ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

iraqiwriter@ymail.com

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

March 11, 2010 08:49 AM

Detroit Michigan U.S

 

      

حانة المتنبي

 

 

 

عزيز التميمي

 

لم يكن الوقت بأفضل حال من أشيائي التي أتعبها الوقوف فانهارت في لحظة قسرية ، انهارت في ظهيرة قائضة ، تركت قامات الظل تأكل وجه الجدران كالجرب المستديم ، لم يكن الوقت قد استيقظ بعد ، فهو الساكت والمتوقف عن ممارسة الحركة والتكتكة أسفل زجاجة ساعتي اليدوية منذ الترميم الثالث عشر لدكاكين شارع المتنبي العتيق في ضفة بغداد الشرقية ، أو الرصافة التي ما زالت تلد الحكايات في جيب التمثال المرمري الذي فقد رأسه حينما تهشمت قربه قذيفة صاروخية أرسلها طيّار آلي إلى قامة التمثال الذي توقعه أحد المحاربين الأشداء وربما أحد الإرهابيين إبان إحدى الحروب التي أمطرت فيها السماء كل شيء ، مطر أسود ، مطر رمادي ، قطرات الماء ، قطرات البنزين الممزوجة بقطرات الموت ، قطع السكراب والإسفلت ، قطع أجساد آدمية شوهدت معلقة في أسيجة جسري الشهداء والجمهورية ، حتى الحالوب الفضّي المطلي بقشور المن والسلوى غطىّ الساحات العامة والدروب الملتفة في جسد المدينة الدائرية.

يقال أن سوق هرج امتلأ بأحذية رعاة البقر في تلك الليلة الصاخبة التي هرب فيها تمثال الرصافي من قلب الساحة وبقي متخفياً في أدغال شاطئ دجلة حتى الهزيع الأخير من تلك الليلة الرمضانية التي امتزجت فيها أحاديث كل صنوف الرجال من أبطال السوق وسادة الجدران ومرتادي المرابع الليلية وحتى الحوذية وكذّابي مقاهي شارعي الرشيد والسعدون ، منذ ذلك الحين والوقت في صندوق ساعتي يختفي في النهار ويظهر في الليل, تماماً كرأس التمثال الأصلع الذي يختفي في النهار ثم يعود لينتصب فوق كتفي الجسد المنتفخ ليلاً، ولعبة الاختفاء القذرة هذه لم تدفع بالوقت خارج نقطة الوقوف ، بل تكرس في كل عودة الوقوف حيث الطين والطلاء يترك أخاديداً مملوءةً بالرماد والعتم الذي يحكي تاريخ الأشياء المؤنسنة وغير المؤنسنة في ذاكرة ضربها فايروس النسيان فأوحت لتأسيس المدينة بهذا الشكل لتحقق هدفين أساسيين: إطالة أمد الحرب ، وإطالة يد اللصوص .

بالأمس المدوّن ضمن أخبار السنين العجاف ، حملتُ رزمة قرون من الحياة والتاريخ والفن والحب في كيس جنفاص متهرئ من النوع الخشن المخصص لتخزين بذور الذرة والشوفان ، ولأنه متهرئ ومتسخ لم ينتبه أحد من المتسولين الذين يشكلون حلقة ناقصة تشبه حذوة حصان جدي المنقرض عند فوهة الحانة التي تندس مثل برميل مليء بالسواد في خاصرة شارع المتنبي إلى حقيقة البضاعة التي أحملها ، ولأنه خشن أيضاً أحسستُ بحشد من المسامير اللذيذة تنهش مساحة ظهري الذي احدودب واستسلم لتلك الأنياب الخفية التي راحت تأكل في أدغال صبري مثل عذاب قسريٍّ عليّ تحمّله كتمهيد ليوم القيامة ، حينما تعثّرتُ عند حافة الرصيف المؤدي إلى تمثال الرصافي قبل دخولي المنعطف الأخير حيث شارع فارس الليل والبيداء يفتح فمه المكربن الأسنان ليستقبل مجموعة من الزبائن ، لمحتُ رأس التمثال يتلصص عليّ بعينين جمراوتين، أحسست بوطأة نظراته المليئة بالحزن والأسى ، كان متخفياً في بطانة الجاكيت الفضفاض المصمم لشخص خرافي ، وفي عينيه بريق حدس ينبئ بكوارث وخيبات.

وفي لحظة التعثر والسقوط تلك أيقنت أن الناس كلهم حضروا في مهرجان جنائزي لتأبين شاعرهم المتنبي ، ذلك الرجل الذي ظل واقفاً يوقظ حقائق التاريخ المروي والمكتوب بلسان سليط حتى لحظة انقضاض مجاميع العسكر على منبره ، وفي لحظة التعثر تلك ، أحسستُ بالأيادي تمتد لتسلب منه كل شيء ، تأريخه وميراثه حتى ثيابه ، وحينما حاولتُ رفع رأسي لتأكيد حقيقة ما يحدث وجدت جسدي يتثاقل فوق كرسي خشبي منهك في الزاوية المعتمة للحانة .

كنت خائفاً ومتردداً في تلك الليلة التي زرت فيها حانة المتنبي بعد أن وعدني أحد السماسرة بترتيب صفقة تجارية كفيلة بتسديد كل ديوني للسنوات الخمس المنصرمة ، ديوني التي أثقلت كاهلي بعجفها وشقائها ، والتي بدت تنمو كالجرب مع تجدد المواسم والسنين ، ومع خوفي المبهم بدت تتسلّق أخاديد وجهي طلائع بؤس وتردد وحيرة ، أحدهم أخبرني بدافع المزح أن هارون الرشيد أرسل جواسيسه لتقصي أخبار الذين يتاجرون بالتاريخ والجغرافيا والفن والثقافة ، همست: له كل الحق فالتاريخ والجغرافيا والفن تمثل وجودنا وقاماتنا وكنيتنا.   

كنت أقرأ في عينيه سخريةً واستهتاراً تشربهما ملامح وجهي مثل خيبة باردة ، فألتفتُ أعللُ نفسي بثمة انزواء في خربة قديمة تلمها ذاكرتي لتحاشي حرج يهددني كالهسيس ، كدت أنسى أخبار الصفقة السريّة التي أقنعني بجدوى تنفيذها ذلك السمسار القميء الذي مرّر كلامه إلى رأسي بفلسفة جعلتْ أخاديد وجهي تفيض بالرماد ، مثل بقية الجدران المجدورة الوجوه ، الكالحة بقامات وبوسترات أكلت فضاءات الوضوح وصراحة الطابوق الجيري الأحمر والأصفر ، كانت الجدران تحتفل بوجوه اللصوص الذين لم يعترف أحد بلصوصيتهم ، أو بالأحرى لم يجرؤ أحد على توجيه إصبع اتهام واحد لوجه أحدهم ، كل المتسوّلون يصدّقون ذلك الافتراض ، تبعهم في القرون اللاّحقة الفقراء من الدرجات الرسمية.  

لم أكن أعرف فلسفة الفقر الرسمي من قبل ، في السنين العشر العجاف أرغمتني الدعايات على تصديق الفقر الرسمي أو الفقر القانوني ، أحد عمال البلدية تطوّع وقدّم لي تفاصيلاً كثيرةً ومملةً عن مصطلح الفقر الرسمي ، تحدّث معي طوال تلك الليلة التي أجبرتني فيها زوجتي على مغادرة البيت بعد محاولة فاشلة لبيع جزء من كتبي النفيسة ، فالتقيته عند تمثال الرصافي برأسه الأصلع المدور الذي فتح منخريه يعب الهواء بحماس عقب اختفاء مضجر مارسه طيلة ساعات النهار.  

كنا نشكل حلقة مع بعض المتسولين حول قاعدة التمثال التي استهوت أحد الكلاب الهرمة فتمدد عند الطرف الآخر وصار يشاكس أحاديثنا بضراطه المتقطع الذي يفوق نباحة المتعب ، خلال فوضى الأفكار كانت كلماته تندس في رأسي مثل سهام عنيدة ، فألتفت لتأكيد يقيني بحقيقة وجه ذلك السمسار،  أحاول تذكيره بماهية الأشياء المخبأة في بطن هذا الجنفاص الخشن ، ردّ عليّ بجملة استفزازية: آفة الفقر تأكل قامتك فما بال تاريخك وجغرافيتك ، بعد هذه الكلمات تأملت مقدمة حذائي جيداً ، عاد واسترسل في دس كلماته في سمعي:  سوف ترفضك هذه الجغرافيا ذات يوم ويتنكّر لك تاريخك . كنت أحاول ابتلاع كتلة لعاب بدت ثقيلة ولزجة لحظة سماعي جملة صاحبي التي تؤكد أن جميع الموظفين بمختلف درجاتهم يندرجون ضمن لوائح الفقر الرسمي أو البؤس الرسمي على حد تعبير أحد المتسولين الذي قرر بعد عذاب طويل أن يغادر كنية الفقر الرسمي ويتحوّل إلى متسول محترم .

كنت أدور برأسي مثل فأر ماهر وحذر في آن ، أتأمل الرؤوس المتدلية حول الطاولات المغطاة بشراشف خضر ، والمزدحمة بالكؤوس والصحون والملاعق ومطافئ السجائر ، كأني أبحث عن بؤس يشبه بؤسي وحيرة كالتي تغلّف ملامحي ، تبدو الوجوه حول الطاولات المعتمة مجهدة من كثرة احتساء المشروبات الكحولية ، لغط وكلمات مبهمة ، شجار وعربدة في الطرف الآخر من الحانة ، وعلى مقربة منّي رقبة نحيلة تنوء بثقل رأس أتعبه التفكير والسهر فبدا مترنحاً يختزل زمن دورته بشفط أنفاس أركيلته بتثاب فتتعالى نغمات فقاعات الماء في حوض الأركيلة وتبدو أشبه بشخير ثقيل . من وراء الطاولة المقابلة يحتدم الصراع والصراخ حول مفتتح قصيدة لم يقلها السياب ليلة عرسه ، دفعني ذلك الصراخ إلى تحسس كيس الجنفاص المحشور بين ركبتي وهمس ينبجس في أحد سراديب ذاكرتي: ترى هل كانت هذه الرؤوس ضمن قوائم المستفقرين؟ لعنة على طرف لساني ، لقد خدعني ، بالأمس نصب قامتي طيلة ساعات النهار القائظ جنب عمود كهرباء محني الرأس حتى أنّ حرّ تمّوز أحنى رأسي أنا الآخر، كم مرّة عليّ شتمه حتى أستطيع تعليل حكاية مقنعة لحمل كل هذه الأزمنة والتواريخ وتعليل حكاية مجيئي ومرواحي دون جدوى لزوجتي التي فاض صبرها من انتظار الفرج الذي زرعته وسقيته في أحراش ﺫاكرتها كل ليلة بعد عودتي الخائبة إلاّ من أخبار حانة المتنبي؟  

كانت زوجتي تمارس ضدّي سلوكاً عدوانياً وهي تحقق معي عقب عودتي في ساعات الليل الأخيرة عن سبب تأخري في بيع بضاعتي التي كانت تصفها دائماً بالبضاعة النفيسة ، كانت تشتمني كلما تنفست رائحة الكحول في جسدي ، وتمطرني بملايين الأسئلة التي تقصّر العمر عن مصدر الفلوس المدفوعة ثمناً للمشروبات ، بالأمس قلت لها أو تحايلت عليها مع يقيني أنها بدأت تكفر بمفردات الحب التي كانت تغمض عينيها حينما تنسجم مع نغمات صوتي وأنا أتلوها في سماء عينيها برقة وحنان ، قلت لها: بالأمس أكرمني هارون الرشيد الذي زار الحانة متشفياً بخبر مقتل المتنبي على يد أحد جنود المارينز الذين داهموا الحانة إثر تلقيهم رسالة تحذير من مخبر سرّي ، ودفع ثمن الكؤوس التي احتسيتها ، أو بالأحرى ثمن الكؤوس التي احتسيناها ، وسراً رددّت: بالأحرى كان مشفقاً على حالتي التي تعكس حجم معاناتي من التورط في قضية متاجرة خاسرة بتاريخٍ مُصادَرٍ سلفاً.  

حتى ذلك الرأس الكبير الذي يمارس لعبة الإختباء صار يحدّق فيّ بعينين هازئتين لحظة مروري بالقرب من جسد التمثال ، كنت أحاول الهرب من نظرات زوجتي التي تعاتبني تارة وتتوعدني تارة أخرى ، وكأني أحس بصوت غاضب تبثه تلك النظرات يهاجم سمعي بكلمات تستفز فيّ رجولتي التي بدت تفقد بريقها مع اختفاء الأشياء في بيتي بعد جولات البيع والتصفية الأسبوعية ، أهمس لذلك الوجه الذي طرد بألقه برودة دمي ، أحاول أن أعثر على مسامة هادئة تأخذني إلى روح زوجتي التي صارت تتعذب مثل أَمكِنتي وأشيائي ، أدور برأسي في كل الزوايا والخبايا وحين يغمرني اليأس أدس رأسي في كيس الجنفاص الخشن لأعيد ترتيب الأسئلة والإجابات الممكنة ، وأدور برأسي بين الوجوه المكسوة بالغبار، أحاول أن أطرح تساؤلاتي عن سر اختفاء الجميع لحظة قتل المتنبي ، وحينما يرسم الصمت هسيس الإجابات أعود وأمارس لعبة الاختباء ، أعيش اللحظات في جوف الكيس كما الرأس الكبير يعاقر كآبة بطانة الجاكيت الفضفاض طيلة ساعات النهار.  

في اللحظة التي رفع فيها رأسه لمح الاستفهام الآخذ بالنمو ضمن طيات وأخاديد وجهي ، كأنه لمح شيئاً يتوجس منه ، أو جاسوساً يحتل مساحة ممكنة فوق طاولة معفّرة ببقايا سَلطة نفقت أو مشروب تبدد بجزيئاته حلماً مرتبكاً في تيجان جمجمة خائفة من تصريح مرفوض ، تمايل الرأس الكبير المتثاقل فوق رقبة نحيفة قبل إدراك لحظة التنبؤ ، كل خيوط نظراته صارت تتجاسر عند حواشي قامتي ، ارتبكتُ ، ثمة شيء أثار انتباهه ، كنت قد نزعت فردة واحدة من حذائي ودفعتها خلف الأخرى لأخفي فتقاً في مقدمته يثير اشمئزازي ، وكنت حاذقاً في عملية الإخفاء تلك ، حتى أنني حاولت أن أختلس النظر من زوايا متعددة لأرى كم نجحتُ في ستر العيب الذي أحدثته الأيام في حذائي الذي فقد كل الطبقات العليا لطلائه بفعل عوامل التعرية اليومية وخداع أصحاب شركات صبغ الأحذية الذين لا يتورّعون في ممارسة الغش في التركيبة الكيمائية للأصباغ من أجل زيادة الربح.

همست لنفسي : لا يهم إن كان حذائي مهترئ ولم أستطع تبديله بسبب المعوقات المادية التي يعاني منها اقتصاد عائلتي المتداعي في هذه السنين ، المهم أن لا يرى ذلك الرأس الجاحظ العينين حقيقة حذائي فيمارس ألاعيبه القذرة في تدمير السعر الذي خمنته لبضاعتي ، عينان تحدقان بتمعن ، تحركتْ يداي بخفة فرتبت خصلات الشعر المتبقية عند الفودين ثم مسحت ياخة سترتي المكسوة بدبق العرق الصيفي الذي نزّته رقبتي ، وشرعتْ عيناي ترقبان كل حركة أو نامة تبدر منه ، لسان مبلل يدور في جوف تخمّرت فيه الكلمات ، وأنفاس متحاملة تتوسم يقظة لم تكن متيسرة ، حاولتُ أن أحدد ملامحه التي بدت عاهرة في لحظة انشغالي.  

قلت إنه يجلس منتظراً قدومي لمفاتحته بالموضوع ، لأن الجواسيس في الحانة كُثُر، أقنعت نفسي بجدوى توجسه من رؤيتي ، قيل لي قبل مجيئي: لا تتوقع منه أن يبادلك التحية ، ولا تنخدع بحقيقة نظراته التي تعكس حنكة بوليسية ، إنه أغبى سمسار في مدينة الرشيد ، وإنه مستغل من قبل الدوائر الأمنية بشكل بشع ، وتحت نفس العنوان استطاع أن يشتري أنفس الكتب والتحف الأدبية والتاريخية بأبخس الأثمان وينقلها إلى الطرف الآخر من العالم ، وهناك يتكلم ببلاهة أيضاً على أنه أشطر سمسار في مدينة تنام وتصحو على كلمات الرب الوثني الذي زرع كيانه في آلة التلفاز، وصار قدراً يومياً يتعاطاه الناس مثل الصلاة والأكل وممارسة الجنس ، يتكلم عن كل شيء وفي كل شأن له رأي ووجهة نظر، يمتهن السحر وما هو بساحر، يعاقر خمرته بحذاقة تجعل من طريقته في الإحتساء تُنْبِئ بتصوف ممكن.  

لا يتوقف عن الكلام أبداً ، استهوته لعبة الحكواتي الذي لايغادر خيام التاريخ ، منذ قرون وهو يتكلم ، جادل الفراهيدي حول تجسيد اللحن في البحور الشعرية ، واختلف مع المعرّي في تدوين القافية ذات الإيقاع المترف ، يجيد حالة التقمص فيبث الحيرة في الحدود الواضحة بين الممكن واللاممكن ، ويظهر في أوقات مختلفة ، في الصيف ، في الشتاء ، في الليل والنهار، يظهر في المقاهي لاعب طاولة محترف ، وشارب أركيلة محنك ، وفي الجلسات الأدبية منظّراً وناقداً لا يفتأ يتداخل تارة مع جمهور البنيوية والتفكيكية وتارة أخرى مع جمهور ما بعد الحداثة ، وحين يصمت الجميع يبتسم بخبث وهو يعلس حواف سيجاره السمين ، كنت حذراً من تقلّب وجهه في صحوة مبكرة ، حينما أشار بسبابته للنادل الذي أسرع بإحضار الشاي وقدح من الماء شعرت أن ثمّة ارتياح غزا أطرافي ورأسي وقيعاني.  

وتأكيداً مني للفكرة الجهنمية المولودة في كرة رأسي تحسست تضاريس الكيس المحشور بين ركبتي ، اعتذرت سراً من أسياد الكلمة المحبوسين لظروف إقتصادية في كيس الجنفاص هذا الذي ورثته عن أبي عن جدّي ، وقيل عن عرّاب عشيرتنا الذي كان يمتهن اللصوصية كحالة لتأثيث الذاكرة برجولة قيل عنها رجولة أيام زمان ، فسمعت المزيد من الشتائم لحظة القنوت.  

كنت أدور في مكاني ، أسفل جلدي هرولة تطلق عنانها  كريات دمي المخنوقة لقلة الأوكسجين ، المارّة هي الحركة وهي الذهاب والمجيء ، كل الأجساد تتحرك بسرعة وانشغال ، كأن الرعب يأكل طرف المدينة الآخر، حتى الكلاب فقدت نباحها وبدت لاهثة بألسنة متدلية تقطر لعاباً يشبه الإسفلت ، لمحت التمثال المرمري يهرول صوب أدغال النهر وجموع الباعة المتجولين تخترق النفق في ساحة الرصافي وتختفي.  

أحسست أن الوقت يمضي والحر يسوط هامتي ، كنت مزروعاً كقامة عمود فولاذي وسط الساحة التي فقدت شاعرها وناسها وكلابها ، كان الوقت قد توقف في أحشاء ساعتي ، وكل الرؤوس في حانة المتنبي أثقلها السُكْر، وكل الذين تم استجوابهم عن ملامح القاتل الحقيقي للمتنبي لم يستطيعوا أن يؤكدوا الحادثة ، حتى السمسار الذي ورطني بحمل تاريخي وتراثي اختفى هو الآخر، حينها لم أجد إجابة مقنعة لتساؤل زوجتي التي أوصدت الباب بوجهي لترغمني على العودة لتلك الحانة.

كانت الرؤوس منشغلة بالطاولات والدخان ، والزمن هو الآخر متعثر في جوف ساعتي ، والأشياء تتحرك بغرائبية توحي بتشييد مفاهيم جديدة ولغة أخرى غير المعلنة والموثقة في كيس الجنفاص الذي أملكه منذ قرون ، في وقت امتلأت ساحات مدينة الرشيد بالسماسرة من مختلف الجنسيات والأعراق ، رأيتهم يتاجرون بكل شيء ، النفط ، الغاز ، الشعير ، الذهب  ، الحب ، الأخلاق ، الوطن ، الأرض ، كنت متوجساً من ذلك الوجه الذي تظاهر بعدم معرفتي وحاول أن يتسلل بعيداً عني ، تأكدتُ أنها حيلة جديدة يمارسها ضدي ، وكنت متيقناً من شعوري هذا، فقد كانت عيناه تلاحقان كيس الجنفاص الذي بحوزتي ، إلا أنه لم يقترب قط من كيسي.   

كنت أدعو الله في كل ثانية تمر زاحفة في تاريخ مدينة الرشيد أن يبادرني ولو بمزحة بسيطة عن ثمن بضاعتي التي استهلكتْ مني صبري ويقيني بحقيقة هذا السمسار، كانت نظراتي تلوذ بأول نادل يقترب مني، أحاول أن أستفهم  ، طريقة سادية في تدوين المعلومة ، فكانت رأس النادل تتحرك بنصف دورة تقطع كل امتدادات هواجسي ، إنه لا شيء يباع في هذه المدينة بثمن ، وكل شيء يباع بلا ثمن ، تأكدتُ أن فلسفة السادة المسجونين في كيس الجنفاص هذا هي الأخرى لم يعد لها ثمن ، حينما لمحت قامة غريبة تتسلل بهدوء إلى جوف الحانة حاولتُ أن أعيد ترتيب أوضاع حذائي بحنكة موروثة ، فكان الجميع يمارس ابتسامةً خفيفةً ويمضي.