|
Iraqi Electronic Library المكتبة الألكترونية |
مجموعة قصصية رؤى حزينة |
|
عادل الصفار |
|
مجموعة قصصية (16 قصة) تأليف: عادل الصفار رؤى حزينة
1
رؤى حزينة بدت كسفينة حطمها الإعصار وتقاذفتها الأمواج حتى ارتمت على شاطئ البحر.. وجدتها تفترش الرمل وهي ترسم بألوان دكناء على قماشة حمراء أو هكذا بدت لي لكثافة اللون الأحمر الذي طغى على معظم أجزاءها.. اقتربت محدقاً في اللوحة رأيتها تمثل رجلاً من عصر قديم او هكذا بدا لي من خلال هيأته وقد غطست ساقاه في بركة دم يتدفق من أجساد نساء كثيرات ينتشرن حوله.. والغريب في اللوحة ان هناك سكيناً ملطخاً بالدماء لكنه ليس بيد الرجل وانما يشهره من خلال فخذيه.. اذن هي فنانة تشكيلية انتهت لتوها من وضع لمساتها الاخيرة على لوحتها التي احتوت تجسيماً لمعاناة تؤرقها فهاهي تترك اللوحة جانباً ناظرة الى البحر بازدراء بينما تنساب الى مسامعها همسات العشق من حولها.. ترفع رأسها متأملة إياهم فترتسم على شفتيها ابتسامة باهتة وهي توزع نظراتها بينهم وبين البحر فتتصاعد زفراتها كسموم الصيف لاهبة مع تمتماتها: ـ كم تبدو جميلاً ايها البحر وانت ترتدي حلة العشق في لحظات اللقاء، ابتسامات تتلألأ كالنجوم على شاطئك ولمسات تشد القلوب الى أعماقك وتنهدات تنتشر كعطر الزنبق على رمالك.. ارواح تتشكل كطوق الياسمين على مياهك حتى تكاد تحول ملوحتها شهداً.. تحول بصرها الى اللوحة محدقة في الرجل أمامها بمقت وغضب شديدين .. تردد: كم تبدو قبيحاً يا شهريار وانت تخوض في دماء العفة والبراءة كالمجنون تفوح منك رائحة العفن والقذارة.. انت ظلام تضيع في محتواه الشمس كما تضيع قطعة السكر في كأس الحنظل. . تسيل دموعها ساخنة تكاد تحفر اخاديداً في وجنتيها المحمرتين فتزيدهما احمراراً .. وبحركة بدت لا إرادية رفعت يدها لتجففهما بكم قميصها .. لكنها دست وجهها في القميص تستنشقه مرددة: رغم رائحة البحر, مازالت آثار ذلك العطر لم تتلاشى بعد..!! انه عطر الحلم والأمنيات البريئة. توجه عينيها الى البحر مرة أخرى وفي صوتها نبرة توسل: ايها البحر انهن يسرن على شاطئك.. وينزلن الى مائك مفعمات بالامل والحلم.. انهن الدفء والحنان والعطر والدلال والعذوبة والرقة واللطافة والشفافية.. تأمل ايها البحر اشراقة الابتسامة وجمال العينين وحلاوة الرموش.. هل تشعر بأهمية هذا الجمال وتقدره حق قدره؟!! انهن لا يكدن يصدقن ان ثورتك قد تداهمنهن على حين غفلة فتدمر فيهن كل شيء.. وتجعلهن حطاماً على رمال شاطئك، كاشلاء السفينة القابعة بينهم..!! جعلني كلامها اجهش بالبكاء حتى تراءى لي الانسان في طبيعتنا يذرف الدموع بغزارة تخنقه عبرات البكاء وهو يردد بصوت مبحوح: تنظرون اليَ باستغراب.. وانا اشعر بالغربة بينكم.. الا تذكروني؟!! يبدو انني دفنت في اعماق ذاكرتكم تحت ركام السنين.. نعم دفنت مع لذة الدفء وجمال الألوان وانتعاشة العطر وعذوبة الصوت.. ابتسامة باهتة تفوح بالألم كلما اذكر انني ابحرت نحو حياة لم أراها وأملي ان اتعرف عليها من خلال شعوري بها.. مضيت وفي نفسي وقلبي عنفوان رغبة جامحة لأكون بين احضان طبيعة خضراء أتنسم عبير مساماتها وانعم بين ألوانها بالدفء والحنان.. لكني ما لبثت حتى تملكني الخوف والذعر حين فوجئت بعاصفة عنيفة تهزني من الاعماق.. الامواج تتقاذفني بشدة والرعب يتفاقم في نفسي يا ترى على أي حال سيكون مصيري؟!! في لحظات شعرت انني في صحراء قاحلة سموم ورمال تنهال من جميع الجهات.. لاتوجد زهرة ربيعية باعثة عطرها، تزهو بجمال ألوانها متغنجة بين تغريد البلابل وهديل الحمام وزقزقة. العصافير.. لم ار سوى رمال تعصف وتتلاطم كأمواج البحر باعثة الرعب والشعور بالانهيار والموت، ومع شدتها اسمع أصوات العويل والاستغاثة.. وصوت يردد: أين الحياة في طبيعتكم..؟!! فصرخت بأعلى صوتي: ـ الطبيعة اقتتلت فيما بينها، فقتل بعضهما بعضاً حتى وجدتنا أنفسنا نخوض في انهر من دماء نكاد نتقيأ أحشاءنا من شدة تدفقها.. ويلفنا ظلام لا نكاد نميز معه حقيقة الأشياء .. ولم نعرف ما يدور حولنا..!! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2 عبير في لحظة لم أتوقعها أبداً.. ولم يخطر ببالي ذات يوم ان يتملكني شعور يملأ قلبي ويفيض كالشلال من خلال شغافه حتى وجدت نفسي اغرق حباً بطبيعة ما أرى أمامي وكأني أعيش الربيع لأول مرة في حياتي.. مدركات عقلي حقنت فجأة بسائل اشد تأثيراً من سائل المخدر الذي يحقن في صالات العمليات الكبرى.. وسيطرت على جميع حواسي براءة طفل تدفعه غريزته للعبث بالتراب والماء مستكشفاً اللون والطعم والرائحة وكل ما يحيط بوردة شاهدها تتألق مصادفة بهذه البقعة التي شدته إليها وكأنها أمه التي خرج للحياة من خلالها وراح يتمرغ بين أحضانها ويرضع من لبنها.. أحدق في الوردة وأنا أطوقها بين ذراعي، أضمها الى صدري، أتلمس وريقاتها بأطراف أصابعي، استنشقها بملء رئتي محاولاً جمع ملامح تناثرت أجزاؤها بين درجات ذاكرتي وإعادة تشكيلها في مخيلتي.. حتى خلتها تتحرك متأوهة:ـ انك تخنقني، دعني التقط أنفاسي قليلاً.. فأجبتها:ـ أحبك.. أحبك بكل معاني الحب وأشكاله وألوانه، لقد جعلتني أشعر بالحياة وكأني لم أكن مولوداً قبل الآن.. ـ ولكن حبك يقتلني.. انني اشعر بالموت يسري في أجزاء جسدي، أرجوك تذكر بانني وردة ضعيفة رقيقة، شدك لي على هذا النحو يقطع جذوري، يفصلني عن تربة الأرض، انني أموت.. فصرخت: ـ لا.. لا تقولي هذا أرجوك.. موتك يعني موتي، فأي معنى للحياة بعدك..؟! لكن رائحتك تجذبني اليك.. دعيني أدس وجهي بين ثنايا تربتك لعلي ابلغ جذورك فانهل منها ما يروي ظمأ عروقي.. ـ إذن أنت مصمم على موتي من اجل أن تهنأ بسعادة كنت تحلم بها.. ففككت طوق ذراعي عنها، لكني أجهشت بالبكاء وأنا أمرغ وجهي بذرات التراب مستنشقاً بعنف عبيراً يدفعني الى اختراق أديم الأرض والولوج بين طبقات التربة لأبلغ ليس فقط جذور الوردة وانما مصدر تلك الرائحة التي أجهدت ذاكرتي فوق طاقتها وهي تبحث عن نثار ملامح تجمعها لتشكلها في مخيلتي.. شعرت بالوردة تسألني عن سبب بكائي.. فأجبتها: ـ ذكرك للموت اعاد الى مخيلتي كابوس رؤيا عنيفة جعل الدنيا من حولي غمامة سوداء تلفني ملتهبة.. وهي تشعرتي بأنها تكاد تمطرني بسهام من جمر يتلظى من خلال صورها التي تتجسم أمامي وتزدحم في مخيلتي، أناس يهتفون منددين بالظلم والطغيان داعين للخلاص والحرية.. لكن السماء فجأة هدرت فيها اصوات محركات الطائرات، وازدحمت الشوارع بالمدرعات.. جيش جرار واجههم بأسلحة فتاكة، رشاشات ومدافع وطائرات فتعالت اصوات عنيفة جداً انفجارات ورصاص كالمطر، وصرخات تنبعث من خلال دخان كثيف، جثث تناثرت في كل مكان وانهر من دم تدفقت بغزارة حتى كادت تغرق الشواع.. وأنا اصرخ مرعوباً فزعاً مختنقاً بعبرات بكائي باحثاً عن مكان أحتمي به فلم أجد.. حتى شاهدت عربات تجرها الخيول محملة بعدد كثير من الصناديق التي يضعون فيها الموتى، وراحوا يجمعون الجثث المخضبة بالدماء.. ثم راحوا يرصفون الصناديق على العربات بعضها فوق بعض.. كابوس عنيف داهمني وانا لم أكمل عامي الثالث من دراستي الابتدائية بعد ان كنت أرى الحياة في أجمل صورها من خلال زميلتي التي تشاطرني مقعد الدراسة.. فجأة..!! وإذا بالملامح تتجمع أمامي بعيداً في أعماق التربة.. فصرخت بفرح شديد ودموعي تنهال بغزارة، شعرت انني اتحرر من جسدي متجهاً نحوها: ـ عبير.. عبير. ودموعي تنهال فاتحة أمامي نفقاً اليها وهي تشرق شيئاً فشيئاً.. حتى تألقت فاتحة ذراعيها لتضمني، وجدت نفسي مستهزئاً بالموت ساخراً منه ومن العالم الذي ما انفك يهددنا به.. تعانقنا بشغف عنيف.. وجعلنا نردد معاً: ـ ما لهذا العالم الذي يهددنا بالموت ونحن لم نولد بعد.. هل فلسفة الحياة هي نولد حتى نموت..؟!! ـــــــــــــــــــــــــــــــ 3 مرارة أخرى مرة أخرى يصطبغ أفق البحر بلون وردي معلناً انطفاء وهج آخر للشمس بين امواجه المتلاطمة.. ولأول مرة منذ زمن بعيد يشرق في أفق حياتي المعتمة وجه انثى يتألق بابتسامة راحت تبدد عن سمائي قطع غيوم سوداء ثقيلة محملة بمرارات كالحنظل لم يكن ليخفف عن نفسي وطأتها سوى شاطئ البحر.. ملاذي الوحيد الذي اهرب اليه من جميع إخفاقاتي ومحاولاتي الفاشلة التي استنزفت سنين عمري ومواسم حياتي.. ألجأ إليه لأطفئ بين أمواجه لهب أمواجي المتلاطمة بداخلي.. محاولاً جعل مراراتها تنجرف مع الرمال فتتلاشى في سعة البحر وأنا أتأمله محدقاً فيه تارة وفي الوجوه السعيدة تارة أخرى.. الذين نجحوا في تحقيق أفضل وأجمل حلم في حياتهم، هو ذلك الحب الحقيقي الصادق الذي وحد نبضات قلوبهم، وتصاعد أنفاسهم، وخلجات نفوسهم.. لذا هم سعداء بنجاحهم الباهر.. فهنيئاً لهم تشابك الأكف والعناق وتبادل القبل الملتهبة حباً يزداد اتقاداً.. نار تطفئ ناراً فتزيد النفس والروح سعادة وألقاً وهناء .. أما أنا فلا سلوى لي غير النظر حسرة على ما منيت به من إحباط في النفس والروح يتفاقم كلما اصطبغ الأفق بلون وردي معلناً انطفاء وهج الشمس بين أمواج البحر.. وما انفكت تلك الذكرى التعيسة تتوهج من بين رماد السنين المتراكم كتلّ عالٍ على جميع مشاعري وحواسي فتعود تتجسم في مخيلتي بكل قساوتها التي عكرت حياتي وجعلت منها مياهاً ضحلة بين جدران غرفتي التي اغلقت نوافذها منذ زمن بعيد وحولتها الى بالوعة مظلمة كي اتحاشى رؤية سكان المحلة ونظراتهم المسمومة والسنتهم التي ما انفكت تسمعني عبارات السخرية والاستهزاء وكأني قرد يعيش بين اجساد بشرية لم يعرف الشعور الانساني طريقه اليهم.. وكل ما في الامر هو انني احببت ابنة الجيران التي تدرس معي في مدرسة واحدة.. تملَّك هواها كل جوارحي فلم اعد أرى صورة اجمل من ملامحها.. ولا عطراً اطيب من رائحتها.. ولا لحناً اعذب من صوتها، فدفعني ذلك بعنف شديد الى حصَّالة نقودي، فتحتها وذهبت بما فيها الى السوق فاخترت لها من بين المعروضات قلادة احببت ان أزين بها صدرها تعبيراً عمّا احمله بقلبي لها.. ولم يخطر ببالي ان اعصاراً سيداهم بيتنا بعف كاد يقلع الباب من بين جدرانه.. وصراخ أمها يمطرنا بشتى انواع الكلام الشاتم والجارح حتى لم يبق من سكان الحي احداً إلا ودفعه فضول عارم لمعرفة ما يجري عند باب بيتنا.. وسرعان ما تجمعوا صغيرهم وكبيرهم، نساؤهم وبناتهم وراحوا يتضاحكون ويهمزون مطلقين كلمات الاستهزاء والسخرية وهم يرون أمها ترمي القلادة بوجهي وسط دهشة أمي وأبي وأخوتي وأخواتي مرددة بأعلى صوتها: ـ اسمع.. ابنتي لا علاقة لك بها، فوالذي خلق الكون والكائنات ان اقتربت منها أو كلمتها فلن تلوم إلا نفسك..!! ومنذ ذلك الحين وأنا أعيش وسط غمامة سوداء وكأنني لا حق لي بما أرى الآخرين يتمتعون به حتى خالجني شعور جعل اعنف صور الموت تتجسم امامي من خلال تهديدات ابي وامي وجميع المحيطين بي.. فتصورت نفسي مسخاً يشبه الانسان لكنه في حقيقته لا يرقى لأي من الكائنات الطائرة أو الزاحفة أو حتى تلك التي تسير على اربع.. لأنها جميعاً تملك حرية الاختلاط والبوح بمشاعرها واحاسيسها وممارسة الحب في ما بينها، أما أنا فلا وجود للانثى في حياتي إلا من خلال ما تحويه دوائر مخيلتي من صور تتجسم من دون لحم ودم ورائحة وانفاس ومشاعر حتى ولدت هذه اللحظة التي اعادتي الى طفولتي وايام براءتي مع ابنة الجيران.. لحظة اخرجتني من زنزانة سجن مرعب معتم حقير وقد اشعرتني في الوقت ذاته بضعفي واستسلامي وخوفي من التحدي ومواجهة كل الظروف بشجاعة تحقق طموحي وتثبت ذاتي.. وجه موظفة اشرق في دائرتنا.. ما ان نظرت اليه حتى تألق بابتسامة كأنها حمامة بيضاء راحت ترفرف محلقة في اجواء حرة آمنة فتملكتني رغبة جامحة باتباعها، ومن دون وعي مني وجدت نفسي احطم قضبان سجني المقيت منطلقاً في الحديث معها.. سمعت صوتها، استنشقت رائحتها ولم اكن من قبل اجرؤ حتى على محادثة عاملة الخدمات.. هذه الليلة اتأمل السماء مبهوراً ليس بصفاء زرقتها ولا بنور قمرها الساطع والنجوم المتلألئة من حوله وانما بجمال ملامحها التي تتجسم أمامي مضاهية القمر والنجوم وزرقة السماء وهي تتألق ببدلة زفاف صممت خصيصاً لها.. عزمت على ان يكون صباح الغد يوما تأريخياً في حياتي، سأصارحها بحبي، سأطلبها للزواج، سنتنزه معاً على شاطئ البحر وفي الحدائق العامة والمتنزهات، سندخل ارقى الاماكن ونتناول اطيب الطعام وألذ الشراب. *******
عند الصباح وجدتها جالسة ترتشف الشاي في كافتيريا الدائرة.. حييتها وانا اجلس قبالتها حول الطاولة، فبادرتني بالابتسامة ذاتها مرحبة بي وقد شجعتني رغبتها في الكلام معي الى مصارحتها، فقلت لها وأنا أتأمل اشراقة وجهها: ـ أريد أن أزين صدرك بقلادة ويدك بخاتم. فعلت الدهشة وجهها وهي تحدق في وجهي بنظرات تنتظر تفسيراً.. وقالت بعد برهة: ـ هل تقصد انك تريد الزواج مني..؟!! ـ نعم.. فما كان منها إلا ان اطلقت ضحكة عالية توجهت اليها جميع الأنظار وصغت الينا الآذان وهي تقول بصوت مسموع: ـ أنا متزوجة.. وأم لطفلين..!! اعتراني خجل شديد وأنا أخفي رأسي بين يدي على الطاولة بينما الضحكات وعبارات التعليق تنساب الى مسامعي.. لم اجرؤ على النظر في وجه احد منهم فانطلقت متجهاً الى شاطئ البحر لألقي الى امواجه مرارة أخرى. 4 ورود
تملكني شعور عنيف راح يدفعني بشدة صوب ذلك النهر حيث المكان الذي حفر ذاكرته عميقاً في عقلي وقلبي.. جدران البيوت والاشجار واسفلت الطرقات واحجار الشاطئ والنباتات ورائحة النهر وطيور النورس يشكلون جميعاً لوحة تلون مخيلتي وتسري كالدم في شرياني.. كيف لا وقد شاركوها لوعة الفراق وحرقة الدموع المنهمرة في لحظة الوداع.. ذلك الألم ما انفكّ شاخصاً يهمر دموعه كالشلال مضاهياً نصب كهرمانة والجسر المعلق وساحة الحرية.. ورود يا من توحدت فيك ألوان اجمل الورود وازكاها ما زال عبيرك يطيب انفاسي.. وما زال صوتك ينساب الى مسامعي وأنا اتأمل عينيك: ـ انظر ما أجمل طيور النورس تعلو الماء وتهبط اليه! ـ لكنّ عينيك أجمل. تضحك بغنج.. اطوق خصرها، فتضع رأسها المتوج بخصلات طويلة ناعمة تتموج كالنهر على كتفي.. تهمس بأذني: هل تشم رائحة النسيم والنهر؟ ـ ٍرائحتك ألطف وأعذب.. انها تضاهي رائحة أجمل الورود. تضمني إليها بشدّة تقبّل عنقي، تداعب صدري هامسة: أي ورد تقصد.. هل هناك ورود غيري؟ ـ أرجوك.. لا تسأليني أسئلة أنت متيقنة من إجاباتها. يتلألأ وجهها بابتسامة تشرق من بين شفتيها الورديتين تتسع حتى تصدر عنها ضحكات متقطعة وهي تقول: ـ بالامس ونحن نجلس معاً على مقعد الدراسة، تعمد اسقاط قلمك عند قدمي.. وانت تعيده كنت تنظر الى فخذي حتى تخلل رأسك ملابسي. ـ كي اشم رائحة النهر.. وارى طائر النورس.. تتعالى ضحكاتها.. تشدّني اليها اكثر وهي تطوق خصري.. تردّد: ـ أشعر بالامان معك. ـ وأنا لا أشعر بالحياة إلا معك. تدفعني الآن رغبة جامحة من دون ارادة مني يتواصل سيري، قدماي تقوداني لا اقودهما.. ومخيلتي لا تنفك تجسِّم امامي صور ذلك الزمن.. اذناي تسمعان اصوات صراخ واطلاق رصاص وصخب صفير ومنبهات.. وعيناي تريان زحام سيارات وعجلات ومدرعات وجنودا مدججين بالعتاد والاسلحة.. ما كان يخطر على بالي أبداً أن التّغيير سيجعل البلاد ساحة حرب وقودها الأطفال والنساء والشباب.. ورود اين انت بين هذه الفوضى؟ أحاول جاهداً ان أرى ملامح وجهك بين النساء.. ترى هل سأراك من جديد؟ ما زلت أشعر بحرقة تلك الدموع تحفر أخاديدَ على وجنتيك فتزيدني آلاماً فوق آلامي.. ورود هذا أنا، قَدِمت إليك من المنفى.. نعم.. لقد عاد المشاكس المولع بك وهو أكثر إدماناً بحبك.. عاد الذي غيّبَ النظام السابق أباه.. ونفاه مع أمِّه خارج البلاد. يهزّ المكانَ صوتُ انفجارٍ عنيفٍ تتناثر شظاياه مع تصاعد كثيف للغبار والدّخان ولهب النّيران.. أناس يسرعون وآخرون يتصارخون.. بكاء وخوف وفزع يملأ وجوه الناس وقلوبهم.. ـ ماذا حصل؟ ـ وماذا عساه ان يكون؟ انفجار سيارة مفخّخة أخرى. الحادث قريب من المكان الذي أقصده.. أسرعت الخطى للوصول بسرعة.. لم أعد أبصر الطريق بوضوح من غشاوة الدموع في عينيّ.. نعوش كثيرة تحملها السيارات واكتاف الرجال.. الناس تودع موتاها بمرارة وأسًى.. وانا ابحث عن ملامح ورود بين وجوه النساء المغرقة بالدموع.. الخائفة.. الفزعة.. الباحثة حولها عن سكينة واطمئنان.. وفجأة.. وإذا بصرخة تمزق مسامعي: قف.. من أنت..؟ وماذا تفعل هنا؟ ماذا تريد؟ فوهات بنادق مصوبة نحو رأسي وصدري.. أشخاص كبلوا يديّ، وآخرون يرفعون ملابسي ويفتشون كلّ جزء من جسدي.. ثم عادوا يستفسرون: ـ من أنت..؟ ومن أين أتيت؟ وأين تسكن؟ أجبتهم والدهشة تملؤني: ـ تسألون من أنا؟ اسألوا كهرمانة والجسر المعلّق وساحة الحرية.. اسألوا اسفلت الطريق وجدران البيوت.. اسألوا الاشجار ونهر دجلة وطيور النورس. فجعلوا يوجهون الى جسدي اللكمات والطّعنات.. رموني داخل سيارة وبنادقهم موجهة نحو رأسي وصدري.. وسرعان ما ارتفع صفير السيارة وهي تنطلق مسرعة.. وصوت ورود ينساب الى مسامعي مختنقاً بعبرات البكاء: ـ ينتظرك النهر.. وطائر النورس! ــــــــــــــــــــــــــــــــــ 5 كي لا يموت الحلم انساب عبر النافذة تيار ريح قوي جعل الطائر يتأرجح فزعاً مرفرفاً بجناحيه داخل قفصه المتدلي بقطعة حبل معقود طرفها في سقف الغرفة، عبثاً يحاول الاستغاثة بمن لا يسمعه ولا يبالي بحاله.
تململ الولد في فراشه مخنوقاً بعبرات البكاء، الحزن
الثقيل الجاثم على قلبه يجعله يلتقط انفاسه بصعوبة بالغة.. انسابت الى مسامعه
اصوات
الباعة المتجولين، ومن خلال ما يصدر عن الأولاد من عبارات مفعمة بالمرح
والضحكات
البريئة وهم يتجهون الى مدارسهم عرف انه في صباح يوم جديد لكنه لا يستطيع ان
يبصره
من خلال اجفانه الملتصقة بمادة الرمد الشديد… يجهش بالبكاء كعادته كل صباح،
فيساعده
انهمار الدموع على فتح عينيه….. يوم جديد ولكن لمن….؟!! للطيور الحرة لكي تمر
على
اغصان الاشجار، وتنطلق محلقة كما تشاء…. أما الصباح والمساء المتعاقبان لا
يعنيان
شيئاً لطائر بين القضبان حيث تولد احلامه وتكبر وتشيخ وتموت في وعاء الأمل
المتصدع…. ذكريات مريرة تتجسم صورها في ذاكرته وهو يمرر اصابع يده الخشنة
المتيبسة
على لحيته التي غزاها المشيب… في صباح كثيراً ما كان يتمنى ان يحتضن كتبه
ودفاتره
وهو يمضي لتحقيق حلمه مرتدياً زي الطلبة…. لكن حدود قفصه لم تتعد تراب الأرض
والمسحاة، والزرع والسماد والمنجل، والدشداشة والحزام الجلدي العريض… وفي شبابه
شهق
الحلم وتفجر دموعاً غزيرة، ومن يحطم قضبان القفص ويطلقه ليسابق الريح إلى صدرية
بيضاء يرتديها ويضع حول عنقه سماعة فحص المرضى، ومن حوله ينادونه: يا
دكتور… *****
بقلب مرتعش
منكسر قال الأب:
قالها يحيى بلطف شديد متداركاً الأمر وموضحاً لأبيه: ـــــــــــــــــــــــــ 6
نسيج في الذاكرة تملكتني رغبة جامحة للتعرف عليها أكثر.. لذا اتخذت من كتابها الذي طلبته منها لقراءته وقد وعدتها باني سأعيده بنفسي الى يدها مبرراً لمعرفة عنوان سكنها.. وهنا كانت المفاجأة التي أعادتني الى مهد طفولتي.. ما إن دخلت حي الكرادة حتى شعرت بعيون الناس تحدق في وجهي، وكأن لسان حالهم يقول: ـ ثلاثون سنة مرت، وربما أكثر.. ما الذي أتى بك أيها الطائر بعد هجرة طويلة..؟!! عطر الطفولة ما زال يعبق بين المدرسة والزقاق ونهر دجلة.. هنا نسجت مخيلة الطائر الصغير عشاً، وراح يحلم متمنياً ان يراه حقيقة فوق أغصان شجرة على نهر دجلة قرب الجسر المعلق.. إلا ان حلمه بقي نسيجاً في احضان مخيلته.. فهو كلما هام برائحة أنثى لم يجرؤ على مصارحتها، يتملكه خوف الاقتراب منها، وان اقترب يتلعثم لسانه في الكلام معها، ويخشى حتى من لمس يدها.. أحياناً كنت أنزل الى شاطئ النهر وقت الظهر ومعي خيطي وصنارتي حيث يكون المكان خالياً من الناس في مثل هذا الوقت.. ذات مرة تبعتني جنان ابنة الجيران التي لم اشهد بنتاً بجرأتها.. نزلت الشاطئ خلفي من دون علمي، وحين رميت الصنارة الى الماء فوجئت بضحكتها تنساب الى مسامعي.. ـ جنان..!! مازلت اذكر قوامها وملامحها، سمراء نحيفة شعرها ناعم مسترسل على كتفيها.. عندها تملكني خوف شديد خشيت ان يرانا نفر من أهليها فيظن فينا الظنون.. تلعثمت وأنا اقول لها: ـ هل يوافق أهلك على خروجك من البيت ظهراً..؟!! أمي تتفقدني وأنا ولد، فتخرج للبحث عني.. جنان لم تجبني، بل راحت تتأمل وجهي فتضحك من خوفي وارتباكي.. وقد فعلت ما لم أكن أتوقعه أبداً، رفعت ثوبها فشاهدت ما بين فخذيها لأول مرة في حياتي.. عندها لا أعلم كيف زلت قدمي وسقطت في النهر.. كدت أغرق لولا أني استطعت التمسك بحجر كبير من أحجار الشاطئ، وقد أضعت خيطي وصنارتي.. هرولت مسرعاً الى البيت وفي رأسي يدور سؤال: ماذا سأقول لأمي وهي ترى ملابسي تقطر ماءً ويلوثها الطين..؟!! حتما ستنهرني وتضربني.. والطامة الكبرى لو اشتكتني لأبي.. ولكن من حسن حظي وجدتها نائمة.. فدخلت الحمام على الفور، وغسلت ملابسي مما علق بها من طين، وبعد ذلك ادعيت أنني سقطت عند الحنفية في حوض ماء الغسيل، وفي تلك الليلة لن تهدأ مخيلتي لحظة واحدة وهي تجسم أمامي صوراً شتى لجنان.. ولم يكن ما رأيته من جسد جنان وحده الذي يجسم في مخيلتي بل هناك زينة الفتاة التي التقيتها في المركز الصحي، حينها جلست أمي تتحدث الى أمها وانفردنا لوحدنا نتحدث ونضحك.. وأية فتاة كانت زينة، لم اسمع صوتاً أعذب من صوتها ولم أشم في حياتي رائحة أنثى أطيب من رائحتها.. زينة جعلتني كل مساء أقضي وقتاً حتى الليل عند باب المركز الصحي لعلي أراها تشرق ثانية في هذا المكان.. فاتني ان اسألها عن عنوان مسكنهم، وكم عضضت أصابعي ندماً لهذا وأنا استحضر صورتها وعذوبة صوتها واستنشق رائحتها وكأنها معي تشاركني بناء العش الذي انسجه في مخيلتي.. وهكذا لم يفتني مساء إلا وذهبت الى هناك متأملاً رؤيتها.. الى ان جاء يوم طرقت فيه باب بيتنا، وإذا برجال يحملون أوراقاً بين أيديهم أخبرونا بأن جميع البيوت التي تقع قبالة النهر سيتم تهديمها.. ـ لماذا..؟!! سأل أبي مستفسراً.. فأجابه أحدهم: ـ تعتزم الدولة إنشاء بنايات هنا..!! وهكذا وجد الطائر نفسه داخل قفص صغير محمولاً مع الأثاث في سيارة كبيرة تتجه به صوب حي مكتظ بالبيوت ليعيش في عالم آخر يختلف تماماً عن عالمه، إلا ان حلمه في ان يكون له عش على شجرة قرب الجسر المعلق بقي منسوجاً في مخيلته.. والآن أتأمل ساحة الحرية، هذا المكان الذي شهد الكثير من مرح الطفولة، لقد تغيرت ملامحه كثيراً.. أخرجت هاتفي الموبايل، طلبت زميلتي صاحبة الكتاب، أعلمتها أنني في حي الكرادة عند ساحة الحرية.. وجلست قبالة نافورة انتظرها بعد ان قالت لي بانها لن تتأخر.. ***** ـ لماذا كلفت نفسك المجيء الى منطقتي من أجل الكتاب، الموضوع لا يستحق هذا العناء..؟!! قالت زميلتي هذا الكلام وأنا أتأمل وجهها مبتسماً.. فأجبتها: ـ منطقتك..؟ هذا المكان مهد طفولتي. وأشرت لها مواصلاً: هناك بناية قبالة جامع النعيمي كانت تدعى مدرسة الفيحاء (مدرستي).. وهناك كان يقع بيتنا بين شاطئ النهر والمركز الصحي.. ثم أنها رغبتي في التعرف عليك أكثر فاكثر.. رأيت وجهها قد أشرق بابتسامة شعرت بأن لها شعاعاً راح يلمع على أوراق شجرة قرب الجسر.. أعاد الى مخيلتي نسيج العش، وأمنيتي في بنائه.. ــــــــــــــــــــــ 7 ترنيمة الدموع لمح الطفل الحمامة تحوم حول الحقل، فراح يتأملها مردداً: بابا.. بابا.. بابا..!! ثم خطت قدماه الصغيرتان يمينا ويساراً والى الأمام وعيناه تتأملان الحمامة بشغف شديد.. تبعته هدى بالرغم من أنها لا تكاد تبصر طريقها من خلال غشاوة الدموع في عينيها..
أمسكت بالطفل، ضمته إلى صدرها وأجهشت بالبكاء.. ثم جعلت
تردد مع نفسها: ما اجمل هذه الترنيمة! وما اصعب وقعها على قلبي!.. إنها
الترنيمة
التي طالما حلم بها أخي حامد.. في باحة البيت كانت الحمامة تمرح داخل قفصها
بهدوء
وهو يلتمس شعاع الأمل في تحقيق حلمه.. ***** مع مرور الأيام أصبحت رؤية أخي حامد حلماً يراود مخيلتنا.. بعد أن اقتحم بيتنا ذات ليلة رجال النظام باثين الرعب والفزع في قلوبنا وهم يلقون القبض على حامد بتهمة انه يحمل فكراً يرفضه النظام.. ساقوه مكبلاً بالحديد تاركاً وراءه لوعة في قلوبنا ودموعاً حفرت أخاديد على وجناتنا ونحن في كل لحظة نردد: هل من لقاء يا حامد..؟ *****
ذات يوم يتصاعد الدخان كثيفاً من تنور أمي على
غير عادته، ملأ أجواء المكان وانتشر في غرف الدار.. الحمامة كانت ساكنة في
قفصها
أخذت تصفق جناحيها بشدة وهي تتشبث متنقلة بين جوانب قفصها المشبكة تبحث عن مخرج
للفرار… وفي الأثناء انسابت إلى مسامعي صرخات نادية….. هرولت إلى غرفتها مرددة
:
نادية، نادية ماذا حصل لكِ..؟!! هدى.. الطفل ما زال يتأمل الحمامة.. والحمامة أبداً محلقة في فضاء الحقل.. ومن ساقية دموعك ترتوي أزهار الحقل الملونة.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 8 بلاد الأندلس اتقدت جذوة السعادة في نفسها ما ان تململت في فراشها، وجعلت تسري في جسدها كالنار في الهشيم حتى تملكت كل جوارحها.. فتحت عينيها تتأمل الأشياء من حولها، احتضنت الوسادة بشغف شديد.. ألقتها متجهة نحو الشرفة.. تنفست بعمق وهي تقف متأملة فجر البلاد لأول مرة، حركة الطريق أمهامها لم تزل ضئيلة فجذب نظرها الأفق المتوهج حمرة، جالت ببصرها فاتحة ذراعيها ثم ضمتهما الى صدرها وكأنها تحتضن البلاد برمتها بشوق طال أمده بعد ان قرأت عنها الكثير.. وها هي لأول مرة تتأمل معالم المدينة بعد ان دخلت أجواء البلاد وهبطت على أرضها.. ساعات النهار الماضي والليل فقط ما يفصل بينها وبين هذه الشقة التي التي استأجرتها ببناية تقع وسط المدينة.. بدأ قرص الشمس يرتفع شيئاً فشيئاً مرسلاً خيوط أشعته الذهبية التي أخذت تتلألأ على رؤوس المباني مع بداية حركة السيارات والناس التي أخذت تتزايد على الطريق.. دست أناملها الرقيقة بين خصلات شعرها الناعمة المتناثرة فوق كتفيها دافعة إياها للخلف وهي تتجه الى داخل الشقة مفعمة بالسعادة والفرح.. دخلت الحمام، جعلت تخلع ملابسها قطعة بعد قطعة حتى تعرت تماماً، راحت تتأمل جسدها واضعة ثدييها بين كفيها تدعكهما برفق مرددة: ـ يا بلاد الأندلس امنحيني زوجاً يحبني، يحترمني، يقدرني، كي أنجب لكي أولاداً بجمال طبيعتك يزهون بألوانك ويعبقون بعطرك.. ****** ما إن خرجت من الحمام حتى ارتدت أجمل ملابسها وسرحت شعرها تعطرت وتزينت، ثم تناولت حقيبتها فتحتها وجعلت تعد نقودها.. بعدها خرجت الى الطريق وهي تحدث نفسها: ـ يجب ان ابحث عن عمل بأسرع ما يمكن.. سارت في الشارع متأملة وجوه الناس تمنت لو أنها تبدد غربتها بكسر كل الحواجز بينها وبين الآخرين، ودت لو أنها تكلم كل الناس من حولها وتسمع منهم.. دخلت السوق تشق طريقها وسط الزحام مبتسمة في وجوه الأطفال ملقية التحية على النساء والباعة محاولة إيجاد مسوغات لمحاورتهم.. تأملت واجهات المحال توقفت عند بعض البضائع المعروضة.. وأخيراً توقفت أمام متجر كبير للأزياء تأملته قليلاً من خلال الزجاج، ثم دخلته وعيناه تحدق في أشكال وألوان الملابس والحقائب وبقية الأشياء حتى وصلت طاولة من الصاج تزينها باقات من الورود داخل زجاجات بأشكال جذابة في تصميمها ورسومها وألوانها يجلس خلفها صاحب المحل الذي واجهها بابتسامة عريضة وهو يقول: هل أعجبك شيء من المعروضات..؟ فبادلته الابتسامة وهي ترد عليه: ـ نعم.. كلها جميلة وجذابة لكني لم أدخل بقصد الشراء، فأنا أبحث عن عمل.. ـ أهلاً وسهلاً.. تفضلي. قالها وهو يشير الى كرسي أمامه.. وجعل يطرح عليها أسئلة في محاولة لدخول عالمها والتعرف على ميولها ورغباتها ومدى حاجتها للمال.. بعد ذلك فاجأها قائلاً: ـ أرجو أن نبقى على اتصال.. وناولها كارتاً صغيراً وهو يواصل حديثه: ـ هذا مثبت عليه رقم هاتف المحل وهاتفي الخاص يمكنك الاتصال بي متى تشائين، ليس بالضرورة ان يكون بشأن العمل، بل في أي شيء تحتاجين اليه.. والآن اختاري ما يعجبك من المحل واعتبريه هدية تعارف مني.. ـ شكراً.. قالتها بخيبة أمل واتجهت نحو الشارع.. ***** مرت الأيام وهي تبحث عن عمل، والهم يزداد ثقلاً على قلبها.. لم يبق سوى أيام قلائل ويحين موعد دفع أجار الشقة، هذا ان لم تعر اهتماماً لما تأكل وتشرب.. فتحت حقيبتها، وجدتها قد امتلأت بكارتات العناوين وأرقام الهواتف، وكرامتها تأبى عليها أن تتصل بأي منهم أو تطلب مساعدة من أحد.. بدأت تقلق على حياتها واستولى عليها شعور بالاختناق والضجر. وهاهي الآن مستمرة في قطع الشوارع متأملة واجهات المحال متنقلة من حي الى حي.. فجأة..!!! وإذا بها تبصر ورقة لصقت على زجاج مكتبة ضخمة تعرض الكثير من أنواع الكتب، اقتربت منها فتهلل وجهها فرحاً وهي تقرأ: ـ مطلوب آنسة مثقفة للعمل.. دلفت مسرعة الى الداخل واجهت شاب وسيم أنيق في قيافته يفوح منه عطر فرنسي ثمين، قال لها بابتسامة عريضة: ـ يبدو أنك قد أتعبك البحث عن كتاب ما، ستجدين هنا كل ما يخطر ببالك وما لم يخطر، وفي شتى المجالات اقتصاد وسياسة واجتماع وطب وفلك وعلوم وشتى أنواع الثقافة والأدب، إضافة الى جميع الكتب الدينية والمذاهب العقائدية وما شرح وألف على أساسها.. تنهدت عميقاً وزفرت زفرت محرقة ثم قالت: ـ أنا ابحث عن عمل، لقد ابيضت عيناي، وكلت ساقاي، وأنهكت قواي وأنا غريبة في هذه البلاد التي أحببتها لكثرة ما قرأت عنها وشغفني تأريخها الأدبي لاسيما انني أتذوق الأدب بشدة، انه يسري كالدم في عروقي أعشقه قراءة وكتابة.. ـ إذا فقد وجدت ما كنت أتمناها.. قالها بفرح شديد.. وأضاف: ـ تفضلي بالجلوس دعينا نشرب شيئاً ونتحدث في الأمر.. عرف منها انها بنت فقيرة جاوزت العقد الثالث من عمرها بسنوات، رحل والداها عن الدنيا ولم يعد لها من يتفقدها، ولكثرت ما قرأت عن بلاد الأندلس وأدبائها تمنت لو أنها ولدت وعاشت فيها.. لذا قررت المجيء لتعيش بين أهليها وتكون واحدة منهم.. وهي الآن تعاني من ضائقة مادية خانقة.. أخرج أوراقاً نقدية، قدمها اليها قائلاً: ضعي هذا المبلغ معك وإذا احتجت المزيد سوف أعطيك، ويمكنك مباشرة عملك منذ الآن أو غداً صباحاً إن كنت متعبة.. تنفست الصعداء، وقالت بارتياح: لا أعرف كيف أشكرك.. وهل تكفي كلمة الشكر لطيبتك وإحسانك.. وبعد ان زال عنها ما كان يثقل كاهلها ونفسها قالت بفرح شديد: سوف تثبت لك الأيام مدى إخلاصي في عملي.. ***** وهكذا باشرت عملها تخرج كل صباح مفعمة بالسعادة والأمل في مستقبل سعيد تصافح اشراقة ابتسامتها خيوط الشمس الذهبية، واثناء النهار تقضي ساعات رائعة في تعاملها مع الزبائن.. لكنها تشعر بمضايقة صاحب المكتبة لها حين يجدها في خلوة داخل المكتبة، يحتضنها مثلاً أو يقبلها الأمر الذي يبعث الخوف في نفسها فترجوه ان لا يصل المزاح الى هذا الحد المخيف.. لذا تتفجر دموعها وهي تردد مع نفسها: إني وحيدة غربية أخشى ان تداس كرامتي ويضيع شرفي.. هل كثير عليّ ان اكون زوجة تعيش باحترام وكرامة في المجتمع..؟ رأت اليوم قلة تردد الزبائن على المكتبة فكرت بالصعود الطابق العلوي لتشغل وقتها بتنظيف الكتب من الغبار وتعيد ترتيبها.. وبينما هي كذلك أغلق باب المكتبة وأسدل ستاراً على زجاجها.. وصعد قاصداً إياها.. ما لبث حتى وجدت نفسها بين ذراعيه وبشكل يختلف عما سبقه، تملكها الخوف وهي تحاول التخلص بين يديه، ضمها اليه بشدة.. وبفزع راحت تتوسل اليه وهي تذرف الدموع بغزارة ولكن من دون فائدة وهو يحاول تعريتها لاغتصابها، تعالى صراخها استعملت اضفارها ملأت وجهه خدوشاً فزاده الأمر عنفاً عليها.. خارت قواها شعرت بحالة اغماء تعتريها خيل اليها بانها صارت مثل دجاجة أدخلت الى الفرن بعد تخلل جوفها قضيب حديدي فبدأ تتنزف سمنها قطرات قطرات.. ما ان فتحت عينيها محدقة في رفوف الكتب من حولها حتى خرق مسامعها صوته مزمجراً بغضب شديد: أخرجي من هنا فوراً، لا أريد أن وجهك مطلقاً، كان طلبي آنسة مثقفة وأنت جاهلة متخلفة.. تحاملت على نفسها.. خرجت مختنقة بعبراتها وهي تستنجد بالناس من حولها، لكن لا أحد يلتفت إليها وكلما اقتربت من شخص ابتعد عنها.. فصرخت بأعلى صوتها: يا أهل بلاد الأندلس، مظلومة تشكي لكم حالها اسمعوني أرجوكم.. انسابت كلماتهم الى مسامعها: مجنونة.. مجنونة.. انها مجنونة.. لا أحد ينظر اليها.. لا أحد يسمعها حتى تصمت وتذهب لسبيلها.. *****
أستل الليل ستاره.. تضاءلت حركة الطريق شيئاً فشيئاً.. بدأ أصحاب المحال والمتاجر يغلقون ابواب محالهم.. وهكذا حتى توقف كل شيء عن الحركة وعم السكون.. غط الجميع في نوم عميق إلا هي تقف وحيدة في شرفتها تتأمل الظلام الذي صار يخفي معالم المدينة والدموع تحفر اخاديداً على وجنتيها حتى بدتا بلون الدم.. زفراتها كسموم الصحراء في عز الصيف، وتنهداتها شهقات من يغرق وحيداً وسط لجة البحر.. ــــــــــــــــــــــ 9 بعد انتفاء الحاجة تعثرت عدة مرات.. سقطت مرتطماً برصيف الشارع.. لزوجة الدم كونت بقعاً ظهرت باحجام متعددة على ملابسي.. لم انتبه الى وجودها حين القيت جسدي على مصطبة في ساحة تم تشكيلها على هيئة متنزه صغير بين تقاطعات الطرق وسط المدينة.. مثقلاً بالهموم مثل عتال انهكته أحماله، جلست متلفتاً حولي لعلي احظى بشربة ماء ترطب جفاف فمي، وتخفف من لهاث قلبي.. فوجئت بها تجلس قبالتي وقد رسمت على وجهها ابتسامة مثيرة وهي تحدق في وجهي ويداها تتحركان على ملابسها في مداعبة تكشف بين تارة وتارة أخرى عن أجزاء من صدرها وفخذيها ما يؤكد انها ممن يعرضن اجسادهن مقابل ثمن.. الثمن هو الغاية، ليس مهماً طبيعة الشخص الذي يلامس جسدها، المهم ان يدفع ما تطلبه مقابل وهم وسراب.. نعم.. فالمرأة ليست سريراً في فندق حتى ندفع ثمناً لنومنا علية.. ولا هي طعام يسد جوعاً او شراب يروي ظمأ، المرأة بلا حب يدفعها هي كالماء الذي لا يرطب جفاف فم او يخفف من لهاث عتال منهك.. ليس مهماً ان نعرف معنى الحب، المهم ان نشعر به ان يجعلنا نعبر عن معناه ببراءة كما يعبر الاطفال عن حبهم باساليب متعددة ومختلفة.. البسمة الحقيقية هي تلك التي ترسمها السعادة على وجوهنا كما ترسمها على وجوه الاطفال.. اما البسمة المزيفة هي التي نتعمد رسمها للوصول الى غاية تنتفي بانتفاء الحاجة.. قد يهزأ الناس ويسخرون مني، بل قد ينفجر بعضهم ضاحكاً لو قلت ان كلباً جعل الهموم تتفاقم وتغلي كالبركان في داخلي وهو يؤدي مشهداً لم يخطر على بالي ابداً.. نهضت متجهاً صوب العاهر فما لبثت حتى فتحت اصابع يديها في اشارة الى ثمن مضاجعتها، توقفت عندها تماماً وانا احدق في وجهها هامساً: أعطيك ضف ما تريدين، لكني لست من سيضاجعك.. ـ صاحبك.. خذني اليه.. ـ لا.. بل هو........!! ما ان لفظتها حتى تلقيت على الفور بصقة في عيني، ثم دفعتني صارخة واطلقت ساقيها لمغادرة المكان ولسانها لهدر شتائم تتابع انسيابها الى مسامعي وهي تواصل سيرها مبتعدة في حين عاد مشهد الكلب يتجسم في مخيلتي وأنا اضع وجهي بين يدي مجهشاً ببكاء لم تشهده سنوات حياتي في اقسى حالات الحزن الألم.. الكلب يا نهلة..؟!! فوجئت حين سمعت انك تأوين كلباً في غرفتك تولينه كل حب وحنان، وانا الذي عهدتك تهربين مبتعدة عن الكلب والقطة وحتى عن الفأر والحشرة.. يا ابنة خالي التي احببتها منذ طفولتي، حبي لك فاق قساوة الألم وانت تحزين رأس الحب بسكين أعمى مرددة بسخرية مقيدة هازئة بكل مشاعري نحوك: ـ انه صديق أخي، نعرفه منذ سنوات ابن تاجر معروف، لدية سيارة حديثة.. وتضيفين ضاحكة: سنزفك فيها عند زواجك.. لم يستمر زواجها اكثر من شهرين حتى سمعت انها تواجه مشكلات في حياتها معه.. ثم سمعت بعد ذلك ان زوجها يعاشر غيرها ممن يعرفهن.. وبعد سنتين سمعت خبر طلاقها، وانها تترجاه ليعيدها من اجل طفليها.. نهلة حبيبتي التي لم اتألم لمصيبة بقدر ما تألمت لحالها.. تمنيت ان تسأل عني.. ان تطلب رؤيتي.. ان ترسل لي سلاماً أو تذكر اسمي في مناسبة أو حديث عابر.. لكنها لم تفعل.. وشوقي يتفاقم لرؤيتها حتى قصدت بيت خالي مندفعاً بكل مشاعري وأحاسيسي، وذكريات الطفولة والصبا والشباب تتجسم في مخيلتي.. وبحركة خفيفة من يدي فتحت الباب الخارجي للبيت كما كنت ادخله سابقاً وكأني احد افراد العائلة، لكني سرعان ما فوجئت بنباح الكلب ينساب الى مسامعي، فنظرت على الفور واذا بنهلة تحتضن كلبها وتداعبه كأنه طفل مدلل بين احضانها وهي تتأرجح بين اشجار الحديقة في ارجوحة كبيرة وضعت جانباً، وقبل ان تتأمل عيناي ملامح وجهها أو يلفظ لساني كلمة واحدة هاجمني كلبها بكل وحشية وشراسة وكأني لص نفذ من خلال الباب، تراجعت محاولاً الابتعاد والتخلص منه بكل جهدي فلم استطع، كاد يمزقني لولا تدخل الجيران لمساعدتي فهرولت مبتعداً ونباحه يطرق مسامعي كشتائم العاهر التي غادرت المكان تواً.. ليتك يا نهلة موجودة بيننا وأنا اقول لها: ـ لا.. بل هو كلبي..!! ليتك سمعت وشاهدت كيف عز على كرامة عاهر ان يضاجعها كلب.. وانت يا نهلة لم تحرك ساكناً ازاء كلبك وهو يكاد يمزقني بمخالبه وأسنانه.. أحبك يا نهلة برغم كل ما حصل.. لأن الحب هو ما يبقى بعد انتفاء الحاجات. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ 10 حادثة تلك الليلة كل شيء في القرية أصبح من شأنه أن يعيد الى ذاكرتي تلك الحادثة المفجعة التي أرعبت أهل القرية جميعاً وجعلتهم يستيقظون من نومهم فزعين.. صراخ مزق ستائر الظلام وصدع جدران البيوت الطينية.. حادثة نسيتها منذ طفولتي وزالت آثارها، لكن اليوم كل ما أسمعه أو أراه يجعل صورها تتجسم في مخيلتي فتشعرني بخوف شديد يشبه ذلك الخوف الذي كان يعتريني وأنا طفلة حين يتعالى نباح الكلاب فيفسد نومي، وما ان أفتح عيني حتى تتراءى لي من خلال الظلام أشباح مخيفة تتحرك على جدران الغرفة فتجعلني أجهش بالبكاء.. وما ينقذني منها سوى أحضان أمي الدافئة حين تستيقظ وتضمني إليها فتشعرني رائحتها بالأمان مما يجعلني أعاود نومي من جديد، لكن حادثة سلمى التي أفزعت أهل القرية وأرعبتهم كان وقعها أشد من نباح الكلاب وأشباح الظلام.. واليوم كل ما حولي يجسم صور تلك الحادثة أمامي، من البيت ومروراً بأراضي القرية حتى ذلك النهر الذي شهد آخر لقاء لي بسلمى حيث قدمت مع أمي بسلة الملابس المتسخة لغسلها على الشاطئ، فوجدنا سلمى جالسة ومن حولها كومة ملابس منشغلة بغسلها وهي تفور غضباً وتصرخ متوعدة: سأضع لك السم في الطعام وأقتلك.. اني أكرهك أيها الكلب وأكره أهلي الذين وضعوني عظمة حقيرة بين فكيك..!! هكذا كانت تردد مع نفسها من دون ان تنتبه لوصولنا حتى فاجأتها أمي: ـ ولم كل هذا يا سلمى..؟!! مما جعلها تلتفت الينا وقد خطف لونها: هذه أنت يا أم إلهام..!! لقد أرعبتني مفاجأتك.. وأضافت أمي قائلة: ـ أطلبي الطلاق منه وعيشي كما تحبين.. ـ ليته يفعلها.. أنه حلم حياتي أن أتحرر من هذا الجحيم الذي دفعوني اليه.. تصوري بالأمس ضربني بوحشية حتى لطم رأسي بحذائه.. وأجهشت سلمى بالبكاء بينما أمي تقول لها: ـ حين تزوجنا رضينا بقسمتنا، وعشنا على الحلوة والمرة.. متى كان للبنت منا أن تختار رجلاً على هواها وتعيش كما تحب هي وترغب..؟!! يا سلمى انك تلعبين بالنار كما يقولون.. لقد كثر في الآونة الأخيرة همس الناس وكلامهم حول علاقتك بذلك الشاب ولقاؤك به بمعزل عن العيون.. وأنت تعرفين ان هذا يعد جريمة من قبل أية امرأة أو فتاة في العشيرة.. وعتابي ليس عليك وحدك، بل عليه كذلك كيف يرضى لنفسه ان يختلي بامرأة متزوجة وعلى ذمة رجل..؟!! ـ بصراحة يا أم إلهام اني أحبه.. وكم تمنيت لو كان هو زوجي الذي أعيش معه حياتي.. ـ لا أعرف كيف تفكرين..؟!! هذا كلام لا تستطيع قوله التي تنتظر قسمتها، فيكف بك وأنت على ذمة رجل..؟!! أرى أنك تحفرين قبرك بيدك يا سلمى..!! ـ الموت أفضل عندي ألف مرة من عيشة كهذه.. ***** وبقيت عبارة أمي طوال ذلك اليوم ترن في مسامي: انك تحفرين قبرك بيديك يا سلمى..!! حتى حلمت تلك الليلة باني أحمل معولاً بين يدي وأنا منهمكة أحفر في الأرض.. ثم فاجأتني امرأة تتقدم نحوي قائلاً: لم تحفري يا إلهام..؟!! وقبل أن أتفوه بكلمة واحدة طرقت مسامعي تلك الصرخة التي جعلتني أستيقظ من نومي مرعوبة فزعة.. وقد زادني فزعاً أني رأيت أمي وأبي وأهل القرية في حالة فزع كذلك وهم يتصايحون مهرولين نحو بين سلمى.. كانت تلك آخر صرخة لسلمى ودعت على أثرها الدنيا مطعونة بخنجر زوجها الذي خضب يديه بدمائها.. واليوم أتساءل إن كنت أحفر قبر سلمى، أم هو قبري أنا..؟!! تتجسم صور سلمى أمامي كلما زار أبآي ضيف في بيتنا فتطلب مني أمي ان لا ادخل غرفة الضيوف وأن لا أتكلم بصوت مسموع.. وكذلك الحال حين يصادفني شاب ظريف يرف له قلبي.. هل ستبقى سلواي في لقاء بنساء القرية والاستماع الى حديثهن..؟ قريتنا خصبة لم تجف سواقيها يوماً.. وكل أرض تبدو سعيدة بمسحاة فلاحها.. انها تجعل الماء ينساب الى مساماتها فينعشها.. ثم ينعشها حتى ينتفخ رحم الأرض معلناً عن نشاط الفلاح في أرضه.. ويسعدني كثيراً حين أسمع همسات نساء القرية وهن يتحدثن عن أرض لا عهد لها بالماء، ولم تصلها يد فلاح بعد.. ــــــــــــــــــ 11 منى... فضاء متسع استيقظت من نومي باكيا.. حزينا.. فرحا. لا استطيع وصف حالتي بالضبط.. وسط ظلام الغرفة. كانت أمي تحمل أخي الصغير بين يديها تهدهده كعادتها كي يعاود نومه.. حاولت اخفاء دموعي وفرحي ولوعتي واتظاهر بالنوم، لكن ذلك لم يمنع امي من الوقوف عند رأسي قائلة: مزعج انت حتى في احلامك.. تصرخ منى.. اهربي منى.. مما كنت تريدها ان تهرب؟ من وحش حاول افتراسها؟ بقيت صامتا متظاهرا بالنوم.. ماذا بوسعي ان اجيبها وهي لن تستطيع ابدا ان تتصور حياة الكثيرين من الناس ما هي الا وحش يفترس الحياة ذاتها.. كما هو الحال في هذا الحي القديم الذي شاخت منازله واتكأت على بعضها بيوت تنتشر بشكل عشوائي.. ولكثرتها يكاد ينفجر بها الحي الذي تخللته مجاري مياه الغسيل المتدفقة من تلك البيوت والتي كثيرا ما تطفح ملوثة المارة.. وفي بعض اماكن الحي تكون بركاً آستة تنتشر بين البيوت عابقة برائحة مقرفة تختلط وقت الظهيرة برائحة السمك المنبعثة كل يوم عبر النوافذ والابواب مؤكدة ولع سكان الحي باكل السمك.. منى هي الوحيدة الشاذة نفسيا وروحيا، تعيش بكل حواسها في عالم ترفرف بين اجوائه كحمامة عاشقة متغنجة.. عالم نسجته من خلال القصص والروايات وكتب التاريخ لاسيما حين تقرا شعر ابن زيدون تبدو كانها عروس اندلسية.. منى تحلق الان كعصفور سجين يفر نحو فضاء الحرية.. لم تسلم على احد ولم يودعها احد سوى دموعي.. كنت اندفع نحوها ملقيا بنفسي بين احضانها مطوقا رقبتها داسا وجهي بين خصلات شعرها وكلي رغبة في ان اكون جزءا من جسدها.. لكني الان سعيد رغم لوعتي وانا اراها تغادر عالما يفتقد الى الكثير منم معاني الانسانية التي شعرت بها وعرفتها من خلالها بعد ان وجدت فيها عالما مختلفا تماما عما يحيطني.. وهي كذلك احبتني وتعلقت بي كثيرا منذ رأتني لأول مرة وقد اثارها منظر طفل قوس ظهره ناظرا لما حوله من خلال فخذيه. عندها لم تتمالك نفسها من الضحك.. انسابت ضحكتها كنغمة رقيقة حالمة الى مسامعي، ادهشتني كثيرا.. رفعت راسي على الفور لابادرها قائلا: انت حورية الجنة التي تحدث عنها خطيب الجامع بالامس! فتعالت قهقهاتها مستغربة: ـ حقا.. وكيف عرفتني؟ فاجبتها: بالامس كنت مع خالي في الجامع.. وبعد الصلاة جلس خطيب على المنبر وصار يتحدث عن الجنة والنار، وقال: ان الشخص الذي يصلي ويصوم ويفعل الخير ويساعد الفقراء ولا يأكل مال اليتيم يتزوج حورية في الجنة.. فسالت خالي عن الحورية فاجابني: هي امراة جميلة جدا.. وانا لم ار في حياتي اجمل منك.. فقالت: هذه الجنة.. نحن لم نزل في عالم الدنيا.. والان دعنا من هذا، وقل لي لماذا تقوس ظهرك وتنظر من خلال فخذيك؟ ـ بهذه الطريقة ارى الحي كانه بحر والناس امواج تتلاطم ـ يا سلام.. هكذا اذن؟ كلماتك البريئة تبدو بليغة ومحيرة ومضحكة.. هل تعرف انك الوحيد الذي اضحكني في هذا الحي البائس التعيس ـ وانت الوحيدة التي تختلف عن جميع نساء الحي.. نعم فالنساء هنا رائحتهن كرائحة السمك في السوق وقت الظهيرة.. اما انت فرائحتك اطيب من ورود المتنزهات.. وشعرك كانه شلال ماء عذب.. وصوتك موسيقى احب سماعها.. اما كلامك فلم يطرق مسامعي اجمل منه.. فانا لم ار في هذا الحي سوى شعراً كأنه كومة برسيم يعشش فيه القمل.. وكلام قبيح وصوت خشن. ومن حينها صرت اشاهدها تقرا كتبها فوق السطح الدار، كم احببت نسمات الهواء وهي تاتيني من خلال خصلات شعرها عابقة برائحتها وما ان تشاهدني حتى ترتسم على وجهها ابتسامة لا يوصف جمالها وهي تحدثني وتوجه لي اسئلة وتضحك من اجابتي.. وكثيرا ما كانت تعتريني رغبة جامحة اليها فانزل عن سطح الدار مسرعا اليها، لاعانقها واجلس بقربها. ذات مرة قلت لها: كم احبك فانت لا يوجد مثلك حتى في التلفزيون يقولون ان العروس جميلة جدا في ليلة زفافها، حضرت اعراسا كثيرة لكني لم اشاهد عروسا اجمل منك. فردت أمها قائلة: لذا تجد شباب الحي يحومون حولها كالقطط.. لا يكفون السنتهم ولا يغضون ابصارهم لانها تختلف تماما عن بناتهم ونسائهم، منى قطعة من قماش فاخر.. ديباج لا مثيل له صممتها وفصلتها بكل فن واتقان لتكون قميصاً يزهو على اكتاف الزمن.. **** مع خيوط الفجر خرق مسامع الحي صوت صراخ وعويل.. بكاء ونحيب.. استيقظ الناس فزعين واتجهوا مسرعين صوب بيت منى، كانت امها في انهيار شديد تلطم وجهها وراسها.. وصراخها وبكاؤها وعويلها في تواصل مستمر بلا توقف وهي تحتضن جسد ابنتها التي فارقت الحياة قبل تخرجها من الجامعة.. وقبل ان تحقق امنيتها وحلم امها. ***** بعد رحيل منى انساب الى مسامعي الكثير من العبارات التي ترددها نساء الحي: ـ كانت مصابة بالسرطان ـ لا.,. اعترتها نوبة قلبية مفاجئة ـ يقولون جلطة دماغية ـ المهم ارتحنا منها قبل ان تفسد شباب الحي.. كانت دلوعة، ملابسها فاضحة ولم تستر شعر راسها..و..و.. وعدت من جديد اقوس ظهري وانظر فارى الناس امواجا تتلاطم وتتكسر على الرمال لكني في الوقت ذاته ارى منى تجلس بهدوء غير آبهة بهم.. ترسم باطراف اصابعها ملامح الحياة مرددة لحنا خافتا. ــــــــــــــــــــــــــ 12 ندى أتأمل الحديقة من خلال نافذتي.. أتأملها في الليالي المقمرة.. ومع فجر كل صباح بعد ان ينساب الى مسامعي صوت العصافير وهي تردد لحنها المعتاد فتسارع روحي لتمرح على اغصان الاشجار كطفل يلبي نداء اصدقاء يحبهم.. لكني هذه المرة لم يجذبني فجر الصباح ولم أقف ملبياً دعوة العصافير الى مرحها.. بل وجدت روحي تحملها النسمات وتعلقها بين اغصان شجرة التفاح.. ثم راحت تغسلها بقطرات الندى المنتشرة على وريقاتها الخضر حتى خلتها تفاحة قرمزية متدلية بين اغصان الشجرة تلمع عليها خيوط اشعة ذهبية معلنة شروق شمس يوم جديد.. ندى التفاحة أم التفاحة ندى تلك التي تتأمل اشراقة وجهها في مرآة الشمس فترسم ابتسامتها لوحة أمل لتحقيق احلام مستحيلة.. هكذا أراها.. واشعر بها تهمس بكلمات يرددها لسان حالها: حققت أمنيتي في الأمومة فأنجبت بنتاً وولداً.. لا أعلم كيف تجرأت ذات مرة وسألتها: ـ هل تزوجت عن حب..؟ فكان جوابها: ـ لا.. هو من عالم وانا من عالم آخر.. جعلني جوابها ابتسم بمرارة ألم ما لبث حتى راح يتفاقم بشدة اذ وجدت روحي تتراءى لي بين قدمي مسحوقة وهي تشكو لربها ظلماً يلحق بها من أجل رغبة عابرة أو أمنية قد نندم عليها فيما بعد.. تنبهت الى ان أشعة الشمس قد انتشرت بشكل واسع على الجدران وغطت مساحة الحديقة.. تذكرت اني سأتأخر عن العمل فتهيأت لمغادرة البيت.. ***** حين دخلت القسم الذي أعمل فيه وجدت ندى جالسة تباشر عملها خلف جهاز الحاسوب، وما ان ألقيت عليها التحية حتى ابتسمت ابتسامتها التي عهدها فجلست اتاملها وهي تزداد اتساعاً وعمقاً، يا لها من ابتسامة لا تليق الا بوجه كوجهها وهي ترد التحية وتسألني عن حالي وأموري.. وأنا أجيبها بسعادة تزداد مع رقتها ونغمة صوتها حتى سألتها: ـ ندى.. الابتسامة لا تفارق وجهك ابداً.. هل سعيدة في جميع تفاصيل حياتك..؟ لم تجبني.. لكني شعرت بروحي بين احضانها تضمها بشغف شديد بينما عيناها تقطران بالندى على وجنتيها المتوردين. ـــــــــــــــــ 13 شموع للأمل كثيراً ما يتراءى لها واضعاً يدها بين كفيه بعد زين بنصرها بخاتم لماع يبرق في دجى لياليها الموحشة فتتهيأ اعضاؤها مشدودة نحو انفاسه وترتفع حرارة جسدها بملامسة جسده.. تغمض عينيها، تعيش تفاصيل لحظات حلمها ويداها تداعبان أرق اعضائها وأكثرها حساسية وإيثارة.. تعاتبه متأوهة: حبيبي.. بحثت عنك طويلاً حتى كلت قدماي وأنا اطوي طرقات الاسواق مختلسة النظر الى وجوه الباعة والمتسوقين والجالسين على أرائك المقاهي ومقاعد الباصات ومصطبات المتنزهات والمستشفيات وفي جميع أماكن الانتظار.. وفي كل يوم أزيد عدد صديقاتي طارقة ابواب بيوتهن عارضة عليهن مساعدتي في انجاز اعمالهن المنزلية، لعلي اجدك خارجاً من باب غرفة أو جالساً في زاوية.. لكن قطار العمر يمضي ومصاطب الانتظار تمتلئ وتفضي وعيناي تنظران، تحدقان، تتأملان.. وتعودان خائبتين تذرفان دموع الانتظار.. يقتحم مسامعها صياح الديكة فتتلاشى معالم الحلم.. تعود الى جسدها الذي استكن لتوه بعد ان كان يتلوى تحت الغطاء.. تكفكف يداها دموع عينيها اللتين فتحتهما مع بداية زقزقة العصافير وهي تنساب الى مسامعها مبشرة بأمل جديد.. تنهض من فراشها، تتطلع الى وجهها في المرآة وتتأمل جسدها مرددة مع نفسها: سأرتدي اليوم فستاني الأحمر، وسأدهش الجارة سامية بتسريحة لشعري لم تخطر على بالها، تمعن النظر الى أجزاء جسدها.. تبتسم لشعاع أمل يلمع على أوراق شجرة تحلم بالثمر، أو على أديم أرض تحلم بنبة طرية تخرج من بين ذرات ترابها.. تتسع ابتسامتها وهي تستحضر أمامها ملامح الجارة سامية وتخاطبها قائلة: ـ لم أكن أعلم ان لديك خمسة أخوة، حقاً ثلاثة منهم لم يتزوجوا بعد..؟! أحبك يا سامية.. أنت اعز صديقة على قلبي.. دعيني أقوم بأعمال البيت بدلاً عنك.. لم تتصوري مقدار سعادتي حين أساعدك بانجاز أعمالك. خرجت الى باحة البيت، تناولت وعاءً كبيراً، وضعت فيه كمية من الطحين وجعلت تسكب عليه الماء وتعجنه كعادتها مع فجر كل صباح، وبينما هي كذلك راحت تنظر الى كومة السعف قرب التنور وتضحك من كلام أمها التي كثيراً ما تردد غاضبة من تصرفها: نار الكربة اشد سعيراً في التنور.. بقية السعفة تخفت سريعاً، وأنت تلقين بالكرب الى ماء النهر..؟!! متى تتركين عادتك السيئة هذه..؟ شموع وحناء وكربة تزف الى النهر مع كل غروب شمس..!! غطت وعاء العجين بصينية بعد ان وضعته جانباً، ثم شرعت تنثر حبوب القمح فأسرعت نحوها الدجاجات وصارت تتجمع أمامها ملتقطة حبات القمح بسعادة بالغة بينما راحت عيناها تتأملان عبر مساحات خضر ضياء يوم جديد صبغت حمرة شمسه أفق القرية. ـــــــــــــــــــــــــ 14 تساؤلات وأنا اجلس بين جدران غرفتي كثيراً ما تنساب الى مسامعي افظع الكلمات الفاضحة والشاتمة التي تصدر من افواه اشخاص تتملكهم لحظات غضب شديد نتيجة لكلمة يسمعونها او من فعل غير مقصود في اغلب الحالات.. وقد ينتج هذا الغضب عن غيرة وحسد وتعالٍ على الآخرين واحتقارهم.. وكثيراً ما تواجهني حالات كهذه في السيارة والشارع ومكان العمل، غضب يجعل اللسان يهدر بشتى انواع الكلمات الفاضحة والشاتمة.. اذكر هذا وأنا اعيش منذ زمن بشعور عنيف يغمر جميع جوارحي.. لكني لم اجرؤ على مصارحة من جعلتني لا ارى للحرية فضاء اوسع من ان اكون عبداً مملوكاً لديها.. لم اجرؤ على قول كلمة (احبك) برغم الشعور العنيف الذي يدفعني لقولها.. وهنا اعود فأتساءل: ـ كيف يدفعنا غضبنا لفضح الناس والنيل من كرامتهم ومكانتهم الانسانية من دون وجه حق في كثير من الاحيان.. ولم نستطع النطق بكلمة صدق تفيض بها مشاعرنا..؟!! اليوم قبل دخولي البيت رأيت جارتي أم سعدية تضحك مع أم زكي جارتنا الأخرى وهي تطلب منها بعض المواد التي تستعمل في المطبخ.. وقفت مندهشاً لما يحدث أمامي.. فبالامس فقط انساب الى مسامعي صوت أم سعدية وهي تقذف حمم غضبها واصفة أم زكي باقسى انواع الاهانة، ابسطها اتباع الرذيلة.. لم اتحر عن حقيقة ما تلفظت به أم سعدية، لأنه ليس من طبعي التقصي عن حقائق الآخرين، يكفيني تعاملهم الانساني لمنحهم مكانة من التقدير والاحترام في نفسي.. ولكن الذي ادهشني هو كيف هانت على أم زكي كرامتها بالحديث مع من اساءت اليها بهذه السهولة؟!! تساؤلات نختلف كثيراً في تأويلها، فهي تفسر بعدة معانٍ.. وقد لا نجد لها تفسيراً ابداً.. لكن ما يخصني لا يحتاج سوى الى شجاعة تحسم الموضوع كله.. نعم لا بد من الشجاعة وإلا قد تضيع من يدي فرصة العمر التي انتظرتها طويلاً، فان ذهبت لا تعوض ابداً، لانني طرحت على نفسي اسئلة وأجبت عنها: ـ هل أنا احبها..؟ ـ نعم بالتأكيد.. وإلا لهان عليّ امرها، فلم اشغل بها فكري وقلبي ومخيلتي وجميع حواسي.. ـ هل يمكنني ان احب غيرها..؟ ـ بالطبع لا.. لان الحالة التي أشعر بها لم اشعر بها من قبل.. ولا اعتقد اني ساشعر بها من بعد.. إذاً لا بد من حسم الامر.. وتحقيق الحلم قبل الاحباط والفشل والشعور بالندم.. ***** في صباح اليوم التالي كنت اول الموظفين الداخلين الى الدائرة بعد ان شحنت نفسي بالشجاعة التي لا بد منها لحسم الامر.. وما ان اقبلت صاحبة الشأن متوجهة الى قسمها حتى اسرعت اليها.. لكني حين وقفت امامها راح عقلي يطرح عليّ اسئلة جديدة: ـ هل انت متأكد من حبها لك..؟ فلربما هو حب من طرف واحد..!! ولربما توافق ولكن بدافع رغبتها للزواج، وليس بدافع الحب الذي يدعو الى تحقيق سعادة مشتركة.. هل انت متأكد من انها تعرف معنى الحب..؟ تشعر به وتقدسه وتخلص له وتضحي من اجله..!! اثار تأملي لها ووقوفي امامها دهشتها ودهشة الموظفين من حولها، فسألتني: ـ نعم.. تفضل.. هل تريد التحدث معي..؟!! لم اجبها.. رجعت عائداً الى غرفتي.. وما ان جلست خلف مكتبي حتى وضعت رأسي بين يدي واجهشت بالبكاء. ـــــــــــــــــــــ 15 نصيب أية مصادفة هذه التي جمعته بعائلة بائسة تفترش جانباً من الطريق الذي يسلكه كل ليلة بعد خروجه من المكان الذي يرتاده المولعون باحتساء الخمرة الرخيصة.. ومن حسن حظهم ان مجبل يبدو سعيداً منذ أيام ببيته الذي أكمل بنائه على قطعة أرض منحت له كونه موظفا في دائرة الاتصالات مع قرض مصرفي لبنائها بعد ان كان يسكن غرفة في فندق بائس جداً.. توقف مجبل يسأل رب العائلة عن سبب جلوسهم على قارعة الطريق في مثل هذا الليل الموحش، فأخبروه بأنهم طردوا بسبب عدم تمكنهم من دفع ايجار الغرفة التي يسكونها.. وهنا كانت المفاجأة التي أفرحتهم، مجبل وبرحابة صدر يعرض عليهم ان يأتوا معه.. ومن غير سابق معرفة يفتح لهم باب بيته الجديد، الأمر الذي جعل رب العائلة ومن فرط فرحته بإزاحة هم السكن عن صدره ان يمنيه بالزواج من ابنة أخيه والتي تصغره بأكثر من عشرين سنة، فعلت الفرحة وجه مجبل ووعدهم بان يكون رجلاً مستقيماً ويترك فعل المحرمات. ***** في اليوم التالي توجهت عيون الحي تحدق في وجه لم تألفه من قبل يسير بصحبة حسن وزوجته حتى توقفوا عند باب بيت خشبي قديم مفتوحاً على مصراعيه، ومجاميع من الاطفال تخرج منه وتدخل بصخب وزعيق يلعبون ويتدافعون ويشتبكون بالأيدي غير مبالين لكلام أي شخص يطلب منهم الكف والهدوء.. صاح حسن طالباً الدخول والتوجه صوب الغرفة التي تسكنها عائلة أخيه أبو علاء، وهنا ضحك مجبل من مشهد شخص يخرج من الحمام حاملاً بيده إبريقاً، وإبريق تحمله امرأة عجوز تهم للدخول.. وإبريق ثالث وضعه صاحبه أمامه جانباً منتظراً خروج المرأة ليدخل بعدها.. وداخل الغرفة وما ينتشر بها من أشياء مبعثرة جلس حسن ومجبل مع أبو علاء وجلست المرأة مع سمية وأمها، وعلى باب الغرفة تتصنت النسوة اللاتي تجمعن بدافع فضولي لشعورهن بأهمية هذه الزيارة.. قال حسن: مجبل شخص مهذب رائع، ويملك بيتاً بناه لتوه على طراز حديث، ويعمل موظفاً في دائرة الاتصالات، وهو بالتأكيد أفضل من شاب يعمل بأجرة يومية ولا يملك شيئاً ولا يعرف مستقبله، فما رأيك بان يكون زوجاً لابنتك سمية..؟ لم تمض لحظات حتى تعالت زغاريد الفرح، وتناقلت النسوة فيما بينهن: ـ سمية حظها فوق النخل..!! ـ هذا النصيب عيني، مثل حظنا العاثر..!! ـ موظف في دائرة الاتصالات ولديه بيت ملك..!! وبقيت النسوة يتناقلن الكلام ولم يخلو حديثهن من ذكر سمية ونصيبها الذي لم تكن تحلم به بحسب قولهن حتى بعد مضي أكثر من سنة على زواجها.. وذات يوم عادت سمية وقد احمرت وجنتاها من البكاء وهي تحمل بين يديها طفلاً وآخر يتحرك بين أحشاءها، واتجهت صوب تلك الغرفة التي خرجت من ببذلة عرسها.. وما ان دخلتها حتى ارتمت بين يدي أمها باكية.. تجمعت حولهما النسوة، واستمعن لكلماتها وهي تلفظها مختنقة بعبرات البكاء: ـ مجبل يقضي ليله في لعب القمار وشرب الخمر وقد باع البيت.. ويقول أنه سيستأجر بيتاً هنا لأكون قريبة منكم.. ولا أعرف هل حقاً سيكون بيتاً..؟ أم غرفة كهذه التي عشت فيها معكم..!! ــــــــــــــــ 16 الشطر الآخر حديث شيق وممتع شدني إليه ورحت استمع متفاعلاً معه بكل جوارحي حتى بدت المقهى وكأنها غير ذلك المكان الذي كثيراً ما يزعجني بضوضائه وبما يبدر عن البعض من تصرفات وألفاظ يطلقونها بلا حياء أو مراعاة لشعور الآخرين.. لأول مرة ينساب الى مسامعي حديثاً يتناول الإنسان روحاً وإحساساً ووجوداً بعد أن تساءل أحدهم: ـ خلق النبي آدم (ع) في الجنة، ومع ذلك شعر بالوحدة.. وبالحاجة الى امرأة يلتجأ اليها ليكتمل من خلالها وجوده.. ترى هل المرأة هي أفضل من الجنة..؟! ألم تمنحه الجنة سعادة تغنيه عن المرأة..؟!! أم ان المرأة هي الجنة الحقيقة للرجل..؟! يجيبه زميله: ـ نعم.. يمكن ان تكون المرأة جنة للرجل وبالعكس، بدليل ان آدم وحواء بعد هبوطهما الى الأرض بحثا عن بعضهما بدافع حاجة ماسة لكل منهما في حياة الآخر. يقاطعه شخص ثالث: ـ التوافق الروحي والنفسي هو عامل مهم جداً يجعل من ارتباط الرجل بالمرأة جنة، فحواء خلقت لتكون لآدم وليس لشخص غيره.. ولم يكن لآدم امرأة غير حواء يلتجأ اليها. يتساءل الشخص الأول:ـ لنفترض وجود امرأة أخرى مع حواء، هل كان لآدام ان يفضلها على حواء..؟ يجيبه أحدهم: أنا لا أعتقد ذلك، لأن حواء خلقت من نفس آدم فهي شطراً مكملاً لكيانه شعوراً وإحساساً وانتماءً فلا يمكن ان يكمل آدم سوى حواء.. ولا يمكن ان تجد حواء معنى لوجودها من دون آدم.!! خرجت من المقهى وأنا أتساءل مع نفسي: ـ إذا كان التكامل الذي يؤدي الى إسعاد الانسان هو التوافق النفسي والفكري والروحي، فأين يمكن ان يجد أبن آدم اليوم شطر كيانه بين مليارات النساء اللاتي يرسلن شعاع خلائجهن لعله يصل الى نصفهن فيستدل عليهن.. ووسط هذا الزحام واختلاف الظروف وقساوة الآلام وإلحاح الرغبة في طلب الحاجة هل تمهل سنوات العمر أولاد أدم وبنات حواء ليحققوا ملامح حلمهم ويكونوا كياناً سعيداً متوازناً ومتزناً يعلو وجهه الرضا والحبور..؟!!.
|