي بظهور عبد شويخ .. كما لا يوحي اكفهرار السماء ببزوغ الشمس ..

ـ كاظم .. يا معيبر .. العبرة ..

  نادى إبراهيم على الجانب الآخر من النهر كاظم .. بدا صوته مرتجفاً ككل شئ .. كقلب كاظم وجسده ، قاربه والنهر ، الغيوم المنزاحة نحو غيوم داكنة أخرى وكاشفة غيوماً سوداء غابية ..

  انطلق كاظم نحو السوق مواجهاً إبراهيم وصرة زرقاء صغيرة استقرت في زاوية القارب .. ارتعشت الكلمات في صوت إبراهيم ..

ـ يبدو أن البرد لن ينتهي ..

  ردد كاظم بخفوت ..

ـ لن ينتهي ..

ـ أتود قليلاً من الخبز والزبد .. لدي دجاجة مطبوخة ان شئت ..

ـ لست جائعاً ..

  نظر كاظم نحو الصرة فتلقف إبراهيم نظرته مفسراً ..

ـ سأسافر إلى بغداد .. ربما سأمكث ثلاثة أو أربعة أيام ..

ـ ولمن تركت فتنة ؟

  أجاب إبراهيم بثقة ..

ـ لله .. وأم دهلة ..

ـ عد سريعاً يا إبراهيم .. بغداد غول ان التهمك فلن تدرك كم من السنوات مرّت قبل أن تعرف ما الذي أردته منها ..

ـ أنا أعرف ما أريد .. لذا لن أتأخر .. ولن تقوى عليّ بغداد ..

 

  حين عاد كاظم مجذفاً بعد إن ابتعد إبراهيم وبقجته الزرقاء .. كان المعلم أحمد الحامد يكرر الخطى بين نخلتين وهو يشاكس بعينيه صفحات كتاب يحاول حفظها .. أشار أحمد بيده محيياً فلم يأبه له كاظم .. ارتفع صوت أحمد مردداً ..

على قدر أهل العزم تأتي العزائم                     وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارهـــا                     وتصغر في عين العظيم العظائم    طنّ سؤال في دماغ كاظم فأدار قاربه نحو أحمد الحامد حتى حاذاه .

ـ هل عرفت عظيماً يا أستاذ أحمد ؟

  لم يتوقع أحمد سؤالاً كهذا .. وظنّ انه سيجيبه دونما إبطاء .. إلاّ انه حين استعرض الأسماء التي يعرفها .. لم يجد إلا صغارا ينتفخون أحياناً ويرتدون ريشاً ملوناً سرعان ما يتساقط  فيبدون عراة أكثر ضآلة من فئران ..

ـ لا .. لم أعرف ..

  ابتسم كاظم بحزن ..

ـ كنتُ سأريك عظيماً أعرفه .. لكن .. يبدو انه غدا حلماً صار يراودني كثيراً ..

  انفرج صوت أحمد الحامد متسائلاً ..

ـ عبد شويخ ؟

  هزّ كاظم المعيبر رأسه مجيباً .. وبينما انشغلت كفاه بالتجذيف بعيداً كانت شفتاه تتمتمان مرتجفتين ..

ـ أجل .. عبد شويخ ..

 

*****

 

 

   كانت عينا ثجيل تعاركان الرقاد حين مزّق صمت الفجر نداء إبراهيم ..

ـ كاظم العبرة .. يا معيبر

  فثقب النداء أذن ثجيل وتردد رنينه في داخلها بأصداء متلاحقة طردت من عينيه بقايا الوسن ، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صفراء باهتة جذبته نحو الجرف المواجه لمضيف الشيخ دامس البرغوث ..

  كان ينتظر فجراً كهذا ترقب فيه عيناه الخابيتا الزرقة قارب المعيبر وهو يجتاز سطح الفرات الأحمر حاملاً إبراهيم إلى حيث تلفه دوامة بغداد التي يعرف ثجيل جيداً إنها ستطوح به ، بل وتنسيه فتنة ..

  فتنة الفاتنة .. ذات الوجه الأسمر الرقيق كالزبدة ، الشهي كقرص خبز غادر التنور تواً .. والعينين النجلاوين المعبئتين بأكداس من وقاحة أحسن والدها الوحاش دسها فيها فغدت حدة نظراتها حاجزاً بين خطوات السركال وأية بقعة تحتوي فتنة ..

  لم يكن عسيراً على ثجيل احتواء إبراهيم والاستحواذ على ثقته بل والإيمان بأنه ناصحه الأمين لأنجع وسيلة يسترد بها خيط الوحاش من الشيخ دامس .. دون أن يعلم بأن دامساً قد أوصى بمنح الأرض لثجيل بعد موته .. خطط لدفع إبراهيم إلى بغداد كي يستطيع مواجهة عيني فتنة الناريتين .. ويقتل فيهما الوحاش الذي أغرقه الفرات ذات فجر وعليه أن يقتله اليوم في عيني ابنته اللتين تشربتا به .. أخرج نصل خنجره الفضي من غمده .. نظر إليه بتشف .. فكر بشفتين مبتسمتين ودماغ ناضب ...

ـ لماذا علينا أن نغرزك في بقعة لدنة حين نود الوصول إلى مكان نود الوصول إليه .. لماذا يجب أن تلتمع في عينين نرى فيهما الرعب كي نأمن صاحبهما أو نضع في عنقه حبل الانقياد لنا .. يجب أن ينقاد لنا الجميع .. لو أدرك الوحاش أن عليه الانقياد لدامس لما أغرقه الفرات .. ولو أدركت فتنة أن عليها أن تحرق صورة الوحاش في عينيها وسطوتها في دماغها وحنجرتها لما كنتَ في يدي الآن ..

  نظر إلى اتساع ابتسامته المرتسمة على النصل الفضي اللامع .. وعينيه اللتين تسرب إليهما الوهن سريعاً ..

ـ ربما لأني لم أرقد الليلة ..

  فكر ثجيل .. إلاّ إنه تدارك فكرته ..

ـ كثيرة هي الليالي التي خاصمني فيها الرقاد ولم تهن عيناي .. كم تمنى أن يذوب ازرقاق عينيه ليظهر بغتة لون داكن كلون عيون رجال أم دهلة ونسائها .. لون مشترك لا يشير إليه أحد .. ولا يثير استغراب أحد .. سجنت عيناه قدميه في منزل الشيخ حين كان خادماً فتياً .. إذ ما إن قادته فتوته إلى أنحاء أم دهلة حتى تقاربت الوجوه وانشغلت الأفواه بالبسبسة والنظرات الهازئة بالنفاذ إلى اضطراب قلبه والضحكات الساخرة بالهجوم على يشماغه المثبت على رأسه بعناية مخفياً لفافة الشعر الأشقر المنساب كأمواج الفرات .. تحاول إسقاطه عن رأسه فيركض نحو دار الشيخ دامس ممسكاً يشماغه وعقاله المقصب بقوة .. قرر ذات يوم أن لا تمس قدماه أرض أم دهلة إلاّ إذا كان قادراً على إخراس ضحكاتهم وفقء العيون التي اعتاد الهزء أن يتربع فيها حين تراه .. وفعلاً لم يدك دروبها إلاّ بعد أن غدا سركالاً يحيط به صبية الشيخ المسلحون ببنادق لامعة ألجمت أفواه أهالي أم دهلة التي اختنقت وسطها الضحكات الهازئة ..

  عاد كاظم المعيبر بقاربه المترنح وجسده الناحل المثقل بالنعاس وحيداً .. اتجهت خطى إبراهيم نحو بغداد فلتتجه خطى السركال ثجيل نحو فتنة .. أعاد خنجره إلى غمده وأحكم لثام يشماغه حول وجهه وعباءته حول جسده ونقل قدميه نحو كوخها المنكفئ على حزن هصر قلب فتنة المنكسر .. كانت متدثرة بوحدة لم تعتدها مذ اجتازت الثانية عشر ورحلت أمها فوق أكتاف تمايلت بها حتى ( اليشان ) وجاءوا بها دون أن تدرك سبباً لتدلق أعوامها الاثني عشرة في أحضان أعوام إبراهيم الثماني عشرة .. فاستسلمت جذلة لفتوته ودثارات الأمان التي دثرها بها .. فغدا صديقها الذي افتقدته طفولتها وقريبها الذي لم يظهر يوماً وزوجها الذي احتواها فالتصق بها ليغدو كثوبها الذي لا تخلعه إلاّ لترتمي مرحة في أحضانه .. لم يفترقا يوماً منذ ثماني عشرة سنة .. ربما كان الوحاش بوجهه المتورم الحابس ابتسامة غامضة وعينيه المشرعتين سيغادر عينيها لولا استلال إبراهيم لأجزائه من ذاكرتها المضطربة وتشكيله وحاشاً أثار خشية بائعي الخوف في أم دهلة وتخومها فتكحلت به عيناها لينط من خلال نظراتها القوية الواثقة وزندي إبراهيم المؤازرين .. قاطعاً الطريق أمام خطى السركال ثجيل المشاكسة ..

  اقتربت خطاه من كوخها الذي سورّه صمت مقبض .. نثر ثجيل نظرات الامتنان للديكة التي انتصبت على رؤوس الأكواخ مراقبة خطاه بتآمر .. يبدو إنها تذكرت ذكورتها فلم تلعلع بصياحها المعهود حامية ذكورة ثجيل التي طافت حول كوخ فتنة وانسلت نظراتها المتلصصة من شق فأمتعها رقود فتنة المستسلم .. تسللت كف السركال باحتراف إلى عارضة خشبية صغيرة ما إن أزاحتها حتى شرع الباب مسرباً قدمي السركال وحفنة من ضوء الفجر الباهت .. أوصد الباب بحذر واقترب حاملاً خنجره الذي كزّ عن أسنان شبقة تواقة لقضم لدونة اللحم الذي بان بعضه لعيني ثجيل المتسعتين وهما تلوكان الاسمرار اللامع في ساقها المنسلة من تحت الدثار السميك ..

  تطاير اسمرار ساق فتنة الناعمة كسرب فراشات طاف حول رأس ثجيل ناشراً رذاذاً من فقاعات بلورية صغيرة طافت حول رأسه ببطء ثم منسلة إلى عينيه وأذنيه وتحت ملابسه تتفجر تباعاً محدثة نشوة غامرة دفعت السركال ثجيل إلى استنشاق دفقة هواء بارد زاد رئتيه انتعاشاً .. إلاّ ان مساماته نزت قطرات من العرق الدافئ دفعته إلى خلع عباءته الثقيلة ليكومها على زاوية التخت الخشبي العتيق مطلقاً فحيحاً تسلل كصلٍّ نزق أسرع باختراق إذن فتنة المشرعة لارتشاف صمت كوخها وأصداء طيف تنتظر اقترابه له ملامح إبراهيم وعذوبة صوته .. هاهي ذي تباشير اقترابه .. فحيح ثوبه العيدي الذي أخرجته من زاوية بعيدة في التخت ليرتديه مغادراً إلى حيث لا تدري .. ممالك بعيدة .. ربما أكثر بعداً من القمر الرابض في كبد السماء.. بغداد .. في أية بقعة تكمن تلك البغداد التي جذبت إليها إبراهيم .. أخبرها انه سيسترد دوانم خيط الوحاش الثلاثة في بغداد .. ولم يستطع دماغها البالغ الحذر أن يفهم كيف ستمنحه بغداد الأرض التي لم يستطع أن يستردها هنا في أم دهلة حيث تبدو لأعينهم كل يوم وقد امتدت إليها أرض دامس فاحتوتها كما تحتوي كف كبيرة كتكوت بالغ الصغر والبلادة .. هل تراها بغداد هذه في صوب الفردوس أم الجحيم .. ألم تخبرها أمها ذات يوم بعيد ان الأرض نصفين ، نصف سيغطس في قعر الجحيم اللاهب ويطفو نصف على سطح الفردوس .. وان كان الجحيم يتأهب للانقضاض على أم دهلة.. أتراها بغداد متأهبة لانقضاض كهذا .. أم إنها تنعم في هدوء وضوء وسعادة فردوسية ربما تسحر إبراهيم فلا يرتضي مبارحتها .. كانت الأطياف قد قررت إن عليها أن تلحق به باحثة إن تشبثت به بغداد .. إلاّ إن صوتها الكامن في قعر دماغها المشوش صرخ بأنه سيعود سريعاً .. سريعاً جداً .. حاملاً خيط الوحاش مشرق الوجه كشمس الصباح .. وستقفز لها ابتسامته قبل أن ينادي عائداً .. العبرة يا معيبر ..

  قفزت فكرة كانت قد استلقت في القعر ذاته ..

ـ سأهرع إلى الجرف .. وسأحتضنه بكل ما أوتيت ذراعاي من قوة .. رغم أقاويل أم دهلة وبسبساتها سأحتضنه .. سأتنشق عرقه ورائحة الرجولة التي تنضح منه .. سأقبل مساماته جميعاً مسامة مسامة ..

  كانت رائحة إبراهيم قد عبقت في ذاكرتها النعسى إلاّ ان الكوخ امتلأ بها بغتة فانشق فمها راسماً ابتسامة رضى ارتعشت لها أطراف السركال ثجيل الذي كان وجهه مستغرباً بجلال في وجه فتنة الغائص في لذاذة حلم تمنى ثجيل أن ينتقل لدماغه لعله ينعم ولو لمرة واحدة بابتسامة راضية كالتي تتسع الآن على شفتي فتنة .. فكر مفتوناً..

ـ ربما لو ألصقتُ أذني بأذنها ..

  ارتقى التخت بحذر متسلل وامتد بموازاتها موجهاً وجهه إلى سقف الكوخ بموازاة وجهها ، مقرباً إذنه التي نطت في جوفها باقة من شعر كثيف أشقر أدمن ثجيل اجتثاثه ، وأدمن الشعر على معاندته والبزوغ بكثافة أكثر وشقرة أشد ..

  ازدادت ابتسامة فتنة اتساعاً وهي تشعر بتماس عذب اعتاده خدها اللدن من خشونة خد إبراهيم .. أوشكت ابتسامتها على الانطفاء حين هرعت كائنات صاخبة مؤذية إلى بوابة أذنها فصمتها بصخرة صلدة حجبت عن دماغ فتنة الهائمة همسات إبراهيم وهسيس جسده الممتد بموازاتها كما كان طيلة ثمان عشرة سنة وقبل أن تسرقه بغداد.. فكرة أحاطها الفرح بكدس من ( البوه ) الذهبي اللاصف فدارت راقصة ، ذهبية ، لامعة ، مرحة ، براقة ، أعادت لشفتيها الابتسامة أكثر اتساعاً ورقة ..

ـ  عاد إبراهيم سريعاً ..

  لم تسمع أذنا ثجيل إلاّ طنيناً صامتاً بعث فيه قليلاً من الارتباك إلاّ إن نعومة خد فتنة اتجهت كرصاصة أفلتت من بندقية معبئة إلى أسفله فمسته رعدة ارتجّ لها عضوه فهاج فيه شبقه المستديم جاذباً أنامله إلى عري ساقها الفاتن .. مسته بنعومة صمدت قليلاً لتنسل إلى ما تحت ثوبها مرتقية فخذها ..

  انتشرت دمامل ناعمة مبتهجة حول أنامله الزاحفة نحوها مرتقية صحراء فخذها الذي كثرما احتوى رأس إبراهيم الضاج بالشكوى والأذى فيمنحه فخذها دفئاً يذيب صقيع آلامه وترتشف قبلاتها المنهالة فوقه ذيول الصقيع فينهض إبراهيماً آخر قادرٌ على المجالدة واحتمال آلام أخرى يفكران معاً بماهيتها وشكلها ولونها .. وهل تراها معتادة أو جديدة مفاجئة تلفها في دائرة الصقيع الذي يحتويه والدفء الذي تجابهه به بقدرٍ أكبر على المنح والالتصاق حد التماهي بإبراهيم .. همست شفتاها غائمة ..

ـ إبراهيم ..

  فانفجر الشبق في أنامل ثجيل ليعتصر بقعة بعيدة أكثر لدونة من باطن فخذها تحتك فوقها حافة السروال الصغير الذي اشتراه إبراهيم قبل شهر لفتنة من باقري أصفهاني، البائع الذي يتجول بين القرى وحولها بحماره باعثاً الدهشة إلى الوجوه المتحلقة حوله بما يحمله من بضائع مختلفة وحكايات غريبة عن مدن مدهشة تبدو لهم كمدن الحكايات القديمة القابعة في أطراف الغابات أو في قمم جبال شاهقة تطاول النجوم وتحتضن الغيوم .. كربلاء ، النجف ، الكاظمية ، الديوانية كانت الأحلام تتحرر من إسار بعضهم فتنطلق مستنطقة تأتأة باقري ولكنته المثيرة للضحك فيحدثهم بكلمات محتدمة وجدية غامرة عن ( تشابيه )[11] العاشر من محرم في كربلاء .. وعن ( شمر بن ذي الجوشن )[12] الذي انزلق حصانه قبل أن يجز رأس الحسين فطارده الصبية بالحجارة ليمنعوه من ذبح أبي عبد الله .. فهرب مدمى إلى داره عازفاً عن الذبح الذي ربما سينتهي بذبحه .. ربما كانت الضحكات التي انفجرت بها حنجرة فتنة حين حدثها إبراهيم بما رواه باقري أصفهاني .. ستنفجر ثانية من بين شفتيها لولا دهشة مستهجنة استوطنت كيانها فاندفع كفها ليمسك الأنامل القوية المرتجفة ..

ـ إبراهيم ..

  تمتمت مستهجنة .. وبصيص من ذاكرة غافية استعرضت لها أنامل إبراهيم الرقيقة المداعبة لحافة السروال متسللة بدغدغة محببة ، جاذبة سروالها دون أن تشعر إنها قد غدت أمام فحولته أنثى عارية تماماً .. حين قفزت فوق تختها كانت تفكر ..

ـ ربما زرعت فيه بغداد هذه القسوة البغيضة ..

  نظرت ملياً إلى الرجل الذي تمدد إلى جانبها دون أن يخلع يشماغه الملتف بإتقان حول وجهه ملثماً ملامحه .. أخذت صورة إبراهيم بالامتزاج أمام عينيها بصورٍ أخرى حتى تلاشت حين تسرب النعاس سريعاً من عينيها المسهدتين .. ظل ثجيل مستلقياً فوق التخت وفوقه تماماً انتصب جسدها الذي دثرته سريعاً بثوبها الشجري المزدان بنقاط فضية ..

ـ من أنت ؟..

  سألته محتدة وقد برزت مخالبها وتقارب كفاها المتهيئان للانقضاض .. فاستل خنجره سريعاً ليزرع فيها وقد سقاها عرق الانفعال خشية وارتعاشاً ..

ـ هذا أنا ..

  وأشار إلى خنجره المعدني اللامع ..

  صوت مقيت كهذا تعرفه جيداً .. صوتٌ غرز في آذان أهالي أم دهلة كراهيته المتراكمة تلالاً تضاهي لا ( طُرُمَة )[13] بل عشرون طُرُمَة فوق بعضها .. كراهية لم تبدأ مع انفجار ارتطام الرصاصة في جوف راضي آل صيهود .. أو بالاختفاء المفاجئ للحلوة حِسن ابنة تركي وظهورها بعد أيام جثة طافية قرب حدود أم دهلة الجنوبية مع قرية العرسان .. أشاع الشيخ دامس إنها نهبت من قبل عاشق طائش .. ولم يصدقه أغلبهم حين لم يجدوا جواباً لاختفاء السركال ثجيل مع اختفائها وظهوره بعد ظهورها .. ما اتفق عليه الجميع إنها تعرضت لاغتصاب متكرر شنيع ..

ـ ثجيل ؟.. اغرز خنجرك ان شئت .. ماذا تنتظر ؟

  خاطبته متشنجة .. فأجابها بهدوء .. 

ـ سأغرزه حتماً .. لكن عليك أن تعلمي ان الموت ليس كل شئ ..

 

*****

 

لوحت الذراع الصغيرة لصباح آل فاهم متزامنة مع نداء مرتجف ..

ـ عمي كاظم .. العبرة

  وما ان شعر ان نداءه قد بلغ مسامع كاظم المعيبر حتى احتضن ( عليجته )[14] الصوفية التي احتوت كتباً عتيقة ودفاتر من ورق أسمر أثقل بالكلمات التي ملأت كل زواياها .. وقرص خبز ساخن وبيضة مسلوقة وقليل من الزبد تسللت سخونة الرغيف إلى صدره فشعر بالارتياح ، إلاّ ان ظهره المغطى بدشداشته ( البازة )[15] المقلمة بأقلام صفراء وبيضاء والمرقعة بقطعتين من القماش الأزرق استلتهما أمه من ( بيرغ )[16] أم دهلة الذي تآكلت أطرافه ولم يسأل عنه أحد منذ دهر ، كان جسد صباح كسعفة مرتجفة طيلة أيام الشتاء القارسة إلاّ انه لم يغب عن درسه أبداً ولم تغادر الضحكة وجهه الصبوح يوماً .. أسرع المعيبر نحوه لينقله إلى جدران المدرسة حيث ستدفأ عظام الصبي قليلاً .. لطالما تمنى أن يكون له ولد كصباح .. تتنقل سنواته التسع بين منزله والمدرسة وأرض والده الصغيرة قاطعاً الفرات مرتين يومياً على قارب المعيبر فيحشو زوايا القارب البارزة بحكايات المدرسة وأمانيه الصغيرة بشراء دشداشة جديدة للعيد القادم وحذاء جلدي كالذي يرتديه المعلم أحمد الحامد ليدفئ به قدميه الحافيتين .. وزيارة قبر الأمير علي في النجف مع أبيه في عيد الغدير القادم ..

ـ لقد وعدني وسترى إني سأجلب لك ( ترباً )[17] و ( علوق )[18] خضر .

  كان هذا في العام الماضي إلاّ انه لم يسافر إلى النجف .. أخبره صباح يوم ( الغدير) بعينين باكيتين .. وأخبر الأب كاظماً بعد ذلك بأنه لم يستطع جمع النقود التي تكفي لأجرة السيارة .. فطلب العذر من الأمير علي مردداً ..

ـ أبو الحسن يعلم نيتي .. وسيعذرني بالتأكيد .. إلاّ إني لن أتخلف السنة المقبلة ( لو مطي يركب مطي )[19]

ـ يتسرب العمر من تحتنا دون أن نعلم .. كالماء الذي تعجز الكف عن الإمساك به .. تسرب العمر من بين أصابعي دون أن أعرف إلاّ قاربي ومجذافي والوجوه المكرورة التي تجتاز الفرات ذاهبة وآيبة بتوال ممل .. أليس محزناً أن تتماثل أيامي جميعاً حتى ان يوماً واحداً قادرٌ على اختزال خمسين سنة من عمري .. لا استثناء إلاّ ليلة غزالة الكاولية .. هل عليّ أن أحزن ان متّ الآن .. ربما ما يحزنني فقط أن لا أوصل صباح آل فاهم إلى مدرسته التي لم يغب عنها .. لمَ لا أوصله وأطلب الموت .. هل تراه سيعاندني كما عاندتني أحلامي الصغيرة المجهضة وكما عبث بي عبد شويخ الذي صرت أنتظره كانتظار حالم بتحقيق حلمه الجميل .. كانتظاري للحورية ..

ضرب مجذافه ضربة أمالت القارب يميناً .. فتمنت عيناه ..

ـ آه لو إني قادر على التوجه إلى أحلامي بمجذاف .. إذن لاصطدتها حلماً حلماً .. ربما ساعتذاك سأرى لحياتي معنى آخر .. نكهة أخرى مختلفة عن المرارة التي لا تغادر فمي وروحي ..

  حاذى القارب الجرف فقفز صباح متشبثاً بعليجة الصوف التي كبت ألوانها ، لقد كانت ألواناً صارخة قبل عامين حين حاكتها له هدية آل محسون بعد أن سمعت بأذنيها نحيب صباح الذي قفز دفتره إلى الفرات مفارقاً رزمة الدفاتر والكتب التي ربطها صباح بحبل من القنب الخشن فأبكاها نحيبه وطلبت من كاظم أن يشتري لها بعض الصوف الأبيض فغزلته وصبغته ثم حاكته بمهارة لتضحك ملء قلبها حين لعلعت كركرات صباح  الفرحة وقبلاته التي تناثرت حول هدية وكاظم .. ولم تفارق الغليجة عاتقه مذ ذاك ..

ـ ألم أقل لك يا عمي كاظم أننا سنزور الأمير علي في غدير هذه السنة ؟

  انتصب فرح صبي أمام عيني كاظم المبتسمتين ..

ـ أعلم .. أخبرني والدك أنكما ستسافران صباح الخميس القادم ..

  عدّ الصبي على أصابعه ثم نكز ..

ـ بعد أربعة أيام .. هيه

  قفز ثم استقر في قاع القارب الذي أخذ بالترجرج فكف كاظم عن التجذيف لامتصاص اهتزازات القارب ..

ـ عمي كاظم .. وحق أبو الحسن[20] سأجلب لك معي حلاوة ( دهينية )[21]                       

 

*****

 

  قفزت فتنة من فوق التخت متجهة إلى باب كوخها الموارب بإحكام .. فأسرع ثجيل بالقفز ناصباً جسده المتصالب بتوتر لم يعتده بينها والباب .. عرض خنجره أمامها شاقاً بطن فضاء الكوخ .. فسال خيط من الضوء اخترق شقاً صغيراً في سقف الكوخ..

ـ سأصرخ يا بصيصي ..

 قالت مهددة ..

ـ تعلمين انهم سيصدقونني إن قلت دعتني إليها بعد أن أزاحت عنها زوجها .. لن يهمني صراخك ..

ـ أنت سركال أم دهلة يا بصيصي .. كيف تضايق نسائها ؟..

ـ أنا سركال الشيخ دامس .. وأم دهلة لم ترضَ بتزويجي بإحدى بناتها ، فلتحتمل ما أفعل .. والله والعاذرين ..

ـ أي مجنون سيزوج ابنته من ( مقطم )[22] .. لا نسب له ..

  صرخ منفعلاً ، غارزاً خنجره في كبد فضاء الكوخ الذي بزغ من شق آخر في سقفه خيط من ضوء باهت جلد وجه ثجيل فشطره إلى شطرين وحدتهما عينان مقطبتان وملامح برزت من خلال اللثام الذي أزاح ثجيل بعضه ، قاسية ، جافة ، كأرض سبخة استوطنها الجفاف منذ عشرين صيفاً ..

ـ عيسى بن مريم كان ( مقطماً ) وهو نبي ..

ـ إستغفر الله يا كافر .. الله منح عيسى من روحه ، أتقارن نفسك بنبي ، لستَ إلاّ ابن ليلة زنا ..

ـ أنا السركال ثجيل يا فتنة ، وسأريك من هو السركال ثجيل ..

  هدر صوته بتفخيم أراده باعثاً للهلع في أوصال فتنة إلاّ إنها ازدادت صلابة وحدة..

ـ كائن بلا نسب .. هذا ما أعرفه ولا أظنني سأعرف أكثر ..

ـ أنا سأخلق نسبي .. بل سأخلق قبيلة تنتسب لي .. أتعلمين كم من الأبناء غرزتهم في أرحام النساء .. أتعلمين ان بعضهم غدا رجلاً لا يسقط عشرة رجال عقاله .. 

ـ أبناء زنا مثلك ..

ـ لكنهم موجودون .. وربما غدا بعضهم شيوخاً ذات يوم ..

ـ لا تثمر شجرة لا جذور لها .. وإن أثمرت فلن تثمر إلاّ حنظلاً ..

ـ هذا ما يليق برعاع مثلكم .. الحنظل .. أن تذوقوا المر دوماً ، وإن اجتزتموه فلتذوقوا ما أكثر مرارة .. لا تملكون إلاّ الضجيج واللغو .. أمثالكم من يملأ الدنيا ضجيجاً يشغل الناس .. فنقطف بهدوء وصبر ما نود قطفه .. وحين تهدأ صيحتهم .. وحين يحصون مكاسبنا يضجون بالصراخ ثانية لنقطف .. ألست هنا لأقطفك ..

  بدا اصفرار أسنانه مقيتاً حين غلف كلماته الأخيرة بضحكة داعرة لم تسمعها فتنة إلاّ من ثجيل البصيصي فنبست هازئة ..

ـ لا تملك إلاّ أن تقطف روحي .. فاقطفها ..

ـ أخبرتك يا فتنة .. الموت ليس كل شئ ..

 

*****

 

  قفز قلب كاظم المعيبر حين قفز صباح ثانية ليبدو صدره الصغير بعد أن فُكت عقدة ربطها صباح بنصف طولي من ( خوصة )[23] جعلها بديلاً لزرار دشداشته المفقود .. هزهز كاظم رأسه برجاء ..

ـ ها قد غدوت أهدل الصدر .. ألا تجلس قليلاً حتى نصل مدرستك ..

  شرع صباح آل فاهم ذراعيه مستنشقاً هواء الفجر الذي افتضت سكونه الشمس التي نشرت غلالتها الدافئة .. فاحتوى صدر صباح حزمة متراصة منها ..

ـ نسيم الصباح ( عذيبي )[24] .. يحقن الجسد بالصحة .. قال لنا المعلم ذلك .. أتظن أني سأمرض ..

  واستنشق دفقة أخرى عبّ بها رئتيه ثم زفرها ..

ـ ألم أخبرك أني سأغدو دكتوراً .. عليك أن تصدق إني لن أمرض ..

  ضحك فجأة بجذل ..

ـ أعدك إني سأعالجك حين أغدو دكتوراً ..

  بحث كاظم عما يجلب لقدمي صباح الحافيتين المتقافزتين فلم يجد سوى ..

ـ ماذا يعلمكم المعلم البغدادي ؟..

ـ استاذ أحمد الحامد .. الله

  انهمر الإعجاب والامتنان نهراً جذب قدمي صباح لسكينة احتواها قاع القارب ..

ـ كم أحبه يا عمي كاظم .. يحدثنا فيدهشنا .. يحدثنا ثانية وثالثة ورابعة فنظن حكاياته ستنفذ أو ان دهشتنا ستضمحل ..

ـ وماذا يحدث ..

ـ لا هذا ولا ذاك .. ندهش ثانية وثالثة ورابعة .. أمس حدثنا عن مصر ..

ـ  مصر ؟

ـ بلد عربي كبير بعيد .. امتلكه حفنة من الناس لا يتعدون أصابع اليدين .. يخدمون ملكاً .. فذاق الظلم ملايين من أهل مصر ..

ـ ملايين ؟ أهو عدد كبير هذه الملايين ؟

ـ أتعرف الألف يا عم كاظم ؟

ـ أظنه عشر مئات ..

ـ والمليون ألف ألف ..

ـ كيف عرفت هذا ولم تجتز العاشرة بعد ؟..

ـ المعلم أحمد الحامد والمدرسة يا (عمي ) كاظم ..

ـ وماذا أخبركم أيضاً ؟

ـ قبل ثلاث سنوات .. فجر الناس ثورة ..

ـ الناس ؟ .. ثورة ؟ .. ماذا تعني ؟ ..

ـ طردوا الملك وجاءوا برجل من فقراء مصر ليغدو كبيرهم ..

ـ ملكاً ؟

ـ لا .. سموه رئيساً .. وتستبشر هذه الملايين برئيسها جمال عبد الناصر ..

  ردد صباح الكلمات التي حفظها جيداً ..

ـ أهذا اسمه ؟

ـ نعم .. انه اسمه ..

  ثورة .. مصر .. الملايين .. طرد الملك .. شعر كاظم ان هذه محض كلمات لا قدرة له على الربط بينها .. ربما سيفهم من يقرن له الثورة بالثور .. لكن كيف يدرك بسنواته الخمسين الذابلة ما يدركه هذا الصبي الذي يتحدث بسلاسة عن كلمات يعلم كاظم انه سينساها سريعاً .. ربما بعد مغادرة صباح آل فاهم بصخب قدميه الحافيتين وارتعاش جسده الضامر تحت دشداشة دلعة ( الزيق )[25] وصوته الصادح المكتظ بالوضوح .. وضوح باشط كشفرة سكين غادرت قرص ( المحد )[26] الصخري .. وضوح يغدو مؤلماً حين يؤجج مشاعر العجز والخواء لدى كاظم الذي صار متأكداً ان عليه أن ينقاد إلى أحد أمرين .. إما أن يعود طفلاً كصباح آل فاهم أو يموت .. ألا يبدو صباح أشبه برجل صغير .. كيف سيبدو حين يختط شارباه.. بل كيف سيكون ان غدا دكتوراً حقاً .. ابتسم بين شفتيه شئ بدا له جميلاً لدرجة أيقن إنه يستحق أن يحيا لأجله .. قفز صباح بغتة وقد ارتطم سؤاله برأس كاظم المعيبر المستغرق بمراقبة سطح الفرات الذي توسطه القارب شاقاً ( دهلته )[27] الحمراء بانسياب آسر ..

ـ ( عمي ) كاظم .. أتظن أن جمال عبد الناصر سيوزع على هذه الملايين حلاوة (دهينية) في العيد ؟ ..

 

*****

ارتدّت خطوات فتنة أمام جسد ثجيل الذي مدّ ذراعيه جانباً ليركنها في زاوية ضيقة مستطيلة على امتداد حافة التخت المتاخم لجدار الكوخ وبينهما قدم من الأرض الجافة المغطاة بغزارة بتبن ناعم بدا لعيني ثجيل دافئاً .. وربما مناسباً لما صار يلح على دماغه الذي فك ارتباطه بكل أجزاء جسده سوى قطعة اللحم التي استوطنها الشبق فنبضت منتصبة .. ثم لتزداد انتصاباً .. حتى غدت رمحاً نابضاً يكاد لا يقدر على الانتظار أكثر ليخترق لحماً بشرياً استهدف الانقضاض عليه .. فكر ثجيل مغافلاً رمحه ..

ـ سأحاول إقناعها ثانية .. لن أفقد متعة أن أضاجعها مستجيبة .. وان لم توافق فسأفكك جسدها انتضاءً .. ولن تكون قادرة على منعي ..

  ازداد اقتراباً منها فتوقفت عند حافة قدم التخت المغطاة بالتبن .. كانت تدرك بالغريزة إنها ستغدو فأراً مذعوراً ان ولجت الشق المحصور بين حافة التخت وجدار الكوخ .. لذا ستواجهه أمام التخت .. علّ كفها تهتدي إلى شئ ثقيل أو مدبب ، بحثت نظراتها فارتدت لعينيها خائبة ..

  فحّ صوت ثجيل فكانت كلماته تندلق لتقمط رمحه المنتصب رافعاً دشداشته من الوسط تماماً فبدا كعمود خيمة فارهة ..

ـ لا أحد لك يا فتنة .. إبراهيم في طريقه إلى بغداد التي سيضيع فيها لا محالة .. وأم دهلة غافية .. استجيبي لي وسأهبك ( حجلاً )[28] ذهبياً .. ألا تودين أن يكون لديك حجل؟

  كانت عينا فتنة تتلامضان مراقبتين خنجر ثجيل الذي التمعت فوق نصله دفقة ضوء معبئة بشعاع الشمس فبدا لها شهياً كشاي الصباح الذي اعتاد إبراهيم أن ( يُخَدّرَه )[29] لها في صباحات الأعياد مرتشفة دفء بخاره قبل أن يخترق أحشائها فيمنحها الدفء والمتعة .. ربما سيكون لذيذاً كقطعة سكر تنتزعها من ( كلة القند )[30] المختبئة خلف الكيس الورقي المخروطي الأزرق .. والذي يعلم أهالي أم دهلة ان لا شئ يمنح فتنة البهجة حين تتوافد الأقدام القليلة القادمة من زيارة الأمير علي في النجف[31] أو ولديه الحسين والعباس في كربلاء أكثر من ( كلة القند ) التي تحتفظ بها طويلاً لتقضم قطعاً مهشمة منها أو لتضع قطعاً منها في قدح الشاي الساخن أو ( القنداغ )[32] الذي تذيب فيه قليلاً من الزبدة ان باغتها السعال أو بعض صفار البيض ان غزتها الحمى ..   كانت تعلم ان كلة القند المخبئة في زاوية تختها الخشبي قد تعرضت لغزوة جيش  النمل الأسود الدقيق .. إلاّ إنها لن تمانع الآن ان التهمت القند مع ديدانه ان وجدت في ذلك خلاصاً ..

  كانت حنجرة ثجيل تزداد حشرجة وهي تقذف كلمات مرتعشة صار اللهاث يحاورها ثم يلتف عليها فيحتضنها ليرافقها ، كلمات متحشرجة لاهثة تزيد رمح ثجيل انتصاباً فيهتز عمود الخيمة لتترجرج الدشداشة كسطح الفرات حين يخترقه قارب أو مجذاف ..

 

*****

 

  رفع كاظم المعيبر مجذافه سريعاً حين تمايل القارب لقفزة صباح الأخيرة .. بدا هذه المرة هارباً من انتشاء لا طاقة له على احتماله ..

ـ عم كاظم .. أ أسمعك نشيداً ؟

ـ هيا .. لكن .. كن هادئاً ..

ـ سأكون هادئاً .. لكن تخيل ان السبورة خلفي وسأقف أمامها .. هكذا

  وقفز ليقف ممسكاً توازنه بكلتي يديه الممتدتين إلى جانبيه تحتضن يسراهما (عليجته) .. توازن قليلاً .. أرسل عيناه بعيداً .. فوق رأس كاظم الذي مدّ المجذاف إلى جانبه في حوض القارب .. بعيداً جداً .. فوق رؤوس النخيل المنكوشة السعف وشعاع الشمس البازغ يندلق على سوالفها المشعثة ..

  قفزت إلى دماغ كاظم علامة استفهام مختبئة ..

ـ لماذا لم تصِح الديكة ؟ ..

  ترنم صوت صباح آل فاهم صادحاً .. قوياً .. واضحاً .. يشوبه انتشاء ورجاء مضمخ بالشجن ..

ـ نحن الشباب لنا الغدُ          ومجده المخلدُ

  لم يبرح الاستفهام دماغ كاظم ..

ـ حقاً .. بزغ الفجر .. وتناثرت أشعة الشمس ولم يصِح أي من الديكة .. أي فأل تعيس هذا .. إنها لم تصيح أيضاً صبيحة اليوم المشؤوم الذي مات فيه عبد شويخ ميتته الأخيرة ..

 

*****

 

ـ ألا من عبد شويخ ينقذني كما أنقذ مسك آل ضمد من شهوة هذا الرعديد قبل ثلاثين سنة ؟

  لاحقت عينا فتنة التي بدأ الهلع يغزو قلبها المتفجرة نبضاته بالاضطراب خنجر ثجيل طيلة دورانه في كفه التي ساحت من باطنها قطيرات عرق أسود .. لم تفكر بما دفع اسم عبد شويخ لتوق الخلاص إلاّ إنه صار يتنامى لديها حتى اقتنعت انه مجسد في نصل ثجيل الذي عليها أن تستله لتغرزه في قلبه أو قلبها .. لا فرق ..  في أي القلبين أقرب أو أسهل منالاً .. لذا انشغلت عيناها بالمراقبة مكثفة تركيزها عليه مستسلمة لصمت ثقيل منح ثجيل شعوراً بالاستسلام أهاج عضوه .. فهدأت كفه المحتضنة مقبض النصل الباشط .. كان قد ضغط منتصف جسده على منتصف جسدها وقد أثارت الذعر فيه نبضات قلبه التي أوشكت أن تغدو طبولاً توقظ رقدة أم دهلة ..

  لم ينتفض وسطها رافضاً قبل أن تنقض كفها على خنجره الذي أسرع بأبعاده مكتشفاً نيتها موجهاً بكفه الأخرى لطمة رسمت خمس أصابع حمراء على اسمرار وجه فتنة الذي كساه الشحوب ..

  استمرت كفها في معاركة نصله المبتعد دون أن تأبه لعمود خيمته الملتصق بها موشكاً على إعلان رحيل بدوي ترفع خلاله الخيمة المترجرجة فوق العمود ليبدو نافراً .. ناتئاً .. كقدر فتنة التي تسرب الإنهاك إلى قلبها والتصق الصوت في حواف حنجرتها .. لهث الهلع في حنجرتها وقلبها وتضخمت به رئتيها .. غدا النصل أبعد من نجمة الثريا .. فتشبث اليأس المطبق على كفها بيشماغه الذي رأته حاسماً لهولٍ سيعصف بها وربما بأم دهلة بعد قليل .. أهمل ثجيل رمحه المنتصب والذي أحسن تصويبه فأبعده عن جسدها المنكفئ قليلاً .. قذف نصل الخنجر بعيداً إلى زاوية معتمة في الكوخ .. وانشغل بكليته بمعاركة كفي فتنة المتشبثتين باليشماغ الملتف حول رأس ثجيل .. انهالت صفعاته على خديها دون أن تفلت ما أيقنت انه كنز خلاصها .. اخترقتها فكرة سريعة كسهم ناري ومض هنيهة ثم خبا .. 

ـ تخلى عن كل شئ ليحمي رقبته من ضغط يشماعه .. فلأزيد الضغط إذن ..

  كان ثجيل يدرك ان ما تبذله من جهد لتزيد من ضغط اليشماغ على رقبته لن يجدي شيئا فرقبته ليست رخوة لتنال منها كفا فتنة .. إلاّ انه صار يخشى على ما حرص على إخفائه طيلة أربعين سنة ..

  جذبت فتنة ذيل اليشماغ مفككة عقدة أحالته إلى خرقة ساحت حول رأس ثجيل ورقبته ثم تكومت بين يديها .. اتسعت عيناها بدهشة بعثرت ارتخاءً باذخاً في أطراف فتنة حين تموج أمام عينيها شلال شعره الأشقر الطويل مغطياً كامل مؤخرته منساباً على ظهره وكتفيه ..

  تمتمت فتنة بتساؤل بليد ..

ـ أشقر ؟؟؟؟؟

  أطرقت عيناه لحظة إلاّ انه تلقف بلادة دهشتها وارتخاء أوصالها المتفاجئة .. وتجمد الاتساع في عينيها ، فوجه إليها نظرات حادة لم تدرك فتنة حدتها  .. إلاّ انه وجه وسطه وكفيه باحتراف ..

 

*****

 

  صفقت كفا كاظم بحرارة ثم عاد لجلسته الهادئة في حافة القارب مستغرقاً بابتسامته التي انتزعتها طفولة صباح آل فاهم الفائرة .. إلتفّت حول عينيه سلسلة من مفردات الحيرة فأغمضتهما ..

ـ الشباب .. الغد .. المجد .. الخلود .. ما أمامك لا يطال ما ابتعد خلفك يا كاظم المعيبر .. إزدردتَ خمسين عاماً كما تزدرد حبات تمر تلفظ نواها دون أن تدرك ان كل نواة هي نخلة مخبوءة .. كم من السنوات أمامك وهل ستنجح في أن تبذر نخيلك.. أي هراء .. ما لم تبذره يافعاً وشاباً .. لن تبذره كهلاً يجترك الوهم .. أي غد لمعيبر عاجز مثلي .. وأي فجر أرجوه لظلمة اعتدت بردها .. ارتجافها .. وهمها .. إيه يا كاظم .. كنتَ بحاجة لصفعة صباح آل فاهم لتدرك حجم خساراتك .. لستَ أكثر من خسارة يا كاظم .. شئ موشك على الانقراض .. شئ بلا ملامح .. سرعان ما ينسى ويتفتت اسمه قبل أن تفتت ديدان قبره البقع الرخوة في جسده ..

  صدح صوت صباح في أذنه ..

ـ نحن الشباب لنا الغد         ومجده المخلد ..

  تساقطت المفردات من أمام عيني كاظم مفككة سلسلتها التي تساقطت باذرةً فيهما حزناً شفيفاً .. لبط بغتة شئ ما تحت سطح الماء قرب كاظم .. شئ كبير لامع بحجم حورية والتماع جسدها البض ، نهض متبعثراً فاهتز القارب بعنف ، إلاّ ان نظراته الباحثة حول زاوية القارب حيث كان جالساً منحته توازناً فتشبث بحافة القارب .. (طرطش) الماء بغتة فتناثرت عدة نقاط على وجهه وظهره ..

ـ  شئ كبير بحجم حورية .. ها ان قفزتها نثرت الماء على ظهري ..

        

*****

 

  لا شئ سوى عيني فتنة المشرعتين بذهول يوحي بأنها حية .. إذ بدا استسلامها المباغت شيئاً لا يقل إدهاشاً وحيرة من الموت .. لم تقاوم ثجيل حين نضا عنها ثوبها الشجري المحاط بنقاط فضية .. ولم يبارحها ذهول عينيها حين جردتها كفا ثجيل من ثوبها الداخلي ليثب أمامه عريها الشاسع المستسلم لموتٍ مؤجل .. غرز نهم نظراته في القطعة المثلثة الحمراء ذات الحواف السوداء والتي يختفي تحتها ما سيهشم حدة نظراتها وما سيميت صورة الوحاش إلى الأبد ما ان يستبيح ستره .. أمسك طرفي سروالها من جانبيها الموشكين على عري مستباح .. أدرك ثجيل ان شقرة شعره الطويل كشعر فتاة غرزت فيها ذهولاً ودهشة بلّدا مشاعرها ، بل شلتها .. إلاّ انه صار يخشى أن يكون عريها الآسر هذا بلا روح .. انه سيضاجعها على أية حال .. لكن عليه أن يعرف ان كان سيضاجع جثة .. ألصقَ أذنه تحت ثديها الأيسر المنتصب بأغراء لم يعد ثجيل يحتمله .. وخزت شعيرات أذنه الشقراء رقة جلدها فانتفض قلبها نابضاً لكن باضطراب بادٍ .. نبضات بطيئة .. متباعدة .. فكر سريعاً ..

ـ إنها تنبض على أية حال ..

  وأمسك بأنامل مفترسة حافتي السروال الأحمر المؤطر بالأسود ليهبط به حتى قدميها المتوازيين فوق تبن شرع بالتلملم والانجذاب ليزيد من ليونة طبقاته الكثيفة فلا يتسبب بالأذى لظهر فتنة الذي سيضطجع عليه بعد قليل .. احتضن ساقيها بكفيه وغرز رأسه بين فخذيها .. قبل اسمرارها المرتعش بنهم وضراوة .. التهم بشفتيه فخذيها المكتنــزين .. لمس بأنامل شرهة بوابة الطريق الذي سيلجه ليقتل في عينيها الوحاش ويكسر حدتهما الكاسرة .. ابتسم بظفر حين فكر بأنه سيشرع باختراق طريق يصل ما بين فخذيها بعينيها اللتين لن تخيفاه بعد الآن .. طافت كفاه حول ردفيها وتسلقتا ظهرها لتدورا حول صدرها في طواف أتمتاه باعتصار نهديها النافرين .. لم تزايل الدهشة عينيها والخور البليد المرتبك جسدها الذي أضجعه ثجيل على كومة التبن ليطرق باباً أدرك سريعاً جفاف دربها ووعورة كهفها الضيق زاده الارتباك وما يشبه الموات انكماشاً .. إلاّ ان ثجيل الذي بدأ بتلمس تخوم بوابة كهفها كان قد قرر انتضائها حتى ان كانت جثة .. إرتجّ الشبق في كيانه المكوم فوقها ولذة بدت له أعتى من كل لذائذه السابقة دفعته إلى التقدم الحثيث أول الأمر حتى بلوغه جدار الكهف الذي ارتطم به فشعر ان قلبه سيقفز من فمه .. كان قد غدا كائناً خاطته اللذة فاستزادها حين كرر اختراق كهفها في رواح ومجيء تخلى عن بطئه سريعاً ليتسارع.. يتسارع .. يتسارع .. حتى شعر ان براكين خامدة ستتفجر في داخله .. لهث ككلب جائع وهاج جسده الذي خيم فوق عريها الذي تبارحه البرودة .. غدا ولوجه المتسارع ولهاثه الكلبي مبعث ألم أدركته زوايا عينيها اللتين ارتعشتا لحظة ثم تفرستا برعب زاده شعورها المباغت باستباحة تضاريس جسدها الذي احتلته خشونة ثجيل المقيتة وغابيته .. تفرست في شعره المنهمر فوقها كبيرق جيش منكسر.. هالها ما لم تظن إنها ستراه يوماً .. أسراب متقاطرة من القمل تسف بين ثنايا شعره وفوق خصلاته .. قمل كثيف ربما سينشر الهلع في أم دهلة ان قرر السركال ثجيل البصيصي نثره في دروبها .. تململت فتنة تحته بما استجمعته من قوة .. إلاّ انه كان قد مهد وعورة كهفها فانزلقت سرعة ولوجه وارتداده حتى شلتها بهيميته .. تململ وركها محاولاً التملص .. لكنه لن يسمح بأمر كهذا .. الآن خاصة .. الآن .. الآن .. الآن .. خاصة .. الآن .. الآ……………………ن  فنيران بركانه تتجمع .. تتكاثف .. تكوي جدران خزان حممه الذي انتفخ بالجحيم الذي يمور داخله .. ازداد تململها فقبضت كفاه بوحشية مؤلمة على نهديها ليغرز رمحه في وسط الجسد الذي فُغِرَ كهفه المنتفض .. عليها أن لا تتململ .. لا تتحرك الآن ا لآ ن استسلم جسدها الواهن لحمم قذفها بركان ما برح اتقاده يغرق الجرح النافذ فيها حتى انقذفت آخر حممه ..

  صاحت ديكة أم دهلة مرة واحدة فجأة فبدت صيحاتها لأذنيه زغردة غجرية رسمت بين شفتيه ابتسامة رضى .. دفعته إلى أن ينكفئ فوق عريها .. كانت تنصت إلى أصوات صياح يجوب مقابر شاسعة طارت نظراتها الدامعة فوقها طويلاً إلاّ إنها لم تصل إلى حدودها ..

  فكرت بغتة

ـ يـــــــــاه .. كم من الموتى ؟..

  كانت أناملها تطرد ما تنثه خصلات شعر ثجيل من قذارة و صوتها المتأتئ المغادر اختناقه بصعوبة يردد ببرود قاتل ..

ـ القمل ... القمل .. القمل في كل مكان ..

 

 

*****

 

  باغت صياح الديكة كاظم المعيبر فكف عن البحث عن حورية لبطت تحته تماماً.. فكر منطفئاً

ـ صمتت الديكة عند طلوع الفجر وصاحت دفعة واحدة بعد ان ارتفع قرص الشمس قامتين ؟..

  نهض .. اتكأ على مجذافه الممتد فوق القطع الخشبية المستعرضة ، نظر بعيداً إلى حيث تتكاثف سيقان النخيل و( كفشاتها )[33] متشبثة بعتمة الظلال الكثيفة .. فكر كاظم بما أدرك سريعاً انه محض غباء ..

ـ ربما ظنت الديكة ان الليل لم يغادر أم دهلة بعد ..

  كان صياح الديكة آخذاً بالتقارب والاقتراب من جرف أم دهلة الصامت ..

ـ سيجد صباح آل فاهم ما يحدث به المعلم والتلاميذ وأهالي أم دهلة .. مشاكسة الحورية .. وجنون الديكة ..

  أوشكت ابتسامة أن تنتفض بين شفتيه حين تذكر صباح الشاخص فوق القارب خلفه..

ـ أليس غريباً خلود صباح للصمت ؟

  استدار نحوه فجأة .. فهاله أن القارب خالٍ إلاّ منه والمجذاف الذي طوحت به ذراعاه بعيداً دونما وعي حين أراد أن تنطلق صرخته عنيفة صاهلة ..

ـ صباح صبـــــــــــــــــــــــــــــــــاح

  ودار كالمجنون في زوايا القارب باحثاً تحت سطح الدهلة الكثيفة بعينين اعترتهما دهشة باردة واضطراب مجنون فأوشك امتزاجهما أن يفجره شعر ان عليه أن يصرخ

ـ صبــــــــــــــــــــــــــــاح .....

  طافت صرخاته مخترقة رؤوس أهالي أم دهلة التي أوقظها صياح الديكة المباغت فأسرع البعض لدلق الماء فوق أجزاء من أجسادهم في وضوء شابته العشرات من (إشششــــــــــاه)[34] المتزامنة مع رعدة برد تشمل الجسد بمجمله .. توجه البعض نحو القبلة لتواجه بقايا الرقاد المتخم في أعينهم حزماً من شعاع الشمس المندلقة فوق النخيل وقمم الأكواخ الواطئة .. ثم سرعان ما تباغتهم الصرخة المعبئة بالرعب ..

ـ صبـــــــــــــــــاح ..

  فتقافزت الأقدام الحافية نحو مصدر الصوت متسائلة ( أي الصباحات تعني هذه الصرخة ) .. شئ بدا لفضولهم ناقصاً وعليهم إدراك تكملته .. تجاورت الأقدام الكبيرة والصغيرة على جرفي الفرات .. وبين الأقدام الراكضة قدمين معلبتين بحذاء جلدي تمنى صباح آل فاهم أن يمتلك شبيهاً له ..

ـ المعلم أحمد البغدادي .. صباح الخير ..

  باغته وجه مبتسم لا يعرفه .. إلاّ ان ملامح الكهولة في وجهه تكشف دونما صعوبة إمارات حذق وذكاء فطريان أحسن الرجل استثمارهما .. توقفت أقدام أحمد الحامد الراكضة قربه ..

ـ صباح النور .. ما الذي يجري يا عم

ـ أنا نجم آل فرطوس .. إن احتجت لحلاقة شعرك فما عليك إلاّ أن تزورني .. أنا لا أختلف عن حلاقي بغداد كثيراً يا بني .. فأنا أواكب الموضة و………

ـ عفواً يا عم نجم .. سألتك فقط .. ما هذا الصوت الغريب ؟

ـ لم تعش في أم دهلة كفاية لتدرك الأصوات ومصادرها وما تحمله من أنباء بمجرد سماعها ..

ـ وماذا عن هذا الصوت ..

ـ انه لكاظم المعيبر .. لكن لم أفهم ما يعنيه بصباح .. ربما هذا بعض من جنون الحورية ..

  ثم كركرت ضحكاته فمسح بكم ثوبه قطرات تغرغرت بها عيناه .. عض أحمد على شفته السفلى آسفاً لانسياقه لثرثرة نجم الحلاق .. كان قد استنتج تحليلاً لصرخة المعيبر التي عرفها بمجرد سماعها ، إلاّ ان تحليله هذا بثّ في داخله الخوف .. فآثر طرده .. ورغم ذاك قادته قدماه الراكضتان إلى الجرف لتصطفا مع أقدام حافية تتزايد متقاربة وأمامه تماماً على الضفة الأخرى نسق من الأقدام الحافية المتجاورة وبين النسقين يلوب كاظم وسط قاربه كامرأة ثكلى ..

  اقترب بهنس متثاقلاً من حافة الجرف وحوله ولداه حمد ومجيد .. وقربهما ساجر الذي لم تبارحه الدهشة مذ اجتاز فرات أم دهلة مستقراً في دار بهنس ..

  أدرك كاظم المعيبر ان ضفتي الفرات قد أتخمتا بالرجال والأطفال وخلف النخيل تشكلت كتل سوداء من عباءات دار الهمس المؤطر بالفضول بينها وبين الحين والحين تطل الوجوه التي تجلد النعاس أو بقايا النوم فوقها لتعلن استغرابها لهياج كاظم المعيبر ..

  قالت إحداهن ..

ـ ألم أخبركن ؟ .. كنتُ واثقة ان الحورية ستسلبه عقله ..

  تساءلت أخرى ..

ـ ومن صباح هذه ؟

  فردت الأولى فوراً ..

ـ هو أسم الحورية بالتأكيد ..

  تساءلت ثالثة ..

ـ وهل تحمل الحوريات أسماءً ؟

  فأجابت الأولى بحذلقة .

ـ إنهن فرقة من الجن .. والجن تحمل أسماءً ..

  التقطت نظرات كاظم المعيبر وجه أحمد الحامد المصطف إلى جانب فلاحين جاء بعضهم يحمل ( مسحاته ) .. نطّ الرجاء في عيني كاظم المعيبر وصوته ..

ـ أستاذ أحمد .. الحق بي .. ما الذي أفعله ؟ .. صباح ابتلعه الفرات .. استاذ أحمد .. الحورية الديكة استاذ

  صرخ أحمد من مكانه على الضفة وقد شرع بخلع حذائه إذ ان استنتاجه أصاب قلب الصواب .. قلبه الذي ربما توقف قبل فترة تحت دهلة الفرات الثقيلة ..

ـ صباح فاهم ؟

ـ نعم .. استاذ أحمد انجدني .. انجده ..

  استمرت تأتأة كاظم المعيبر حتى بعد أن قفز أحمد الحامد إلى حضن الفرات مقترباً من القارب الساكن بين الضفتين .. قرب الوسط تقريباً .. تبادلت الأعين الكامنة فوق الضفتين النظرات ثم بحثت عن وجه فاهم آل مرهون .. وكلّت أقدامها المتجلدة عن القفز إلى برد الفرات القارس ..

أدرك ساجر الأمر حين صفق الحاج بهنس يداً بيد مردداً بجزع ..

ـ لا حول ولا قوة إلاّ بالله .. أعانك الله يا فاهم آل مرهون ..

  تساءل حمد ..

ـ وأين فاهم الآن ؟

  لم ينتظر ساجر العلوان جواب الحاج بهنس إذ قفز خائضاً الفرات نحو القارب الذي أمسك به أحمد الحامد ..

  أجاب الحاج بهنس ابنه حمد ..

ـ لم يظهر بعد .. ربما ( غبشَ ) إلى الأرض .. تعلم انه يستقبل الفجر هناك ..

  تمتم حمد ..

ـ الله يساعد قلبه ..

  نطّت النظرات محيطة وجه ساجر العلوان الذي بدا للجميع غريباً ..

  صرخ أحمد الحامد بوجه المعيبر الذي تفاقم ارتباكه ..

ـ أين سقط ؟

ـ لا أدري .. كان هناك وكنتُ هنا .. والحورية .. الله يخليك يا أستاذ أحمد .. ما الذي أفعله .. الديكة لم تصِح صباحاً .. فأل سيئ .. كنتُ أعلم .. وعدني بحلاوة دهينية .. استاذ .. صباح .. لا صباح بعد اليوم .. يجب أن أموت .. أعلم ان علي أن أموت ..

  أدرك أحمد الحامد مساحات الجبن والارتباك والوهن التي استوطنت المعيبر فأوشك أن يقيئ تقززاً ومقتاً دفعاه إلى لطم القارب الذي اهتز قليلاً ثم استكان ثانية محتوياً صمتاً مطبقاً لجأ إليه كاظم .. غاص أحمد مبتعداً إلى حيث كان قد أشار إليه كاظم .. أدرك ساجر ان عليه اتباع اتجاه المعلم فسبح نحوه مسرعاً ..

  قرفص البعض على الضفتين منتظرين ما سيبدو بعد قليل .. ورغم إمارات الحزن والقلق التي رسموها على وجوههم باعتناء كانت متعة غامضة تنط بين حين وآخر ..

تحذلق أحدهم ..

ـ أراهنك ان المعلم سيغرق .. انه ابن ( ولاية )[35] .. ( حضري ) .. وهؤلاء مائعون لا يوازون قدرتنا على السباحة ..

  أيده أحدهم ..

ـ صحيح .. أنا أستطيع البقاء ساعات في النهر دون أن أحتاج إلى جرف ..

  قال رجل متكئ على ( مسحاته ) في الجرف المقابل ..

ـ لولا مسحاتي لسبحت باحثاً عن هذا المسكين .. لكني أخشى أن أدعها هنا فتُسرق .. ولا أملك غيرها ..

  همس جاره محاذراً أن يستمع إليه أحد ..

ـ مالك وهذه المشكلة .. الماء والشتاء لا يرحمان .. دخولك النهر يعني مرضاً مؤكداً.. ثم ان المعلم وهذا الغريب يكفيان

  صفق بهنس بيديه متحسراً ..

ـ ما الذي جرى يا أم دهلة .. صرتِ تعثرين فلا تقيلين عثراتك .. أهكذا تمكن الخوف من قلوب رجالك حتى صار البحث عن صباح مهمة لا يقوم بها إلاّ غريبين ..

  انهمر الأسى من قلب حمد آل بهنس تياراً ساخناً من لوعة بائدة لفحت كاظم المعيبر وارتدت باردة متجلدة إلى همسات حمد المترنمة بعصارة حزن أكثر سواداً من ليالي كانون الصقيعية ..

ـ ( يمعيبر تباشير الصبح ها ليوم ما ين ؟    

عفه عقلي يتحمل صقع ما ين ..

شهق نهر الفرات وزفر ما يين            

أخذ بيهن صباح ليا نُوِيّة )[36]                   

  أقعد الوهن كاظم على حافة القارب فخلع عقاله ويشماغه وطوح بهما بعيداً ..

  كانت هدية آل محسون تراقب بقلب كسير من دكة تنورها المرتفعة كاظم المستسلم للنواح كثكلى .. غرف ملء كفيه دهلة حمراء لطم بها وجهه فالتصقت فوق حاجبيه ورموشه وشاربيه وبعض البقع الناتئة في وجهه .. كان يبحث عن صحوة افتقدها في الماء فغطى وجهه بطبقة من الدهلة ..

  دخلت تاضي مسرعة .. وارتقت دكة التنور الثانية متطاولة موجهة بعض نظرات المواساة إلى وجه هدية المرتبك ..

ـ ستودي به إلى الجنون يا أخيتي .. هذه جنية ملعونة لا حل لها سواه ..

  دسّت تاضي كلمات وسط أذن هدية المستسلمة ..

ـ من هو ؟

  تساءلت هدية فأجابت تاضي دونما تفكير ..

ـ ساحر الموجدات

 

*****

 

  لم يحسن ثجيل البصيصي غلق باب كوخ فتنة حين غادرها حاشراً رأسه وسط طيات اليشماغ المخفية شعره الأشقر ومتشبثاً بابتسامة منتشية ارتسمت بين شفتيه قبل مغادرته بلحظات حين أطلق نظرته النارية الأخيرة للجسد العاري المحشور متلوياً بين جدار الكوخ وحافة التخت الخشبي العتيق .. وقبل أن يلتقط من زاوية الكوخ المعتمة نصل خنجره الفضي اللامع ليرقصه بين عينيه اللتين التمع فوق رمادهما انعكاس ضوء صفع النصل وارتد ليخترق البؤبؤين الرماديين .. لم يكن ثجيل واثقاً حين غادر دكة كوخ فتنة انه راغب في غلق رتاج الباب فترك فيه فتحة تكفي لدخول قطة لم تدخل في حقيقة الأمر حتى بعد مغادرته بساعات بل تسلل ضوء باهر بدا امتداده فوق جسد فتنة العاري المتلوي ألماً ودهشة وخور ، ثقيلاً كساق نخلة يافعة .. شعرت فتنة إنها لن تقوى على النهوض وأوشكت أن تستسلم لرقاد يهرب بها من سوء غلّف دواخلها بطعم العلقم وعبأ خياشيمها برائحة زنخة أهاجت فيها الرغبة بالتقيؤ .. وثبت عدة خيوط من الضوء مخترقة ثغور الكوخ الدقيقة ، إلاّ ان تشابكها فوق فتنة المستسلمة لثقل عمود الضوء المرتمي على جسدها ، منحها شعوراً مقرفاً دفعها إلى التململ والاعتماد على ساق التخت الخشبي الثقيلة والنهوض لتطوح بها ساقاها حول شبكة خيوط الضوء التي توالت على جلد عريها بسياطها المضيئة ليبدو جفاف خطوط صفراء كابية ملتصقة على باطن فخذيها تحت ملتقاهما بقليل .. ارتسم القرف بجميع الوجوه المألوفة لديه ، وحتى التي لم يبدها بعد على ملامح فتنة التي جذبت سروالها الأحمر المزدان بحواف سوداء وحكّتْ باطن ساقيها بقوة لم تكن كافية لمحو آثار الخطوط الكابية الصفرة .. ولا لطرد الرائحة الزنخة التي صارت ترسم حولها دوائر تتسع حتى تحيط جدار الكوخ المعتم ثم تضيق لتطرد الهواء وتحل محله في اختراق أنف فتنة ورئتيها .. ازداد الغثيان في معابثة جوف فتنة .. قذفت سروالها بعيداً حين بدا بين أناملها قطعة من فطيسة مفتتة .. أسرعت قدماها المترنحتان إلى الإبريق النحاسي المليء بماء مثلج وصبته على رأسها فارتعش جسدها .. كانت تود أن تطرد رائحة الزنخ التي أوشكت على خنقها إلاّ ان سائلاً مثلجاً كثيفاً كدم راكد بائت ساح من رأسها ملتفاً حول خصلاتها ومندلقاً على اسمرارها العاري المرتجف.. ازداد اتساع فمها الموشك على الاختناق بصرخة حشرت في حنجرتها ولم تستدل دربها للإفلات عبر فمها المشرع .. وازداد اتساع عينيها حين أبصرت تحت قدميها فوق أرض الكوخ الذي خطت فيه خيوط الضوء مربعات لا منتظمة .. أسراباً من القمل تسير في اتجاهات متعارضة ومتداخلة .. أسراب كثيرة لدرجة كان بعض القمل يطأ بعضه الآخر في مرح وخز عيني فتنة وكور غثيانها إلى كرة انتفخت في جوفها فغدت عصية على الإفلات قيئاً غدا أمنية توازي الموت في ذهن فتنة التي ازدادت ترنحاً حين ضغطت الصرخة الحبيسة على جدران حنجرتها .. شعرت إنها غدت فطيسة متقيحة غاصة بنتانة لا يقوى إبريق بارد بليد على تطهيرها .. جذبت مسرعة ثوبها الشجري المنقط بنقط فضية و( شيلتها ) السوداء المائلة للحمرة وركلت الباب غير الموارب لتغادر الكوخ مسرعة بخطى حافية مترنحة تتقافز فوق أسراب قمل استعمرت حواف الكوخ وأرضه .. كانت فتنة تركض بخطى متسارعة صوب الفرات وهي تعدل من تطويق شعرها المبتل بشيلتها وتلتفت بين الحين والحين لتتأكد ان أسراب القمل قد غدت بعيدة ورائحة الزنخ قد فارقت أنفها .. إلاّ ان القمل كان ينط أمامها وحولها من جذوع النخيل ومن تخوم السواقي والطحالب الخضراء المستكينة في زوايا البرك الصغيرة المهملة .. نجحت أخيراً في استدرار دمعتين غادرتا زاويتي عينيها ساخنتين مجمرتين حفرتا في خديها خندقين غائرين تجمع فيهما ندى الفجر المغادر المتطاير من سعفات النخيل فصار ينسكب من نهرين اخترقا خدي فتنة الراكضة نحو الفرات ..

 

*****

  لم يضايق ثجيل التعب الذي دك ساقيه وفخذيه وظهره .. بل حتى رقبته ورأسه .. بدا له تعباً محبباً اغتصبه اغتصاباً حين دلف إلى أغوار فتنة الفاتنة بيسرٍ لم يتخيله .. كان يرسم ملامح ثورتها وهو يدور حول كوخها .. وتتجسد له عنيفة وحشية حين دلف إلى الكوخ متسللاً .. وهيأ نصل خنجره لعربدة لبوة لا ترتضي جرحاً .. ووضع بين كفيه ثجيل البصيصي كله وهو يجلد صلفها الذي كان يظنه أشد صليلاً .. ولم يدر في خلده ان لسره الثقيل المحتجز في بئر يشماغه وقع السحر عليها حين كبلها بدهشة شلّت ثورتها وروضت الوحش الكامن فيها وأخرست عربدتها .. رفع رأسه متشامخاً فنثرت فوقه سعفة ارتعشت بغتة مطراً من نقاط الندى البارد المتمدد كسلاً في زوايا الخوص وطياته .. هزّ البصيصي رأسه انتعاشاً تحت نثيث الندى البارد .. كان يفكر بمرح حين اجتاز جذع نخلة نطت من خلفها ( تالة )[37] وخزت حواف سعفاتها الرقيقة ذراع ثجيل المنتشية المتخايلة امتداداً أماماً وخلفاً ، فازداد تفكيره مرحاً ..

ـ هذا ما يجعلني أثق بأني سأحظى بما أريد .. أخطط بشكل جيد .. وأنال ما أخطط له .. انني أشع ذكاءً وهذا ما يميزني عن هؤلاء .. ليسوا إلاّ أصواتاً أعرف جيداً كيف أدفعها إلى الصمت .. بل الاستجابة إلى ما أريد .. ألم تستجب فتنة ؟ كم أسأت بحساباتي حين ظننتها عصية .. أتراه إبراهيم كان عقبة حقيقية أم تراني بالغت ؟.. أتراني كنتُ سأنال ما نلته من فتنة ان كان موجوداً ؟.. حسنٌ .. يبدو ان عليه أن يغطس في بحر بغداد حتى أحقق خطتي كاملة .. أعلم أني لن أحتاج إلى كبير جهد ووقت لأخطو خطوتي التالية .. دامس البرغوث ……

 

*****

 

   غاص أحمد الحامد طويلاً .. بحث بذراعيه وعينيه ، اصطدم مراراً بجسد ساجر العلوان الباحث بحرص حول القارب مبتعداً تارة ومقترباً تارة .. كانا يستمعان لولولة كاظم المعيبر وثرثرة الحيرة المجنونة في صوته فلا يعيرانه التفاتاً ..

ـ لو صاحت الديكة لما مات عبد شويخ .. الديكة قتلت صباح .. لم يكن عليها أن تخرج اليوم .. حورية لعينة .. واه يا صباح أم دهلة المسكين .. واه يا معيبر .. أتراك ستعبر جسدك الميت .. آه لو كان ميتاً حقاً .. أي معيبر أنت بدون مجذاف .. بدون صباح .. بدون حورية .. بدون شباب .. بدون غد .. بدون .. بدون .. بدون ..

  ارتجفت الكلمة الأخيرة المختبئة في حنجرته فازدردها لتغدو تهدجاً غادر حنجرته ناحباً بهدير لم يظنه سيبارحه يوماً .. لكنه لم يفكر بالإمساك به .. فبعض ملامح الراحة وسكينة تاق إليها طويلاً ارتسمت في دماغه المكتظ بأسئلة تتوالد .. ربما كان عليه أن يُغرِقَ صباحاً ليستدل إلى طريقٍ يمنحه بعض الهدوء .. وربما كان عليه أن يغرق صباحاً آخر ليملأ كوخه بما لم يستطع الحصول عليه منذ أربع سنوات .. مذ جلب لكوخه سوطاً يدعى هدية المحسون .. كم جلد به نفسه .. دون أن يشعر بشيء .. كان الألم أمراً من السهل التعود عليه ، بل وارتشافه كارتشاف قدح الشاي الساخن .. إلاّ ان سوطها كان شيئاً لا يمنح الألم مثلما يمنح الحيرة والجنون والدوران بخوار عاجز كخوار ثور موشك على الذبح ..

  لم يكن يدري ما الذي يشعر به وما الذي عليه أن يفعله ؟.. لم يكن طيلة سنواته الخمسين سوى معيبر يعبّر الجميع من ضفة إلى ضفة دون أن يكون قادراً على العبور إلى أي من الضفتين .. كان عليه أن يظل طافياً على سطح الفرات ككومة خراء أو كفطيسة أو ( كربة )[38] سعف جافة .. ربما كقاربه القديم الذي شهد تلاشي والده .. كان قد قرر يوماً أن يستبدل قارب والده العتيق فاشترى قارباً حامت حوله عينا شقيق هدية المحسون التي ترملت فتوتها منذ أشهر .. فأحسن إثارة نهم كاظم إليها لينقلها إلى كوخه بدلاً عن القارب الجديد ..

  كانت الأسئلة تتكاثف في ذهن كاظم وحين اصطدم تكاثفها بجليد رأسه المشرع لصباح أم دهلة البارد تساقطت بعض الأسئلة مطراً وخز رخاوة ذهنه ..

ـ هل سألوم هدية ؟.. أم قاربي ؟.. أم والدي المتلاشي ؟.. هل سألوم عبد شويخ ؟.. أم الحورية ؟.. أم جنون صباح ؟.. هل سألوم إنصاتي المستمتع لنشيده ؟.. نعم .. نشيده..

  تحشرج النحيب في حنجرة كاظم .. كان وجهه قد اتكأ على كفيه المضمومين .. وكتفاه يهتزان بعنف حين تمتمت حشرجته بخفوت سرعان ما تصاعد حتى صدح باكياً ..

ـ نحن الشباب لنا الغد ومجده ……… المخلد

 

 

  كان أحمد الحامد قد عثر على قطعة الزبد طافية على مبعدة أمتار من سلم المعيبر الطيني المحاذي لكوخه ..

 

 

  التمعت ألوان كابية في عيني هدية المحسون .. تذكرت إنها كانت ألواناً صارخة ذات يوم .. نطّت من دكة التنور راكضة صوب باب سور السعف لتحاذي ركضتها السلم الطيني وخلفها تَجِدُّ تاضي للحاق بها .. بزغ رأس أحمد الحامد فواجه نظرات نطّ منها الرعب لعينيه وأنامل تشير إلى جهة قريبة .. قريبة جداً .. خلف أشجار سروٍ مدلاة الأطراف إلى سطح الفرات .. كان غصناً كبيراً طافياً التفت حول طرفه (عليجة) صباح الصوفية ذات الألوان الحمراء والبيضاء والصفراء .. التقطها أحمد وقذفها قرب قدمي هدية التي تلمست أناملها تتابع أسنان المشط المعدنية المغروزة في قطعة جير سوداء وهي تدك خيوط الصوف المغزول ( عليجة ) ملونة لصباح الجميل كحلم تمنت أن يغرزه راضي آل صيهود في أحشائها إلاّ انه غُرِزَ في أحشاء الأرض قبل أن يتكور الحلم في جوفها لتلده صباحاً كهذا الصباح الذي قذف الفرات إليها ( عليجته ) واحتفظ به جنيناً أبدياً في أحشاء ليست كأحشائها التي ستضل جافة ناضبة .. يغوص المعلم ويبزغ رأسه هناك تارة وهنا تارة باحثاً عن صباحها الغارق في الوهم .. عن وهمها الغارق في ليال باردة وصباحات أشد برداً .. ما الذي سيعثر عليه هذا المعلم الذي غدا أمام عينيها الآن متماثلاً مع راضي آل صيهود بكتفيه العريضين وجبهته الواسعة والتوق النافر من عينيه .. ودفء تشعر به .. كانت تراه هالة تحيط راضي .. وها هو ذا بخار يزفره الفرات في البقعة التي يشقها جسده الصلب تماماً كجسد راضي ..

  حين علقت هدية آل محسون ( عليجة ) صباح المبتلة على جذع نافر كانت تفكر حالمة ..

ـ إن كان راضي حياً .. سيكون أول من يبحث في عمق الفرات عن صباحها ..

 

 

  ضربت كفا ساجر العلوان سطح الفرات بتسارع منهك ملاحقة خطوطاً ملونة بالأبيض والأصفر من ( بازة )[39] طافية .. لمحت عيناه رقعتان خضراوان .. ولول كاظم المعيبر

ـ صبــــــــــاح

 أسرع أحمد الحامد نحو ( البازة ) الطافية .. اشرأبت هدية بنظراتها .. لاحقتها نظرات تاضي .. نهض من كان جالساً لفرط الانتظار من رجال أم دهلة ونساءها .. ارتفعت كفا الحاج بهنس وقلبه إلى السماء في تضرع ذائب ..

ـ اللهم رحمتك نرجو .. إنك إن لم ترحمنا فلا راحم لنا ..

  وتقاطرت دمعاته .. تهدج الحزن في صوت حمد آل بهنس ( أبوذية )[40] ناحبة طافت بين الرؤوس المصوبة بصمتها البارد نحو جسدي ساجر العلوان وأحمد الحامد المقتربين كثيراً من ثوب صبي أخذ من ( البازة ) ألواناً صفراء وبيضاء باهتة وخلفه رقعتان خضراوان .. فكر العديد بأنهما ربما استلتا من ( بيرغ )[41] أم دهلة الذي لم يرفعه (حامل البيرغ) فاهم آل سوادي .. منذ أول سنوات صمت أم دهلة الثقيل .

 

 

  غدا جرف الفرات قريباً لقدمي فتنة الحافيتين .. الهاربتين من نتانة دنست جسدها وروحها حتى أيقنت أن لا طهارة لدنسها إلاّ في جوف الفرات .. كثير من الماء .. يفتت الزنخ الذي أغلق مساماتها .. شعرت أن حنجرتها تتكور .. تتمدد .. تتقلص .. تقذف صرختها عاتية مدوية كرعد الليالي الفائتة .. تخترق أصناماً احتشدت على طول الجرف زائغة النظرات بين هول صرختها وهول سيشهده الفرات بعد عدة خطوات راكضة ستتلاشى سريعاً ليتلقف سطح الفرات الساكن جسداً ارتطم بعنف مزق خيوط الصمت الحريرية التي نشرت غلالتها على الوجوه الذاهلة .. كان بعضهم قد عرفها فتمتم مستغرباً ..

ـ فتنة ؟..

  كان جوف الفرات يجذبها فاستسلمت جذلة حين شعرت ان مساماتها قد شرعت بالتفتح وان بقع الدنس قد ذابت معيدة لفتنة جسدها الذي لم تمقته يوماً .. جذفت بذراعيها ورفرف جسدها كسمكة أفرغت بيوضها .. 

 

 

  أمسك ساجر العلوان وأحمد الحامد في لحظة واحدة بالدشداشة الطافية .. رفعاها باستعراض .. كانت قد تخلت عن الجسد الصبي .. دشداشة مقلمة بالأبيض والأصفر الباهتين وبرُقَعٍ خضراء في الخلف .. لطم كاظم خديه ..

ـ صبـــــاح ..

  ذرفت عينا هدية آل محسون دموعاً محتبسة منذ أربع سنوات ..

ـ صبــــاح ..

  انصبت النظرات الذاهلة لقلوب تسارعت نبضاتها بجنون .. طاف بينها صوت حمد آل بهنس الناشج بـ( أبوذية ) بائدة ..

ـ ( يم دهلة بسماك اليوم ينهال

وسلفنا من همومك قام ينهال

صبي بعمر الورد يا خلق ينهال

عليه تراب غمك يالدنية )[42]                   

 

  ارتطم كفا فتنة بجسد صغير عار فأسلمها ذراعه الرقيقة وكأنه انتظر مساسها به طويلاً .. أمسكتها دونما وعي .. ودونما وعي فتحت عينيها المغمضتين ليبدي لها الضوء المتسلل عبر دهلة الفرات وجهاً أليفاً منتفخاً تجمدت عليه الابتسامة وشرع عيناه المندهشتان كعيني الوحاش اللتين هاجمتاها بغتة لتكررا انغرازهما في عينيها..

  حاصرتها الوجوه المولولة وأمها خيرية آل جابر التي تلألأ ( البوه ) الذهبي على شعرها المشعث وجسدها البادي من خلال الثوب المشقوق والذهول الذي أحالها إلى لعبة قماش كبيرة رثة .. وجسد الوحاش المنتفخ بدهلة الفرات التي رافقته حتى الحفرة التي أودعوه فيها في ( اليشان ) الكئيب .. بدا لعينيها الغائمتين وجه إبراهيم فانتفضت كمستيقظة من كابوس ثقيل .. دفعتها مهارتها في الغوص إلى أعلى الفرات جاذبة الجسد الضئيل العاري فضج الصمت المتكوم على جرفي الفرات بلغط سرعان ما تكوم حول فتنة والجسد العاري .. تعالت الهمهمات  حتى غدت صراخاً ..

ـ صبــــــاح ..

 

 

  اتكأت هدية آل محسون متهالكة على جذع ناتئ لنخلة هرمة وطفقت في بكاء صامت استدرته طويلاً فلم يمنحها قياده إلاّ انه تدفق الآن كسيل اكتظت به حفر مآقيها حتى غدت غير قادرة على الاحتفاظ به .. كانت ترقب نشيج كاظم وولولاته المهملة.. والتفاف الناس حول فتنة والمعلم أحمد الحامد الذي حمل صباح بين ذراعيه وسار ليسير خلفه الناس في صمت جليل يخترقه صوت فتنة المخنوق بكلمات لا تكاد تصل واضحة لهدية آل محسون ..

  اقترب منها وجه تاضي فأثار فيها فزعاً عاجلته تاضي بوسوستها ..

ـ الأمور تزداد سوءً يا هدية .. الحورية بدأت انتقاماً .. ومن يدري من سيكون هدفها القادم .. ربما كاظم .. أو أنت ..

  نظرت نحوها هدية بلا مبالاة وشئ من الغيظ .. واصلت تاضي ..

ـ سيجد حلاً لكل هذا .. لن يستغرق الأمر سوى ساعتين ..

  نظرت هدية إليها طويلاً ثم قلبت نظراتها بين الأقدام التي بدأت بالانسحاب على هذه الضفة .. والأقدام التي تابعت المعلم أحمد وجثة صباح العارية ، وفتنة التي تنـز بللاً في الضفة الأخرى .. وبين الضفتين ركد قارب كاظم الذي طوح برأسه العاري لطماً وولولة جعلت هدية تفكر ..

ـ المعيبر .. الذي ولول ذات ليلة باردة ناضبة قبل أربع سنوات .. أتراه معتاد على الولولة ؟..

  قررت أن تتخلى عن صمت التهم أربع من سنوات شبابها المتآكل .. نظرت ثانية إلى وجه تاضي المنتظر .. تمتمت ..

ـ هيا

 

 

  رغم ان جوفه معبأ بالماء والدهلة .. إلاّ ان صباح لم يكن ثقيلاً على ذراعي أحمد الحامد اللتين حملتاه مندلقاً فوقهما كخرقة مبتلة .. كدشداشته التي يحملها ساجر العلوان المحاذي للمعلم .. لم يستطع أحمد الحامد إيقاف انهمار دموعه .. لم يكن قد شهد معيبراً كهذا .. لكنه شرع ذاكرته الطرية لصور رفاقه الذين التهمتهم صباحات الزوار السريين المخيفة ..

  دثرت فتنة رأسها بيشماغ منحته كف خشنة لتستر رأسها لعاري بعد أن سلبها الفرات ( شيلتها ) المائلة للحمرة .. كانت تمسح دموعاً متفجرة من عينيها بطرف اليشماغ مستغرقة في العواء

ـ لستَ الأول ولن تكون الآخر .. صباح .. هل دفعتك نجاسة وددتَ التطهر منها إلى الفرات ؟.. هل حاصرك القمل ؟.. القمل .. القمل الذي غدا في كل مكان .. القمل .. عليكم أن تحذروه وإلاّ فإنكم غارقون لا محالة .. القمل في كل مكان .. والأشقر ابن شيطان سيمنحكم قمله ليسلبكم .. ليسلبكم ..

  واحتقن التردد في صوتها فاستسلمت للنشيج ..

بدا الجسد الراكض بوهنه في عمق الأرض الممتدة حتى تخوم اللوّاح .. كان يتعثر أحياناً إلاّ انه سرعان ما يتماسك ويزداد سرعة .. انتشر الهمس بين الرجال ..

ـ فاهم

  تقدم الحاج بهنس ليستقبل وصوله ..

  توقف أحمد الحامد منتظراً اقتراب فاهم الذي لطم على وجهه وصدغيه ورأسه ثم وقف أمام وجه ابنه صباح ليرين الصمت فوق الجميع .. مست أنامله وجه ابنه البارد.. قبله في جبهته وخديه .. تجمدت في حنجرته آهة ملتاعة لم يستطع طردها إلاّ ان الجميع شاهد تسربها من فجوة اتسعت بغتة قرب القلب تماماً وتكورت على شكل فقاعة زجاجية دارت فوق الرؤوس المطرقة المكللة بالصمت ومست وجوهاً شاحبة انشغلت باسترجاع سرب من الأسماء الفتية التي غادرت أم دهلة بتلاحق مفزع كسرب زرازير[43] البراري حين تهجّ فزعة لحظة استماعها لصوت رصاصة هادرة..

  احتضن بهنس فاهماً مخفياً وجهه الذي تفجرت على انكماشاته حشرجات مريرة دفعت دفقات من دموع علقمية مختنقة إلى مبارحة زوايا عينيه الغائصتين في عباءة بهنس وإغراق الأخاديد السمراء المتقاربة في وجهه الذي غدا كورقة ابتلت بماء الفرات الدهلة .. اخترقت حشرجته عباءة بهنس الصوفية واخزة قلبه الذي انتفض ..

ـ ماذا سأقول لأمه ..

  اهتز وجه فاهم فصرخ انفعال أطال أحمد الحامد كبته ..

ـ ادعوا الشيخ دامس .. ليرى بعينيه أي ( معيبر) ائتمن على أرواح أبناء أم دهلة ..

  اندلقت زفرة حرى امتزجت دونما إعياء بآهة مولولة غادرت قلب فتنة ..

ـ أوف .. أوف .. يا قلبي المفطور .. أتشكو سوء القمل لبرغوث .. كلاهما يعتاشان على دمنا .. يا أم دهلة .. ما ان تراك العينان كما أنتِ .. عارية من أثواب الوهم .. حتى يضمهما قبر في ( اليشان ) .. ابقي عمياء أو اختاري أن تتعامي أيتها الأعين كي لا تحملك الأعناق إلى ( اليشان ) أو يغتصب القمل سكون جسدك ..

   تمتم فاهم بهدوء ثقيل كجبل ضجر ..

ـ لندفنه في ( اليشان ) .. لا يمنحنا الفرات دهلته دونما ثمن .. لنضعه قرب الوحاش..

  همس مجيد آل بهنس إلى أذن فاهم الغائصة في صرير متواصل مزعج احتوى أصواتهم وارتشفها ليحيلها صريراً ذا نبرات حزينة ..

ـ فلتره أمه على الأقل ..

  فحّ صوت فاهم وجعاً بدا لأذنيه كصرير باك ..

ـ دعها تراه كما كان في أحلامها القادمة .. لا يحب أن تراه هكذا منتفخاً كقربة ..

  صاح بهنس ..

 ـ جلّ الله ..

  رددت الشفاه الصامتة برطمة خافتة ..

ـ لا إله الاّ الله .. محمد رسول الله ..

  وسارت قافلة يتقدمها جدث الصبي المنتفخ العاري ملقياً ابتسامته الساخرة وعينيه المندهشتين على ذراع أحمد الحامد وخلفه ظلال مترنحة قادها الدرب المؤدي إلى اليشان محاطة بالصمت وولولات فتنة المختنقة ..

 

*****

  غرز نظراته حادة ذئبية بعثت في أطراف هدية آل محسون قشعريرة باردة .. احتضنت الديك الأحمر ذا العرف المنتصب حتى قأقأ متضايقاً .. ضغطت أنامل تاضي على كتفها إلاّ ان شيئاً من الطمأنينة بدا لها أكثر بعداً من سبر أغوار هذا الساحر الصامت بذقنه الأشعث الابيضاض المسترسل حتى سرته المحزمة بحزام أخضر ينوء تحت حزام من القماش الأسود .. تمتمت هدية بارتباك ..

ـ جلبتُ لغدائك ديكاً .. وعدة بيضات .. هذا بعض السمن أيضاً ..

  وضعت أمامه صرة صغيرة وديك مقأقئ .. أزاح الساحر عطيتها جانباً وعاود اختراق عينيها الباحثتين عن مهرب لاضطرابهما ..

ـ انظري لعيني

  بسط كلمتيه أمامها بساطاً لم تستطع وطأهُ أو الاقتراب منه فاكتفت بالتزام الصمت وبقعتها الباردة وارتباك نظراتها ..

ـ وتودين استرجاع فحلك من ابنة مارد أشر ؟..

  انزلقت نظراتها لتاضي الغائصة في مراقبة وجه هدية متأملة فرار كلمة لم تسمعها آذان تاضي المتشوقة دوماً إلى سماع ما لم تنطق به أفواه أم دهلة لتبسطه متباهية أمام نجم آل فرطوس .. زوجها الحلاق .. الماهر حد الشيطنة في تدوير الكلمات وإعادة صفها وتنميقها لتبدو مدهشة بالغة الإثارة فتقشعر لها الأبدان ويقف الشعر وجلاً أو مندهشاً فيسهل عليه جزّه كما يجز صوف شياه مستسلمة .. إنها الدهشة التي بحثت عنها تاضي بدافع الفضول أول الأمر ثم غدت بين يدي نجم هواية محببة سقاها وأحسن ريها حتى غدت هاجساً يؤرق مضجع تاضي فتبحث عما يجلبه لها .. ثم تخطط لاستنزاف كل خوابئه .. وهذا ما دفعها لمرافقة هدية مسرعة دون أن تفكر بارتداء نعالها المركون في زاوية من زوايا كوخها المجاور لكوخ هدية فرافقتها حافية .. تقافزت أقدامها مراراً طيلة الطريق الذي استغرق من أقدامهما ساعة من المشي الحثيث ..

  ودّت هدية آل محسون أن تقول ..

ـ لم يصبح فحلي بعد .. انني امرأة مجدبة لم أرَ من الفحولة إلاّ ظلها ..

  إلاّ ان عيني تاضي المفعمتين باشتهاء بادٍ لتصريح كهذا دفع هدية إلى صمت عميق حاذاه حياء بارد ..

ـ حسنٌ إذن ..

  أهرق ساحر الموجدات تمتمته وفيض من الدخان الذي ارتفع فجأة فغدا عازلاً رمادياً ساخناً بينهما والساحر المختبئ خلف عمق نظراته الوقحة ..

ـ سيكلفك هذا كثيراً كثيراً .. ربما ما لا طاقة لك به ..

  نبست تاضي دونما تردد ..

ـ إنها قصدتك لتسرد زوجها من الحورية يا ساحر الموجدات .. ولا شئ لديها أغلى من هذا ..

  خربشت أنامله مربعات أحاطها بسورٍ من تعرجات قلم ( القوبيا ) المائي الأزرق ونثر عدة حروف فوق ورقة عتيقة سرعان ما طواها ولفها في خرقة خضراء ومدّ يده فتلقفتها أنامل هدية المرتعشة جاذبة الخرقة باعتصار جعلها توقن ان ما بين أناملها كنز لا توازيه كنوز قارون وسليمان مجتمعين .. واصل الساحر بصوت خافت ..

ـ خيطي هذا ( البازبند )[44] واربطيه جيداً حول عضدك ..

رددت بارتباك ..

ـ سأخيطه وأربطه حول عضدي جيداً يا مولانا ..

  أطرق لحظات ثم حملق فيها .. كانت تشعر فرحة ان خطاها ستستدير قريباً مغادرة كوخ الساحر فمنحها هذا بعض الشجاعة لمواجهة عمق نظراته والخوف الناط من بؤبؤيهما الأسودين كليلة ماحقة ..

ـ هناك شئ آخر ..

  أجابت مسرعة ..

ـ دجاجة .. أعلم .. سأجلب لك دجاجتين لا واحدة ..

ـ لا أعني هذا ..

  وخزها ارتباك وقح فانتفض اقشعرار جسدها ..

ـ ماذا تعني إذن ؟

ـ لن يفيدك ( البازبند ) بشيء ان لم ………

  انطبقت شفتاه طويلا بعد هذه الـ ( لم ) اللعينة التي بدا ما بعدها غامضاً ، مؤلماً ، ثقيلاً كموت صباح آل فاهم تماماً .. شعرت إنها ستموت ان لم تنفرج شفتاه ..

  انفرجتا أخيراً ..

ـ تتنجسي …………

 

 

   كانت هدية آل محسون تركض هاربة دون أن تحاول النظر إلى كوخ الساحر المنزوي خلفها .. حاذتها تاضي الراكضة بقدمين حافيتين .. صاحت برجاء ..

ـ توقفي .. لا أحد يتبعك .. ولن أستطيع مجاراتك ..

   توقفت هدية وصدرها ينفث لهاثاً مرتعشاً .. نظرت نحو الكوخ الذي بدا لعينيها بعيداً .. كانت كفها ممسكة بالبازبند بقوة هصرته فانحنت خطوطه المثلثة .. ودّت أن ترميه بعيداً أمسكت بها كف تاضي ..

ـ فكري جيداً .. لن يعيد إليك فحلك إلاّ هذا ..

  تساءلت بتقزز ..

ـ والنجاسة ؟.. يريدني أن أتنجس ..

ـ افعلي يا أخيتي .. لا شئ بدون ثمن .. ان أردت كاظم فاطردي الحورية بها .. إنها جنية .. لا تطردها إلاّ النجاسة وهذا ( البازبند ) .. ثقي بساحر الموجدات .. شهدت بعيني هاتين كراماته ومعاجيزه ..

  رددت هدية بخفوت ..

ـ لكن .. النجاسة ؟ .. يريدني أن أتنجس ..

*****

   بدت أم دهلة بعيدة أمام عيني كاظم المعيبر الغائمتين .. كان قد استسلم للارتعاش في حضن القارب الذي انساب مع المويجات التي جذبته مع تيارها حتى اجتاز حدود أم دهلة وأوشك أن يرتطم بقارب معيبر قرية مجاورة كان سيبدو لعينيه ملتصقاً على حافة القارب كتمثال أحسن صنعه .. حتى الابتسامة المؤطرة بشقاء وضجر نافرين من عيني تمثال المعيبر الذي لم يفكر بإلقاء التحية على كاظم كما لم يفكر العابرون الذين غرزت نظراتهم في الضفة الأخرى مولين ظهورهم العريضة للمعيبر التمثال..

  كان كاظم منشغلاً عن كل ما حوله بولولة استوطنت دماغه وكلمات تتواثب في حنجرته دون أن تغادر شفتيه .. ووشوشة هادرة تصك آذانه وتجذب إليها حواسه جميعاً فغدت عيناه المشرعتان منذ دهر لا أكثر من فتحتين منفرجتين بحدة دون أن تبصرا إلاّ عتمة هائلة ثقيلة وأذناه فتحتان غريبتان تضخمان رقرقة الفرات وهسهسة السعف المتراقص في قمم النخيل فتبدو هديراً غاضباً يطرق بتوالٍ مؤلم على دماغه وقلبه حتى يوشك أن يزهق روحه .. ربما كان قادراً لحظتذاك على تمني هذا ..

ـ رباه .. أمتني .. أرجوك .. كما أبحتَ للفرات أن يزدرد صباح كلقمة شهية .. دعه يبتلعني .. رباه .. صدقني لن أحزن .. وسأكون أكثر حباً لك .. انني شئ لا أفهمه .. شئ مجلل بالخزي .. أية عين تلك التي سأنظر إليها دون أن أطرق .. وأية كلمة تخزني وأستطيع الرد عليها بوخزة أشد .. بأي وجه سأدخل كوخ هدية آل محسون .. كم سأكون خائراً وهشاً .. رباه .. انني عارٍ الآن .. عارٍ كجسد صباح الغريق .. آه يا عبد شويخ .. لمَ خذلتني ؟.. لمَ تخليتَ عني ؟.. من في أم دهلة من لم تُجِرهُ وتعنه على مكروه ألم به ؟.. لمَ لمْ تُجِرْني إذن ؟.. أنت مدين لي بذلك .. أم تراك نسيت .. لم تكن قد متّ .. ولم يقودني حنون الأدبس إلى خيمة غزالة الكاولية بعد ، حين همستُ لك بعجزي ، ووعدتني بالفحولة ، لم يكن أبي قد اضمحل تماماً .. أذكر جيداً انك ابتسمت لي .. بل ضحكت .. نعم ضحكت .. ربما ضحكت مني .. لا .. لا أظن ذلك .. كنتُ قد ضحكت .. طويلاً من الشيخ دامس البرغوث الذي علقته من قدميه إلى جذع نخلة قبل يومين من ذلك .. ضحكنا جميعاً آنذاك حتى طفر الحقد سرباً من الزنابير الصفراء من عيني الشيخ دامس فهربنا ملتجئين بأكواخنا .. إلاّ ان الضحكات لم تبارحنا .. فقد غفت معنا وتدثرت بأمان تسربه رائحة النعناع التي تتغلغل في حواسنا فمنحتنا رقاداً معطراً لا أعذب .. لم تخفك الزنابير يومذاك بل زادتك قهقهة .. قيل ان قهقهاتك جندلت الزنابير .. فاجأني احتضارك .. وصمت حفيدك أحمد البدوي الذي هشم نايك حين نفقت شياهه فجأة ودونما سبب واضح .. أذكر انه صرح بحقده عليك قبل أن يغادر أم دهلة صبياً إثر موتك الأخير .. كان يظنك سباً في موت شياهه .. عبد شويخ.. لقد وعدتني .. حتى في احتضارك .. كانت روحك تنازع جسدك للرحيل .. لكنك صرعتها حين جذبت ( البشتاوة )[45] وفتحت في صدر الكابتن الإنجليزي توماس نفقاً .. وحين جلجلت ضحكاتك الشرهة طويلاً .. صمتت لحظة نظرت فيها إليّ وأشرت بما منحني ابتسامة رضا .. كنتُ واثقاً انك ستعلمني ما أردت تعلمه .. كنتُ أدرك ان هذا قد يحتاج إلى وقت يفوق وقت احتضارك إلاّ ان لمسة واحدة .. كلمة واحدة .. ربما همسة .. أو حتى بصقة في فمي كانت ستهبني السر العجيب .. إلاّ ان صمتك ذاك كان أخيراً ونهائياً .. تلاه صمتي وذهولي وهم يلفلفون جسدك في كفن ليودعوه لحداً ضئيلاً .. رافقتك حتى انثيال التراب وكنتُ أرى إصبعك يشير لي من خلف الكفن بما ينبهني لقرب عودتك .. مرة واحدة فقط .. مرة واحدة .. في أحضان الكاولية .. استيقظت فحولتي الغافية منذ الأزل .. مرة واحدة فقط منحتني الرجاء لكنها أبعدتك عني كثيراً .. كثيراً .. كثيراً .. حتى أوقعتني في أحضان الحورية الحورية ؟ ..

أيــــــــه أيها الوهم .. كم كرهت منادمتك ..

 

*****

 


 

[1] أداة يدوية لكري الأرض وحفرها مدببة الحافة ذات ذراع خشبي طويل .

[2] فرش تحاك يدوياً من الصوف في الريف مفردها غليجة بالجيم المعجمة ..

[3] القداحة النفطية .

[4] آلة يدوية ذات ذراع طويلة وأسنان خشبية يذري بها الفلاح السنابل بعد الحصاد لعزل الحبوب .

[5] الانجليزية .

[6] آلة يدوية لصيد السمك ذات ذراع خشبية طويلة 

[7] مرتفع صغير .

[8] مساحة مزروعة .

[9] إناء معدني لحمل الماء على الكتف .

[10] بنادق قديمة استخدمت أيام الاحتلال العثماني .

[11] تمثيل شعبي واستعادة سنوية معتادة لواقعة الطف التي واجه فيها الحسين بن علي (ع) وأصحابه السبعين جيش يزيد بن معاوية .

[12] من قادة جيش يزيد ، قام إثناء واقعة الطف بذبح الحسين (ع) .

[13] مرتفع في إحدى القرى العراقية .

[14] حقيبة صوفية تحمل على الكتف .

[15] قماش قطني رخيص شائع بين العوائل الفقيرة .

[16] علم .

[17] قطع صغيرة مصنوعة من التراب  تستخدم للصلاة .

[18] قطع صغيرة من القماش الأخضر تجلب من مراقد الأولياء ويستخدمها بسطاء الناس للتبرك .

[19] مثل شعبي يعني المستحيل .. والمطي هو الحمار .

[20] الإمام علي بن أبي طالب .

[21] من أنواع الحلويات الشعبية الشائعة في المدن المقدسة .

[22] تطلق لمن لا أصل له .

[23] الخوص هو ورق سعف النخيل .

[24] رقيق وعذب .

[25] شق في مقدمه الثوب يربط بالأزرار .

[26] قرص حجري لحد حافة السكين .

[27] الدهلة هي الغرين الذي يطفو فوق سطح الماء أحيانا ، ويجدد خصوبة الأرض .

[28] الحجل : سوار ذهبي سميك يوضع حول الساق .

[29] يصنعه .

[30] قالب مخروطي الشكل من السكر .

[31] من مدن العراق ، فيها قبر الإمام علي بن أبي طالب (ع) .

[32] ماء ساخن مُسَكَّر .

[33] كومة السعف الكثيفة .

[34] صوت يطلقه من يشعر بالبرد الشديد .

[35] يقصد به ابن مدينة .

[36] أيها المعيبر .. بشارات صباح هذا اليوم لم تأت .. لله در عقلي كم يتحمل من الصفعات دون أن يجن .. ومايين في الشطر الثالث تعني مثنى ماء .. وفي الشطر الرابع تساؤل عن أية جهة أخذ لها صباح بهذين الماءين ..

[37] جذر يؤخذ من النخلة ليعاد زرعه كنخلة جديدة .

[38] أصل سعفة النخيل .

[39] قماش شائع بين الفقراء لرخص ثمنه .

[40] من الغناء الشعبي العراقي الشائع في الريف .

[41] البيرق ، العلم .

[42] يا أم دهلة في سماك هلّ الجن في هذا اليوم .. وقد صارت قريتنا تغترف من الهموم .. صبي بعمر الورد أيها الخلق ينهال عليه التراب سحقاً لك أيتها الدنيا ..

[43] طيور صغيرة مشابهة إلى حد ما للعصافير .

[44] تعويذة .

[45] من البنادق القديمة .

 
<

>