فوزي كريم 

Fawzi Karim

 

"قارات الأوبئة" لفوزي كريم:

الواقعة من مرصد اللامكان

 

فلاح رحيـم

 

كان لابد لفوزي كريم أن يتجاوز الغنائية التي طبعت معظم شعره إلى جنس شعري أكثر تعقيدا و درامية لتعميق أدائه الشعري و قراءته لتجربته العراقية الحافلة. إن واحدة من أكبر المشاكل التي عانى منها الشعر العراقي في العقد الأخير، و سيبقى يعاني منها زمنا طويلا هي مشكلة تجاوز مستوى التأسي على الذات والشجن الباكي في التصدي لتجربة أذهلت العالم لما وسمها من تشعب وأحداث كارثية دامية وامتداد زمني زاد على ثلاثة عقود من الاستثناء السياسي وإعلان حالة الطوارئ . لقد أكد الناقد والشاعر دونالد ديفي على حاجة الشعر لتجاوز الغنائي نحو الدرامي لكي يتمكن من الإيفاء بمتطلبات تجارب كبيرة لها حجم الكارثة في دراسته المميزة عن الشاعر البولندي شيشلاف ميووش . إن هذا الاستحقاق هو دون شك اكبر تحد يواجه الشعر العراقي المعاصر في محاولته استنطاق التجربة العراقية الدامية استنطاقاً يفوق البكائيات ويغوص إلى أعماق الخلق الشعري التي يتحول فيها الألم والشقاء إلى معرفة يستنير بها القارئ ويحياها .

        من هنا كما أرى تأتي محاولة فوزي كريم كتابة سيرة ذاتية شعرية طموحة. ومعروف أن السيرة الذاتية شكل درامي ينطلق من مسلمات كثيرة ، منها وجود بنية سردية تستند إلى رؤيا أو تصور يراجع عمق الماضي المشتت انطلاقاً من راهن لحظة الكتابة . وتنطوي لحظة السيرة دائماً على جمع دال لشتات التجربة الحياتية بأكملها ، ويندر أن تكون مجرد تراكم من الأحداث التي لا تنتظمها رؤيا معينة . قد يهدد الوقوع في فخ هذا التراكم العشوائي كتابة اليوميات، لكن السيرة تختلف . لدينا إذن وثيقة هامة تصدر عن شاعر عراقي من الصفوة المتقدمة عاش زمنه وحاول جهده القبض على جمرة الوفاء للنفس وقيم الفن التي انقطع إليها .

يقول فوزي كريم في قصيدة " جزر نائية " من مجموعته " قصائد من جزيرة مهجورة :

 

                        ولو توهمت دلالات لكل هذا

                        لهالني جهلي!

                        ولافتقدت متعة الباحث في مهلِ

                        عن عبث الموجة بالرملِ

 

تتجاذب الشاعر إذن رغبتان متناقضتان ، الأولى هي الرغبة في العثور على دلالة لكل ما حدث لإقناع النفس والآخرين بأن ما حدث ويحدث تفصيل في لوحة اكبر ، لا قسوة عمياء ليس لعنفها من دلالة . لكن رغبة الشاعر التي دأب عليها دائماً في معانقة تفاصيل التجربة وعَرَضيّتها وتدفقها تجعله يخشى الوقوع في اختزالات التعميم وفي الكليات . ألا تشبه حركة قلم الشاعر على الورق عبث الموجة برمال الشاطئ ترسم عليه مالا تحكمه إلا تصادفية اللحظة ؟

        لكن الشعر ( والفكر عموماً ) محكوم باحتواء اضطراب التجربة للخروج برؤيا ، والمخيلة تفوق بطر العبث اللاهي عندما يتعلق الأمر بالتجربة العراقية ( وكل تجربة حرب كما أرى ). وسنجد إن تضارب الرغبتين المذكورتين آنفا لا يحسم قبل كتابة هذه السيرة ، بل يحمله الشاعر معه ويرفد به محاولته هذه للتمكن من فوضى المعيش .

        ليس شاغل الإمساك بتفاحتي الرؤيا وجزئية اللحظة هو المعوق الوحيد أمام انجاز هذه القصيدة وعدها . هنالك معضلة المرصد الذي اختار الشاعر ان يستكشف منه نثار تفاصيل حياته . فهذه السيرة لاتأتي في نهاية مشوار شعري طويل يطل عليه الشاعر من برج التقاعد الامن ليقرأه قراءة سيرية . بل هي تأتي في ذروة شعرية وتأريخية يحرص الشاعر على تأشيرها عندما يسجل مكان وزمان كتابتها : لندن، 1995 . يمكن ان نفهم دلالات هذا التموضع لو تخيلنا بديلاً عنه : بغداد، 2015 مثلاً . وأنا أدعو الشاعر ( أطال الله في عمره ) إلى محاولة كتابة سيرة أخرى حين ذاك ، عندها سنفهم خصوصية هذه السيرة المتوهجة كالجمرة التي لا تنشغل بالتعاقب الزمني لذاته ، وإنما بالسعي إلى رؤيا قد تمنح المواساة . إلا إن لهذا التموضع مشاكله الضاغطة التي تشكل الطابع السيري للقصيدة . يقول فوزي كريم في قصيدة " لا ، لن أعود إلى الطفولة " :

 

                        سبعة بحار من الرمل بيننا

                        سبعة بحار من دم القتلى .

 

يمنع الراهن عودة آمنة تسمح للشاعر باستعادة رغيدة لطفولته ، وهو ما انعكس في ان الهم السياسي قد التهم الكثير من تفاصيل السيرة وغيّبها في مصائبه . هنالك محذوفات كثيرة مما اعتدنا على قراءته في مثل هذه القصائد ، بدلاً من وصف الحب الأول لدينا وصف لكارثة الحرب العالمية والسحل والقتل . بل نجد أن المرأة تغيب كوجود أنثوي يتجاوز الترميز السياسي والمعرفي عن هذه السيرة . لا ذكر لمشاغل الحياة اليومية ، لما عرف عن الشاعر من ولع بالفضائل الموسيقية ، لعلاقته بالعمل ، لحوادث تتصل بوجوده الاجتماعي . هنالك استقطاب فاجع لكل المؤسسات والقيم والتقاليد والثوابت مما يشكل الحاضنة لأية معرفة بناءة في ثالوث مأزوم هو الجسد والمثال والسياسة .

        سبق لفرانك كرمود وأن ناقش ببصيرة نافذة في كتابه " الإحساس بالنهاية " معضلة السعي لمقاربة  تصادفية الواقع دون قبول لما توفره المفاهيم الشاملة من تقاليد ، تلك المقاربة التي يحدوها أمل واهم بإمكانية الالتحام بالتجربة التحاماً مباشراً حياً . وقد ورد ذلك في الفصل الخامس " القصص الأدبي والواقع "، الذي يتناول فيه رواية " الغثيان " لجان بول سارتر. الرواية التي انتهت إلى معضلة مربكة لأن سارتر وهو يرفض المتواضع عليه بحثاً عن حرارة التجربة انصاع لتقاليد السرد الروائي لكي ينشئ نصاً دالاً . لقد ظل الأمل الستيني في معانقة التجربة دون افتراضات مسبقة ( الذي أخذه الشعراء الستينيون ، وفي طليعتهم فوزي كريم عن الوجودية السارترية وبواكير الظاهراتية ) الهاجس الذي يحرك فوزي كريم طوال مشواره الشعري . وما كتابه " ثياب الإمبراطور " إلا التتويج النقدي لهذه الرغبة . لذلك نجد في سيرته هذه انه إذ تحرر من اختزالات التقاليد المكرسة والمفاهيم الشمولية سجن نفسه في ثالوث هو الجسد ( حيث المتعة الحسية المتنكرة لكل حاضنة متعارف عليها ) ، والمثال ( حيث السمو مع الشعر والفنون الذي يتنكر لقوالب الإبداع والمخيلة )، ثم السياسة ( التي تكرّست في تجربة الشاعر العراقية بوصفها عنفاً قمعياً مجنوناً يتنكر لأية مؤسسات ديمقراطية مقبولة ).  إن رفض فوزي كريم للوساطة الرمزية القادمة من التقاليد والأيديولوجيات المعروفة وتوقه إلى التحام حي بالتجربة في مستوياتها الحسية والميتافيزيقية والسياسية حرمه من الاستقرار والركون إلى وسادة المتعارف عليه ، وشحن تجربته بحمى غنائية شجية مأزومة تحولت في هذا النص المتوهج إلى سرد درامي متسائل . بهذا المعنى تؤشر هذه القصيدة منعطفاً نأمل ان تستكمل شروطه مستقبلاً بتصالح المثقف مع الاجتماعي والسياسي في ظل مؤسسات وتقاليد تنصفه وتهادنه . فالارتباك الذي تنتهي إليه هذه السيرة ، والاحتراق الذي تصطلي به ذات الشاعر في ضياعها خارج الوطن وخارج حاضنة ثقافية مقبولة، شاهدان على أزمة عميقة في الثقافة العراقية اكتشفها الشعر عبر صوت فوزي كريم قبل أن يدركها المفكرون والسياسيون .

        ربما كانت أسطورة كلكامش التي ترد كثيراً في الأدب العراقي الحديث هي المورد الذي تزود منه الشاعر بمفتاح للرؤيا التي تنتظم سيرته . يرد في قصيدة " ماعين " من ديوان " السنوات اللقيطة " قول الشاعر :

                        مرآة الماضي تصفو حين تحل الأسطورة

                        بدل الذكرى .

                        والشعر ، إذا غادر وقع الساعة ،

                        فهو مجرتنا الكبرى.

 

يدرك الشاعر إذن إن عشوائية الذكرى وتفريعاتها لن تُسلم نفسها لصفاء اللحظة الشعرية إلا إذا احتوتها الأسطورة، ذلك لأن في الأسطورة التماسك والدلالة واحتشاد المعيش بطاقات الغيب . كما إن زمن الشعر لا يبدأ إلا إذا خرجنا من تعاقبية زمن الساعة ورتابته العابثة . من هنا يتلبس الشاعر ثياب كلكامش ويعود إليه عدة مرات في قصيدته ليستعين به على تكثيف شتات التجربة واحتواء نصال الذكرى الحادة .

 لن تفرض القراءة التالية مسلّماتها على نص القصيدة لما له من استقلالية يتعذر على أية فرضيات مسبقة احتواءها. سأعمد إلى متابعة فصول القصيدة كما وردت فيما يشبه تسليم القياد للنص. لكن الفروض التي بدأت بها قراءتي ستبقى حاضرة تصد مقاومة النص لها تارة وتمتثل له تارة أخرى. إن هذه الجدلية بين الفروض وإبداعية النص هي ما يخلق حركية أية قراءة منتجة في نهاية المطاف.

 

كلكامش و الدفلى

يبدأ الفصل الأول منثورا، مما يشير إلى رغبة الشاعر في قراءة متأنية متفحصة للتجربة بعيدا عن اشتراطات موسيقى العروض، لكنه سرعان ما يفلت من قبضة النثر بعد 14 بيتا ليتصاعد سرده عبر الوزن  والقافية و يتحول إلى استذكار شجي. لكن هذه الانتقالة لم تلغ المشروع الذي بدأه الشاعر في مقاربة اضطراب تجربته مقاربة تأويل و عقلنة، ذلك المشروع الذي يظل مطلع القصيدة شاهدا عليه. تكمن  أهمية المطلع  أيضا في أنه أحتوى على صور تنتمي إلى حقول دلالية متنوعة سنكتشف و نحن نمضي قدما في قراءة القصيدة أنها تمثل كل المكونات الأساسية لرؤيا هذا العمل. هنالك الحياة اليومية الهادئة البسيطة خارج اعتبارات السياسة تشير إليها صورة البيوت المتراصة كأقراص الخبز. هنالك البؤس الذي يطل على العالم ("شبابيك مهترئة كالمناخل")، ثم هنالك مشكلة القمع السياسي ("أبواب تكتم أنفاسها أمام طارق الليل")، هنالك الرغبات المكبوتة التي تئز بفعلها أسلاك الكهرباء. ويتوج كل هذا صورة الأزقة المعقودة كضفيرة المحارب؛ هنالك إذن معركة برغم أن حركة الحياة اليومية متواصلة.

        تتجمع كل هذه العناصر في نهاية المقطع الافتتاحي في رؤيا ستعاود الظهور لاحقا يدخل فيها كلكامش هذه الأزقة الفقيرة ليقطف وردة دفلى الدار، "ثم يبيع شذاها للعطار". هنالك الكثير من إيحاءات القصيدة في هذه الصورة البليغة، فالبطل البابلي الأسطوري كلكامش يحضر في هذا الزقاق البغدادي بكل عنفوانه و أسئلته الوجودية المتعالية على اليومي والدنيوي. والشاعر إذ يستحضره عبر رؤياه يتماهى معه و يختزل فيه الكثير من إشكالياته. كأن الشاعر هو من يقصد أجمل ما في الدار (الدفلى). لكن هذا التصعيد الرؤيوي سرعان ما ينتهي بصدمة الواقع عندما لا يفعل كلكامش بهذه الوردة أكثر من أن يبيع شذاها للعطار. هل في هذا استباق لاضطرار الشاعر طوال قصيدته إلى أن يترك همومه الوجودية الكبيرة ليشارك العطارين والناس أجمعين مشاكلهم اليومية و مآسيهم السياسية؟ لن يشك من يستكمل قراءة القصيدة في صحة ذلك.

        مع بداية القصيدة يتأكد معنى هذه الرؤيا عندما تعاود صورة دفلى الدار الظهور في صلة دالة مع أطفال البيت الذي ولد فيه الشاعر في زمن مترد (فيضان، مرض، حرب عالمية):

 

                                نحن الحمقى كنا نكبر

                                دون محاذرة، ونلوّح للدفلى

                                في حوش الدار بحمى الفرد.

 

كما أتجه كلكامش إلى دفلى الدار في رؤيا الشاعر يتجه الشاعر في طفولته إلى هذه الدفلى و إشكاليته الوجودية واضحة، إنها "حمى الفرد". لكن كلمة "حمقى" تدل على أن حقائق الحياة أقسى من أن  تستوعب "حمى الفرد" ، و أن ما يترتب على مسعى الشاعر إلى الدفلى سيشبه ما انتهى إليه كلكامش في رؤياه عندما انتهى به الحال إلى بيع شذى الدفلى للعطار.

 

        الواقع أن ثنائيات الشاعر تتأكد منذ البداية، و يتأكد معها عجز المحيطين به عن فهمها: هنالك مفارقة في ولع الشاعر بالأشياء من جهة، وتوجعه سعيا وراء وهم لا يتحقق: حسية الأشياء مقابل وجع الوهم. أخوه يغضب من الأول و أمه من الثاني. و هو يعطيهما العذر في حيرتهما و غضبهما. تواجهنا الدفلى بعد أبيات قليلة مرة أخرى: " أبي مات و أمي ماتت. و احترقت في الدار الدفلى". في ضوء الأبيات السابقة يكون غياب الأب و الأم إيذانا بمواجهة مباشرة مع وقائع التجربة القاسية فهما الحماية و الدرع الواقي إلى حين، و لذلك فإن دفلى الدار التي اجتمعت حولها إيحاءات التطلع الرؤيوي للشاعر في صورته الكلكامشية، تحترق بموتهم فتتحول الرؤيا من حلم سعيد إلى ذكرى تؤطر مواجهة حادة وشائكة مع وقائع التجربة. و تكرار كلمة "معذور" و "معذورون" التي تندرج تحتها ضديات كثيرة منها "الجاني و المجني عليه، السارق و المسروق" ، الزاني و الزانية و راجم بيتهما، هذا التكرار يشير إلى شمولية رؤيوية تعلو فوق الأضداد و تحتويها كلها، فهي منشغلة بما يتجاوز تفاصيل التجربة. فيما بعد ستكون العلة في الكثير من إشكاليات الشاعر إن عناصر الضديات و تفاصيل التجربة سترفض تسامحه هذا، وستسحبه مرارا من عليائه الرؤيوية إلى أوجاع وجوده المكبل. هكذا إذن تعقب هذا الترديد الإيقاعي لتسامح الشاعر صورة القطط التي هي حمى الشاعر تحت الجلد ووجعه ("بالأظفار تخرمش وجهي") و نذير تسارع نحو أفق مسدود.

             يحرص الفصل الأول من القصيدة على رسم صورة بانورامية لتشكل وعي الشاعر و خصوصياته. و في هذا الإطار يأتي المقطع اللاحق الذي يسرد فيه الشاعر قراءاته في كتب التراث. لكن الملاحظ أن هذا المقطع يبدأ بصورة فتاح الفال الذي يعبر من روحانياته المزعومة نحو حلمة نهد بريء و يتأتيء "ظهر الحق". هذه الصورة الساخرة للزيف و الشعوذة (تعقبها "معذور" أخرى) هي المدخل لقراءات الشاعر في كتب التراث. و سنلاحظ أن الشاعر يظل و هو يمتاح من التراث منشغلا بالراهن من وجوده. فبعد أن قرأ كتاب "المستطرف" وضع "على الأثر كتابا/ في فهرسة الأرواح و ديارات العزلة / وعنيت الأرواح الضالة في أنفاق الدولة." كما أنه وضع كتبا أخرى منها "تفسير المغلق من آيات ضلالي في الماء المسحور" و "تسامي النفس بفعل الكبت الجنسي" و كتابا آخر لم يكتبه "عن المستور". مشاغل الشاعر الراهنة إذن المتمثلة في الدولة و الكبت الجنسي والضياع في ماء مسحور هي التي تبث الحياة في تجربة الشاعر مع التراث وتجعل من المتعذر اختزالها. لذلك  يقول في أعقاب ذلك مباشرة " ولذا لم أؤخذ بالصوفي، صديقي.."، ثم "لم أؤخذ بشعار الثوري، صديقي..". و الإشكالية في حالة كهذه أن الشاعر و هو ينهمك في استعصاء التجربة المعيشة على الاختزال لم يجد ملاذا له إلا كأس الشراب في البار الذي حوّله الشاعر في الكثير من قصائده إلى أسطورة رامزة هي حانة "كاردينيا".

يتأكد المعنى السابق في صورة تتكرر في القصيدة هي صورة رائحة العرق الناضح من جسد الشاعر في صيف بغداد الملتهب التي تطهر حاشية وجوده من:

 

                                عفن الساعات

                                و تخرجني لوجود أصلب عودا

                                من قش هتاف لا ينقطع و رايات.

 

هكذا إذن لا يعثر الشاعر في الهتافات السياسية و الرايات الأيديولوجية المختلفة على وجود صلب. ما الوجود الصلب إلا ذلك العرق المتفصد من جسده كناية عن انشغال حي بالتجربة.

 

        لكن علينا أن نتذكر دائما أن الحلول الكاردينية التي يحاولها الشاعر ليست حلولا حقيقية. فالتجربة أوسع من انشغال الفرد بذاته ( بحسيتها "العرق المتفصد من الجسد" ، و رؤاها الحالمة). تعود إشكالية التاريخ العراقي الملتهب على الدوام لتضع هموم الشاعر الوجودية في بوتقة فعل سياسي لا سبيل إلى إهماله. بعد وصف جلسة الكأس في كاردينيا تعيد اشتراطات السيرة الذاتية الشاعر إلى لحظته المعيشة فلا يجد من حدث يواصل به السرد إلا حربا جديدة تتمثل في ثورة تموز ضد الحكم الملكي عام 1958. و لا غرابة في إطار قصيدة من هذا النوع أن نجد على صفحة واحدة وصفا لأشياء البار التي يعانق بعضها بعضا، وبقايا المازة وماء الثلج المائع ويد لم تسقط بعد عن الكأس الخالي، يعقبه وصف لمشهد يصل فيه العنف حد تمزيق جسد رئيس الوزراء الأخير نوري السعيد وسحل جثته في شوارع بغداد وإحراقها. و تشير  هوامش الشاعر عن القصيدة إلى أن في الأبيات إحالة إلى عبور بقايا الجثة المتمثلة في فخذ محترق أمام بيته في "العباسية". هذا الخليط العجيب من بقايا البار و ضجة السحل و الحرق مكوّن جوهري في تجربة فوزي كريم، وعجزه عن الفصل بين الاثنين و الاكتفاء بأحدهما هو إشكالية شعره و حياته دون شك. فهو من جهة يعجز عن الاكتفاء بأشياء البار وعالمه الحالم، و من جهة أخرى يعجز عن رفع راية سياسية تختزله و تمحو خصوصية رؤياه. لكن عجزه عن الحالين هو مصدر قوة تجربته الشعرية التي تبقى صورها تتنقل بين المحيطين لتزداد غنى و حيوية. فرائحة العرق التي أشرنا إليها في المقطع السابق بما تحمل من دلالة وجودية متصلة بالممارسة الحرة التي لا تقبل الاختزال تختلط هنا برائحة اللحم البشري المحترق و"رائحة الجثث"؛ وهي رائحة ذات دلالة جديدة: إنها رائحة الاختزال السياسي هذه المرة و التقوقع في أفق المرحلة السياسي الراهن.

                موقف الشاعر من هذا المكوّن العنيف سردي بأعمق معاني الكلمة. هنالك ما حدث، وهنالك نظرة الشاعر إلى ما حدث القادمة من تسعينيات القرن العشرين التي وجد العراقيون فيها أنفسهم في حبائل مأزق تاريخي كبير لا فكاك منه نتيجة شعارات لا تختلف كثيراً عما هتف به من خرج في كرنفال السحل. بدلاً من أن يسرد الشاعر خروجه وأخيه هتافين مع الآخرين بوصفه مأثرة وطنية في سجل النضال الوطني نلمس شعوراً بالذنب وبأنه ساهم في القتل . رائحة اللحم المحترق اخترقت جسد المشاركين " وتوارت " فيهم . لنلاحظ أن الجسد "مغلول " ، أي أن هنالك محاولة لفهم ما حدث على انه رد فعل على الأغلال، لكنها محاولة لا تشير إليها إلا هذه الصفة اليتيمة؛ النظرة من التسعينيات تمنع أي عذر. و الواقع أن الشاعر يحاول تأكيد وعي أبكر بمأزق العنف السياسي عندما ينهي هذا المقطع بالقول عن تلك السنة: " و فيها انقطع / الوصل الواهن بيني و الرائحة وبيني و المرحلة وبيني و النظرية".

                هنالك اعتذار عن خروجه مع أخيه للهتاف ، و تأكيد على أن صلته بتلك الرائحة كانت "واهنة". لكن الشاعر يصعد بهذه التجربة إلى أبعد مستوياتها فيجعلها مؤشرا على انقطاع الوصل بينه وبين "المرحلة" (و هي مفردة سياسية استهلكت خلال العقود الأخيرة في العراق)، و بينه و بين النظرية وهو ما عرف عن الشاعر من تشكيك في النظرية واختزالاتها. و سرعان ما يزداد وضوحا سبب رفضه ما حدث، فبدلا من الديمقراطية أضاءت صيف بغداد نجوم العسكر الذين كللوا رأس الشعب/المسيح الأشيب بالشوك و جعلوه أرشيفا لبيانات الثورة و ملعبا لفتنهم الضيقة التي أهدرت كل المعاني الإيجابية في التحرر من الاستعمار.

 

                يمهد كل هذا لانسحاب الشاعر من المسرح العراقي. وهو انسحاب إلى الشعر أولا: الجميل "حين تغيب الشمس" و الميّال للعزلة.إنها العودة إلى البرج العاجي "القمم البيضاء" التي يسندها الشاعر على قاعدة معممة

 

والشعر يغادر، حين يضيق، إلى القمم البيضاء

الشعر يغادر أبدا

وقفاه بفعل الجفوة مألوف.

 

لابد من فهم هذه القاعدة فهما شاملا، فالشاعر إذ يبدأ من تجربته الخاصة، سرعان ما يتحول إلى ما يراه حقيقة شعرية ثابتة هي رفض الشعر الحلول على أرض واحدة مع اختزالات المرحلة والنظرية. غير أن الشعر الذي سعى إليه الشاعر لينسحب من التجربة سرعان ما يعيده إليها، فكل تجربة شعرية كبيرة (هنالك ابن الرومي، وأبو الطيب،و أبو تمام، وأبو نؤاس ..وغيرهم) هي تجربة وجود في نهاية المطاف. هكذا يعود الشاعر عبر ابن نباتة الخارج من قبو في "الشورجة" [المنطقة التجارية الكبرى في بغداد] ليواجه حقائق الفاقة والعوز. وفي هذا السياق تظهر كلمة "الرحيل" الذي يمثل إيغال الشاعر في الانسحاب من حقائق التجربة العراقية القاسية. ويكون الرحيل هذه المرة من الشعر إلى بيروت. وبرغم أن الفاقة تلازم الشاعر هناك فإن بيروت تضج بالأشعار.

تخضع تجربة الشاعر في بيروت للقانون ذاته الذي حكم تجربته العراقية. عنف العسكر في العراق يتكرر في العنف الطائفي في لبنان. ويكون اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 محطة جديدة في سرد الشاعر لسيرته. ونجد هنا مرة أخرى ثلاثة مقاطع يقدم الشاعر في المقطع الأول عالمه  الحالم، صورته و هو يجلس فوق جرف المتوسط يحس "الزغب الدافئ للحيوات الغامضة يمس أصابع/قدميّ." هذه الصورة الساكنة فعالة في سياق السرد الذي يقدمه الشاعر. يتبعها قوله "أحاول، و أنا في مفترق الحسي و غير الحسي،/ معانقة الخالد." ذلك إذن هو أفق تجربة الشاعر: "الخالد"، ولكن هيهات. المقطع التالي يعلن نذر الحرب، ثم تكون لشهوة القتل و التدمير الغلبة.

هكذا ينتهي الشاعر بين بغداد وبيروت، بين حربين ماهما إلا كناية عن حرب كبيرة هي وقائع التجربة، وحلمين هما حلم كبير بذلك الخالد الخارج من الحسي و غير الحسي. ويغرق كل هذا في هتافات "نموت و يحيا الوطن" التي تتردد بأصداء تهكمية واضحة، خصوصا وأن الشاعر يكرر من جديد قبل نهاية الفصل صورة رائحة عرق الفعل الذي يطّهر وجوده و يصل به إلى وجود أصلب عودا من قش الهتافات. أما آخر صورة فمحفورة بدلالات عميقة على مجمل الفصل: هنالك طفل يشد حذاء جندي مشنوق فتطول الرقبة والحبل.  هل هذا الطفل هو الشاعر نفسه وقد خرج يهتف وراء الفخذ المحترق من قبل؟ يتركنا الفصل الأول وقد تعمقت الإشكالية وتشعبت.

 

نظرة شاملة

 

بعد أن قدم الشاعر في الفصل الأول أهم مكونات تجربته المقصودة بهذه السيرة الشعرية، اختار أن يتوقف قليلا لالتقاط الأنفاس قبل أن ينطلق في الفصول اللاحقة نحو مزيد من السرد و محاولة الفهم. زمنيا يعلو الفصل الثاني على وقائع السرد كلها و يواجه القارئ بوصف مفصل لإدراك الشاعر أن ما يحرك العالم حوله ويشحنه بالمعاني و الأصداء الشعرية إنما هو ذات الشاعر المتوهجة التي لا تقبل السكون والانطفاء. هنالك التورط في المحن و الكتابة المشتبكة بوحل الجروح والافتتان بالرحيل.

لكن العالم المحيط بالشاعر غافل عنه والطبيعة صماء: دجلة لا يحتفي به رغم احتفاء  الشاعر بدجلة، و العشب لا يراه رغم توهجه بالعشب، والزهور المحتضرة لا تدري أنه ينشج لموتها. كل هذا يدفع الشاعر إلى السعي وراء وجه الملاك الذي يتصيد الشاعر غفلته لأنها علامة دالة على براءة العالم العلوي؛ عالم الشعر. لكن الشعر لا يخدع نفسه فينشر على الطبيعة الغافلة أقنعة تقدس غفلتها القاسية، من هنا ما نجده من استعادة للوقائع، لمجموعة من الصور المفزعة القادمة من أتون تجربته العراقية: الكلاب و القطط تنبش بقايا قتيل، الحمار في زريبة جاره وهو حلقة الوصل الوحيدة بين الريف و الحاضرة، ثم السياسي الذي اقتيد فجرا و تبادل مع الشاعر نظرة ساخرة … المشهد إذن حافل بالأسئلة والإشكاليات، وهي أسئلة يرى الشاعر إنها ستبعثره قريبا.

 

كلكامش في بغداد

 

يواجهنا الشاعر هنا و قد عاد إلى بغداد من جديد. لم تفلح بيروت في تأمين ملاذ آمن له، و قد أعادته من حيث أتى محملا بالهموم ذاتها التي خرج مثقلا بها. و نلاحظ هنا أن القصيدة تتطور عبر مفاصل الخروج من الوطن و الهاجس الذي يعود بالشاعر إليه مرارا. العودة في الفصل الثالث تكون بالجسد و الروح، و في الأغنية الأخيرة تكون أملا و حلما "سأعود إليك /و أقول هنا يسكرني الكسل". يمكن القول إن الأحداث المحركة للسرد الشعري تتمثل في هذا الس&#